الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كلا، إنها تقع في كفّ الرحمن!
إنك تقرض الله بها قرضاً حسناً!
أفلا تستحيي أن تقرض الله أردأ ما أعطاك، وتضنّ عليه بأجود ما أولاك؟!
مقدار العطاء:
وهل في القرآن الحكيم توجيهات معيّنة عن مقدار العطاء، كما كان له توجيه معيّن في اختيار صنوف العطاء والتزام جودته؟
وهنا نبصر القرآن في دعوته إلى البذل لم يحرّض الناس يوماً ما على إنفاق المال كله، ولم يدع الغنيّ تأخذه الرأفة على الفقير إلى حدّ نسيان نفسه .. ولو فعل لكان ذلك تحويلاً للثروة من يد إلى يد، ونقلاً للبؤس من جانب إلى جانب .. ولم يكن ذلك هو الإرشاد الحكيم إلى حسن توزيع الثروة بين الأمّة، والتقريب المعقول بين طبقاتها .. وكيف يشجع الإسلام على الفقر، وهو يريد أن يمحو الفقر؟!
أم كيف يقول الأغنياء إلى ذلّ السؤال، وهو يريد أن تكتسب العزّة لجميع المؤمنين؟!
أم كيف يمهّد لأحد سبيل الغنى؟! وهو يدعو إلى الحياة الطّيبة: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} (النساء: 29)!
{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (البقرة: 195)!
يروي البخاري وغيره عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"خير الصدقة ما كان عن ظهر غِنىً، وابدأ بمن تعول"(1)!
وكلمة الإنفاق من المال غير محدّدة المعالم؛ إنها تتناول القليل، بل أقل القليل، فهل كل عطاء ولو قلّ يحقّق الباذل البرّ؟! ويخلي من تبعة البخل؟!
كلا، ألا نستمع إلى قول الله تعالى في محكم كتابه:{أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى} (النجم)!
هاهنا إذن طرفان ممنوعان؛ لا قلة شحيحة تقصر عن المدى، ولا كثرة سفيهة تقلب الأوضاع، وتسيء إلى ميزان التوزيع .. ولكن وسط بين ذلك!
وما هو القدر الوسط، الذي يحبّه الله ويرضاه؟!
هلا وضع الإسلام في ذلك حداً يخرج الناس من حيرتهم، وينقذهم من خداع أهوائهم، وسوء تقديرهم؟!
هاهنا يتجلّى نور الهدي النبوي؛ ليبيّن للناس ما نزّل إليهم .. ويضع مقياسين اثنين للحد الأقصى من الصدقات، مقياساً في ثروة المتصدّقين، ومقياساً في حاجة المعوزين!
(1) البخاري: 24 - الزكاة (1426)، وانظر (1428، 5355، 5356)، وأحمد: 2: 230، 435، والنسائي: 5: 62، والبيهقي: 4: 177، وابن أبي الدنيا: العيال (7)، والخطيب: التاريخ: 8: 481 - 482، وأبو نعيم: الحلية: 2: 181، وابن أبي شيبة: 3: 212، والدارمي (1651)، وابن حبان (4243).
والظهر -كما قال الخطابي-: أعلام الحديث: 1 - 763 قد يزاد به في مثل هذا إشباعاً للكلام .. والمعنى أن أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من ماله، بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله، ولذلك يقول:"وابدأ بمن تعول"!
مقياسان كل منهما قائم بنفسه .. مستقل تمام الاستقلال عن صاحبه!
أما المقياس الأول، فإنه يخصّ المقتدرين، ولو امتداداً نسبياً متواضعاً، إنه يعني كل من بلغ ماله نصاباً معيّناً في وقت معيّن!
تلك هي فريضة العشر، أو نصف العشر، في الزروع والثمار عند كل حصاد!
وفريضة ربع العشر من الذهب والفضة في كل عام!
إلى مقادير معيّنة من بهيمة الأنعام في كل حول!
ذلك هو الحق المعلوم الذي أشار إليه القرآن الحكيم في قوله -جل شأنه- في صفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} (المعارج)!
وحدّده الهدي النبوي (1) .. نسب لا تختلف باختلاف الحاجات شدّة ولا ضعفاً، ولكنها تؤدّى على كل حال، إلى الدولة نفسها لتتولى صرفها في الوجوه الخاصة أو العامة التي حدّدها الكتاب الحكيم!
وأما المقياس الثاني، فإنه لا يحدّ بنصاب، ولا زمان، ولا مقدار .. إنه يدور على محور الضرورات النازلة، والحاجات المتجدّدة، ويقدر بقدر كل واحدة!
أمام هذه النوازل، ليس لأحد أن يقول:
لقد أدّيت ما عليّ من الزكاة المفروضة، فلتؤدّ الدولة ما عليها!
(1) انظر: فقه الزكاة.
إن الدولة مهما تتسع مواردها، ومهما تتفتّح عيونها، لا تقف على كل حادثة، ولا تسمع كل استغاثة!
أفنترك الجائع الذي لا يجد ما يسدّ رمقه؟!
والعاري الذي ليس عنده ما يستر بشرته؟!
والضائع الذي لا مأوى له؟!
والجريح الذي ينزف دمه؟!
والمريض يمتد مرضه؟!
حتى تفطن لهم الدولة، وتؤدّي واجبها نحوهم؟!
لقد عرف (الدّين القيّم) لهؤلاء جميعاً حقّهم، فجعل معونتهم في عنق من اطّلع على حاجاتهم .. فإن أعرض عنهم فهو آثم، وإن أعطى دون ما يكفيهم فهو آثم، إلا أن يعجز عن الكفاية؛ فعليه حينئذ أن يستعين بغيره لإحياء هذه النفوس البائسة وإسعافها وإنقاذها:{وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (المائدة: 32)!
من هذين الواجبين:
واجب الزكاة المفروضة!
وواجب الإغاثة عند الطوارئ!
يتألف الحدّ الأدنى للبرّ في الإسلام، فمن أداهما جميعاً فقد برئ من إثم الشحّ، وتطهّر من رجسه، ولو بقيت له الألوف المؤلفة، والقناطير المقنطرة!