المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود - الجامع في أحكام صفة الصلاة - الدبيان - جـ ٣

[دبيان الدبيان]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة

- ‌الفرع الأول في قراءته ما زاد على الجهرية

- ‌الفرع الثاني في قراءة المأموم ما زاد على الفاتحة في السرية

- ‌المبحث الثالث في قراءة ما زاد على الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة

- ‌المبحث الرابع في أقل ما تحصل به السنة من القراءة بعد الفاتحة

- ‌المبحث الخامس في قراءة السورة قبل الفاتحة

- ‌المبحث السادس

- ‌فرع في مقدار التفاوت بين الركعة الأولى والثانية في القراءة

- ‌المبحث السابع في إطالة الركعة الثانية على الأولى

- ‌المبحث الثامن في القراءة من أواسط السور وأواخرها

- ‌المبحث التاسع في قراءة أكثر من سورة في الركعة الواحدة

- ‌المبحث العاشر في تكرار السورة الواحدة في ركعتين

- ‌الفصل الثالث في مقدار القراءة في الصلوات الخمس

- ‌المبحث الأول في تقسيم سور القرآن إلى طوال ومئين ومثان ومفصل

- ‌المبحث الثاني في تحديد بداية المفصل

- ‌المبحث الثالث في تحديد طوال المفصل وأوسطه وقصاره

- ‌المبحث الرابع في مقدار القراءة المستحبة في صلاة الصبح

- ‌فرع في استحباب قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة

- ‌المبحث الخامس في مقدار القراءة في صلاة الظهر

- ‌المبحث السادس في مقدار القراءة في صلاة العصر

- ‌المبحث السابع في مقدار القراءة في صلاة المغرب

- ‌المبحث الثامن قدر القراءة من بالمغرب من السور الطوال

- ‌المبحث التاسع قدر القراءة في صلاة العشاء

- ‌الفصل الرابع في الأحكام العامة المتعلقة بالقراءة

- ‌المبحث الأول الجهر والإسرار في الصلاة

- ‌الفرع الأول الجهر والإسرار بالصلاة المؤداة

- ‌الفرع الثاني في الإسرار في الصلاة الفائتة

- ‌الفرع الثالث حكم الجهر والإسرار في موضعه

- ‌المسألة الأولى حكم الجهر والإسرار بالقراءة للإمام

- ‌المسألة الثانية حكم الجهر والإسرار بالقراءة للمنفرد

- ‌المسألة الثالثة حكم الجهر بالقراءة للمأموم

- ‌المسألة الرابعة حكم جهر المرأة بالقراءة

- ‌الفرع الرابع في أقل الجهر وأعلاه

- ‌المسألة الأولى في أقل الجهر

- ‌المسألة الثانية في أعلى الجهر

- ‌الفرع الخامس في جهر بعض المصلين على بعض

- ‌الفرع السادس الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية

- ‌المبحث الثاني في السؤال عند آية الوعد والتعوذ عند آية الوعيد

- ‌المبحث الثالث في حكم قراءة القرآن بغير العربية في الصلاة

- ‌المبحث الرابع في القراءة الشاذة

- ‌الفرع الأول في تعريف القراءة الشاذة

- ‌الفرع الثاني الصلاة بالقراءة المخالفة لرسم المصحف

- ‌الفرع الثالث في الاحتجاج بالقراءة الشاذة في الأحكام

- ‌الفرع الرابع في الجمع بين القراءات المختلفة في الصلاة

- ‌المبحث الخامس في القراءة من المصحف

- ‌الفرع الأول القراءة من المصحف خارج الصلاة

- ‌الفرع الثاني في القراءة من المصحف بالصلاة

- ‌الباب السابع في أحكام الركوع

- ‌الفصل الأول في حكم تكبيرات الانتقال ومنه التكبير للركوع

- ‌الفصل الثانيفي حكم الركوع

- ‌المبحث الأول يرفع يديه للركوع والرفع منه دون القيام من الركعتين

- ‌المبحث الثاني في وقت ابتداء التكبير

- ‌المبحث الثالث في مد تكبيرات الانتقال لتستوعب جميع المحل

- ‌الفصل الرابع في صفة الركوع

- ‌المبحث الأول في الصفة المجزئة

- ‌المبحث الثاني في صفة الركوع الكامل

- ‌الفرع الأول في وضع اليدين على الركبتين

- ‌الفرع الثاني إذا نوى بالانحناء غير الركوع

- ‌المبحث الثالث في مد الظهر ومجافاة المرفقين عن الجنبين

- ‌المبحث الرابع وجوب الطمأنينة في الصلاة

- ‌الفصل الخامس في أذكار الركوع والسجود

- ‌المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود

- ‌المبحث الثاني صيغة التسبيح في الركوع والسجود

- ‌المبحث الثالث في زيادة (وبحمده) مع التسبيح

- ‌المبحث الرابع أقل ما تحصل به سنة التسبيح

- ‌المبحث الخامس أعلى الكمال في تسبيح الركوع والسجود

الفصل: ‌المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود

‌الفصل الخامس في أذكار الركوع والسجود

‌المبحث الأول حكم التسبيح في الركوع والسجود

المدخل إلى المسألة:

* الأصل عدم وجوب التسبيح.

* الأدلة في التسبيح في الركوع والسجود إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة في الوجوب وليست صحيحة.

* كل حديث ورد فيه الأمر بالتسبيح في الركوع أو في السجود فهو معلول.

* لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم المسيء في صلاته التسبيح، ولو كان واجبًا لَعَلَّمَهُ.

* القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم المسيء ما أساء فيه بعيد جدًّا؛ لأن من لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما، مع خفاء التسبيح.

* يلزم من الإخلال بالطمأنينة التقصير بالتسبيح؛ لأن مقدار الطمأنينة أقل من مقدار التسبيحة الواحدة.

* القول بأن التسبيح؛ لم يكن واجبًا ثم وجب ضعيف جدًّا، فلوكان التسبيح مستحبًّا أو غير مشروع ثم وجب لقامت الأدلة التي تبين للصحابة أن الحكم الأول قد رفع، ووجب الانتقال عنه إلى الوجوب كما في سائر الأحكام التي تتغير.

* لا يحفظ القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة، ولاعن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، فيما أعلم، وكل قول قديم عارٍ عن أصحاب القرون المفضلة فهو أمارة على ضعفه.

* إطلاق التسبيح على الصلاة لا يدل على وجوبه في الصلاة.

ص: 544

* سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص بالركوع والسجود.

* لو كان المراد بالتسبيح التسبيح الخاص بالركوع والسجود لكان التسبيح ركنًا في الصلاة؛ لأن التعبير بالجزء عن الكل يدل على ركنية ذلك الجزء.

* لو كان التسبيح واجبًا لحفظ في النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق كيف والأمر يتعلق بركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين.

[م-625] ذهب عامة العلماء إلى مشروعية التسبيح في الركوع والسجود للإمام والمنفرد والمأموم.

وقال مالك في قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى، قال: لا أعرفه، وأنكره، ولم يَحُدَّ فيه دعاءً موقوتًا

(1)

.

وتأوله أصحابه، قال ابن رشد الجد: قوله: «لا أعرف هذا، معناه لا أعرفه من واجبات الصلاة، وكذلك قوله: إنه لا يراه، معناه لا يراه من حَدِّ السجود الذي لا يجزئ دونه، لا أنه يرى تركه أحسن من فعله؛ لأن التسبيح في سجود الصلاة من السنن التي يستحب العمل بها عند الجميع»

(2)

.

وهذا التأويل متعين، وهو ما يليق بإمامة مالك رحمه الله، وسعة علمه وحفظه.

قال سحنون كما في المدونة: «قلت لابن القاسم: أرأيت مالكًا حين كره الدعاء في الركوع، كان يكره التسبيح في الركوع؟ فقال: لا»

(3)

.

قال زروق في شرح الرسالة: التسبيح مستحب، والتعيين غير لازم، ثم فسر قول مالك في المدونة بأنه معنى قول الشيخ، وليس في ذلك توقيت قول، ولا حد في اللبث

(4)

.

(1)

. المدونة (1/ 168)، وانظر: التهذيب في اختصار المدونة (1/ 238)، الجامع لمسائل المدونة (2/ 508).

(2)

. البيان والتحصيل (1/ 361).

(3)

. المدونة (1/ 168).

(4)

. شرح زروق على الرسالة (1/ 224).

ص: 545

وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: «المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على (سبحان ربي العظيم)؛ لئلا يظن أنها فرض؛ وهذا يقتضي أن مالكًا أنكر أن تكون فرضًا واجبًا. وهذا قوي ظاهر بخلاف جنس التسبيح فإن أدلة وجوبه في الكتاب والسنة كثيرة جدًّا»

(1)

.

(ح-1672) والدليل على مشروعية التسبيح ما رواه مسلم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن المستورد بن الأحنف، عن صلة بن زفر،

عن حذيفة، قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، وفيه:

ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه

(2)

.

[م-626] واختلف العلماء في وجوب التسبيح:

فقيل: سنة، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد

(3)

.

(1)

. مجموع الفتاوى (16/ 116).

(2)

. صحيح مسلم (203 - 772).

(3)

. الأصل للشيباني (1/ 5)، المبسوط للسرخسي (1/ 21)، البحر الرائق (1/ 333، 321)، بدائع الصنائع (1/ 208، 210)، تحفة الفقهاء (1/ 134)، الهداية في شرح البداية (1/ 50، 52)، تبيين الحقائق (1/ 107)، الاختيار لتعليل المختار (1/ 51، 52)، العناية شرح الهداية (1/ 298، 307)، الجوهرة النيرة (1/ 52، 54).

واعتبر المالكية التسبيح في الركوع والسجود من مندوبات الصلاة، انظر مختصر خليل (ص: 33)، التاج والإكليل (2/ 242)، الخرشي (1/ 281)، شرح التلقين (2/ 556)، مواهب الجليل (1/ 538)، الشرح الكبير للدردير (1/ 248)، منح الجليل (1/ 259)، شرح الزرقاني على خليل (1/ 373).

وانظر في مذهب الشافعية: الأم (1/ 133)، الحاوي الكبير (2/ 119، 120)، المهذب (1/ 143)، فتح العزيز (3/ 390، 392)، المجموع (3/ 411، 432)، روضة الطالبين (1/ 250، 258)، تحفة المحتاج (2/ 61، 75)، مغني المحتاج (1/ 365)، نهاية المحتاج (1/ 499).

وانظر رواية الإمام أحمد بأن التسبيح سنة في: الإنصاف (2/ 115)، شرح الزركشي على الخرقي (1/ 557)، الكافي لابن قدامة (1/ 250)، المغني (1/ 362)، الفروع (2/ 249).

