الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني في تحديد بداية المفصل
المدخل إلى المسألة:
* كثرة الاختلافات في تحديد أول المفصل دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد.
* المتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، وأن آل حم ليست من المفصل.
* أقرب الأقوال في تحديد طوال المفصل وأوساطه وقصاره مذهب الشافعية القائل بأن المسألة تقريب، وليست تحديدًا.
* اختلاف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان راجع لاختلاف ترتيب السور، وهو أمر اجتهادي.
[م-587] اتفق العلماء على أن منتهى المفصل هو آخر القرآن.
واختلفوا في أوله على أقوال كثيرة أوصلها الزركشي والسيوطي إلى اثني عشر قولًا في كتابي البرهان والإتقان، وأكثرها أقوال ضعيفة، وأشدها ضعفًا من قال: المراد به القرآن كله؛ لأنه كتاب فصلت آياته
(1)
.
وكثرة الاختلافات دليل على أن المسألة لا نص فيها، وأن مبناها على الاجتهاد، والمتفق عليه أن هناك حزب المفصل من القرآن، وهو في آخر القرآن، ويقع بعد المثاني، وربما اختلف المفصل في مصحف ابن مسعود عن مصحف عثمان لاختلاف ترتيب السور، والذي هو اجتهادي من قبل الصحابة رضوان الله
(1)
. البرهان في علوم القرآن (1/ 245)، الإتقان في علوم القرآن (1/ 221)، التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن (7/ 111).
عليهم، وأن آل حم ليست من المفصل.
(ث-377) لما رواه البخاري، ومسلم عن النظائر التي كان يقرن بينها الرسول صلى الله عليه وسلم من رواية واصل الأحدب،
عن أبي وائل: ثماني عشرة من المفصل، وسورتين من آل حم
(1)
.
وأشهر الأقوال في أول المفصل كالتالي:
قيل: أوله من سورة الحجرات، وهو مذهب الحنفية، والمرتضى في مذهب المالكية، وصححه النووي من الشافعية، وقال به ابن عقيل من الحنابلة
(2)
.
(3)
.
وقيل: أوله من سورة ق، حكي قولًا عند الحنفية، وصححه ابن رشد الجد، وهو الصحيح في مذهب الحنابلة، وقال الماوردي في تفسيره: حكاه عيسى بن عمر عن كثير من الصحابة، وصححه الشوكاني
(4)
.
(1)
. صحيح البخاري (3405)، وصحيح مسلم (872 - 228).
(2)
. البحر الرائق (1/ 360)، فتح القدير (1/ 335)، حاشية ابن عابدين (1/ 540)، مراقي الفلاح (ص: 98)، مجمع الأنهر (1/ 105).
انظر في مذهب المالكية: الشرح الكبير للدردير (1/ 247)، الفواكه الدواني (1/ 178)، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (1/ 263)، منح الجليل (1/ 258)، الثمر الداني شرح رسالة القيرواني (ص: 105).
وقال خليل في التوضيح (1/ 346): «واختلف في المفصل: فقيل: من الشورى، وقيل: من الجاثية، وقيل: من الحجرات. وقيل: من قاف. وقيل: من النجم. وقيل: من الرحمن» . اهـ ولم يرجح بينها، وقال زروق في شرح الرسالة (1/ 220) بعد أن ساق الخلاف، قال:«وقيل: الحجرات، وهو المعمول به» .
ونقل التتائي في جواهر الدرر (2/ 119): عن ابن فرحون: أصحها القتال.
وانظر في مذهب الشافعية: دقائق المنهاج (ص: 43)، مغني المحتاج (1/ 364)، كفاية النبيه (3/ 148)، أسنى المطالب (1/ 155)، شرح النووي على صحيح مسلم (6/ 107).
وانظر قول ابن عقيل من الحنابلة في الإنصاف (2/ 55).
(3)
. البحر الرائق (1/ 360).
