الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصيلة، ولما فيه من تلبية يسيرة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدّم!
وما يزال هذا الدّين ظاهراً على الدّين كله في حقيقته .. وغير المسلمين يدركون تلك الحقيقة ويخشونها .. ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب!
ترى، هل آن لأمّة التوحيد، خير أمّة أخرجت للناس، أن تدرك هذه الحقيقة .. رجاء أن نرى خلفاً صالحاً لسلف صالح .. وتعود إلينا سيرتنا الأولى! اللهم وفق!
5 - السابقون الأوّلون:
ونجد أنفسنا أمام طليعة السابقين الأوّلين إلى الإيمان (1) .. زوج النبي صلى الله عليه وسلم الوفيّة الأمينة، أعقل نساء العالمين، أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها، التي كانت على أكمل المعرفة ببشائر نبوّته صلى الله عليه وسلم، بل كانت متطلّعةً إلى اصطفائه نبياً ورسولاً، حتى اختاره الله تعالى لنبوّته ورسالته رحمة للعالمين!
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} (الأنبياء)!
وقد أجمع أهل العلم من أئمّة الإِسلام على أن أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها كانت أول البشر قاطبةً، إيماناً بالله ورسوله (2)!
(1) محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 508 وما بعدها بتصرف.
(2)
انظر: سبل الهدى والرشاد: 2: 300.
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله!، هذه خديجة قد أتت معها إِناء فيه إِدامٌ أو طعام أو شراب، فإِذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشرها ببيت في الجنّة من قصب، لا صخَبَ فيه ولا نَصَب (1)!
وهكذا كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن بالله وبرسوله، وصدّق بما جاء منه، فخفّف الله بذلك عن نبيّه صلى الله عليه وسلم .. لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردّ عليه وتكذيب له، فَيَحْزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها، إذا رجع إليها، تثبّته وتخفّف عليه، وتصدّقه، وتهوّن عليه أمر الناس (2)!
وروى الحاكم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبّوا ورقة، فإِنّي رأيت له جنّة أو جنّتين"(3)!
وفي رواية للطبراني عن أسماء بنت أبي بكر، أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن ورقة بن نوفل، فقال:"يبعث يوم القيامة أمّةً وحده"(4)!
وقال ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى فيما كانت خديجة ذكرت له من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(1) البخاري: 63 - مناقب الأنصار (3820)، وانظر (7497)، ومسلم (2432)، وأحمد: 2: 231، والفضائل (1588)، والحاكم: 3: 185 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم! والنسائي: الفضائل (253)، والكبرى (8358)، وأبو يعلى (6089)، والطبراني: 23: 8، 9، 10، وابن أبي شيبة: 12: 133، وابن حبان (7009).
(2)
انظر: السيرة النبويّة: ابن هشام: 1: 305 مكتبة المنار: الأردن - الزرقاء.
(3)
الحاكم: 2: 609 - 610 وصححه، ووافقه الذهبي.
(4)
المجمع: 9: 416 قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
يا للرّجال وصرف الدهر والقدر
…
وما لشيء قضاه الله من غِيرِ
حتّى خديجة تدعوني لأخبرها
…
وما لها بخفيّ الغيب من خَبرِ
جاءت لتسألني عنه لأخبرها
…
أمراً أراه سيأتي الناس من أخر
فخبّرتني بأمر قد سمعت به
…
فيما مضى من قديم الدهر والعصرِ
بأن أحمد يأتيه فيخبره
…
جبريل إِنك مبعوث إِلى البشرِ
* * *
فقلت علّ الذي ترجين ينجزه
…
لك الإِله فرجّي الخير وانتظري
وأرسليه إلينا كي نسائله
…
عن أمره ما يرى في النوم والسهر
فقال حين أتانا منطقاً عجبًا
…
تقف منه أعالي الجلد والشعر
إِنّي رأيت أمين الله واجهني
…
في صورة أُكملت من أهْيب الصور
ثم استمرّ وكان الخوف يذعرني
…
مما يسلّم ما حولي من الشجر
فقلت ظنّي وما أدري أيصدقني
…
أن سوف تبعث تتلو منزل السور
وسوف آتيك إِن أعلنت دعوتهم
…
من الجهاد بلا منّ ولا كدَر (1)
ثم قفَّى خديجة في السبق إلى حظيرة الإيمان برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم بيت النبوّة، المتقلّب على فراش الإيمان، الناهد في مهد أكرم المكارم، عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه!
آمن في سنّ الصبا قبل أن يبلغ الحلم، فشبّ معه الإيمان حتى خالط مشاعره ووجدانه، وملأ قلبه، وأفعم بالنور روحه، وكانت العناية الربّانيّة قد ساقته إلى حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم!
قال ابن إسحاق: كان من نعمة الله على عليّ بن أبي طالب، وكان مما صنع الله، وأراد به من الخير أن قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -للعباس عمّه، وكان من أيسر
(1) الحاكم: 2: 609 وقال: حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: البداية: 3: 9 وجاء من طريقين حسنهما ابن كثير.
