الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في السؤال عند آية الوعد والتعوذ عند آية الوعيد
المدخل إلى المسألة:
* الدعاء من جنس الذكر لا يبطل الصلاة فعله.
* كان النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة النافلة إذا مَرَّت به آية رحمة سأل، أو آية عذاب استعاذ.
* يستحب للمأموم في صلاة النافلة أن يؤمن على دعاء إمامه إذا سأل عند آية الرحمة، أو استعاذ عند آية العذاب، ما لم يمنعه ذلك من الاستماع والإنصات لقراءة إمامه، أو يشوش على غيره.
* ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في النافلة، ولم يفعله في الفريضة، فإن نهى عنه في الفريضة اختص الفعل بالنافلة، وإن لم يَنْهَ عنه لم يحرم فعله في الفريضة؛ لعدم النهي عنه، ولم يستحب فعله مع ترك النبي صلى الله عليه وسلم له، فيبقى على الإباحة.
[م-607] إذا مَرَّ بآية رحمة هل يسأل؟ أو مَرَّ بآية تعوذ، هل يستعيذ؟
قال الحنفية: يكره للإمام والمأموم مطلقًا، في الفرض والنفل، وحسن في التطوع للفذ
(1)
.
(1)
. جاء في الأصل (1/ 203): «قلت: أرأيت الرجل يمر بالآية فيها ذكر النار، فيقف عندها، ويتعوذ بالله، ويستغفر الله، وذلك في التطوع، وهو وحده؟ قال: هذا حسن. قلت: فإن كان الإمام. قال: أكره له ذلك، قلت: فإن فعل. قال: صلاته تامة. قلت أرأيت الرجل يكون خلف الإمام، فيقرأ الإمام بسورة فيها ذكر الجنة وذكر النار، أو ذكر الموت، أينبغي لمن خلفه أن يتعوذ بالله من النار ويسأل الله الجنة؟ قال: يسمعون وينصتون أحب إلي
…
».
وانظر: المبسوط (1/ 198)، بدائع الصنائع (1/ 235)، المحيط البرهاني (1/ 378)، العناية شرح الهداية (1/ 342)، البحر الرائق (1/ 363). مرقاة المفاتيح (2/ 704)، فيض القدير (5/ 160)، التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 447)، مختصر خلافيات البيهقي (2/ 173).
وقال الشافعية والحنابلة: يستحب مطلقًا للإمام وللمنفرد وللمأموم في الفرض والنفل، ونسبه النووي للجمهور، وبه قال ابن حزم
(1)
.
وقيل: يكره في الفرض، ويجوز في النفل، وهو رواية عن أحمد، ورجحه ابن هبيرة، وابن قدامة
(2)
.
قال ابن قدامة: «ويستحب للمصلي نافلة إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها؛ لما روى حذيفة
…
وذكر الحديث
…
ولا يستحب ذلك في الفريضة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم في فريضة، مع كثرة من وصف قراءته فيها»
(3)
.
واختار شيخنا ابن عثيمين رحمه الله جوازه في الفريضة، واستحبابه في النافلة.
* دليل من قال: يكره للإمام والمأموم مطلقًا:
أما كراهته للإمام في الفريضة: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله في المكتوبات وكذا الأئمة بعده إلى يومنا هذا فكان من المحدثات.
وأما كراهته للإمام في النفل: فلأنه يثقل على من خلفه ويؤدي إلى تطويل الصلاة عليهم، وذلك مكروه.
ورأى ابن عابدين أن ذلك يصدق على التراويح؛ أما غيرها من نوافل الليل التي يقتدي به فيها واحد أو اثنان فلا يتم ترجيح الترك على الفعل، لما روينا: أي من حديث حذيفة السابق، اللهم إلا إذا كان في ذلك تثقيل على المقتدي، وفيه تأمل
(4)
.
