المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 - أثر التوحيد: - الجامع الصحيح للسيرة النبوية - جـ ٣

[سعد المرصفي]

فهرس الكتاب

- ‌«معالم بدء الوحي في ضوء الكتاب والسنة»

- ‌مقدمة

- ‌حديث بدء الوحي في الميزان

- ‌1 - الحديث:

- ‌2 - مفهوم الوحي:

- ‌والقول الجامع في معنى الوحي اللغوي

- ‌قال القاضي عياض

- ‌وعن الأعمش

- ‌وعن منصور

- ‌قال النووي

- ‌قال القاضي عياض رحمه الله:

- ‌وفي اصطلاح الشرع

- ‌وقد عبّر ابن خلدون عن هذا المفهوم بقوله:

- ‌فالتلقي عن الله تعالى يكون على أنواع:

- ‌3 - ملك الوحي:

- ‌‌‌قال ابن جرير:

- ‌قال ابن جرير:

- ‌وقال الراغب

- ‌قال الشوكاني

- ‌قال ابن جرير:

- ‌قال ابن كثير

- ‌4 - مراتب الوحي:

- ‌الأولى: (الرؤيا الصالحة):

- ‌قال الكرماني

- ‌قال القاضي عياض:

- ‌قال القسطلاني:

- ‌الثالثة: أنه كان يتمثل له الملك رجلاً

- ‌الرابعة: أنه كان يأتيه مثل صلصلة الجرس

- ‌الخامسة: أنه يرى الملك في صورته التي خلق عليها

- ‌السادسة: ما أوحاه الله

- ‌السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك

- ‌ذكرها ابن القيّم بقوله

- ‌قال العراقي

- ‌وأما النفث في الروع

- ‌وأما الإلهام

- ‌5 - فلق الصبح:

- ‌وقيل: الفلق:

- ‌وقال ابن حجر

- ‌وقال القسطلاني

- ‌قال القاضي عياض وغيره

- ‌6 - حُبِّب إليه الخلاء:

- ‌قال القسطلاني

- ‌والخلاء

- ‌قال الخطابي

- ‌7 - غار حراء:

- ‌قال العيني

- ‌قال القاضي عياض:

- ‌قال الخطابي

- ‌وقال التيمي:

- ‌وقال الكرماني

- ‌8 - التحنّث:

- ‌قال الكرماني

- ‌قال الخطابي:

- ‌وأقول:

- ‌قال التيمي:

- ‌قال ابن حجر

- ‌وقال ابن الأثير:

- ‌قال عياض:

- ‌وقال ابن هشام

- ‌قال السهيلي:

- ‌9 - الليالي ذوات العدد:

- ‌قال الكرماني

- ‌وقال القسطلاني

- ‌وقال ابن حجر

- ‌قال ابن حجر

- ‌10 - جاءه الحق:

- ‌قال ابن حجر

- ‌11 - " ما أنا بقارئ" ثلاثاً:

- ‌قال القسطلاني

- ‌قال ابن حجر

- ‌12 - " فغطّني حتى بلغ مني الجهد

- ‌قال ابن حجر

- ‌قال النووي

- ‌قال التوربشتي:

- ‌وقال الطيبي:

- ‌قلت:

- ‌قال العراقي

- ‌قال النووي

- ‌13 - يرجف فؤاده:

- ‌قال العيني:

- ‌وقال القسطلاني:

- ‌قال العراقي

- ‌قال النووي:

- ‌14 - " زمِّلوني زمِّلوني

- ‌15 - الرَّوع:

- ‌16 - كلاّ:

- ‌17 - ما يخزيك الله أبداً:

- ‌قال النووي:

- ‌قال ابن حجر:

- ‌18 - وتحمل الكَلّ:

- ‌19 - وتكسب المعدوم:

- ‌20 - وتعين على نوائب الحق:

- ‌21 - فانطلقت به:

- ‌22 - ابن عم خديجة:

- ‌23 - الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة:

- ‌وقد رجح الزركشي

- ‌ونقله ابن حجر وقال:

- ‌وقال الكرماني بعد أن ذكر قول النووي:

- ‌قال ابن حجر:

- ‌24 - يابن عم:

- ‌25 - اسمع من ابن أخيك:

- ‌26 - الناموس الذي نزّل الله على موسى:

- ‌27 - يا ليتني فيها جذعاً:

- ‌28 - إذ يخرجك قومك:

- ‌29 - " أو مُخرجيّ هم

- ‌30 - نعم لم يأت رجل قطّ بمثل مما جئت به إلا عودي:

