الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جذوره في أعماق النفس، ولكن مخالبه تنشب في أحشاء الأمة والدولة، ذلك هو داء الشح والبخل، أو الإمساك والتقتير .. فإن القرآن قد مضى يكشف لنا عن مصادره ومنابعه، فأرانا كيف ينظر الأشحّاء إلى حطام الدنيا من خلال عدسة مكبّرة مزورة، وكيف أورثتهم هذه النظرة الخاطئة ارتفاعاً فاحشاً في درجة حبّهم لهذا الحطام:{وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)} (الفجر)!
هكذا وضع القرآن يدنا على رأس المرض وجرثومته .. فهل تراه بذلك قد أدّى كل مهمّة الطبيب، وقام بكل رسالته؟!
كلا، لقد بقي شطرها الأخير والخطير .. إذ ما يجدي وصف المرض وتشخيصه إذا لم توصف الوسائل الناجعة لعلاجه أو الوقاية منه؟!
فلننظر الآن كيف عالج وضع القرآن قدمنا على جادة الطريق لنزاول هذا العلاج؟!
إنه علاج يتألّف من ثلاثة عناصر:
عنصر يزوّد القول بالحقائق الأوليّة!
وعنصر يمدّ الإيمان بالحقائق الغيبيّة!
وعنصر يغذّي العزائم بالوسائل العملية!
ولقد يأخذك العجب، كيف يكون في الدنيا عاقل تغيب عنه بعض الحقائق الأوليّة، ويحتاج إلى التزوّد منها؟!
ولكن، أليست النفسيّة الشحيحة من شأنها أن تستر عن صاحبها هذه الحقائق؟ فالبخيل إذا استولى حبّ المال على قلبه، أصبح مرهف الإحساس به،
إلى حد أنه يعدّه جزءاً متمّماً لجسمه وروحه، فإذا دعوته إلى الإنقاص منه، أحسّ كأن روحه بدأت تستلّ من بدنه، وجعل ينظر إليك نظر المغشيّ عليه من الموت، نظرات كلها توسّل والتماس، كأنه يقول:
رويدك .. رحماك!!
رفقاً بي، لا تمس لي طعاماً ولا شراباً ولا درهماً ولا ديناراً!!
إن كل فلذة تقتطعها من مالي، إنما هي عضو تنشره من جسمي! فإن هلك مالي هلكت نفسي، وإن بقي مالي بقيت!!
إنه ليرخي أمامي حبل الأمل، وينسيني محتوم الأجل!!
إني لأستمدّ من زيادته واكتماله قوة وفُتوّة، ومن بقائه شعوراً بالبقاء والخلود!
هكذا قد يصل حبّ المال بصاحبه إلى نسيان هذه الحقيقة الأولى، وهي أنه لم يكتب لبشر قبله الخلود، وأنه لم يكن تخليد المال تخليداً لصاحبه في عهد من عهود البشريّة، فيكشف القرآن عن بصره هذه الغشاوة ليوقظه من هذه النومة العميقة: {الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) كَلَّا
…
} (الهمزة)!
فإذا لم يكن من الخالدين لينتفع بهذا المال في حياته! ولم يدخل في حسابه يوماً أن يبرّ به أهلاً ولا ولدًا!، ولا أن يمنح منه الآخرين عوناً ولا رفداً، ولا أن
يكتسب به ثناءً ولا حمدًا!، ففيم إذن يجمع هذا المسكين، أيحسب أن ماله سيحمله معه إلى قبره؟!
هل غابت عنه هذه الحقيقة الأخرى؟
ألم يعلم أن الميّت يتبعه ثلاثة: أهله وماله وعمله؟ وأن اثنين يرجعان، ولا يبقى معه إلا واحد، يرجع عنه أهله وماله، ولا يبقى إلا عمله!
يروي الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يتبع الميّت ثلاثة، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله"(1)!
وصدق الله العظيم: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} (الأنعام: 94)!
لا خلود إذن أيّها الكانزون، لتتمتّعوا بأموالكم في هذه الحياة، ولن تخلد هذه الأموال معكم في أكفانكم، لتؤمّنوا بها وحشة قبوركم!
تلك حقائق أولية، يعرفها كل ذي إدراك سليم، مؤمناً كان أو ملحداً!
وإنه ليكفي أدنى الانتباه ليتعيّن بها للأشحّاء مبلغ العبث، بل مبلغ السخف والسفه في تجميع هذه الأموال التي سيفارقونها، ولا ينالون منها شيئاً، لا من قبل ولا من بعد!
أما المؤمنون بالحقائق البّينة، فقد ادّخر القرآن الحكيم لهم منها نذراً أخرى،
(1) البخاري: 81 - الرقاق، ومسلم (2960)، والحميدي: المسند (1186)، وأحمد: 3: 110، والنسائي: 4: 53، وابن المبارك: الزهد: 636، والترمذي (2379)، وابن حبان (3107).
تنبئهم أن هذا الضّنّ والمنع ليس عبثاً وسخفاً وحرماناً عاجلاً فحسب، بل هو إلى ذلك جرم كبير، وشرّ مستطير:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)!
ألا فليوازن الكانزون بين شهوة الاكتناز ولذته الحاضرة العابرة، وبين عواقبه الوخيمة في الدار الآخرة!
هكذا زودنا القرآن الكريم بمجموعتين من الحقائق:
حقائق من عالم الغيب!
وحقائق من عالم الشهادة!
من شأن التأمّل فيها أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحب الأعمى، وأن يطهّر ثيابنا من درن الطين اللازب!
غير أن هذا العلاج المزدوج، إن استطاع أن يحكّ من ثيابنا جرم هذا التراب، فلن يستطيع أن يمحو عنها آثاره، وان استطاع أن يحلّ عن قلوبنا عقدة هذا الحبّ، فلن يقطع عنا حباله!
فطرة الله التي فطر الناس عليها، فلا سبيل إلى تبديلها، بل ولا خير في تبديلها؛ إذ لو انقلب حبّ المال مقتاً له وازدراءً، وأصبحت قيمته في نظر الناس هباءً فأيّ جهد يحمد للمرء في بذله، وأيّ فضل له في التضحية؟!
من الخير إذن أن يبقى فينا شيء من حبّ المال -وسيبقى لا محالة- قويًّا أو ضعيفاً أو مناوبةً بين القوّة والضعف!
ومن هنا نعرف السرّ في أن القرآن الحكيم لم يقتصر على هذا العلاج النفسي المزدوج، ولم ينتظر أن يبلغ به غايته القصوى، ولا أن يصل بحبّ المال فينا إلى حدّه الأدنى، بل أخذ يمدّنا بعلاج ثالث عملي، نزوّد به عزائمنا!
ذلك هو أن نُدرّب أنفسنا على بذل المال وإنفاقه مراغمةً ومقاومةً، مراغمةً لأهوائنا، ومقاومة لرغائبنا، حتى يصبح التزهّد زهداً، والتسخّي سخاءً، والتكرّم كرماً، والتطبّع طبعاً!
أليس أفضل الصدقة صدقة الصحيح والشحيح، الذي يخشى الفقر، ويأمل الغنى؟!
أليس البر هو إيتاء المال على حبّه؟!
أو ليس الأبرار هم الذين قال الله فيهم: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} (الإنسان)!