الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما بالنسبة لكلام البشر فهذا واضح، وذلك كوصف كونه عربياً الذي يشاركه فيه الحديث الشريف، وكوصف كونه متواتراً الذي يشاركه فيه بعض الأحاديث!
ومن ثم ذكر العلماء مزايا للقرآن الكريم، منها:
1 -
القرآن معجزة باقية على مر الدهور، محفوظة من التغيير والتبديل، متواترة اللفظ في جميع الكلمات والحروف والأسلوب!
2 -
حرمة روايته بالمعنى!
3 -
حرمة مسّه للمحدث وتلاوته لنحو الجنب!
4 -
تَعيُّنه في الصلاة!
5 -
تسميته قرآناً!
6 -
التعبّد بتلاوته، لكل حرف منه عشر حسنات!
7 -
امتناع بيعه في رواية عن أحمد وكراهيته عند الشافعية!
8 -
تسمية الجملة منه (آية)، ومقدار من الآيات مخصوص (سورة)!
9 -
القرآن الكريم ما كان لفظه ومعناه من عند الله- عز وجل بوحي جليّ (1)!
ذلكم هو القرآن الكريم:
(1) أصول الحديث: علومه ومصطلحه، د. محمَّد عجاج الخطيب:29.
ولم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم فيه من عمل بعد ذلك إلا الوعي والحفظ والقراءة والتبليغ، والبيان والتفسير، والتطبيق والتنفيذ (1)!
أما ابتكار معانيه، وصياغة مبانيه، فما هو منها بسبيل، وليس له من أمرهما شيء:{إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} (النجم)!
ويقول: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} (يونس: 15)!
وأمثال هذه الآيات كثيرٌ في شأن إيحاء المعاني -التي ترتبط بالألفاظ- ثم يقول في شأن الإيحاء اللَّفظي: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (يوسف: 2)!
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)} (الأعلى)!
{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)} (العلق)!
{وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ (27)} (الكهف)!
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)} (المزمل)!
فانظر كيف عبّر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون القرآن عربيًّا، وكلُّ أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة!
(1) النبأ العظيم: 20 - 24 بتصرف.
القرآن إذن صريحٌ في أنه لا صَنْعَةَ فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه!
والمحجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على ذلك!
وهذه القضيّة لو وجدت قاضياً يقضي بالعدل لاكتفى بسماع هذه الشهادة التي جاءت بلسان صاحبها على نفسه، ولم يطلب وراءها شهادةَ شاهدٍ آخر من العقل أو النقل، ذلك أنها ليست من جنس (الدعاوى) فتحتاج إلى بيِّنة، وإنما هي من نوع (الإقرار) الذي يؤخذ به صاحبه، ولا يتوقف صديق ولا عدوّ في قبوله منه!
أيُّ مصلحة لمن يتحدّى الناس بالأعاجيب والمعجزات لتأييده في أن ينسب بضاعته لغيره، وينسلخ منها انسلاخاً؟!
الذي نعرفه أن كثيرًا من الناس يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها أو يسرقون منها ما خفّ حمله وعلت قيمته وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة!
أما أن أحداً ينسب لغيره أنفَسَ آثار عقله وأعلى ما تجود به قريحته، فهذا ما لم يَلده الدهر بعد!
وإن من تتبع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خَلوته وجَلْوته، لا يشك في أنه كان أبعدَ الناس عن المُداجاة والمواربة .. وأن سرَّه وعلانيته كانا سواء في دقة الصدق، وصرامة الحق، في جليل الشؤون وحقيرها .. وأن ذلك كان أخص
شمائله وأظهرَ صفاته، قبل النبوة وبعدها، كما شهد بذلك أحباؤه وأعداؤه (1) إلى يومنا هذا؟!
ولقد كانت تنزل بالرسول صلى الله عليه وسلم نوازلُ من شأنها أن تحفزه إلى القول، وكانت حاجتُه القصوى تلحّ عليه أن يتكلّم، بحيث لو كان الأمر إليه لوجد له مجالاً ومقالاً، ولكنه كانت تمضي الليالي والأيام تتبعهما الليالي والأيام، ولا يجد في شأنها قرآنًا يقرؤه على الناس!
ألم يُرْجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة رضي الله عنها وأبطأ الوحي، وطال الأمر -وما كان أقساه- والناس يخوضون، حتى بلغت
(1) انظر مثلًا ما كتبه توماس كاريل الإِنجليزي في كتاب (الأبطال) .. وما كتبه الكونت هنري دي كاستري الفرنسي في خواطره وسوانحه عن الإِسلام .. ثم اقرأ شهادة قريش التي سجلها أبو سفيان وهو في الجاهلية بين يدي هرقل عظيم الروم لمّا سأل هرقل، من حديث طويل رواه الشيخان وغيرهما:
(فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة!
ثم قال هرقل: فإِن كان ما تقول حقًّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه)! البخاريُّ: 1 - بدء الوحي (7)، وانظر (51، 2681، 2804، 2941، 2978، 3174، 4553، 5980، 6260، 7196، 7541)، والأدب المفرد (1109)، وخلق أفعال العباد (63، 64)، ومسلم (1773)، وأحمد: 1: 262 - 263، وانظر: الترمذي (2717)، وابن منده: الإيمان (143)، والبيهقيُّ:"الدلائل": 4: 381 - 383. وسيأتي في بحث: الإعجاز البياني: قول عتبة لقريش: وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب! هكذا شهد الأعداء قبل الأحباء!
القلوب الحناجر، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لا يستطيع إلا أن يقول وهو على المنبر فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث طويل: "فوالله!
ما علمت على أهلي إِلا خيرًا" (1)!
(1) انظر: البخاريُّ: (2879، 4025، 4690، 4750، 6662، 6679، 7500، 7545) وأيضًا (2637، 2661)، وخلق أفعال العباد: 52، ومسلم (2770)، وأحمد: 6: 194 - 197، والطحاوي: شرح معاني الآثار: 4: 383، وشرح مشكل الآثار (747)، والطبراني: الكبير: 23: (134)، والبيهقي: 10: 41، والدلائل: 4: 64 - 72، وأبو داود (4474، 4475)، والترمذي (3180)، وأبو يعلى (4927)، وابن حبّان (4212، 7099).