- ‌31 - وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً:

- ‌32 - لم ينشب ورقة أن توفّي:

- ‌33 - وفتر الوحي:

- ‌34 - أضواء على الأقوال في المراد بالخشية:

- ‌الأقوال في المراد بالخشية:

- ‌أضواء على الأقوال:

- ‌ الجنون

- ‌الكهانة:

- ‌35 - الخشية عند رؤية التباشير:

- ‌36 - جميع الكفار كانوا يرمون رسلهم بالجنون:

- ‌يقول الفخر الرازي

- ‌ويقول الشوكاني:

- ‌37 - رواية في الميزان:

- ‌38 - رد قول الحافظ الإسماعيلي:

- ‌39 - وهم للزرقاني:

- ‌40 - قول القاضي عياض:

- ‌41 - قول النووي:

- ‌42 - رد بلاغ التردي من رؤوس شواهق الجبال:

- ‌43 - البلاغ في الميزان:

- ‌وقال الكرماني

- ‌قال ابن حجر

- ‌44 - رد قول الحافظ الإسماعيلي:

- ‌45 - البلاغ في كتب كثيرة:

- ‌معالم حديث بدء الوحي

- ‌1 - مكانة العلم في رسالة محمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌2 - أوّل مراتب النبوّة:

- ‌3 - كمال البشريّة وميلاد الرسالة:

- ‌4 - خصيصة النبوّة الخاتمة:

- ‌5 - تهافت الملاحدة:

- ‌6 - إيمان النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌7 - أم المؤمنين خديجة أعرف بقدر محمَّد صلى الله عليه وسلم

- ‌8 - صدق الحديث:

- ‌9 - صلة الرحم:

- ‌10 - وتحمل الكلّ:

- ‌11 - وتكسب المعدوم:

- ‌12 - وتقري الضيف:

- ‌13 - الإعانة على نوائب الحق:

- ‌14 - أداء الأمانة:

- ‌15 - فراسة الإلهام:

- ‌16 - العلم سرّ الرسالة:

- ‌17 - أهداف الدعوة:

- ‌18 - فترة الوحي:

- ‌19 - موقف الإمام محمَّد عبده:

- ‌20 - بناء صرح الرسالة الخالدة:

- ‌معالم في طريق الدعوة

- ‌1 - القرآن كلام الله:

- ‌ذلكم هو القرآن الكريم:

- ‌وتطالعنا الآيات القرآنيّة:

- ‌ومرة من بعد مرة نبصر فضل الله ورحمته في ختام تلك الآيات:

- ‌2 - {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}:

- ‌3 - مكانة التوحيد:

- ‌4 - أثر التوحيد:

- ‌5 - السابقون الأوّلون:

- ‌6 - {قُمْ فَأَنْذِرْ}:

- ‌7 - وصايا قرآنيّة:

- ‌بين البخل والسرف:

- ‌كيف عالج القرآن رذيلة البخل

- ‌إنه علاج يتألّف من ثلاثة عناصر:

- ‌الطهر من داء الحرص والشح:

- ‌فريضة الكسب:

- ‌منابع الكسب:

- ‌أهداف الكسب:

- ‌آداب الكسب:

- ‌اختيار الكسب الصالح:

- ‌نظام البذل والإنفاق:

- ‌اختيار مادة العطيّة:

- ‌مقدار العطاء:

- ‌وجوه البذل:

- ‌أسلوب البذل:

- ‌بواعث البرّ والإحسان:

- ‌طهارة القلوب من الغلّ والحسد:

- ‌طهارة القلوب المنحرفة:

- ‌طهارة القلوب من الشرّ والآنانية:

- ‌الوصيّة الأولى:

- ‌الوصيّة الثانية:

- ‌الوصيّة الثالثة:

- ‌الوصيّة الرابعة:

- ‌8 - سياسة الاستسرار:

- ‌9 - قوّة الإيمان:

الفصل: ‌4 - أثر التوحيد:

وخبر عن خلقه!

فأخلصت سورة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} الخبر عنه، وعن أسمائه وصفاته، فعدلت ثلث القرآن، وخلصت قارئها المؤمن بها من الشرك العلمي!

‌4 - أثر التوحيد:

ونجد أنفسنا أمام الحديث عن أثر التوحيد في تكوين الشخصية الإِسلاميّة للأمّة الوسط الخيّرة، ونحن نذكر ما رواه أحمد وغيره بسند حسن عن ربيعه بن عباد الدِّيلي، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول: "يا أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! ويدخل في فجاجها، والناس مُتقصِّفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت، يقول:"أيها الناس، قولوا: لا إِله إِلا الله تُفْلحوا"! إِلا أن وراءه رجلًا أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إِنه صابئ كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله، وهو يذكر النبوّة، قلت: من هذا الذي يكذّبه؟ قالوا: عمّه أبو لهب .. الحديث (1)!

