الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة
الفرع الأول في قراءته ما زاد على الجهرية
المدخل إلى المسألة:
* لا يقرأ المأموم ما زاد على الفاتحة في الجهرية إذا كان يسمع قراءة إمامه، وهذا بالاتفاق.
* أذكار الصلاة للمأموم على ثلاثة أقسام: قسم لا يتحملها الإمام بالاتفاق، كالتكبير، والاستفتاح، والتسبيح، والتشهد. وقسم يتحملها بالاتفاق وهي قراءة ما زاد على الفاتحة في الجهرية. وقسم مختلف فيه، كقراءة الفاتحة في الجهرية، والأصح أنه يتحملها عنه.
* قال تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب.
* الأمر بالاستماع نهي عن ضده، وهو القراءة، والأصل في النهي التحريم.
* نهي المأموم عن القراءة ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة إمامه، فإذا لم يسمعها لبعد ونحوه لم يمنع من القراءة.
* إذا عاد النهي لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة.
[م-275] سبق لنا خلاف العلماء في قراءة المأموم لفاتحة الكتاب في الصلاة السرية، وأما قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في الصلاة الجهرية، فالعلماء متفقون على أن المأموم لا يقرأ، بل يستمع وينصت لقراءة إمامه.
قال ابن تيمية: «أجمعوا على أنه فيما زاد على الفاتحة كونه مستمعًا لقراءة إمامه خير
من أن يقرأ معه»
(1)
.
واختلفوا في حكم القراءة:
فقيل: تحرم وصلاته صحيحة، وهذا هو الأصح في مذهب الحنفية، وقول في مذهب المالكية، وقول في مذهب الشافعية
(2)
.
وقيل: تحرم إن آذى غيره، وهو قول عند الشافعية
(3)
.
قال في الدر المختار: «وَالْمُؤْتَمُّ لا يقرأ مطلقًا، ولا الفاتحة، في السرية اتفاقًا
…
فإن قَرَأَ كُرِهَ تحريمًا وتصح في الأصح»
(4)
.
علق ابن عابدين على ذلك في حاشيته، فقال:(قوله: (ولا الفاتحة) بالنصب على محذوف تقديره: لا غير الفاتحة، ولا الفاتحة.
وقوله: (في السرية) يعلم منه نفي القراءة في الجهرية بالأولى ....
وقوله: (اتفاقًا) أي بين أئمتنا الثلاثة»
(5)
.
وقيل: إن قرأ، وهو يسمع قراءة الإمام فسدت صلاته، وهو قول في مذهب الحنفية في مقابل الأصح، وبه قال ابن حزم
(6)
.
قال ابن حزم: ولا يجوز للمأموم أن يقرأ خلف الإمام شيئًا غير أم القرآن
…
(7)
.
* دليل هذا القول:
الدليل الأول:
قال تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف:204]
(1)
. مجموع الفتاوى (18/ 21)، وانظر:(23/ 270).
(2)
. بدائع الصنائع (1/ 110)، المبسوط (1/ 199)، تحفة المحتاج (2/ 54)، حاشية الدسوقي (1/ 247)، مغني المحتاج (1/ 362).
(3)
. تحفة المحتاج (2/ 54).
(4)
. حاشية ابن عابدين (1/ 544).
(5)
. حاشية ابن عابدين (1/ 544).
(6)
. حاشية ابن عابدين (1/ 545)، المحلى بالآثار (3/ 28).
(7)
. المحلى (3/ 28) و (2/ 266، 271).
فأمر الله بالاستماع والإنصات عند قراءة القرآن، والأصل في الأمر الوجوب، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فكان الأمر بالاستماع يستلزم النهي عن القراءة، والنهي عن القراءة يقتضي فساد المنهي عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.
* ويناقش:
بأن النهي ليس عائدًا لذات القراءة، وإنما من أجل استماع قراءة الإمام، ولذلك لو كان المأموم لا يسمع قراءة إمامه لم يمنع من القراءة في الأصح، كما سيأتي بحثه إن شاء الله تعالى، وإذا كان النهي عن قراءة المأموم لأمر خارج لم يَقْتَضِ النهي فساد الصلاة، بخلاف النهي إذا عاد إلى ذات العبادة، أو على شرطها المختص بها، فإنه يقتضي الفساد، والله أعلم.
الدليل الثاني:
ولحديث عبادة بن الصامت، وفيه:
…
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعلوا إلا بأم القرآن؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها
(1)
.
[ضعيف]
(2)
.
وجه الاستدلال:
أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القراءة خلف الإمام ما عدا الفاتحة، والأصل في النهي التحريم والفساد.
* ونوقش:
بأن الحديث ضعيف، والقول بفساد العبادة شاذٌّ، وقد أجبت عنه في الدليل السابق، وقد حكي الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام، حكاه ابن عبد البر وابن حبان والثعلبي وغيرهم، وسيأتي نقل كلامهم بعد قليل إن شاء الله تعالى.
وقيل: تكره القراءة، وهو مذهب المالكية والشافعية، والحنابلة
(3)
.
(1)
. المسند (5/ 322).
(2)
. سبق تخريجه، انظر:(ح 1385).
