الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
معالم في طريق الدعوة
ونجد أنفسنا أمام معالم في طريق الدعوة إلى الله، ونحن نطالع ما يلي:
1 - القرآن كلام الله:
سبق أن ذكرنا قصة بحيرى الراهب، التي رواها الترمذي بسنده، كما رواها غيره!
وذكرنا -أيضًا- الاختلاف في اسم بحيرى وعقيدته!
وعرفنا أن النفس يمكن أن تطمئن إلى سفر النبي صلى الله عليه وسلم، مع عمه أبي طالب، وهو في التاسعة، أو العاشرة، أو الثانية عشرة من عمره، على اختلاف الروايات!
وعرفنا -أيضًا- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان من الزكانة والفطنة، ولقانة القلب، ولطف الخُلُق، وإشراق الروح، وضياء العقل، وثقوب الذهن، ورجاحة التفكير، بالمحل الأرفع!
ولا يمكن أن تمرّ هذه الرحلة ثم لا تترك أثرًا في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو في هذه السن، تأخذ حيزًا من حياته وتفكيره .. ولكنه الأثر الذي تتّسع له حياة طفل في هذا العمر، مع ما عرفنا من رعاية الله عز وجل له!
وأبصرنا أنه صلى الله عليه وسلم كان موجّهًا إلى لون من الحياة المباركة الطيّبة، يملؤها الإحساس بعظمة الكون وعظمة مدبّره جل شأنه، والشعور بسلطان قدرته المبسوط على الوجود!
ومع ذلك انتهز المستشرقون والمغرضون هذه الفرصة -كما أسلفنا- فصنعوا
من الحبّة قبّة، وأسّسوا عليها بناءً متهاويًا، حيث زعموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقّى رسالة التوحيد النقيّة، من عالم نصراني، اختلف في اسمه وفي عقيدته!
وأغرب من هذا أن أحدهم ألف كتابًا أسماه (مؤلف القرآن) زعم أن بحيرى قد لقّن الرسول القرآن كله في هذا الوقت القصير!
وفاته أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن قد بعث!
وسبق أن ذكرنا طرفًا من الردّ على هذا التهافت!
وقد ذكر أقوال هؤلاء من كتبهم بشيء من التفصيل أستاذنا المرحوم الدكتور محمَّد عبد الله دراز، وردّ ودحض تلك المفتريات فأجاد وأفاد (1)!
ونجد أنفسنا أمام بيان (مفهوم القرآن)، ونحن نقرأ قوله تعالى:{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)} (القيامة)!
ثم صار علمًا شخصيًا لذلك الكتاب الكريم (2)، يطلق بالاشتراك اللفظي على مجموعه، ويطلق على بعضه:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9)!
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)} (الأعراف)!
وروعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًا بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدوّنًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه!
(1) انظر: مدخل إلى القرآن الكريم: عرض تاريخي وتحليل مقارن: 129 وما بعدها، دار القلم، الكويت.
(2)
النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن: د. محمَّد عبد الله دراز: 12 - 14 بتصرف.
وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعيْن لا في موضع واحد، أعني أنه يجب أن يُحفظ في الصدور والسطور جميعًا، أن تضلَّ إحداهُما فتذكّر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المُجْمَع عليه من الأصحاب المنقول إلينا جيلًا بعد جيل، على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا ثقةَ لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر!
وبهذه العناية المزدوجة -التي بعثها الله في نفوس الأمة الإِسلاميّة اقتداءً بنبيها صلى الله عليه وسلم بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} (الحجر: 9)!
ولم يُصبْهُ ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السّنَد، حيث لم يتكَفّل الله بحفظها، بل وكَلَها إلى حفظ الناس، فقال تعالى:{وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} (المائدة: 44)!
أي بما طُلب إليهم حفظه!
والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماويّة جيء بها على التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدّقًا لما بين يديه من الكتب ومُهَيمناً عليها، فكان جامعاً لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًا مسدَّها، ولم يكن شيء منها ليسدَّ مسَدَّه، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسّر له أسبابه، وهو العلم الحكيم!
وإذا رجعنا إلى أصل الأسماء وجدنا أن مادتي (ك ت ب)، و (ق ر أ) تدوران على معنى الجمع والضم مطلقًا!
وهذا لا يعني فقط أن هذا المسَمّى جامعٌ للسور والآيات، أو أنه مجموع تلك السور والآيات، من حيثُ هو نصوص مؤلفة على صفحات القلوب، أو من حيث هي نقوش مصفوفةٌ في الصحف والألواح، أو من حيث هي أصواتٌ مرتَلةٌ منطوقةٌ على الألسنة، بل يعني شيئًا أدق من ذلك كله، وهو أن هذا الكلامَ قد جمع فنون المعاني والحقائق، وأنه قد حُشدت فيه كتائبُ الحكم والأحكام!
ومن أسمائه كذلك: (الفرقان)، و (الذّكْر)، و (التنزيل)!
وقد تجاوز صاحب البرهان حدود التسمية فبلغ بعدّ تها خمسةً وخمسين، وأسرف غيره في ذلك حتى بلغ بها نيفًا وتسعين (1)!
واعتمد هذا وذاك على إطلاقات واردة في كثير من الآيات والسور، وفاتهما أن يفرقا بين ما جاء من تلك الألفاظ على أنه اسم، وما ورد على أنه وصف، ويتضح ذلك على سبيل التمثيل، في عدِّهما من الأسماء لفظ (كريم) ولفظ (مبارَك) أخذًا من قوله تعالى:{إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77)} (الواقعة)!
{وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ} (الأنبياء)!
ولا شك أنهما وصفان .. ولقد أفرده بعضهم بالتأليف!
وعرَّفه علماء الشريعة فقالوا:
(القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمَّد صلى الله عليه وسلم، المتعبَّد بتلاوته)!
وبعضهم يزيد على هذا التعريف قيودًا أخرى، مثل المتواتر، أو المعجز، أو المتحدَّى بأقصر سورة منه، أو المكتوب بين دفتي المصحف، أو المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة الناس!
(1) مناهل العرفان: 1: 15 بتصرف.
والواقع أن هذه القيود يقصد بها زيادة إيضاح بذْكر بعض خصائص القرآن الكريم التي يتميّز بها عما عداه (1)!
والتعريف الذي ذكرناه جامعٌ مانعٌ، لا يحتاج إلى زيادة قيد آخر!
ومعلومٌ أن للقرآن صفات، لا يشاركه فيها غيره من كلام الله تعالى أو كلام البشر!
أما بالنسبة لكلام الله فهناك الكلام الإلهيّ الذي استأثر الله به، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به، لا ليُنْزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى مُنْزلاً، بل الذي أنزل منه قليل من كثير (2):{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (109)} (الكهف)!
وهناك ما أُنزل على الأنبياء السابقين، كالصُّحف المنزلة على إبراهيم عليه السلام!
والتوراة المنزلة على موسى عليه السلام!
والإنجيل المنزل على عيسى عليه السلام!
والزّبور المنزل على داود عليه السلام!
(1) انظر: المرجع السابق.
(2)
انظر: النبأ العظيم: 15.