وقد تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته إلى هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، ما تحمّل، مما تعجز الكلمات عنه!

يروي أحمد وغيره بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1) أحمد: 3: 492، وانظر: 4: 63، 341، 5: 371، 376، وأخرجه ابن أبي عاصم: الآحاد والمثاني (964)، والطبراني: الكبير (4582)، والحاكم: 1: 15، وانظر: 2: 611 - 612، والنسائيُّ: 8: 55، والبيهقيُّ: 5: 380 - 381، والدلائل: 5: 381، والدراقطني: 3: 44 - 45، وابن أبي شيبة: 14: 300، والطبراني: الكبير (8175)، وابن حبّان (6562)، وابن ماجه (2670)، والهيثمي: المجمع: 6: 23.

ص: 739

"لقد أوذيتُ في الله، وما يُؤذي أحدٌ، وأْخِفْتُ في الله، وما يُخاف أحدٌ، ولقد أتَتْ علىِّ ثلاثةٌ من يوم وليلة، وما لي وبلالِ يأكله ذو كبد، إِلا ما يُواري إِبْطَ بلالٍ"(1)!

ويروي الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يوم أحد؟ قال: "لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العقبة، إِذ عرضتُ نفسي على ابن عبدِ ياليل بن عبد كُلال، فلم يُجبني إِلى ما أردت، فانطلقت، وأنا مَهمومٌ على وجهي، فلم أسْتفِق إِلا وأنا بِقَرن الثعالب، فرفعتُ رأسي، فإِذا أنا بسحابة قد أظلّتني، فنظرت فإِذا فيها جبريلُ، فناداني فقال: إِن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث الله إِليك ملَك الجبال لتأمُره بما شِئتَ فيهم، فناداني ملَكُ الجبال، فسلّم عليّ، ثم قال: يا محمَّد، فقال ذلك فيما شِئْتَ، إِن شِئْتَ أَنْ أُطْبق عليهم الأخشبَيْن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أنْ يُخرْجَ الله مَن أصلابهم مَن يَعبُدُ الله وحده، لا يُشركُ به شيئًا"(2)!

(1) أحمد: 3: 120، 286، والضياء: المختارة (1634)، وابن أبي شيبة: 11: 264، 14: 300، وعبد بن حميد (1317)، وأبو يعلى (3423)، والترمذي (2472)، والشمائل (137)، والبيهقيُّ: الشعب (1632)، وابن ماجه (151)، وأبو نعيم: الحلية: 1: 150، والبغويُّ (4080)، وابن حبّان (6560).

(2)

البخاريُّ: 59 - بدء الخلق (3231)، وانظر (7389)، ومسلم (1795)، وابن خزيمة: التوحيد: 47 - 48، والآجري: الشريعة (459)، والبيهقيُّ: الأسماء والصفات: 176، والنسائيُّ: الكبرى كما في التحفة: 12: 106، وابن حبّان (6561)!

والأخشبان -كما قال ابن حجر-: الفتح: 6: 316 هما جبلا مكة (أبو قبيس)، والذي يقابله، وكأنه (قعيقعان)، وقال الصفاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على =

ص: 740

وقد بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، وبلاد الشام في الشمال خاضعة للروم (1)، يحكمها أمراء من العرب من قبل الفرس!

وليس في أيدي العرب إلا الحجاز ونجد وما إليها من الصحاري القاحلة، التي تتناثر فيها الواحات الخصبة هنا وهناك!

وكان في استطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق الأمين الذي حكّمه أشراف قريش قبل ذلك في وضع الحجر الأسود، وارتضوه حكمًا .. والذي هو في الذؤابة من بني هاشم أعلى قريش نسبًا .. كان في استطاعته صلى الله عليه وسلم أن يثيرها قوميّةً عربيّةً، تستهدف تجميع قبائل العرب، التي أكلتها الثارات، ومزّقتها النزاعات، وأن يوجهها وجهة قوميّة لاستخلاص أرضها المغتصبة من الامبراطوريات المستعمرة، الرومان في الشمال، والفرس في الجنوب، وإعلان راية العربيّة والعروبة -كما يدعو دعاة القومية- وإنشاء وحدة قويّة في كل أرجاء الجزيرة!

