الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في وقت ابتداء التكبير
المدخل إلى المسألة:
* السنة أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع لحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
* التكبيرات التي يشرع معها رفع اليدين كتكبيرة الركوع فإنه يرفع يديه، وهو قائم؛ لأن الرفع حال الانحناء متعسر.
* لم يحفظ نص عن الشارع يأمر به المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الانتقال، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص.
* الأصل في أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم الاستحباب.
* إذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع، أو أتم جزءًا منه بعد الانتقال فهو مغتفر للحاجة، ويُعْطَى الأكثر حكم الكل.
* إذا أوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو شرع فيه كله بعد الانتقال؛ فقد أوقع التكبير في غير محله، وفعله مخالف للسنة، وصلاته صحيحة؛ لأن تكبيرات الانتقال سنة.
[م-618] اختلف العلماء في وقت ابتداء التكبير للركوع
فقيل: يسن أن يبتدئ التكبير قائمًا، وقال به بعض الحنفية، وهو المنصوص عن الإمام الشافعي في الأم، وقطع به العراقيون، واختاره النووي في المجموع، وقال: هو المذهب، ورجحه متأخرو الشافعية، وصوبه الإسنوي في المهمات
(1)
.
(1)
. قال في مختصر القدوري (ص: 27): «ثم يكبر، ويركع» . =
قال الإمام الشافعي في الأم: «وإذا أراد الرجل أن يركع ابتدأ بالتكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا»
(1)
.
وقيل: يسن أن يبتدئ تكبيرات الانتقال كلها حال الشروع، وهو قول الجمهور، من الحنفية، والمالكية، ونص عليه الرافعي في فتح العزيز، والنووي في الروضة، قال المالكية: إلا في القيام من الركعتين فيندب أن يؤخر التكبير حتى يستوي قائمًا
(2)
.
= وقال ابن نجيم في البحر الرائق (1/ 333): «وفي بعض الروايات يكبر، ثم يهوي، وعبارة الجامع الصغير: ويكبر مع الانحطاط» .
قال في العناية شرح الهداية (1/ 296): «بعد ما فرغ من قراءته، يكبر، ويركع، وهذه رواية القدوري، وهذا يقتضي أن يكون التكبير في محض القيام، وبه قال بعض مشايخنا» .
وتعقب هذا في مجمع الأنهر (1/ 96)، فقال:«وفي القدوري: ثم يكبر ويركع، وفيه احتمال للمقارنة وضدها، ولأنه لا دلالة للواو على الترتيب، ولا يقتضي المقارنة، فلا يلزم أن يكون من محض القيام كما توهم» .
وانظر: حاشية ابن عابدين (1/ 493)، البحر الرائق (1/ 333)، الجوهرة النيرة (1/ 52).
الأم (1/ 132)، المجموع (3/ 396)، الحاوي الكبير (2/ 115)، البيان للعمراني (2/ 206)، تحفة المحتاج (2/ 60)، مغني المحتاج (1/ 365)، نهاية المحتاج (1/ 499)، المهمات في شرح الروضة والرافعي (3/ 74).
(1)
. الأم (1/ 132).
وقال العمراني في البيان (2/ 206): «ويستحب أن يكبر للركوع، فيبتدئ التكبير قائمًا، ويرفع يديه، ويأتي بهما في حالة واحدة، فيكون ابتداء رفع يديه، وهو قائم» .
(2)
. انظر في مذهب الحنفية: البحر الرائق (1/ 333)، حاشية ابن عابدين (1/ 493)، بدائع الصنائع (1/ 207)، الجوهرة النيرة (1/ 52)، الدر المختار (ص: 68)، الهداية في شرح البداية (1/ 50).
وقال خليل في التوضيح (1/ 364): «السنة التكبير حين الشروع إلا في قيام الجلوس، فإنه بعد أن يستقل قائما للعمل .... » .
وانظر: مختصر خليل (ص: 33)، شرح زروق على الرسالة (1/ 257)، تهذيب المدونة (1/ 238)، التاج والإكليل (2/ 245)، مواهب الجليل (1/ 540)، الفواكه الدواني (1/ 179)، شرح الزرقاني (1/ 375)، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي (1/ 328).
وقال الرافعي في فتح العزيز (3/ 387): «ويبتدئ به -يعني التكبير- في ابتداء الهُوِيِّ» .
