الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فإذا جاوزنا حقوق النفس، وحقوق الأسرة، وانتقلنا إلى ذلك الميدان الفسيح، بل ذلك العقد المنفرط، إلى محيط الجماعة "الكبرى" الذي لا يسمع فيه صوت لغريزة البقاء الفردي، ولا صوت لغريزة البقاء النوعي، وإنما تُسمع فيه أصوات خافتة للبواعث النبيلة -دينيّة كانت أو إنسانيّة- فهنالك تشتد الحاجة إلى صوت قوي علوي، متجدّد متكرّر، يوقظ هذه المعاني النبيلة من هجوعها!
من أجل ذلك لا نزال نسمع صوت الدعوة القرآنيّة، إلى البذل والإنفاق في سبيل الله، يلاقينا حيثما توجّهنا في ثنايا الآيات وتضاعيف السور!
ثم نرى هذه الدعوة الرشيدة لا تكتفي بأن تجعل هذا البذل ركناً من أركان الإيمان، ولا تكتفي بأن تجعل به للجماعة في أموال المؤمنين حقّين اثنين:
حقًّا معلوم الحدود والمقادير!
وحقاً آخر غير معلوم الحدود، تحدّده الضرورات النازلة، والحاجات المؤقتة، لإعانة العاجزين، وإغاثة الملهوفين (1)!
اختيار مادة العطيّة:
ونبصر القرآن الحكيم لم يكتف بأن وضع هكذا قانون البذل مفصّلاً، ولكنه أحاطه بسنن سنّها، وآداب شرعها!
ونبصر آداب البذل في اختيار مادة العطيّة، حيث طوى الحديث عن فريضة البذل نفسها، ولم يبق المجال مجال الدعوة إلى البذل والتحريض عليه، ولكن مجال التمييز بين أنواع البذل واختيار أحسنها!
(1) انظر كتابنا: المسؤوليّة الاجتماعيّة في الإسلام.
ولن يكون حديثنا موجّهاً إلى الأشحّاء الكانزين الذين انحرفت فيهم غريزة حبّ التملّك، فأصبح المال عندهم غايةً لا وسيلةً، بل أصبح فيهم يخدم ولا يستخدم .. أولئك الذين يضنّون بالمال على أنفسهم، فلا يبدو عليهم، في مطعمهم وملبسهم، أو في مسكنهم ومركبهم، مظهر لهذه النعمة التي يحبّ الله أن يُرى أثرها عليهم!
وإنما كل السعادة في نظرهم أن يجمعوا المال جمعاً ويعدّوه عداً، كأن زيادته ستمدّ في آجالهم مداً!
كلا ،ولن يكون حديثنا سوقاً إلى السفهاء المسرفين، الذين انحرفت فيهم نزعة الإنفاق، فجعلت أموالهم وقفاً على أنفسهم، ينفقونها مع قرناء السوء في متعهم الشخصيّة، تاركين أزواجهم وأولادهم وراء ظهورهم، يقاسون نكد العيش، ويكابدون ذلّ الحاجة، كأنهم عن هذه الرعيّة غير مسؤولين!
كلا، ولن يكون حديثنا مع المترفين، أولي النعمة الذين يغمرون بالرفاهية أسرهم، ولكنهم لا تمتدّ أبصارهم إلى أبعد من جيران بيوتهم .. أولئك الذين يأكلون من غير جوع، ويشربون على غير ظمأ، ثم يرفلون هم وأهلوهم في الحرير، ولا يمشون إلا على الفراش الوثير، ومن حولهم بطون طاوية، لا تجد طعاماً ولا شراباً .. وأجساد عارية، لا تملك كساءً ولا غطاءً، فلا تهتزّ منهم عاطفة لمنظر هذا البؤس والحرمان، ولا تنبسط لهم كفّ بشيء يسدّ جوعة الجائع، أو يواري سوأة العريان!
ولكن حديثنا إلى المنفقين، الذين طهرت نفوسهم من داء الشحّ في مراتبه الثلاث:
الشحّ على النفس!
والشحّ على الأسرة!
والشحّ على الجماعة!
نوجّه حديثنا إلى الباذلين، لنقول لهم:
إنهم وقد طهروا من عيب البخل، عليهم أن يتطهّروا من عيوب البذل، فإن للبذل عيوباً، وأن يتأدّبوا بأدب الإسلام فيه، فإن للبذل في الإسلام آداباً، فربّ بذل هو شرّ من البخل، وربّ عطاء خير منه الحرمان، كما صرح القرآن!