وكان المؤمّل حينئذ أن يستجيب له العرب، بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة!

وربما قيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان خليقًا أن يستجيب له العرب هذه الاستجابة .. وبعد استجماع السلطان في يديه والمجد فوق مفرقه- كما يقول

= (قعيقعان)، ووهم من قال: هو (ثور) كالكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما، وغلظ حجارتهما، والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقًا واحدًا .. وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} (آل عمران: 159)!

وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)} (الأنبياء)!

(1)

في ظلال القرآن: 2: 1005 وما بعدها بتصرف.

ص: 741

الساسة- أن يستخدم هذا في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه الله عز وجل بها، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه!

ولكن الحق تبارك وتعالى وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، منذ بدء الدعوة -كما عرفنا- إلى أن يصدع بـ (لا إله إلا الله)!، وأن يحتمل هو والقلة التي تستجيب له العناء!

وبعث الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، والمجتمع العربيّ كأسوأ ما يكون توزيعاً للثروة والعدالة .. وكان في استطاعته صلى الله عليه وسلم أن يرفعها رايةً اجتماعيةً، وأن يثيرها حربًا على طبقة الأشراف، وأن يطلقها دعوةً تستهدف تعديل الأوضاع وردّ أموال الأغنياء على الفقراء!

ولو دعا هذه الدعوة لانقسم المجتمع العربيّ صفّين: الكثرة الغالبة فيه مع الدعوة الجديدة، في وجه طغيان المال وأصحابه، بدلًا من أن يقف المجتمع كله صفاً في وجه (لا إله إلا الله)! التي لم يرتفع إلى أفقها في ذلك الحين إلا الأفذاذ من الناس!

وربما قيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان خليقاً بعد أن تستجيب له الكثرة، وتوليه قيادها، فيغلب بها القلة من الناس ويسلس لها مقادها .. ومن ثم يستخدم مكانه يومئذ وسلطانه في إقرار عقيدة التوحيد التي بعثه بها ربّه، وفي تعبيد الناس لسلطان ربّهم بعد أن عبّدهم لسلطانه!

ولكن الله عز وجل يريد أن نعلم أن العدالة الاجتماعيّة لا بد أن تنبثق في المجتمع من تصوّر اعتقادي شامل كامل، يردّ الأمر كله لله، ويقبل عن رضي وعن طواعية ما يقضي به الله من عدالة في التوزيع، ومن تكافل بين الجميع،

ص: 742

ويستقرّ معه في قلب الآخذ والمأخوذ منه أن ينفّذ نظاماً يرضاه الله، ويرجو على الطاعة فيه الخير والحسنى في الدنيا والآخرة سواء!

فلا تمتلئ قلوب بالطمع، ولا تمتلئ قلوب بالحقد، ولا تسير الأمور كلها بالسيف والعصا، وبالتخويف والإرهاب!

ولا تفسد القلوب، وتختنق الأرواح، كما يقع في الأوضاع التي نراها قد قامت على غير (لا إله إلا الله)!

وبعث الرسول صلى الله عليه وسلم والمستوى الأخلاقي في الجزيرة العربيّة في الدرك الأسفل، في جوانب منه شتى، مما هو معلوم، إلى جانب ما كان في المجتمع من فضائل الخامة البدويّة!

وكان في استطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلنها دعوة إصلاحيّة، تتناول تقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع، وتزكية النفوس، وتعديل القيم والموازين!

وكان واجداً وقتها -كما يجد كل مصلح أخلاقيّ في أيّة بيئة- نفوساً طيبة، يؤذيها هذا الدنس، وتأخذها الأريحيّة والنخوة لتلبية دعوة الإصلاح والتطهير!

وربما قال قائل: إنه صلى الله عليه وسلم لو صنع ذلك فاستجابت له -في أول الأمر- جمهرة صالحة، تتطهّر أخلاقها، وتزكو أرواحها، فتصبح أقرب إلى قبول العقيدة وحملها .. بدلاً من أن تثير دعوة (لا إله إلا الله)! المعارضة القويّة منذ أول الطريق!

ولكن الله عز وجل يريد أن نعلم أن الأخلاق لا تقوم إلا على أساس من عقيدة، تضع الموازين، وتقرّر القيم، والسلطة التي ترتكن إلى هذه

ص: 743

الموازين والقيم، كما تقررّ الجزاء الذي تملكه هذه السلطة وتوقعه على الملتزمين والمخالفين!