ص: 546

وقيل: التسبيح واجب، وهو مذهب الحنابلة، وعد من المفردات، وبه قال إسحاق بن راهويه، وهو قول في مذهب الحنفية، اختاره بعض الشيوخ، وخرجه على قواعد المذهب للأمر به، والمواظبة عليه، واختاره داود الظاهري، على خلاف بينهم في صفة الواجب:

فقيل: الواجب في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، لا يجزئ غير ذلك، وهو مذهب الحنابلة

(1)

.

وقال إسحاق: يجزئ كل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من تسبيح، وذكر، ودعاء، وثناء

(2)

.

ولعل هذا ما قصده مالك عندما روي عنه بأنه لا يحد فيه حَدًّا، أي لا يعين فيه تسبيحًا بعينه، ولا عددًا بعينه، فكل تسبيح لله تحصل به السنة، كسبوح قدوس رب الملائكة والروح، وسبحانك الله وبحمدك، ونحو ذلك

(3)

.

وقيل: التسبيح ركن، وهو قول أبي مطيع البلخي من الحنفية، ورواية عن أحمد، واختاره ابن حزم ونسبه ابن بطال للظاهرية

(4)

.

(1)

. ذكر ابن عابدين في حاشيته (1/ 494) أن في مذهب الحنفية ثلاثة أقوال، أحدها القول بالوجوب.

وانظر في مذهب الحنابلة: الهداية على مذهب الإمام أحمد (ص: 87)، الكافي لابن قدامة (1/ 250، 262)، المبدع (1/ 443)، شرح منتهى الإرادات (1/ 218)، الإنصاف (2/ 115)، الإقناع (1/ 134)، كشاف القناع (1/ 390)، الفروع (2/ 249).

وقد عده من مفردات الحنابلة كل من الناظم المفيد الأحمد (ص: 19)، والمرداوي في الإنصاف (2/ 115)، وغيرهم.

وانظر قول الإمام إسحاق: تفسير القرطبي (1/ 172)، شرح البخاري لابن بطال (2/ 414).

ونسب المازري والقاضي عبد الوهاب القول به للإمام داود الظاهري انظر: شرح التلقين (2/ 547، 556)، والإشراف على مسائل الخلاف (1/ 244)، فإن ترك التسبيح عمدًا بطلت صلاته عند الإمام أحمد خلافًا لداود، وإن تركه سهوًا سجد للسهو.

(2)

. فتح الباري لابن رجب (7/ 182).

(3)

. انظر: شرح التلقين (1/ 556).

(4)

. جاء في البحر الرائق (1/ 333): «روي عن أبي مطيع البلخي أن التسبيحات ركن، لو تركه لا تجوز صلاته كما في الذخيرة، والذي في البدائع عنه: أن من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لا تجوز صلاته. قال وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقًا عن شرط التسبيح، فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عملًا بالدليلين بقدر الإمكان اهـ» .

وعن أحمد رواية أن التسبيح ركن، انظر: الإنصاف (2/ 115)، شرح الزركشي على الخرقي (1/ 557)، الفروع (2/ 249).

وانظر نسبة القول للظاهرية في شرح البخاري لابن بطال (2/ 414).

ص: 547

هذه أقوال أئمتنا الفقهاء عليهم رحمة الله، وننتقل بعد حصر الأقوال إلى عرض الحجج والبراهين.

* دليل من قال: التسبيح سنة:

الدليل الأول:

الأصل عدم وجوب التسبيح، والأدلة في التسبيح إما صحيحة لا تقتضي الوجوب، وإما صريحة تقتضي الوجوب، ولكنها ضعيفة، والأصل عدم تأثيم المصلي، والأصل أيضًا براءة ذمته حتى يصح دليل في الوجوب سالمًا من النزاع.

الدليل الثاني:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

وجه الاستدلال:

قال الشافعي: «لم يذكر في الركوع والسجود عملًا غيرهما، فكانا الفرض، فمن جاء بما يقع عليه اسم ركوع أو سجود، فقد جاء بالفرض عليه، والذكر فيهما سنة اختيار، وهكذا قلنا في المضمضة والاستنشاق مع غسل الوجه»

(1)

.

* ويناقش:

الآية ذكرت الركوع والسجود، وزادت السنة الطمأنينة فيهما، وإذا جازت الزيادة على دلالة الآية بدليل آخر، لم تمنع الآية زيادة وجوب التسبيح في الركوع والسجود لدليل آخر أيضًا.

* ويرد:

الآية لا تمنع وجوب التسبيح بدليل آخر، والقائل بعدم الوجوب ينازع في ثبوت دليل صحيح يقتضي وجوب التسبيح.

(1)

. الأم (1/ 133).

ص: 548

الدليل الثالث:

(ح-1673) ما رواه البخاري ومسلم من طريق يحيى بن سعيد (القطان)، عن عبيد الله (العمري)، قال: حدثنا سعيد المقبري، عن أبيه،

عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجل، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام، فقال: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصَلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ، ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أحسن غيره، فعلمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها

(1)

.

وجه الاستدلال:

أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه واجبات الصلاة، ولم يذكر له التسبيح في الركوع والسجود، فلوكان واجبًا لعلمه إياه، فمن كان لا يعلم كيف يركع ويسجد كيف يتصور أنه يعلم كيف يسبح فيهما.

قال النووي: «لو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها بل هذه أولى بالتعليم لو كانت واجبة؛ لأنها تقال سرًّا، وتخفى، فإذا كان الركوع والسجود مع ظهورهما لا يعلمهما فهذه أولى»

(2)

.

ورد هذا الاستدلال:

بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمه كل الواجبات، بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام.

