الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة
المدخل إلى المسألة:
* القراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كلها قرآن من عند الله.
* الأصل جواز التلفيق بين القراءات الثابتة في الصلاة؛ ويصدق عليه أنه قرأ ما تيسر من القرآن.
* لو قرأ في ركعة برواية، وقرأ بركعة أخرى برواية أخرى؛ صح التلفيق؛ لأن الكل من عند الله.
* إذا قرأ كلمة أو جملة أو آية فأخذ يكررها بعدة قراءات فذلك يحرم فعله في الصلاة؛ لأنه محدث، لم يعرف في الصدر الأول.
* إذا ترتب على التلفيق اختلال المعنى أو القراءة بهيئة لم يقرأ بها أحد حرم التلفيق.
[م-612] التنقل بين القراءات في أثناء التلاوة، من غير الالتزام برواية معينة، كأن يقرأ وهو في موضع بضم الهاء، وفي موضع آخر بإسكانها، ويُعَبَّر عنه بـ (الخلط) وبـ (التلفيق)،اختلف العلماء في جوازه.
فقيل: ممنوع مطلقًا، إما منع تحريم أو منع كراهة، وبهذا أخذ السخاوي، وهو أحد القولين عن ابن تيمية.
قال السخاوي في كتابه جمال القراء: «وخلط هذه القراءات بعضها ببعض خطأ»
(1)
.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «وأما جمعها في الصلاة أو في التلاوة فهو بدعة مكروهة»
(2)
.
(1)
. النشر في القراءات العشر (1/ 18).
(2)
. مجموع الفتاوى (13/ 404).
وحجتهم: بأن جمع القراءات في الصلاة بدعة محدثة، لا تعرف في الصدر الأول، ولم يعرف عن الصحابة أنهم قرؤوا في الصلاة بأكثر من قراءة واحدة، وكفى بهذا حجة في الامتناع عن الفعل.
وقيل: تجوز مطلقًا، حكاه الجزري عن أكثر الأئمة، وهو أحد القولين عن ابن تيمية
(1)
.
قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى: «يجوز أن يقرأ بعض القرآن بحرف أبي عمرو، وبعضه بحرف نافع، وسواء كان ذلك في ركعة، أو ركعتين، وسواء كان خارج الصلاة أو داخلها، والله أعلم»
(2)
.
وقيل بالتفصيل، وهو أرجحها:
قال ابن الجزري رحمه الله: «والصواب عندنا في ذلك التفصيل والعدول بالتوسط إلى سواء السبيل، فنقول: إن كانت إحدى القراءتين مترتبة على الأخرى فالمنع من ذلك منع تحريم، كمن يقرأ {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} بالرفع فيهما، أو بالنصب، آخذًا رفع آدم من قراءة غير ابن كثير، ورفع كلمات من قراءة ابن كثير
…
وشبهه مما يركب بما لا تجيزه العربية ولا يصح في اللغة.
وأما ما لم يكن كذلك فإنا نفرق فيه بين مقام الرواية وغيرها.
فإن قرأ بذلك على سبيل الرواية، فإنه لا يجوز أيضًا من حيث إنه كذب في الرواية، وتخليط على أهل الدراية.
وإن لم يكن على سبيل النقل، بل على سبيل القراءة والتلاوة، فإنه جائز صحيح مقبول، لا منع منه ولا حظر، وإن كنا نعيبه على أئمة القراءات العارفين باختلاف الروايات من وجه تساوي العلماء بالعوام، لا من وجه أن ذلك مكروه، أو حرام؛ إذ كُلٌّ من عند الله، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين تخفيفًا عن الأمة، وتهوينًا على أهل هذه الملة
…
»
(3)
.
(1)
. النشر في القراءات العشر (1/ 18)، الفتاوى الكبرى (2/ 186)، الزيادة والإحسان في علوم القرآن (2/ 302).
(2)
. الفتاوى الكبرى (2/ 186).