وحين تقررّت العقيدة الحقة -بعد الجهد الشاق- وتقررّت السلطة التي ترتكن إليها هذه العقيدة .. وعرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. تحررّ الناس من سلطان العبيد، ومن سلطان الشهوات سواء .. وتقررّت في القلوب عقيدة:(لا إله الله الله)! صنع الله بها وبأهلها كل شيء!

تحرّرت الأرض من الرومان والفرس .. لا ليتقررّ فيها سلطان العرب .. ولكن ليتقرّر فيها شرع الله!

لقد تطهّرت من الطاغوت كله: رومانيًّا وفارسيًا وعربياً على السواء!

وتطهّر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته، وقام النظام الإِسلامي يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعيّة باسم الله وحده، ويسمّيها راية الإِسلام، لا يقرن إليها اسماً آخر، ويكتب عليها:(لا إله إلا الله)!

وتطهّرت النفوس والأخلاق، وزكت القلوب والأرواح .. لأنّ الرقابة قامت هنالك في الضمائر؛ ولأن الطمع في رضي الله وثوابه، والحياء والخوف من غضبه وعقابه قد قامت كلها مقام الرقابة!

وارتفعت البشريّة في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها .. إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط، والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل (الدّين القيم)، دين الأمّة الوسط الخيرة!

ولقد تمّ هذا كله؛ لأنّ الذين أقاموا هذا الدّين في صورة دولة ونظام وشرائع

ص: 744

وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدّين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق، وعبادة وسلوك .. وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدّين وعدًا واحدًا، لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى لهذا الدّين على أيديهم .. وعدًا واحدًا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا .. وعدًا واحدًا هو الجنة. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني، والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان، في كل زمان وفي كل مكان، وهو:(لا إِله إِلا الله)!

فلمّا أن ابتلاهم الله فصبروا .. ولمّا أن فرغت نفوسهم من حظّها .. ولمّا أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض .. كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدّين بجهدهم!

ولمّا لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم، ولا اعتزاز بشيء من عرض الدنيا .. علم أنهم قد أصبحوا أمناء على العقيدة التي يتفرّد فيها الحق -جلّ شأنه- بالحاكميّة في القلوب والضمائر، والسلوك والمشاعر، والأرواح والأموال، والأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شيء لأنفسهم، ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم ولا لجنسهم، وإنما يكون السلطان في أيديهم لله، ولدين الله، وشريعة الله؛ لأنهم يعلمون أنه من الله، هو الذي آتاهم إيّاه!

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع، إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء، وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها:

(لا إِله إِلا الله)!

ص: 745

ولا ترفع معها سواها .. وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، والمبارك الميسّر في حقيقته!

إن هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، يقوم على قاعدة الألوهيّة الواحدة .. كل تنظيماته وكل تشريعاته، تنبثق من هذا الأصل الكبير .. وإن نظامه يتناول الحياة كلها، ويتولّى شؤون البشرية كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان .. في عالم الشهادة، وعالم الغيب المكنون عنها .. في المعاملات الظاهرة المادية وفي أعماق الضمير .. ودنيا السرائر والنوايا سواء!

هذا جانب من سرّ هذا (الدّين القيّم) ومنهجه، في بناء النفس وامتداده، يجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمولها واستغراقها لشعاب النفس ضرورة من ضرورات النشأة الصحيحة، وضمانًا من ضمانات الاحتمال والتناسق في كل تلك المعالم!

ومتى استقرت عقيدة: (لا إله إلا الله)! في الأعماق الغائرة البعيدة، استقرّ معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثّل فيه:(لا إله إلا الله)!

وتعيّن أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرّت فيها العقيدة، واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته!

فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان .. وبمثل هذا الاستسلام تلقّت النفوس المؤمنة، في المجتمع الإِسلامي الأوّل، تنظيمات هذا (الدّين القيم) وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور وصوله إليها، ولا تتلكّأ في تنفيذه بمجرّد تلقّيها له!

ص: 746

وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهليّة كلها .. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطانها، ودعايتها وإعلامها .. فلا تبلغ إلا أن تضبط الظاهر من المخالفات .. بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات!

وجانب آخر من حقيقة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يتجلى في هذا المنهج القويم .. إنه منهج عملي واقعيّ حركيّ جاد .. منهج يحكم الحياة في واقعها .. منهج يواجه الواقع ليقضي فيه بأمره .. يقرّه أو يعدّله أو يغيّره من أساسه .. ومن ثمّ فهو لا يشرع إلا لحاجات واقعة فعلًا، في مجتمع يعترف ابتداء بحاكميّة الله عز وجل وحده!