والسؤال: لماذا لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح في الركوع والسجود؟

والجواب لا يخلو من ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على تعليمه ما أساء فيه، دون غيره.

(1)

. صحيح البخاري (793)، وصحيح مسلم (45 - 397).

(2)

. المجموع (3/ 415).

ص: 549

* ويجاب عن هذا:

بأن هذا احتمال بعيد جدًّا، بحيث لا يتصور أن المصلي يخل بالطمأنينة في الركوع والسجود، ثم يكون قد سبَّح في ركوعه، وسجوده، فلو أنه قد سبَّح في ركوعه، ولو مرة واحدة لكان قد اطمأن في صلاته؛ لأن الطمأنينة بقدر تسبيحة واحدة على الصحيح، فلما أمره بالاطمئنان بالركوع والسجود لإخلاله به لزم منه الإخلال بالتسبيح من باب أولى، ولما لم يأمره بالتسبيح دل ذلك على عدم وجوبه في الصلاة.

الاحتمال الثاني: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالتسبيح لأنه لم يكن واجبًا حين ذاك، ثم شرع وجوبه فيما بعد.

* ويجاب على هذا:

بأن تجويز هذا الاحتمال نظريًّا غير ممتنع، ولكنه من حيث تطبيقه على الواقع بعيد،

لأن التشريع الأول قبل وجوب التسبيح، لا يخلو: إما إن يكون الركوع شرع أول ما شرع خاليًا من الذكر، ثم شرع الذكر.

وإما أن يكون التشريع الأول كان التسبيح مستحبًّا، ثم ألزم الناس به بعد ذلك.

وفي الحالين لو كان هذا هو الواقع لنقل للأمة النصوص التي تبين لنا التدرج في التشريع، ولاحتاج الصحابة إلى النصوص التي تبين لهم أن الركوع الذي كان مشروعًا دون تسبيح، أو كان الذكر فيه مستحبًّا قد رفع، وأصبح واجبًا عليهم التسبيح في الركوع والسجود، حتى ينتقل الناس إلى الحكم الجديد، كما حفظت لنا النصوص نسخ التطبيق بالركوع والسجود والذي كان معمولًا به في صدر الإسلام، وكما حفظت لنا النصوص نسخ توسط الإمام في الصف إذا كان يصلي معه اثنان، إلى مشروعية تقدم الإمام إذا كانوا ثلاثة، فلما لم ينقل لنا في تاريخ تشريع الصلاة أن الذكر في الركوع لم يكن مشروعًا ثم شرع، وكذلك لم ينقل لنا أنه كان مستحبًّا، ثم ألزم الناس بالتسبيح، كان تصور التدرج في التشريع ضعيفًا جدًّا، والأصل عدم التدرج في التشريع، وعدم وقوع النسخ، والله أعلم.

الاحتمال الثالث: أن يكون التسبيح في الركوع والسجود ليس واجبًا، وهو أقواها، والله أعلم.

ص: 550

الدليل الرابع:

(ح-1674) ما رواه مسلم من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع،

عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين

وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي

وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث

(1)

.

وجه الاستدلال:

ظاهر حديث علي رضي الله عنه أنه قد يترك النبي صلى الله عليه وسلم التسبيح أحيانًا، ويكتفي بالثناء، فلو كان الركوع والسجود لا يجزئ من دون التسبيح لذكره.

* وأجيب:

بأن هذا الثناء من جملة الأنواع المذكورة في السنة، فكل واحد لا ينفي الآخر.

* ورد هذا الجواب:

بأن ما ترك نقله علي رضي الله عنه ظاهر أنه ليس دليلًا على نفيه، كالقراءة مثلًا، وما ذكره مقتصرًا عليه كالاستفتاح، وأذكار الركوع والسجود، فظاهره صحة الاكتفاء به، والاقتصار عليه، واعتبرت دلالته من قبيل الظاهر: وهو ما احتمل معنيين أحدهما أرجح من الآخر من أجل هذا الاحتمال.

الدليل الخامس:

(ح-1675) ما رواه مسلم من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه،

عن ابن عباس، قال: كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة والناس صفوف خلف

(1)

. مسلم (201 - 771).

ص: 551

أبي بكر، فقال: أيها الناس، إنه لم يَبْقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة، يراها المسلم، أو ترى له، ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب عز وجل، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم

(1)

.

وجه الاستدلال:

أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في الركوع بالتعظيم للرب، وأمر في السجود بالاجتهاد في الدعاء، وإذا كان التعظيم والدعاء فيهما ليسا واجبين، مع صحة الأمر بهما في هذا الحديث الصحيح، فكيف يجب التسبيح فيهما، مع أن الأمر بالتسبيح لم يثبت بدليل صحيح، غاية ما جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسبح فيهما، وهذا لا يكفي للقول بالوجوب، وكل حديث روي فيه الأمر بالتسبيح فهو معلول.

* ونوقش:

الأمر بتعظيم الرب هذه الصيغة إما أن تكون دلالتها مطلقة، وإما أن تكون مجملة، فإن كانت من قبيل المجمل فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم وقد نقل عنه أنه كان يسبح كما في حديث حذيفة في مسلم.

