الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذلك هو سهم ابن السبيل!
ثم يريد الله، ألا يكون تحت يد المشركين أو غيرهم أحد من المسلمين يرسف في قيد الأسر، أو يرزح تحت نير الاستعباد، إلا افتديناه وفككنا إساره، ورددنا إليه حريّته!
وذلك هو سهم الرقاب!
وأخيراً، يريد الله لدولة الإسلام، أن تكون قويّة الشوكة، عزيزة الجانب، ولذلك افترض علينا في أموالنا ما نمهّد به أسباب قوّتها، وحماية حوزتها!
وذلك هو سبيل الله، أو هو على أبواب سبيل الله!
أرأيت؟ بعد أن وصّانا القرآن الحكيم بالبرّ والإحسان، كيف نظّم لنا طرائق البرّ والإحسان؟
وكيف جعل من هذه الفريضة الاجتماعيّة، بناءً لأمّة مثاليّة، ودولة مثالية؟
ذلكم هو حكم الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} (المائدة)!
أسلوب البذل:
حقًّا، ما أحكم نظرة القرآن الكريم إلى معنى البرّ والإحسان!
وما أعمق وما أرفق نظرة هذا القرآن إلى كرامة الإحسان المستحق للإحسان!
وليس الشأن كل الشأن عند الله، في أن ننتخب مادة العطاء ونحسن اختيارها!
وليس الشأن كل الشأن في أن نجزل العطيّة وتوفي مقدارها!
وليس الشأن كل الشأن أن نحسن توزيعها ووضعها في مواضعها: إغناءً للفقير، وإيواء للغريب، وتحريراً للرقاب، ودفاعاً عن الملّة والدولة!
كل ذلك لا شك جميل، بل كل ذلك واجب محتوم وصّانا به القرآن، وشدّد علينا في الوصّية!
ولكن هذه الوصايا كلها -في جملتها وتفصيلها- ليست إلا شيئاً يسيراً، إذا قيست إلى العنصر الإنساني، الذي اشترطه القرآن في أسلوب البذل وطريقته!
ذلك هو واجب التلطّف في الأداء، رفقاً بشعور المستحقّين، وصوناً لماء وجوههم، وإبقاءً على عزّتهم وكرامتهم!
نعم، إن الله يرضى منك أن تقضي حاجة المحتاج، ولا يرضى منك أن تجرح شعوره بعطيّتك، أو تمتهن كرامته بقولك أو بفعلك أو بإشارتك، لا قبل العطاء، ولا حين العطاء!
أرأيت إن وضعت منحتك في كفّ الفقير وأنت تنظر إليه، أو تقول له نكراً؟!
أرأيت إن استكثرت عليه عطيّتك، أو تمنيّت لو أنك أخرت شيئاً منها لنفسك؟!
أرأيت إن استشعرت الفضل عليه، بمالك من اليد العليا، أو أشعرته بموقفه الضارع المستكن؟!
أرأيت إن ذكّرته -ولو بعد حين- بما أسديت إليه من برّك، ومنحته من معروفك؟!
ترى، هل يبقى لك بعد ذلك شيء من الفضل؟!
أم هل تطمع عند الله في شيء من الأجر؟!
هيهات!! لقد أضعت بذلك عملك هباءً، وكنت أنت ومانع الخير سواءً، بل لعل البخل كان خيراً بذلك، والحرمان أفضل من إحسانك .. فإن كنت في شك من هذا فاقرأ قول الله عز وجل:{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا} (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ} (البقرة: 264)!
إنما الفضل والأجر لمن أنفق نفقته طيّبة بها نفسه، عفيفاً فيها لسانه، مكفوفاً عنها منّه وأذاه:{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)} (البقرة)!
والقرآن الحكيم بعد ذلك لا يكتفي منا بهذا الموقف!
إنه يصف لنا المؤمنين الصادقين، أكرم طبعاً، وأشدّ تواضعاً، من أن يقفوا مع المسكين على قدم المساواة!
إنه يصوّرهم لنا خافضي الجناح، متطامني الظهور، كأنهم يعدّون الفقير صاحب الفضل في قبول برّهم، وفي إتاحة الفرصة لهم لينالوا رضوان الله، فتراهم في ساعة بذلهم أشدّ منه خضوعاً، وأعظم خشوعاً!
إنهم كما وصفهم الله تعالى: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)} (المائدة)!
{والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60)} (المؤمنون)!
يروي الترمذي وغيره بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت (1): سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} ! قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون ويُصلّون ويتصدّقون، وهم يخافون ألا تُقْبل منهم:{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} (المؤمنون: 61)!
ولقد ضرب الله لنا في كتابه العزيز مثلاً من صنيع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)} (الإنسان)!
وكانوا مع ذلك يقولون: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ الله شرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11)} (الإنسان)!
هذه الوصيّة الواجبة على المتصدّقين، أن يتّخذوا في عطائهم ذلك الأسلوب الرحيم الكريم، لخجل الرجل الخاضع المتواضع، يضيف القرآن الكريم إليها وصيّة أخرى غير ملزمة، ولكنها يزداد بها الإحسان إحساناً، وتزيد بها كرامة الفقراء حفظاً وصوناً!
(1) الترمذي (3175)، والحميدي (275)، وأحمد: 6: 159، 205، وابن ماجه (4198)، والطبري: التفسير: 18: 26، والحاكم: 2: 393، والبغوي: التفسير: 6: 25، والمزي: تهذيب الكمال: 17: 146.
تلك هي وصيّة الإسرار بالصدقات، وإخفائها عن أعين الناس، بعداً يباذلها عن بواعث الفخار والرياء، وبعداً بأخذها عن عوامل الخجل والاستحياء، حتى إنها كلما خفي مكانها، ازداد عند الله ميزانها!
أليس أحد السبعة الذين يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم القيامة رجل أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه؟!
يروي الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إِلا ظله: الإِمام العادل، وشابٌّ نشأ في عبادة ربّه، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل طلبته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: إِني أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم بشماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه"(1)!
فإذا كان القصد من إعلانها، إثارة باعثة الخير عند الغير، وفتح باب الأسوة الحسنة، والقدوة الصالحة، لكي يستن الناس بسنته، فيكون حظ المحتاجين أوفر بهذا التعاون على البرّ، فلا بأس بهذا الإعلان!
كما أنه إذا كان يخشى من دوام إخفائها التعرّض لسوء الظن، وفتح باب التهمة الباطلة، فلا بأس كذلك بأن يعلنها على قدر ما تزول به الريبة، ولا سيما في الصدقات الواجبة!
(1) البخاري: 10 - الأذان (660)، وانظر (1423، 6479، 6806)، ومسلم (1031)، وأحمد: 2: 439، وانظر: الترمذي (2391)، وابن خزيمة (358)، والطحاوي: شرح المشكل (5846، 5847)، والبيهقي: 4: 190، 8: 162، وابن حبان (4486).