(4)
. البرهان في علوم القرآن (1/ 245)، فتح القدير (1/ 335)، منحة الخالق حاشية على البحر الرائق (1/ 360)، قواعد الفقه لمحمد عميم الإحسان (ص: 499)، البيان والتحصيل (1/ 295)، التوضيح شرح جامع الأمهات (1/ 346)، شرح زروق على الرسالة (1/ 220)، الاقتضاب في غريب الموطأ وإعرابه على الأبواب (1/ 103)، المجموع (3/ 384)، شرح الزركشي على الخرقي (1/ 604)، الإنصاف (2/ 55)، تفسير الماوردي المسمى النكت والعيون (1/ 27)، فتح القدير للشوكاني (5/ 83).
قال المرداوي في الإنصاف: «وأول المفصل: من سورة {ق} على الصحيح من المذهب، وعليه الجمهور قدمه في الفروع وغيره، وصححه الزركشي وغيره»
(1)
.
وقال ابن كثير في تفسيره: «وهذه السورة -يعني سورة {ق} -هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات، وأما ما يقوله العامة: إنه من {عَمَّ} فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم»
(2)
.
وقيل: أوله من سورة الرحمن، وهو منسوب لابن مسعود رضي الله عنه
(3)
.
قال الزركشي في البرهان: «حكاه ابن السيد في أماليه على الموطأ، وقال: إنه كذلك في مصحف ابن مسعود، قلت: رواه أحمد في مسنده كذلك»
(4)
.
ولعل هذا على ترتيب مصحف ابن مسعود، وأما على ترتيب مصحف عثمان رضي الله عنه فيكون أوله سورة {ق} كما أفاده الزركشي في البرهان
(5)
.
وقيل: أوله من سورة القتال (سورة محمد صلى الله عليه وسلم)، وبه قال بعض السلف، قال الماوردي: وهو قول الأكثرين
(6)
.
وقيل: أوله من سورة الضحى، ونسبه الماوردي لابن عباس، وقال: كان يفصل في الضحى بين كل سورتين بالتكبير
(7)
.
(1)
. الإنصاف (2/ 55).
(2)
. تفسير ابن كثير ت سلامة (7/ 392).
(3)
. البيان والتحصيل (1/ 295)، حاشية ابن عابدين (1/ 540).
(4)
. البرهان في علوم القرآن (1/ 246)، وسيأتي تخريج الأثر إن شاء الله تعالى.
(5)
. انظر: البرهان في علوم القرآن (1/ 245).
(6)
. تفسير الماوردي (النكت والعيون)(1/ 26)، شرح الزركشي على الخرقي (1/ 604)، الإنصاف (2/ 55).
(7)
. النكت والعيون (1/ 27)، الآداب الشرعية لابن مفلح (2/ 298).
والذي يمكن أن يستدل له من هذه الأقوال قولان:
* أما دليل من قال: المفصل يبدأ من سورة {ق} ، فاستدلوا بما يلي:
الدليل الأول:
(ح-1512) فقد روى أحمد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي،
عن جده أوس بن حذيفة، قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم أسلموا من ثقيف، من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته، وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، ولا نبرح حتى يحدثنا .... فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: طرأ عليَّ حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه، قال: فسألنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتى يختم
(1)
.
[ضعيف]
(2)
.
وجه الاستدلال:
التصريح بأن حزب المفصل من سورة {ق} كما دل الحديث على أن المفصل يبتدئ من السورة التاسعة والأربعين ابتداء من سورة البقرة، وهذا هو رقم سورة {ق} .
الدليل الثاني:
(ث-873) روى البخاري من طريق ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يوسف بن ماهك، قال:
إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، إذ جاءها عراقي،
…
وفيه قالت عائشة:
…
نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام
…
الحديث
(3)
.
(1)
. المسند (4/ 9، 343).
(2)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1406).
(3)
. صحيح البخاري (4993).
فأشارت عائشة إلى أن المفصل كان أوَّل القرآن نزولًا، وأن أكثره في وصف الجنة والنار، وليس في بيان الحلال والحرام.
قال ابن رشد الجد: «والصحيح قول من قال إنه من سورة {ق}؛ لأن سورة الحجرات مدنية، والمفصل مكي»
(1)
.
(ث-379) وقد روى سعيد بن منصور في سننه، قال: أخبرنا حديج بن معاوية، قال: أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الله بن حبيب،
عن ابن مسعود قال: أنزل المفصل بمكة، فمكثنا حججًا نقرؤه، لا ينزل غيره
(2)
.
[إسناده ضعيف]
(3)
.