وإن كان من قبيل الإطلاق، فلا دلالة فيه على وجوب التسبيح، لكنه لا ينفي وجوب التسبيح بدليل آخر، وقد يكون المراد من سياق حديث ابن عباس دفع ما قد يتوهمه البعض من أن الواجب في الركوع والسجود الاقتصار على التسبيح، فأشار الحديث بأن السجود من مواضع الدعاء، فيجتهد فيه المصلي بالدعاء مع التسبيح المستفاد من الأدلة الأخرى، وأن الركوع موضع لتعظيم الرب، فيجتهد فيه المصلي بالثناء المتضمن للتعظيم مع التسبيح.

* ورد هذا الجواب من وجهين:

الوجه الأول:

كون الحديث لا ينفي إيجاب التسبيح بدليل آخر، هذا صحيح لكن النزاع بين

(1)

. صحيح مسلم (207 - 479)، وقد تكلم الإمام أحمد في إسناده، وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في حكم الدعاء في الركوع.

ص: 552

الفريقين إنما هو في ثبوت صحة هذا الدليل الآخر، فالقائل بعدم الوجوب وهم جمهور الفقهاء يرون أن الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود لم يثبت في حديث صحيح، وكل الأحاديث الصحيحة بالتسبيح لا تفيد الوجوب، والمشروعية ليست محل النزاع.

الوجه الثاني:

تعظيم الرب ليس من قبيل المجمل، بل هو مطلق؛ لأن الإجمال هو ما احتمل أكثر من معنى، ولم يترجح أحدها، فالأمر بتعظيم الرب في الركوع لا يحتمل إلا معنى واحدًا. وأما تنزيه الرب بالتسبيح فهو فرد من أذكار كثيرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم فيها ربه، وقد مر معنا حديث علي رضي الله عنه في مسلم، وفيه: (وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي

وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث

(1)

.

فهذا نوع من التعظيم في الركوع، ودعوى أنه كان يقوله مع التسبيح فهو مجرد دعوى، وظاهر حديث عليٍّ الاقتصار عليه، ولو سلم أنه كان يقوله مع التسبيح فكلاهما من قبيل الذكر المسنون؛ لأن الفعل لا يقتضي الوجوب، والأمر بأحدهما لا يثبت في حديث صحيح.

الدليل السادس:

أن الركوع والسجود ركنان في الصلاة فلم يجب فيهما تسبيح كالقيام

(2)

.

* ويناقش:

بأن كل ركن له ذكر واجب يناسبه، فالقيام مختص بأعلى الذكر، وهو قراءة القرآن، والفاتحة فيه ركن، وليست واجبة على الصحيح، والركوع والسجود مختص بالتسبيح؛ لأن المصلي منهي عن قراءة القرآن حال الركوع والسجود، فوجب بدله، وهو التسبيح، كما يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز المصلي عن

(1)

. مسلم (201 - 771).

(2)

. انظر: الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب المالكي (1/ 244).

ص: 553

القراءة حسًّا، ويكون التسبيح في حقه واجبًا، فكذلك يقوم التسبيح مقام القرآن إذا عجز عنه شرعًا، فالعجز الشرعي كالعجز الحسي.

* ويرد هذا النقاش:

إذا اعتبرنا التسبيح بدلًا عن القرآن، فالسؤال: أهو بدل على سبيل الوجوب أم على سبيل الاستحباب، فالثاني يمكن تسليمه، والأول هو محل النزاع، ووجوب البدل يحتاج إلى دليل صحيح يقضي بوجوبه، وهو محل الخلاف، فإذا صح الأمر بالتسبيح سواء اعتبرنا مشروعيته أصالة وهو الصحيح، أو بدلًا عن القرآن قلنا بوجوبه، والمخالف ينازع في وجود هذا الدليل، والله أعلم.

ا* دليل من قال: التسبيح واجب:

الدليل الأول:

قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم} [الواقعة: 74]، وقال سبحانه:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1].

وجه الاستدلال:

أمر الله سبحانه وتعالى بالتسبيح، والأمر يقتضي الوجوب، وقد أجمع العلماء على عدم وجوبه في غير الصلاة، فدل على وجوبه فيها.

* ويناقش:

الأمر بالتسبيح مطلق، فإذا حمل على الوجوب فالامتثال يحصل بفعله مرة واحدة، وتقييده بالصلاة، وتكراره في كل صلاة، لا يستفاد من الآيتين.

الدليل الثاني:

(ح-1676) ما رواه أحمد، قال: حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى يعني -ابن أيوب الغافقي- حدثني عمي إياس بن عامر، قال:

سمعت عقبة بن عامر الجهني، يقول: لما نزلت {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيم} [الواقعة: 74]، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1]، قال: اجعلوها في سجودكم

(1)

.

(1)

. المسند (4/ 155).

ص: 554

[منكر]

(1)

.

(1)

. الحديث أعل بأكثر من علة:

العلة الأولى: تفرد به إياس بن عامر، وهو قليل الحديث، وكل ما يروى له مرفوعًا مما وصل إلينا خمسة أحاديث، أربعة منها من مسند علي بن أبي طالب، وهو مذكور من شيعته، ثلاثة من هذه الأربعة تفرد بها ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عنه، فلا تثبت، فيبقى من الأحاديث المرفوعة اثنان: حديثه هذا، وفيه تفرد، حيث لا يعرف الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود إلا في هذا الإسناد.

وحديث اعتراض عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل، وهذا الحديث قد تفرد به إياس ابن عامر بذكره من مسند علي، والحديث معروف من مسند عائشة رضي الله عنها.

وإذا كانت هذه مروياته المرفوعة التي وصلت لنا، فكيف يتصور أن مثله يحتمل تفرده برواية الأمر بالتسبيح بالركوع والسجود.