(3)
. التاج والإكليل (2/ 221)، مواهب الجليل (1/ 524)، الشرح الصغير (1/ 322)، الاستذكار (1/ 464، 467) و (4/ 234)، التمهيد (11/ 41، 50)، المنتقى للباجي (1/ 159)، الفواكه الدواني (2/ 385)، منح الجليل (2/ 62)، تحفة المحتاج (2/ 54)، مغني المحتاج (1/ 362)، نهاية المحتاج (1/ 493)، بداية المحتاج (1/ 239)، حاشية الجمل (1/ 356)، الإقناع (1/ 162)، كشاف القناع (1/ 462)، الكافي لابن قدامة (1/ 246)، شرح الزركشي على الخرقي (1/ 601)، شرح منتهى الإرادات (1/ 263).
قال خليل في التوضيح: «والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة»
(1)
.
وقال الخرشي: «الإنصات للإمام فيما يجهر فيه سنة في الفاتحة وغيرها، ويكره قراءته، سمع قراءة الإمام أو لا على المشهور»
(2)
.
وقال في تحفة المحتاج: «ولا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية، بل يستمع؛ لصحة نهيه عن القراءة خلفه ما عدا الفاتحة، ومن ثم كرهت له، وقيل: تحرم»
(3)
.
وقال في الفروع: «ولا قراءة على مأموم»
(4)
.
* دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام أوكراهتها:
الدليل الأول:
قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204]
(5)
.
فكانت الآية تأمر بالاستماع إذا قرئ القرآن، ولفظ:(القرآن) عام يشمل الفاتحة وغيرها، استثنى الفاتحة من قال بتخصيص عموم الآية بحديث عبادة:(لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وبقي ما زاد على الفاتحة على العموم، حيث يؤمر المصلي بالاستماع والإنصات.
فمن قال: إن الأصل في الأمر الوجوب، رأى أن الآية تقتضي تحريم القراءة فيما
(1)
. التوضيح شرح مختصر ابن الحاجب (1/ 338)، شرح النووي على صحيح مسلم (5/ 76).
(2)
. شرح مختصر خليل للخرشي (1/ 280).
(3)
. تحفة المحتاج (2/ 54).
(4)
. الفروع (2/ 190).
(5)
. شرح البخاري لابن بطال (2/ 270).
زاد على الفاتحة، وهذا دليل من قال بتحريم القراءة خلف الإمام، وقد سبق.
ومن قال: إن الأمر بالاستماع والإنصات على الاستحباب؛ لأنه هو المتيقن، رأى كراهة القراءة خلف الإمام.
قال في حاشية الدسوقي: «(قوله: وَإِنْصَاتُ مُقْتَدٍ إلخ) جَعْلُهُ سنة هو المشهور»
(1)
.
وقال في مغني المحتاج: «والاستماع مستحب، وقيل: واجب»
(2)
.
فجزم بالاستحباب، وصاغ الوجوب بصيغة التمريض.
الدليل الثاني:
لو كانت القراءة خلف الإمام محرمة لكانت القراءة خلف الإمام تبطل الصلاة، لأن ارتكاب المنهي عنه داخل العبادة على وجه يكون النهي مختصًّا بالصلاة يبطلها.
فلما حكى العلماء الإجماع على صحة صلاة من قرأ خلف الإمام علم أن القراءة مكروهة، وليست محرمة.
قال ابن عبد البر: «أجمع العلماء على أن من قرأ خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه»
(3)
.
وقال ابن حبان: «أهل الصلاة لم يختلفوا من لدن الصحابة إلى يومنا هذا ممن ينسب إلى العلم منهم: أن من قرأ خلف الإمام تجزيه صلاته»
(4)
.
وقال الثعلبي في تفسير القرآن: «اتفق المسلمون على أن صلاته صحيحة إذا قرأ خلف الإمام»
(5)
.
* يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا يلزم من صحة الصلاة أن يكون الأمر بالاستماع والإنصات للاستحباب، وأن
(1)
. حاشية الدسوقي (1/ 247).
(2)
. مغني المحتاج (1/ 362).
(3)
. الاستذكار (1/ 470).
(4)
. المجروحين لابن حبان (2/ 5).
(5)
. تفسير الثعلبي (1/ 131).
تكون القراءة خلف الإمام للكراهة؛ لأن التحريم حكم تكليفي، بني على أصل فقهي صحيح، وهو أن الأمر بالاستماع والإنصات للوجوب، ولا صارف له إلى الاستحباب.
والصحة حكم وضعي، ولا تلازم بينهما، فقد يحرم الفعل ويبطل، وقد يحرم الفعل، ويصح، فلا تلازم بينهما، وإنما لم تبطل الصلاة للإجماع الذي تقدم، ولولاه لكانت الصلاة باطلة.
الوجه الثاني:
قد يكون عدم البطلان عند العلماء راجعًا إلى قوة الخلاف في وجوب قراءة الفاتحة، فمراعاة لخلاف العلماء القديم من لدن الصحابة، لم يقل أحد من العلماء ببطلان الصلاة بالقراءة خلف الإمام.
* وقد يناقش هذا القول:
بأن هذا القول يمكن أن ينزل على الخلاف في قراءة الفاتحة، وأما قراءة ما زاد على الفاتحة فليس هناك خلاف قوي ينبغي مراعاته، فهم متفقون على أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام ما زاد على الفاتحة، والله أعلم.
* الراجح:
القول بالتحريم مع القول بالصحة أقيس من القول بالكراهة، وهو مذهب الحنفية وقول عند المالكية، وعند الشافعية، وبه قال ابن حزم، والله أعلم.
* * *