وقال في الروضة (1/ 250): «يستحب أن يكبر للركوع، ويبتدئ به في ابتداء الهوي» .
وقال في العباب المحيط (1/ 347): «ويسن أن يبدأ بتكبيرة الانتقال قائمًا، لا مع ابتداء هويه خلافًا للعزيز والروضة» .
جاء في تهذيب المدونة: «ويكبر في حال انحطاطه لركوع أو سجود»
(1)
.
وقيل: يجب أن يبتدئ التكبير حين يهوي للركوع، وكذا سائر الانتقالات، وهو المشهور من مذهب الحنابلة، فإن خالف، فشرع فيه قبله، أو أكمله بعده، فقياس المذهب بطلان صلاته، وهو من المفردات.
وقيل: يحتمل أن يعفى عن ذلك؛ لأن التحرز منه يعسر، والسهو به يكثر، ففي الإبطال به، والسجود له مشقة
(2)
.
* حجة من قال: يبدأ بالتكبير قائمًا ثم ينحني للركوع:
يشرع للراكع أن يرفع يديه مع التكبير في أصح قولي أهل العلم، ويتعذر أو يتعسر أن يرفع يديه مع هويه للركوع، والأصل في الرفع أن يكون مقارنًا للتكبير وعليه يبدأ بالتكبير قائمًا رافعًا يديه فإذا حاذت يداه منكبيه انحنى للركوع، ثم أتم التكبير راكعًا، فإذا خرج جزء يسير من التكبير قبل الشروع فهو مغتفر للحاجة، ويعطى الأكثر حكم الكل.
* حجة من قال: يسن أن يبدأ بتكبيرات الانتقال من حين الشروع:
(ح-1641) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
أنه سمع أبا هريرة، يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد. قال عبد الله بن صالح، عن الليث: ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر
(1)
. تهذيب المدونة (1/ 238).
(2)
. قال في الإنصاف (2/ 59): وإن شرع فيه قبله، أو كمله بعده فوقع بعضه خارجًا عنه فهو كتركه .... ». وانظر: شرح منتهى الإرادات (1/ 219)، كشاف القناع (1/ 389)، مطالب أولي النهى (1/ 503)، الفواكه العديدة (1/ 89).
حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس
(1)
.
وجه الاستدلال:
قول أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
قال الترمذي: «وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعدهم، قالوا: يكبر الرجل، وهو يهوي للركوع والسجود»
(2)
.
والأصل في أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم الاستحباب، ولو كان واجبًا لتوجه الأمر به من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته بيانًا للشريعة، وحرصًا على سلامة صلاة المسلمين من النقص، فلم يحفظ نص يأمر به الشارع المصلي أن تكون تكبيراته في أثناء الشروع، وأنه لو تعمد خلاف ذلك لبطلت صلاته، أو خالف ذلك ساهيًا لوجب أن يتدارك ذلك بسجود السهو، فإذا لم يثبت ذلك، فالأصل صحة الصلاة، وعدم وجوب سجود السهو.
* حجة من قال: يجب أن تكون تكبيرات الانتقال حين الشروع:
الدليل الأول:
قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة السابق: (يكبر حين يركع) وقوله: (يكبر حين يهوي) وقوله: (يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه).
فإن قيل: إن هذه أفعال، والفعل المجرد إذا كان على وجه التعبد يدل على المشروعية.
فالجواب: أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على الوجوب؛ لقوله في حديث مالك بن الحويرث: (صلوا كما رأيتموني أصلي) رواه البخاري، فكانت جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم بيانًا لهذا المجمل في قوله:(صلوا كما رأيتموني أصلي)، والفعل إذا كان بيانًا لمجمل أخذ حكم ذلك المجمل إلا أن يدل دليل على أنه من السنن، كجلسة الاستراحة، ونحوها.
* ويناقش:
سبق لي مناقشة الاستدلال في حديث مالك على وجوب أفعال الصلاة، وأن
(1)
. صحيح البخاري (789)، وساق مسلم إسناده، وأحال في لفظه على طريق آخر (29 - 392).
(2)
. سنن الترمذي (2/ 34).