إنه ليس نظريّة تتعامل مع الفروض!

إنه منهج واقعيّ يتعامل مع الواقع!

ومن ثم لا بدّ أولًا أن يقوم المجتمع المسلم الذي يقرّ عقيدة: (لا إله إلا الله)!، وأن الحاكمية لله!

وحين يقوم هذا المجتمع فعلًا، تكون له حياة واقعيّة، تحتاج إلى تنظيم وتشريع .. وعندئذ فقط يبدأ هذا (الدّين القيّم) في تقرير النظم .. لقوم مستسلمين أصلًا لقواعد هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة!

ومن ثم نبصر المسلمين في مكّة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم، وما كانت لهم حياة واقعيّة مستقلّة هم الذين ينظمونها بشريعة الله .. ولم يكن لهم إلا هذه العقيدة، وهذا الخُلق المنبثق من تلك العقيدة بعد

ص: 747

استقرارها في الأعماق البعيدة .. فلما صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان تنزّلت الشرائع، وتقرر النظام الذي يواجه حاجات المجتمع الواقعية، والذي تكفل له الدولة بسلطانها الجدّيّة والنفاذ!

ولم يشأ الله عز وجل أن ينزل عليهم النظام الإِسلامي ليختزنوا معالمه جاهزة، حتى تطبق بمجرّد قيام الدولة في المدينة! ذلك أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، يواجه الواقع بحجمه وشكله وملابساته، لصوغه في قالبه الخاص، وفق حجمه وشكله وملابساته!

والله عز وجل يريد أن يكون هذا الدّين كما أراده .. عقيدة تملأ الجَنان في الإنسان، وتفرض سلطانها في الضمير!

ومن ثم تخلص النفوس لله، وتعلن عبوديّتها لله!

والقرآن الكريم لم يعرض هذا الأمر في صورة (نظريّة)!، ولا في صورة (لاهوت)!، ولا في صورة جدل كلامي كالذي عُرف فيما يسمى علم (الكلام)!

لقد كان يخاطب فطرة (الإنسان) بما في وجوده هو وبما في الوجود من حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطريّة مما ران عليها، وعطّل وظائفها، ويفتح منافذ الفطرة، لتتلفى الموحيات المؤثرة، وتستجيب لها!

كان هذا القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حيّة واقعيّة .. مع الركام المعطّل للفطرة .. في نفوس آدمّية حاضرة واقعة!

كان يواجه واقعًا بشريًّا كاملًا بكل ملابساته الحيّة، ويخاطب الكينونة البشريّة بجملتها في خضمّ هذا الواقع!

ص: 748

ولم يكن (اللاهوت) هو الشكل المناسب؛ لأنّ العقيدة تمثل منهج حياة واقعيّة للتطبيق العملي، ولا تقبع في الزاوية الضيّقة التي تقبع فيها الأبحاث (اللاهوتيّة النظريّة)!

كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يخوض بهذه الجماعة المسلمة معركةً ضخمة مع الجاهليّة من حولها، كما يخوض معركة ضخمة في ضميرها وأخلاقها وواقعها!

ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة، لا في صورة (نظريّة)، ولا في صورة (لاهوت)، ولا في صورة جدل كلامي .. ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ممثّل في الجماعة ذاتها، وكان نمو الجماعة المسلمة في تصوّرها الاعتقادي، وفي سلوكها الواقعيّ وفق هذا التصوّر، وفي دربتها على مواجهة الجاهلية .. كان هذا النموّ ذاته ممثّلًا تمامًا لنموّ البناء العقديّ، وترجمة حيّة له .. وهذا هو منهج هذا (الدّين القيم) الذي يمثّل حقيقته كذلك!

ومرحلة بناء العقيدة التي طالت في العهد المكّي لم تكن منعزلة عن مرحلة التكوين العمليّ للحركة الإِسلاميّة، والبناء الواقعيّ للجماعة المسلمة .. لم تكن مرحلة تلقّي (النظريّة)! ولكنها كانت مرحلة البناء القاعديّ للعقيدة وللجماعة، وللحركة، وللوجود الفعلي معًا!

ومن ثم فالقرآن الكريم لم يقض ثلاثة عشر عامًا في بناء العقيدة بسبب أنه كان يتنزّل للمرة الأولى .. كلا! فلو أراد الله عز وجل لأنزله جملة واحدة، ثم ترك أصحابه يدرسونه ثلاثة عشر عامًا أو أكثر أو أقل، حتى يستوعبوا (الحقيقة الإِسلاميّة)!