بني هاشم: يا عبّاس، إِن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إِليه، فلنخفِّف عنه من عياله، آخُذُ من بنيه رجلاً وتأخذ أنت رجلاً فنكلهما عنه!
فقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إِنا نريد أن نخفِّف عنك من عيالك، حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه!
فقال لهما أبو طالب: إِذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما!
قال ابن هشام: ويقال: عقيلاً وطالباً!
فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا فضمّه إِليه، وأخذ العبّاس جعفراً فضمّه إِليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيًّا، فاتّبعه عليّ رضي الله عنه، وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه (1)!
قال ابن إسحاق: ثم أسلم زيد بن حارثة بن شُرحْبيل بن كعب بن عبد العزّى بن امرئ القيس الكلبي، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أوّل ذَكرٍ أسلم، وصلّى بعد عليّ بن أبي طالب (2)!
والقول بأسبقيّة أمّ المؤمنين خديجة وبناتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام (3)، وأسبقيّة عليّ رضي الله عنه، وزيد بن حارثة، من كل مَن كان يظلّهم سقف بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، في رعاية الزوجيّة، والأبوّة، وحضانة التربية والولاء -لا يعارض قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن جاء بعدهم
(1) المرجع السابق: 313.
(2)
المرجع السابق: 314.
(3)
محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم: 1: 515 وما بعدها بتصرف.
من الأئمّة، بأسبقية أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه .. لأن إسلام أسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: زوجه وبناته، وربيب رعايته وتربيته ابن عمه، ومولاه وحبّه- كان إسلام الفطرة النقية الطاهرة، التي ولدت في مهد الإيمان، ونشأت بين أحضان النبوّة، حيث شاهدت أكرم مكارم الأخلاق، ورأت معالم النبوّة وآياتها الإرهاصيّة، تتجلّى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزولها .. ثم رأت معالم الوحي، وسمعت آيات الله تتلى في بيتهم، والحكمة تتنزّل بينهم، وشهدت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الزوج الحبيب الأكرم، والأب الودود المحبّ الحبيب، والحاضن المربّي الشفيق، والمولى الرحيم الرفيق، والمعلّم المهذّب المؤدّب، والمشرّع السمح الحكيم، والرسول المصدّق الأمين، ينزل عليه الوحي بآيات الرسالة وشرائعها وأحكامها وآدابها، فإذا هو صلى الله عليه وسلم صورة حية متحركة لهذه الآيات والشرائع والأحكام والآداب، فيأخذون عنه خُلُقه وعمله مشاهدة ومحاكاة، ويسمعون منه ما يأمر به ويرغّب فيه من الخير، وما ينهي عنه وينفر من مقاربته من الشر، فيتشرّبون من يقينه وإيمانه وحكمته وآدابه وشرائعه ما تطيق قلوبهم وأرواحهم حمله، وتترسم عقولهم ما تستطيع إدراكه من مشاهد النبوّة والوحي، وإشراق الرسالة، وينهضون إلى القيام بجوارحهم أداء لما يطلب من الجوارح!
فسبق هؤلاء الغرّ الميامين إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده، والتصديق برسالة النبي صلى الله عليه وسلم فطري طبيعي، تقتضيه الفطرة النقيّة، والطبيعة الناهدة بين أحضان الخير والهدى؛ لأن في ذلك تحقيقاً لما يشهدونه في واقع حياة الأب والزوج والمربّي، والرسول الصادق المصدّق من أدب وخُلق وعمل، ليصنعوا منه صورة أنفسهم وعقولهم، وأرواحهم ومشاعرهم وإحساساتهم، تحبّباً إليه، واستجابة له، وإيناساً لخوالجه، وتقرباً إلى الله تعالى!
وهذا هو أصدق ضروب الإيمان، فهو إيمان استجابة لدوافع الفطرة المطهَّرة التي لا تُدفع، وهو إيمان ينبع من الامتزاج بحياة قام بنيانها على الإخلاص المؤمن بكل حركة يشهدونها من النبي صلى الله عليه وسلم .. لم يكن إيماناً عن دعوة تبليغيّة منه صلى الله عليه وسلم لأسرته، ومجتمع بيته وأهله؛ لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى دعوة وتبليغ، ضرورة تكيّفهم بكل ما يرون ويسمعون في هذا البيت الكريم، وضرورة تقبّلهم لكل ما يشهدون من الخير تقبّل الفطرة النقيّة، وطبيعة النشأة الحاكية، وتصديق الإيمان والإِسلام!
قال ابن إسحاق: فلمَّا أسلم أبو بكر رضي الله عنه، أظهر إسلامه، ودعا إلى الله وإلى رسوله، وكان أبو بكر رجلاً مألوفاً لقومه، محبّباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها، وبما كان فيها من خير وشرّ، وكان رجلاً تاجراً ذا خُلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر، لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلي الإِسلام، مَنْ وثق به من قومه، ممّن يغشاه، ويجلس إليه (1)!