وإليك بيان أحاديثه الأربعة بإيجاز، لأن الشرط في تخريج الأحاديث التي تساق في كشف حال الراوي لا أتوسع في تخريجها؛ لأن ذكرها جاء عرضًا، فمنها:.

الحديث الأول: ما رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 329) من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: فرض النبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات: صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتين، وصلاة الكسوف ركعتين، وصلاة المناسك ركعتين. اهـ فأطلق للمناسك صلاة تخصها. وقد يكون الحمل فيه على ابن لهيعة.

الحديث الثاني: رواه الطبراني في الأوسط (9357)، والدارقطني في السنن (3645)، ومن طريق الدارقطني رواه البيهقي في السنن الكبرى (7/ 338)، والحازمي في الاعتبار (ص: 177)، من طريق ابن لهيعة، بالإسناد السابق، بلفظ: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المتعة، قال: وإنما كانت لمن لم يجد فلما أنزل النكاح والطلاق والعدة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت.

قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن موسى بن أيوب إلا ابن لهيعة.

قال الحازمي: غريب من هذا الوجه، وقد روي من طرق تقوي بعضها بعضًا، وضعفه ابن القطان الفاسي كما في نصب الراية (3/ 180).

والحديث في الصحيحين بغير هذا اللفظ، رواه البخاري (4216)، ومسلم (29 - 1407) من طريق الزهري، عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسية. بغير هذا اللفظ.

وما قيل عن الطريق السابق يقال عن هذا الإسناد.

والحديث الثالث: رواه الطبراني في الأوسط (8590)، من طريق ابن لهيعة، عن موسى بن أيوب، عن إياس بن عامر، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: الولاء لمن أعتق. =

ص: 555

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وشيخ الطبراني منتصر بن محمد فيه جهالة.

وقال الطبراني: لم يَرْوِ هذا الحديث عن موسى بن أيوب إلا ابن لهيعة، تفرد به عبيد بن أبي قرة، ولا يروى عن علي إلا بهذا الإسناد. قلت: عبيد صدوق له مناكير.

والحديث الرابع: رواه أحمد في المسند (1/ 99)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 430، 462)، عن أبي عبد الرحمن المقرئ،

والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 430) حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثني عمي (عبد الله بن وهب) كلاهما (أبو عبد الرحمن وابن وهب) عن موسى بن أيوب، عن عمه إياس بن عامر، أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح من الليل يعني يصلي، وعائشة رضي الله عنها معترضة بينه وبين القبلة.

والحديث لا يروى من مسند علي بن أبي طالب إلا بهذا الإسناد، والحديث معروف في الصحيحين من مسند عائشة رضي الله عنها.

قال العقيلي في الضعفاء الكبير (5/ 430): «المتن معروف بإسناد جيد من غير هذا الوجه» .

فإذا كان جُلُّ ما يروى عن إياس بن عامر على قلته لم يثبت عنه، ولم يَرْوِ عنه أحد إلا ابن أخيه موسى بن أيوب، فكيف يقبل تفرده بحديث الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود، ولا يعرف بالسنة الأمر بالتسبيح إلا من هذا الطريق، فلو كان ثقة في نفسه، وكانت هذه أحاديثه التي تروى عنه، لم يقبل الباحث ما يتفرد به، كيف وقد اختلف الرواة فيه.

فالإمام البخاري ذكره في التاريخ الكبير (1413)، وسكت عليه، وكذا فعل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/ 281).

وذكر ابن يونس أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس المصري -صاحب تاريخ مصر- إياس بن عامر في تاريخه، فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وكل ما ذكره فيه، أنه قال: كان من شيعة عليٍّ، والوافدين عليه من أهل مصر، وشهد معه مشاهده. اهـ

قال ابن حجر عن ابن يونس كما في اللسان: أعلم الناس بالمصريين.

وروى له ابن خزيمة في صحيحه حديثين: الأمر بالتسبيح، وحديث اعتراض عائشة في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي من مسند علي رضي الله عنه.

ونفس ابن خزيمة في التصحيح كنفس ابن حبان والعجلي، والله أعلم.

وروى له الحاكم حديثًا واحدًا الأمر بالتسبيح في الركوع والسجود، وقال:(1/ 347): «هذا حديث حجازي صحيح الإسناد، وقد اتفقا على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر، وهو عم موسى بن أيوب القاضي، ومستقيم الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة» . ولم يَرْتَضِ كلامه ذلك الذهبي، وسوف تأتي عبارته بعد قليل، وقوله: اتفقا على الاحتجاج برواته ليس صحيحًا، فموسى بن أيوب الغافقي لم يحتجا به في الصحيح.

وقال العجلي: لا بأس به. =

ص: 556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= وذكره ابن حبان في الثقات، وذكره في صحيحه (5/ 226)، وقال: من ثقات المصريين.

وأدرج اسمه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (2/ 502) في ثقات التابعين من أهل مصر، وروى له حديث الأمر بالتسبيح، وكلام ابن يونس المصري مقدم عليه، لأنه من أهل بلده، ولو كان من الثقات لذكر توثيقه، ولو كان من ثقات المصريين لذكر ذلك ابن أبي حاتم والبخاري حيث ذكراه، وسكتا عليه، ولم يرو عنه إلا ابن أخيه، ومع قلة أحاديثه المرفوعة إلا أن جلها لا يصح، وفيها تفرد.

وقال ابن حجر: صدوق، فتعقبه مصنفو تحرير التقريب، فقالوا: مجهول، لم يذكره في الثقات إلا ابن حبان، وقال العجلي: لا بأس به، وقال الذهبي: ليس بالقوي.