ص: 749

ولكن الله -جلّ شأنه- كان يريد بناء الجماعة، وبناء الحركة، وبناء العقيدة في وقت واحد.، كان يريد أن يبني الجماعة والحركة بالعقيدة، وأن يبني العقيدة بالجماعة والحركة!

كان يريد أن تكون العقيدة هي واقع الجماعة الفعلي، وأن يكون واقع الجماعة الحركي الفعلي هو صورة العقيدة!

كان يعلم أن بناء النفوس والجماعات لا يتم بين يوم وليلة .. ومن ثم لم يكن بدّ أن يستغرق بناء العقيدة هذا المدى الذي يستغرقه بناء النفوس والجماعة .. حكى إذا نضج التكوين العقدي كانت الجماعة هي المظهر الواقعى لهذا النضوج!

إن العقيدة الإِسلاميّة يجب أن تتمثّل في نفوس حيّة، وفي تنظيم واقعي، وفي حركة تتفاعل مع الجاهليّة من حولها، كما تتفاعل مع الجاهليّة الراسبة في نفوس أصحابها .. بوصفهم كانوا من أهل الجاهليّة قبل أن تدخل العقيدة إلى نفوسهم، وتنتزعها من الوسط الجاهليّ، وهي في صورتها تشغل من القلوب والعقول ومن الحياة -أيضًا- مساحة أضخم وأوسع وأعمق مما تشغله (النظرية)، وتشمل -فيما تشمل- مساحة (النظريّة) ومادتها، ولكنها لا تقتصر عليها!

إن التصوّر الإِسلاميّ للألوهيّة وللوجود الكونيّ وللحياة وللإنسان، تصوّر شامل كامل، ولكنه كذلك تصوّر واقعي إيجابيّ!

قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)} (الإسراء)!

ص: 750

فالفرق مقصود، والمكث مقصود كذلك .. ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حيّة)، لا في صورة (نظرّية معرفيّة)!

ونحن لا نملك أن نصل إلى التصوّر الربانيّ والحياة الربانيّة إلا عن طريق المنهج الذي قام عليه المجتمِع الإِسلامي .. ومنهج التفكير والحركة في بناء المجتمع الإِسلامي يجب أن يتمثّل وفق معالم المجتمع الذي قام عليه المجتمع الإِسلامي الأول!

رجاء أن نبصر معالم طريق النصر، وانتشار (الدّين القيم)، كما انتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ!

ويندهش عقل الناظر في أحوال البشر، عندما يرى أن هذا الدّين يجمع إليه الأمّة العربية من أدناها إلى أقصاها في أقل من ثلاثين سنة، ثم يتناول من بقيّة الأمم ما بين المحيط العربي والصين في أقل من قرن واحد، وهو أمر لم يعهد في تاريخ الرسالات والرسل، ولذلك ضلّ كثير في بيان السبب الذي اهتدى إليه المنصفون في سرعة انتشار هذا الدّين، فبطل العجب (1)!

ابتدأ (الدّين القيّم) بالدعوة إلى الله، ولقي من أعداء أنفسهم أشدّ ما يلقى حقّ من باطل، وأوذي الرسول صلى الله عليه وسلم -كما سبق- بضروب الإيذاء التي يعجز الخيال المحلّق عن تصوّرها!

وأقيم في وجهه صلى الله عليه وسلم ما كان يصعب تذليله من العقاب، لولا عناية الله، وعذب المستجيبون له، وحرموا الرزق، وطردوا من الدار، وسُفكت منهم دماء غزيرة -كما هو معلوم- غير أن تلك الدماء كانت عيون العزائم تتفجّر

(1) رسالة التوحيد: 95 وما بعدها بتصرف.

ص: 751

في صخور الصبر، يثبّت الله عز وجل بمشهدها المستيقنين، ويقذف بها الرعب في أنفس المرتابين، فكانت تسيل لمنظرها نفوس أهل الرّيب، وهي ذوب ما فسد من طباعهم، فتجري من مناحرهم مجرى الدم الفاسد من المفصود، على أيدي الأطباء الحاذقين:{لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (6)} (الأنفال)!

تألّبت الملل المختلفة ممن كان يسكن جزيرة العرب وما جاورها على (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، ليحصدوا نبته، ويخفقوا دعوته، فما زال يدافع عن نفسه، دفاع الضعيف للأقوياء، والفقير للأغنياء، ولا ناصر له، إلا أنه الحق بين الأباطيل، والرشد في ظلمات الأضاليل، حتى ظفر بالعزّة، وتعزّز بالمنعة!