قال: فأسلم بدعائه -فيما بلغني- عثمان بن عفّان .. والزبير بن العوّام .. وعبد الرحمن بن عوف
…
وغيرهم!
وكان إسلام الصدّيق رضي الله عنه أوّل تحرّك إيجابيّ في سير الرسالة، وأوّل أثر عمليّ للدعوة التبليغيّة للإيمان بالله تعالى، وتصديق رسوله فيما جاء به من الحق والهُدى، وأوّل ثمرة جنيّة ظهرت في دوحة تبليغ الرسالة!
فقد آمن الصدّيق رضي الله عنه لحظة دُعي إلى الإيمان، لم يكن يتلبّث لينظر، ولم
(1) السيرة النبويّة: ابن هشام: 1: 317.
يتوقّف ليفكّر ويعزم، ولم يتردّد ليستشير ويستهدي، لأن دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم كانت متوافرةً لديه، وكامنة في حنايا نفسه، ممتزجةً بحسّه وشعوره، تملأ قلبه وعقله وروحه!
وهنا يتجلّى للمتأمّل في أحداث الرسالة فيصل ما بين إيمان الفطرة النقيّة الصافية، التي نهد الإيمان معها، ونهضت معه، وهي ترى وتسمع شواهد الأحداث، ونداء الوقائع، ودلائل الإرهاصات، قبل تنزّل الرسالة، وبين إيمان العقل العليم الذي دُعي بين يدي براهين الصدق فاستجاب، وبُلّغ الرسالة فأجاب، ونظر فما استراب!
فإيمان الفطرة الذي سبقت به خديجة رضي الله عنها ومن معها في ساحة بيتها اطمئنان إلى نور الحق يغمر النفس، ويشغلها في حدود طاقتها بموجبات الإيمان الناشئ في مهد الرسالة، انتظاراً لما ينجلي عنه أفق الدعوة بظهور شمس الهداية، وإشراق أضوائها التي تظهر بها معالم الطريق إلى الله!
وإيمان العقل العلم، الذي دُعي إلى التصديق بالرسالة، وهو مغمور بأنوار دلائل صدق الداعي، وهداية الدعوة، فلبّي وأجاب، والذي بُلّغ بالرسالة، وهو يشهد بشائرها فاستجاب -إيقان الحق الذي دُعي إلى الإيمان به، وتحمّل مسؤووليّته في الدعوة إليه، وتبليغ رسالته!
ومن هنا كان إيمان أبي بكر رضي الله عنه إيمان الدعاء إلى الله عز وجل وتبليغ الرسالة، وتحمّل مسؤوليّة النيابة والوراثة في هذا الدعاء والتبليغ، لتسير الرسالة في طريقها قويّة متحرّكة مع الزمن حركة إيجابيّة، تجذب القلوب والعقول إلى ساحة الإيمان بالله، والتصديق برسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان
إيمان أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، فهو منذ أجاب إلى الإِسلام أقام نفسه داعياً إلى الله، يبلّغ دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، متحمّلاً مسؤوليّة النيابة والوراثة في الدعوة والتبليغ!
وخصيصة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه في ذلك أنه كان أوّل من تحمّل هذه المسؤوليّة؛ لأنه كان أوّل مؤمن يطيق حملها، والقيام بأعبائها باعتباره الشخصيّة الوحيدة التي كانت بعرض التكليف بهذا التحمّل إذ ذاك!
والذين استجابوا لله وللرسول من السابقين الأولين لم يكونوا كلهم ولا أكثرهم من الضعفاء والأرقّاء والفقراء، وحواشي بيوتات مكّة، وأتباعها الملتَقطين فتات موائدها -كما شُهر ذلك على ألسنة وأقلام السطحيّين من الباحثين- بل كانوا في كثرتهم الكاثرة من صميم أبناء بيوت قريش وبطونها، وعِلْية شبابها!
وسيأتي تفصيل ذلك!
وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وييوتهم، وقبائلهم، فما شُهِر من أن الذين سبقوا إلى الإيمان بدعوة محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتابعته على دينه، وتصديق رسالته، كانوا من الأرقّاء، والموالي، والمستضعفين والمحرومين كلام -وإن ورد في بعض الروايات كما سبق- لا يصحّ على إطلاقه -اغتراراً بما فيه من بريق مناصرة الإِسلام للضعفاء، وتخليص الأرقاء من رقّ العبوديّة الظالمة، وتحرير الفقراء من أغلال الاستغلال الجماعي الجائر- تأثّراً بالمذاهب الاجتماعيّة الضالّة الفاسدة، التي غرّرت بطوائف الشعب الغرِّيرة الكادحة تحت اسم العمّال والمحرومين، وأقاموا على دعائم هذا التغرير الخبيث الماكر الثورات