(3)
. النشر في القراءات العشر (1/ 19).
(1)
.
واعتبار هذا الشرط يرجع لأمرين:
الأول: ما قاله في تحفة المحتاج: «لاستلزامه هيئة لم يقرأ بها أحد»
(2)
.
الأمر الثاني: وجوب المحافظة على المعنى، فالتلفيق بين القراءات قد يترتب عليه اختلال المعنى، وليس كل قارئ للقرآن يعرف ما يخل بالمعنى مما لا يخل به.
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي وفقه الله: «وأما التلفيق بين القراءات، فإذا كان في الكلمة الواحدة فهو محرم قطعًا، مثل من يجمع بين قراءتين متنافيتين؛ كالذي يرقق الراء في كلمة الآخرة، فإنه لا يحقق الهمزة، وهذا مثال في تحريف الكلمة الواحدة؛ لأنه لحن، وليس كلامًا من لغة واحدة.
وإذا كان في الجملة الواحدة فمحل خلاف، فقيل بتحريمه، وقيل بكراهته.
وإذا كان في الآية الواحدة، فهو مكروه قطعًا.
وإذا كان في آيتين، ولم يكن على وجه التعليل، فهو خلاف الأولى.
ومع ذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يرى أن القراءات نفسها ملفقة من الحروف السبعة التي أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، فليست القراءة موافقة لحرف واحد، بل كل قراءة فيها أخذت من كل الحروف، ولا يمكن الجزم بهذا؛ لأن الجزم فيه صعب، ونحن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه القرآن على سبعة أحرف؛ لكن لم يبين لنا أن هذا هو الحرف الأول، وهذا هو الحرف الثاني، وهذا هو الحرف الثالث
…
بل قرأ بالجميع، وأَقَرَّ الناس على قراءة الجميع، فبالإمكان أن يحفظ فلان من الناس سورة التوبة على الحرف الأول، ويحفظ هو نفسه سورة يس مثلًا على الحرف الخامس، وسورة أخرى على الحرف السادس، ويلفق الجميع، فيكون قد حفظ القرآن بحروفه
(1)
. المجموع (3/ 392)، التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 98)، مغني المحتاج (1/ 153).
(2)
. تحفة المحتاج (2/ 39).
المتعددة، وهكذا»
(1)
.
* الراجح من هذا الخلاف:
أن التلفيق بين القراءات في الصلاة: إن كان في كلمة واحدة، فذلك بدعة، وأقل أحواله الكراهة، ويحرم إن ترتب عليه لحن، كما لو جمع بين ترقيق الراء وتحقيق الهمزة في كلمة (الآخرة)، فإن من رقق الراء لم يحقق الهمزة، ومن حقق الهمزة لم يرقق الراء.
وإن كان التنوع في القراءات في آيات وسور مختلفة، فالمستحب أن يقرأ بقراءة واحدة، فإن قرأ بقراءة أخرى، فإن ذلك مباح بشرط:
الأول: أن يأمن تشويش العوام، فإن القراءة بهم بقراءة لم يألفوها قد يفتح على نفسه بابًا من الخلاف، لا يمكنه رده.
(ث-426) وقد روى البخاري معلقًا بصيغة الجزم، قال أبو عبد الله: قال علي: حدثوا الناس، بما يعرفون أتحبون أن يُكَذَّبَ، الله ورسوله
(2)
؟
الثاني: أن لا ينشأ عن ذلك قراءة لم يقرأ بها أحد.
الثالث: أن لا يعود ذلك على الإخلال بمعنى الآيات.
قال ابن حجر: واستدل بقوله تعالى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} على جواز القراءة بكل ما ثبت من القرآن
…
بشرط أن لا يختل المعنى ولا يتغير الإعراب
(3)
.
* * *
(1)
. دروس صوتيه مفرغة لفضيلة الشيخ باسم سلسلة الأسماء والصفات.
(2)
. صحيح البخاري (5/ 424).
(3)
. فتح الباري (9/ 38).