مالك بن الحويرث قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فمكث عنده عشرين يومًا يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينصرف إلى أهله (صلوا كما رأيتموني أصلي) وإذا كان فيما شاهده مالك بن الحويرث من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم منه ما هو واجب، ومنه ما هو من السنن كجلسة الاستراحة، لم يكن قول النبي صلى الله عليه وسلم:(صلوا كما رأيتموني أصلي) مقصورًا على الأمر بالواجبات دون السنن، وإذا لم يكن دليلًا على الوجوب في حق من وجه له هذا الخطاب مباشرة، لم يدل على الوجوب فيمن دخل في عموم الخطاب بصورة غير مباشرة.
الدليل الثاني:
أن من كبر قبل الركوع، أو أتمه بعده، فركوعه لا يعتد به، قياسًا على من تمم قراءته راكعًا، أو أخذ في التشهد قبل القعود؛ لوقوع الذكر في غير محله.
* ويناقش:
لا نسلم أن التكبير إذا وقع جزء يسير منه قبل الشروع أو بعده أنه في حكم مَنْ أوقع التكبير كله في غير محله؛ فإذا أوقع أكثر التكبير في محله فللأكثر حكم الكل، واليسير مغتفر، المهم ألا يوقع التكبير كله قبل الانتقال، أو يشرع فيه كله بعد الانتقال، فإن هذا التكبير في غير محله، فإن وقع ذلك منه لم يُعْتَدَّ به؛ لمخالفته السنة، وأما بطلان صلاته فإنه مبني على حكم تكبيرات الانتقال، والجمهور على أنها سنة، وهو الصواب لا سيما في حق المنفرد، والمأموم، وكذا في حق الإمام إلا أن يتوقف عليه اقتداء المأموم بالإمام، خاصة في حال الرفع من السجود والركوع، فيجب لغيره؛ والله أعلم.
* حجة المالكية في تأخير التكبير إذا قام من الركعتين:
ذكر خليل في التوضيح وجهين لهذا:
الأول: العمل، وكفى به. وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عماله فأمرهم بذلك، فلم ينكر ذلك عليه أحد.
الثاني: أن التكبير على قسمين: إما مفتتح به ركن، كتكبيرة الإحرام. وإما في حال الحركة إذا انتقل عن ركن، كالتكبير للركوع وغيره، والجلوس الأول ليس
بركن، فأخر التكبير ليفتتح به ركنًا وهو القيام، كتكبيرة الإحرام. وقيل: إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر
(1)
.
* الراجح:
أرى أن تكبيرات الانتقال تنقسم إلى قسمين:
تكبيرات يشرع معها رفع اليدين، كتكبيرة الركوع، والرفع منه، فهذا في حال الركوع له صفتان:
الصفة الأولى: أن يكون الرفع مقارنًا للتكبير، وهذا مذهب الشافعية، وصفته كما قالوا: يكون ابتداء رفع يديه، وهو قائم مع ابتداء التكبير، فإذا حاذى كفاه منكبيه انحنى، وعللوا ذلك بأن الرفع حال الانحناء متعذر أو متعسر.
الصفة الثانية: أن يرفع يده قبل التكبير، فإذا بلغت يداه حذاء منكبيه شرع في الهوي مكبرًا، فيكون رفع اليدين قبل الانحناء، ويكون الشروع في التكبير من حين أن يهوي للركوع.
قال أحمد كما في مسائل أبي الفضل: «يرفع يديه عند الافتتاح، وقبل الركوع وبعد الركوع»
(2)
.
فظاهر كلام أحمد أن الرفع للركوع يكون قبل الشروع في التكبير والركوع، وبعد الفراغ من الركوع.
وفي حال الرفع من الركوع سوف يقول سمع الله لمن حمده من حين أن يشرع في الرفع، سوف يتم رفع يديه إلى منكبيه بعد أن ينتصب قائمًا، ولا يمكنه أن ينهي رفع اليدين في حال الانتقال؛ لتعسره.
وقسم من تكبيرات الانتقال لا يشرع معه رفع اليدين، كالهوي للسجود، والرفع منه، وكذا القيام من التشهد الأول على الصحيح، فالمشروع له أن يبتدئ التكبير من
(1)
. التوضيح شرح مختصر خليل (1/ 364).
(2)
. مسائل أحمد رواية أبي الفضل (682).
حين أن يشرع في الانتقال، ويتمه قبل الانتقال إلى الركن الذي يليه، وهذا على سبيل الأفضل، فلو ابتدأ التكبير قبل الانتقال وأتمه في الركوع، أو بدأ فيه حال الانتقال وأتمه بعده، فلا حرج إن شاء الله تعالى، والله أعلم.
* * *