الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة، وفي تخصيصك بالإضافة التكريميّة مع عموم واقع التربية لكل كائن- إنما هو كتاب الخلق والإبداع، وليس ذلك سوى حقائق الوجود مسطورة في كتاب (الكون) البديع!
2 - أوّل مراتب النبوّة:
وهنا نتصوّر أوّل مراتب النبوّة (1) في الرؤيا الصالحة الصادقة .. وكأنما كانت هي الباعث المباشر على حبّ الرسول صلى الله عليه وسلم للخلوة -كما أسلفنا- واعتزال ضوضاء المجتمع، والأنس بالوحدة، لاستجماع الفكر والسبح في ملكوت الله، وجلال بدائع صنعه، ولهذا جاءت بحرف الترتيب الرتبي المتعاقب في ريث ومهل:
ثم حبّب إليه الخلاء!
أي بعد اصطفائه بالنبوّة، وبدء معالمها بالرؤيا الصالحة الصادقة حبّب الله تعالى إلى نفسه الطاهرة المطهّرة الخلوة، ليتفرغّ قلبه وعقله وروحه إلى ما سيلقى إليه من أعلام النبوّة!
وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من (غار حراء) مختلى له ومتعبّدًا -كما عرفنا- لينقطع عن مشاغل الحياة ومخالطة الخلق، استجماعًا لقواه الفكريّة، ومشاعره الروحيّة، وإحساساته النفسيّة، ومداركه العقلية .. تفرّغا لمناجاة مبدع الكون، وخالق الوجود؛ وتمكينًا لأنوار النبوّة من قلبه بالتأمل في مظاهر ملكوت الله!
وقد تحقّق للرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الخلوة من أنوار شهود جلال الله، وجمال
(1) المرجع السابق: 254 وما بعدها بتصرف.
قدسه ما كشف عن روحه العلية أغطية الكثافة البشريّة، فكان صلى الله عليه وسلم يرى الضوء، ويسمع الصوت، ويكلَّم، ويبشَّر، حتى بلغت به الأنوار القدسيّة آفاق الكمال النبوي، ووقف بها على الدرج الأعلى من مراتب النبوّة، وأتمّ الله تعالى عليه وله نعمة الاستعداد الأسمى لتلقّي رسالة الخلود!
وجاء الملك جبريل أمين الوحي مفاجئًا دون تمهيد لهذا اللقاء الذي لا يماثله لقاء قط بين متلاقيين من المخلوقات!
فهو لقاء بين طبيعتين مختلفتين في التكوين أشدّ الاختلاف .. بين طبيعة مزدوجة الإبداع والخلق، فهي بشريّة روحانيّة هي طبيعة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وطبيعة موّحدة الإبداع في أعلى درجات الروحانيّة والاختصاص العلويّ، هي طبيعة أمين الوحي جبريل عليه السلام!
وليس بين إنسان من البشر بكل ما فيه من كمال البشريّة وطبيعتها، وملك بكل ما في طبيعته من روحانيّة لها اختصاصها القدسي في الملأ الأعلى، تناسبٌ يقع به اللقاء لتلقّي كلمات الله المنزلة من غيب عزّه وجلاله، إلا إذا تغلّب الجانب الروحاني من الطبيعة المزدوجة على الجانب البشري منها، تحقيقًا للتناسب والمشاكلة!
ومن ثم كان تحبيب الخلوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد بدء النبوّة بوحي الرؤيا الصادقة -كما أسلفنا- أشبه بحضانة لميلاد الرسالة في عهد الإعداد لطور الانتقال إلى تحمّل أعبائها، والقيام بحق تبليغها عامة شاملة للإنسانيّة في مشارق الأرض ومغاربها، بما يختلف عليها من أجيال متتابعة، لا ينقطع توالدها البشري متواردة على مرّ الزمن!