(1)
. التبيان في آداب حملة القرآن (ص: 92)، شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 62)، نهاية المطلب (2/ 226)، المجموع (4/ 66، 67)، التعليقة للقاضي حسين (2/ 855)، فتح العزيز (3/ 360)، الحاوي الكبير (2/ 199)، المهذب للشيرازي (1/ 164)، روضة الطالبين (1/ 249)، مغني المحتاج (1/ 390)، الإقناع (1/ 132)، شرح منتهى الإرادات (1/ 212)، كشاف القناع (1/ 384)، المبدع (1/ 440)، المحلى، مسألة (450).
(2)
. مرقاة المفاتيح (2/ 704)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين (1/ 142، 143)، المقنع (ص: 53)، المبدع (1/ 440)، الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 236)، المغني لابن قدامة (1/ 394)، الممتع شرح المقنع للتنوخي (1/ 389).
(3)
. المغني (1/ 394).
(4)
. انظر: حاشية ابن عابدين (1/ 545).
وأما كراهته للمأموم: فلأنه مأمور بالاستماع والإنصات لقوله تعالى {وَإِذَا قُرِاءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} [الأعراف: 204].
فإذا سأل وتعوذ لم ينصت.
(ح-1592) واستدل بعضهم بما رواه مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار،
عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه، ما شأنكم؟ تنظرون إِلَيَّ، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .... الحديث
(1)
.
قال ابن حجر: أقصى ما تمسك به المانع حديث: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، فهو محمول على ما عدا الدعاء جمعًا بين الأخبار
(2)
.
* دليل من قال: يستحب مطلقًا:
(ح-1593) ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،
عن حذيفة، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيحٌ سَبَّحَ، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ .... الحديث
(3)
.
وجه الاستدلال:
أن ما صح في النافلة صح في الفريضة، إلا أن يأتي دليل يخص الفعل في
(1)
. صحيح مسلم (33 - 537).
(2)
. فيض القدير للمناوي (5/ 160)، شرح الجامع الصغير (8/ 447).
(3)
. صحيح مسلم (203 - 772).
الفريضة، كالصلاة على الراحلة فإنه صلى الله عليه وسلم لما فعل ذلك في النافلة، قال الراوي: غير أنه لا يفعل ذلك في الفريضة، ولولا هذا الاستثناء لكان عموم الفعل في الصلاة يشمل الفريضة والنافلة؛ لأنهما عبادتان من جنس واحد، فما صح في إحداهما صح في الأخرى إلا بدليل.
* دليل من قال: يستحب في النافلة ويكره في الفريضة:
حديث حذيفة إنما ورد في صلاة الليل، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد، وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو فعله لنقل، بل لكان نقله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى، وما تركه النبي صلى الله عليه وسلم فالسنة تركه، فالترك من النبي صلى الله عليه وسلم سنة كالفعل، فلا نتجاوز ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأن القراءة في النفل يسن فيها التطويل، فإذا سأل عند آية الرحمة واستعاذ عند آية العذاب كان ذلك أحضر لقلبه، وأبلغ في التدبر بخلاف الفريضة فالسنة فيها التخفيف خاصة في الجماعة، والله أعلم.
* دليل من قال: يجوز في الفريضة، ويستحب في النافلة:
استدل شيخنا على ترك الفعل في الفريضة بأنه ليس مستحبًّا فيها.
فإن قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا تكرهون فعله كما كرهه بعض أهل العلم في صلاة الفرض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صلوا كما رأيتموني أصلي؟ فإذا تركه في الفريضة فاتركوه.
فالجواب: أن ترك النبي صلى الله عليه وسلم له لا يدل على تحريمه؛ لأنه لم يَنْهَ عنه في الفريضة، والدعاء من جنس الذكر لا يبطل فعله الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن.
لهذا نقول لا يستحب فعله في الفريضة، وفعله جائز ما لم يشق ذلك على المأمومين، وأما في النفل فهو مستحب، ولعل هذا القول هو أقواها، والله أعلم.
* * *