(1)
. البيان والتحصيل (1/ 295).
(2)
. التفسير من سنن سعيد بن منصور (126).
(3)
. الأثر رواه سعيد بن منصور (126)، ومن طريقه الطبراني في الأوسط (6344)، عن حديج بن معاوية.
والطحاوي في مشكل الآثار (1370) من طريق زهير بن معاوية، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود.
وزهير بن معاوية ثقة إلا أنه ممن روى عن أبي إسحاق بعد تغيره، وحديج فيه لين ولم يذكر في الرواة عن أبي إسحاق قبل الاختلاط.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 157): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حديج بن معاوية، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة» .
وقد اختلف فيه على أبي إسحاق:
فرواه حديج وزهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن حبيب، عن ابن مسعود كما سبق تخريجه.
وخالفهما إسرائيل كما في مصنف ابن أبي شيبة (30143)، ومستدرك الحاكم (2888، 4296)، فرواه عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، قال: قرأنا المفصل حججًا، ونحن بمكة، ليس فيه: يا أيها الذين آمنوا.
فذكر عبد الرحمن بن يزيد -وهو أخو الأسود وعمه علقمة بن قيس، وهو ثقة- بدلًا من عبد الله بن حبيب، وهذه مخالفة في الإسناد، كما أنه خالفهم في لفظه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. اهـ
فهذا الاختلاف أراه من أبي إسحاق.
وقد قال أبو داود كما في سؤالاته (405): سمعت أحمد بن حنبل قال: زهير، وزكريا، =
قال الطحاوي: «ففي هذا الحديث ما قد دل على أن سورة الحجرات ليست منه، وأنها مدنية
…
»
(1)
. ثم ذكر الحجج على مدنيتها.
والقول بأن المفصل كله مكي لا يطابق الواقع، فالمجادلة والحشر، والمنافقون، والتحريم، والطلاق، وغيرها كلها في أحكام الحلال والحرام، وهي مدنية، ولا يختلف أحد أنها من المفصل.
* واستدل من قال: أول المفصل من الرحمن:
(ح-1513) بما رواه أبو داود، من طريق إسماعيل بن جعفر، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة، والأسود، قالا:
أتى ابن مسعود رجل، فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أَهَذًّا كهذ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر السورتين في ركعة، الرحمن والنجم في ركعة، واقتربت والحاقة في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، وإذا وقعت، ونون في ركعة، وسأل سائل والنازعات في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، والمدثر والمزمل في ركعة، وهل أتى ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة»، قال أبو داود: هذا تأليف ابن مسعود رحمه الله
(2)
.
ورواه الفريابي من طريق يحيى بن آدم، عن إسرائيل به بنحوه، وفيه:
…
ولكن
= وإسرائيل، ما أقربهم في أبي إسحاق، في حديثهم عنه لين، ولا أراه إلا من أبي إسحاق»، وقال أبو حاتم في إسرائيل: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق.
وقال أبو طالب والفضل بن زياد للإمام أحمد: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه صاحب كتاب.
وقال أبو داود: قلت لأحمد: إسرائيل إذا انفرد بحديث يحتج به؟ قال: إسرائيل ثبت في الحديث.
وقال عيسى بن يونس: قال إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن. اهـ
فإسرائيل ثبت في جده أبي إسحاق، فلعل روايته هي المحفوظة، والله أعلم.
(1)
. شرح مشكل الآثار (3/ 397).
(2)
. سنن أبي داود (1396).
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ النظائر في كل ركعة: الرحمن والنجم في ركعة، والطور والذاريات في ركعة، ويا أيها المزمل ويا أيها المدثر في ركعة، وويل للمطففين وعبس في ركعة، وهل أتى على الإنسان ولا أقسم بيوم القيامة في ركعة، وعم يتساءلون والمرسلات في ركعة، والدخان وإذا الشمس كورت في ركعة
(1)
.
[الحديث في الصحيحين دون تسمية النظائر]
(2)
.
فبدأ بسورة الرحمن، وذلك بحسب ترتيب مصحف ابن مسعود رضي الله عنه.
* * *
(1)
. فضائل القرآن للفريابي (124).
(2)
. سبق تخريجه، انظر (ح 1410).