ومن هنا يتجلّى وجه المفاجأة في مجيء الحق، ولقاء الملك، وطلب القراءة ممن لم يكن قارئًا، واستفراغ بشريّته بالغطّ الملائكي المتكرّر مع كل طلب للقراءة التي لم تكن بمفهومها المعهود ممكنة الحصول!
وكأن هذا الغطّ بصورته البليغة البالغة هو في حقيقته إذابة لروابط العناصر الطبيعيّة البشريّة عند الرسول صلى الله عليه وسلم دون إفنائها إفناء يفقدها وجودها، وإنما هو تفتيت لترابط عناصرها، حتى يخفّ وزنها، إلى جانب الطبيعة الروحانيّة، لتشبعها بأنوار الجلال الإلهي، حتى تنفرد بالحركة الوجوديّة في تلقّي الوحي اليقظي، وأخذ كلمات الله من حاملها الأمين!
وبقاء الطبيعة البشريّة بحقيقتها الأصيلة وراء مشهد تلقّي الوحي اليقظي ضرورة لتبليغ الرسالة، استجابة للتناسب بين الرسول والأمّة؛ لأنّ كل جنس يأنس بجنسه، والجنس إلى الجنس أميل، وإلى ذلك يشير القرآن الحكيم في قول الله تعالى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [الأنعام: 9]!
وفي قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95)} [الإسراء: 95]!
وإنما أقدر الله -عزّ شأنه- أنبياءه على رؤية الملك لتلقّي الوحي عنه، بخلقه قدرة خاصّة فيهم، مكّنهم بها من ذلك، معجزة لهم لإبلاغهم رسالات الله، ليبلغوها إلى أممهم، وتلك القدرة نبصرها في تغليب جانب الطبيعة الروحانيّة على جانب الطبيعة البشريّة، وإذابة روابط عناصرها، وتفتيت وشائجها الفرزيّة، لتنفرد الطبيعة الروحانيّة بقوة الوجود الخاصّ الذي يتحقّق به تلقّي الوحي عن الملك المرسل به من عند الله العزيز الحكيم!
وحديث بدء الوحي -كما عرفنا- بدأ في جوّ المفاجأة بلا مهل، فطلب الملك من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ، دون أن يذكر له مقروءًا يقرؤه؛ لأنه لم يزد على قوله:{اقْرَأْ} !
هكذا أمر من فعل القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء، أيّ مقروء، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم-كما تقضي به البداهة في جوّ المفاجأة التي لم يسبقها في هذا اللقاء تمهيد مؤنس- ينفي معرفته للقراءة؛ لأنه أميّ لا يقرأ، فضمّه الملك إليه ضمّةً شديدة، بالغة الشدّة، عصره بها عصرًا بلغ منه منتهى جهده، وطاقة احتماله البشري .. ثم أرسله الملك، وقال له مرّة ثانية:{اقْرَأْ} !
هكذا فعل أمر من القراءة، مطلق عن التقيّد بمقروء -أيّ مقروء- فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرّة مستفهمًا .. وبعد ذلك -أيضًا- فكان استفهامًا عن الحالة التي يصير بها قارئًا، وهو الأمي الذي لم يعرف القراءة قط، فأخذه الملك وضمّه إليه ضمّةً بالغة الشدّة، استفرغت منه جهده وطاقته، ثم أرسله وقال له:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)} !
و (ما) في قوله صلى الله عليه وسلم في المرّة الأولى: "ما أنا بقارئ"! نافية
ومعنى الجواب حينئذ الإخبار بعدم معرفته القراءة، بيانًا لطبيعة أميّته التي وُلد بها، ونشأ عليها، أي ما أنا بعارف للقراءة ولا باشرتها قط؛ لأني أميّ، لم أكن قارئًا قط، ولا تعلّمت قراءة حرف قط، كما جاء صريحًا في بعض الروايات!
و (ما) في المرة الثانية: "ما أنا بقارئ"! استفهامة