نعم، إن على الباذل -حين يبذل- أن ينظر في صفة ما يبذل، وفي قدر ما يبذل، وأن يعرف فيم يبذل، وكيف يبذل، ولم يبذل؟!
ثم عليه -في كل واحدة من هذه النظرات- أن يسترشد بهدي القرآن الكريم وتوجيهه الحكيم!
فلنبدأ بالتوجيهات القرآنيّة في انتقاء مادّة البر والعطاء!
كثير من الناس إذا انتخبوا عطاياهم -وبخاصة تلك العطايا التي تجمع بطريقة شعبيّة، لا يلتقي فيها المعطي والآخذ، ولا تعرف فيها شخصيّة المعطي ولا الآخذ، يختارونها من حثالة ما لهم، وسقط متاعهم، يخرجون من الثياب خشنها وغليظها، وباليها ومرقعها، ومن النعال مخصوفها وممزّقها، ومن الطعام ما بدا خبثه وغلثه، وسوسه وعفنه، مستبقين لأنفسهم أجود المال وأطيبه، يجعلون لله ما يكرهون، ولأنفسهم ما يشتهون!!
تلك نفسيّة لا تزال فيها بقيّة من شيمة البخل، تقصر بصاحبها عن رتبة البرّ، كما وصفه الله تعالى، أن نؤتي المال على حبّه، ونطعم الطعام على حبه!
ألا نسمع إلى القرآن الكريم، حين يقول بصيغة الحصر:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (آل عمران: 92)!
والآن، فلننظر في مرآة القرآن، إلى تلك النفسيّة التي تسيء اختيار مادة البرّ والإحسان، إنها في حكم القرآن نفسيّة تستمدّ وحيها من نظرتين خاطئتين:
نظرة استهانة بشأن الآخذ!
ونظرة استئثار ومحاباة لشخصيّة المعطي نفسه!
فالذي يمنّ بالرديء، ويضنّ بالجيد، ينظر إلى الفقراء والمعوزين، فيتراؤون له -من خلال خياله- كأنهم قطيع من الحيوان، حفاة عراة جياع، يسدّ جوعهم أدنى طعام، ويستر عورتهم أحقر كساء؛ بل إنهم لا يطعمون في أكثر من لقمة وستر .. أليس شيء خيراً من لا شيء؟!
هكذا ينظر إلى الناس من عليائه، نظرة استهانة وبطر، ثم ينظر إلى نفسه، نظرة حرص وحذر، يقول في نفسه:
كيف أوتي الفقير جيد طعامي ولباسي، لأصبح بحاجة إلى بدلٍ منها؟! أأُغنيه وأُفقر نفسي؟!
هذه النظرة الخاطئة بل هذه العقليّات المريضة، يصفها القرآن الحكيم أدقّ وصف، ثم يبطلها، ويعمل على استئصالها!
أما نظرة الحذر والخوف من الفقر، فإن القرآن يصفها بأنها نزغة شيطان، ثم يمحوها من نفس المؤمن بذلك الوعد الكريم، إن الله سيرزق المنفق خلفاً:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)} (البقرة)!
وهنا نذكر ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم -قال:"ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إِلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم! أعط مُنْفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم! أعط مُمْسكاً تلفاً"(1)!
وأما تلك النظرة المستكبرة المستقلّة، فإن القرآن الحكيم يبدّلها نظرة مؤاخيةً، مواسيةَ مساويةَ: يا صانع المعروف، لا توازن مواضيع صنيعك بأنفسهم، ولكن وازنهم بنفسك!
إنهم إخوتك، منزلتهم منزلتك، قدّر في نفسك أن الذي تمنحه لهم، قُدِّم منحةً لك!
أكنت ترضى أن تأخذ الرديء الدنيء؟!
ألست إن أخذته على استحياء لا تأخذه إلا مغمضاً عينيك عن القذى والأذى؟!
يا صانع المعروف، افتح عينيك، وامح الغشاوة عن ناظريك، أتظن حين تضع صدقتك في يد الفقير، أنك تضعها في يد الفقير نفسه؟!
(1) البخاري: 24 - الزكاة (1442)، ومسلم (1010)، وأحمد: 2: 306، والبيهقي: الشعب (10730)، والآداب (95)، والبغوي (1657)، والنسائي: الكبرى (9178)، وابن حبان (3333).