وقال الذهبي متعقبًا تصحيح الحاكم كما في تلخيص المستدرك (1/ 206): إياس ليس بالمعروف.

وفي التهذيب: عن الذهبي، من خط الذهبي في تلخيص المستدرك: ليس بالقوي.

وأيًّا كان إياس، فإن تفرده في الأمر بالتسبيح مع نكارة الأحاديث التي تروى عنه وقلتها لا يمكن للباحث أن يمشيه، اعتمادًا على كلام ابن حبان والعجلي ويعقوب بن سفيان، والله أعلم.

العلة الثانية: موسى بن أيوب الغافقي، وإن كان ثقة إلا أن الإمام علي بن المديني قد أنكر عليه ما رواه عن عمه إياس بن عامر، روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة في سؤالاته لابن المديني (229): وعن موسى بن أيوب الغافقي -يعني أنه سأله عنه- فقال: كان ثقة وأنا أنكر من أحاديثه أحاديث رواها عن عمه فكان يرفعها. اهـ

وقال ابن رجب في الفتح (7/ 176): «موسى -يعني ابن أيوب- وثقه ابن معين وأبو داود وغيرهما، لكن ضعف ابن معين رواياته عن عمه المرفوعة خاصة» .

ذكر ابن معين خطأ، والصواب أن هذا منسوب لعلي بن المديني، والخطأ ليس من ابن رجب، وإنما نقله ابن رجب عن العقيلي في الضعفاء (4/ 154).

العلة الثالثة: الاختلاف على موسى بن أيوب في لفظه، وإن كان هذا الاختلاف يمكن الترجيح فيه، فليس علة مؤثرة، كما سيتبين لك عند تخريج لفظ الحديث.

فتبين بهذا أن الأمر بالتسبيح منكر، والله أعلم.

تخريج الحديث:

الحديث رواه موسى بن أيوب، واختلف عليه:

فرواه أبو عبد الرحمن بن يزيد المقرئ كما في مسند أحمد (4/ 155)، وسنن الدارمي (1344)، ومسند أبي يعلى (1738)، والدعاء للطبراني (532، 584)، وفي شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 235)، وصحيح ابن خزيمة (600، 670)، والشريعة للآجري (675)، والمستدرك للحاكم (817)، والسنن الكبرى للبيهقي (2/ 122)، وفي الدعوات الكبير له (80).

وعبد الله بن المبارك، كما في سنن أبي داود الطيالسي (1093)، وسنن أبي داود (869)، وابن ماجه (887)، وابن خزيمة (601)، وابن حبان (1898)، ومستدرك الحاكم (818)، =

ص: 557

الدليل الثالث:

(ح-1677) ما رواه أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا ابن أبي ذئب، عن إسحاق ابن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله،

عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قال في ركوعه ثلاث مرات: سبحان ربي العظيم فقد تم ركوعه وذلك أدناه. ومن قال في سجوده ثلاث مرات: سبحان ربي الأعلى فقد تم سجوده وذلك أدناه

(1)

.

[منقطع، ورفعه منكر، والمعروف وقفه على ابن مسعود من فعله]

(2)

.

= وتفسير الثعلبي (9/ 226)، وتفسير البغوي (5/ 23)، والأوسط لابن المنذر (3/ 156)،

وعبد الله بن وهب كما في شرح معاني الآثار للطحاوي (1/ 235)، ومسند الروياني (264)،

ويحيى بن أيوب الغافقي المصري (صدوق وفي بعض أحاديثه أوهام ومناكير)، كما في شرح معاني الآثار (1/ 235).

ويحيى بن يعلى الأسلمي (شيعي ضعيف ليست له رواية في أمهات السنة وله حديث واحد في صحيح ابن حبان وأكثر من روى له الطبراني في الكبير) كما في الأوسط لابن المنذر مقرونًا برواية ابن المبارك (3/ 156).

وابن لهيعة (ضعيف) كما في المعجم الكبير للطبراني (17/ 322) ح 891. ستتهم (المقرئ، وابن المبارك وابن وهب، ويحيى بن أيوب ويحيى بن يعلى، وابن لهيعة) رووه عن موسى بن أيوب، حدثني عمي إياس بن عامر الغافقي، سمعت عقبة بن عامر به.

وخالفهم الليث بن سعد،

فرواه الطبراني في الكبير (17/ 322) ح 890، وابن المنذر في الأوسط (3/ 184) من طريق عبد الله بن صالح، حدثني موسى بن أيوب، عن رجل من قومه قد سماه، عن عقبة بن عامر به وزاد في حديثه:(كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ركع قال: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات).

ورواه أحمد بن عبد الله بن يونس كما في سنن أبي داود (870)، والبيهقي في السنن الكبرى (2/ 122)، عن الليث، فقال: عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب، وزاد مع التسبيح قوله:(وبحمده).

قال أبو داود: وهذه الزيادة نخاف أن لا تكون محفوظة، وقال أيضًا: انفرد أهل مصر بإسناد هذا الحديث.

(1)

. مسند أبي داود الطيالسي (347).

(2)

. الحديث مداره على ابن أبي ذئب، عن إسحاق بن يزيد الهذلي، عن عون بن عبد الله، =

ص: 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= عن ابن مسعود رضي الله عنه.

رواه أبو داود الطيالسي (347)، ومن طريقه أخرجه أبو داود (886).