وقد وطئ أرض الجزيرة أقوام من أديان أخر، كانت تدعو إليها، وكانت لهم ملوك وعزّة وسلطان، وحملوا الناس على عقائدهم بأنواع من المكاره، ومع ذلك لم يبلغ بهم السعي نجاحاً، ولا أنالهم فلاحاً!

وضمّ (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، سكان القفار العربيّة إلى وحدة لم يعرفها تاريخهم، ولم يعهد لها نظير في ماضيهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ رسالته بأمر ربّه إلى من جاور البلاد العربيّة .. فسخروا وامتنعوا، وناصبوه وقومه الشرّ .. فبعث إليهم البعوث في حياته، وجرى على سنته الأئمة من صحابته، طلباً للأمن، وإبلاغاً للدعوة، فاندفعوا في ضعفهم وفقرهم يجعلون الحق على أيديهم، وانهالُوا به على تلك الأمم في قوتها ومنعتها، وكثرة عددها، واستكمال أهبها وعددها، فظفروا منها بما هو

ص: 752

معلوم .. وكانوا متى وضعت الحرب أوزارها، واستقرّ السلطان للفاتح، عطفوا على المغلوبين بالرّفق واللّين، وأباحوا لهم البقاء على أديانهم، وإقامة شعائرها، آمنين مطمئنّين، ونشروا حمايتهم عليهم، يمنعونهم مما يمنعون منه أهلهم وأموالهم!

وشهد العالم بأسره أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيرة، كان يعدّ مجاملة المغلوبين فضلاً وإحساناً، عندما يعدها غيرهم ضعةً وضعفاً .. ورفع الدّين القيم الإتاوات، ورد الأموال المسلوبة إلى أربابها، وانتزع الحقوق من مغتصبيها، ووضع المساواة في الحق عند التقاضي بين المسلم وغير المسلم!

وبلغ أمر المسلمين فيما بعد أن لا يقبل إسلام من داخل فيه إلا بين يدي قاض شرعيّ بإقرار من المسلم الجديد أنه أسلم بلا إكراه ولا رغبة في دنيا!

وحمل المسلمون إلى الناس كتاب الله وشريعته، وألقوا بذلك بين أيديهم، وتركوا الخيار لهم في القبول وعدمه!

وظهر الإِسلام على ما كان من جزيرة العرب، من ضروب العبادات الوثنيّة، وتغلّب على ما كان فيها من رذائل الأخلاق، وقبائح الأعمال .. وظهر أن (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، هو الدّين عند الله .. فلم يجد أهل النصفة منهم سبيلاً إلى البقاء على العناد في مجاحدته، فتلقّوه شاكرين، وتركوا ما كان بين قومهم صابرين، وأوقع ذلك من الرّيب في قلوب مقلّديهم ما حرّكهم إلى النظر فيه، فوجدوا لطفاً ورحمةً، وخيرًا ونعمة!

وسطع (الدّين القيّم) على الديار التي بلغها أهله، فلم يكن بين أهل تلك الديار وبينه إلا أن يسمعوا كلام الله ويفقهوه .. وانتشر بسرعة لم يعهد لها نظير في التاريخ!

ص: 753

وسيظل التاريخ يذكر كيف اهتزّ إيوان كسرى، وترنّح قصر قيصر، وتمرغّ الباطل في الرغام!

وإذا الحفاة الذين لم يكن لهم شأن أمام الفرس والروم قد هزموا الباطل، وورثوا عرش هذا، وتاج ذاك!

واندفعوا بقوة هذا (الدّين القيّم)، دين الأمّة الوسط الخيّرة، حتى بلغوا أسوار الصين، وانطلقوا حتى وصلوا إلى ساحل المحيط الأطلسي، وأقاموا دولة إسلاميّة في أسبانيا، ووصلوا إلى فيينا!

وهذا ما شهدته الدنيا، وسجله التاريخ!

وصدق الله العظيم: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)} (التوبة)!

{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28)} (الفتح)!

وما يزال هذا الذين ظاهرًا على الذين كله -حتى بعد انحساره السياسي في العصر الحاضر عن جزء كبير من الأرض التي فتحها، وبخاصة في أوروبا وجزر البحر الأبيض المتوسط (1) .. وانحسار قوة أهله في الأرض كلها بالقياس إلى القوى التي ظهرت في الشرق والغرب!

أجل، ما يزال دين التوحيد ظاهراً على الدّين كله، من حيث هو دين، فهو الدّين القوي بذاته، القويّ بطبيعته .. الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله!

بما

(1) انظر: في ظلال القرآن: 6: 3331.

ص: 754