ومحمد بن إسماعيل بن أبي فديك، كما في الأم للشافعي (1/ 133).

ووكيع كما في مصنف ابن أبي شيبة (2575)، وسنن ابن ماجه (890)، والشريعة للآجري (676).

وأبو معاوية كما في مصنف ابن أبي شيبة (2575)،

وأبو نعيم كما في التاريخ الكبير (1296)،

وأبو عامر (هو عبد الملك العقدي) كما في سنن أبي داود (886)،

وعيسى بن يونس، كما في سنن الترمذي (261)،

وخالد بن عبد الرحمن كما في شرح معاني الآثار (1/ 232).

ومعن بن عيسى القزاز، كما في الدعاء للطبراني (541)،

ويزيد بن هارون كما في مسند الشاشي (898).

آدام (هو ابن أبي إياس) كما في سنن الدارقطني (1299)،

وجعفر بن عون كما في السنن الكبرى للبيهقي (2/ 123).

وعبد الله بن وهب كما في السنن الكبرى (2/ 159)، كلهم رووه عن ابن أبي ذئب به.

والحديث فيه علتان:

إحداهما: الانقطاع، عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود لم يدرك عم أبيه عبد الله بن مسعود، قاله أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم. انظر: سنن أبي داود (886)، جامع التحصيل (598)، سؤالات البرقاني (385).

العلة الثانية: جهالة إسحاق بن يزيد الهذلي، لا يعرف له رواية في أمهات السنة، إلا هذا الحديث عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم ينقل توثيقه عن غيره، لهذا قال ابن حجر في التقريب: مجهول.

قال البخاري في التاريخ الكبير (1/ 405): مرسل.

وقال الترمذي: «حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يَلْقَ ابن مسعود» .

وتابعه مجهول مثله، فقد تابعه عمر بن شيبة، كما في مسند الشاشي (899) من طريق عبد الله ابن وهب، أخبرني حيوة، سمعت عمر بن شيبة بن أبي كثير مولى معقل بن سنان الأشجعي يحدث، أنه سمع عون بن عبد الله بن عتبة، يخبر، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: من قال إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات قد أدى حق ركوعه، ومن قال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد أدى حق سجوده.

وعمر بن شيبة قليل الرواية، تجنبه أصحاب الأمهات من كتب السنة، وروى له الدارقطني حديث الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، مرة مرفوعًا، ومرة موقوفًا، وأخرج له ابن أبي شيبة أثرًا عن أبي هريرة موقوفًا، وأخرج له الطبراني في الكبير حديثين وفي إسنادهما الواقدي، وهو متروك، هذا كل ما وصل إلينا من حديثه، وقد ترجم له أبو حاتم في الجرح والتعديل (6/ 115)، فقال: روى عنه أبو أويس المدني، سألت أبي عنه، فقال: مجهول.

وقد خالفهما من هو أوثق منهما:

فقد رواه محمد بن أبان كما في التاريخ الكبير (1296).

ومحمد بن عجلان كما في مصنف ابن أبي شيبة (2561) كلاهما عن ابن عون، عن ابن مسعود، قال: ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود. هذا لفظ ابن عجلان.

ولفظ محمد بن أبان (كان ابن مسعود يفعله).

ومحمد بن عجلان صدوق، ومحمد بن أبان، قال فيه ابن عبد البر:«هو شيخ يمامي ثقة، وحسبك برواية يحيى بن أبي كثير والأوزاعي عنه» .

ص: 559

الدليل الرابع:

استدل ابن تيمية على وجوب التسبيح في السجود بوجوبه في سجود التلاوة، قال في مجموع الفتاوى:

قوله تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: 15]، يدل على أن التذكير بها كقراءتها في الصلاة موجب للسجود والتسبيح، وإنه من لم يكن إذا ذكر بها يخر ساجدًا، ويسبح بحمد ربه فليس بمؤمن، وهذا متناول الآيات التي ليس فيها سجود، وهي جمهور آيات القرآن، ففي القرآن أكثر من ستة آلاف آية، وأما آيات السجدة فبضع عشرة آية. وقوله:{إِذَا ذُكِّرُوا} يتناول جميع الآيات فالتذكير بها جميعها موجب للتسبيح والسجود، وهذا مما يستدل به على وجوب التسبيح والسجود. وعلى هذا فإن عامة أدلة الشريعة من الكتاب والسنة تدل على وجوب جنس التسبيح، فمن لم يسبح في السجود فقد عصى الله ورسوله، وإذا أتى بنوع من أنواع التسبيح المشروع أجزأه.

* ويناقش من أكثر من وجه:

الوجه الأول:

إذا لم يجب سجود التلاوة على الصحيح، وهو قول الجمهور خلافًا للحنفية، لم يجب توابعه، ولا فرق في حكم سجود التلاوة في الصلاة وخارجها؛ لأن المقتضي واحد، وهو تلاوة آية السجدة.

ص: 560

الوجه الثاني:

ما الحاجة إلى استخدام دليل القياس على ما يجب للركوع والسجود، وهو عبادة تتكرر في اليوم خمس مرات، والركوع والسجود ركن من أركان الصلاة، والأصل المقيس عليه سجود عارض، وهو من سنن التلاوة، فالتسبيح في الركوع والسجود آكد في الاستحباب من ذكر سجود التلاوة، ولقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته كيف يصلون، بما يحصل به البلاغ، وتقوم به الحجة، فهل يحتاج إلى القياس لمعرفة حكم التسبيح؟.

الوجه الثالث:

الاستدلال بدليل على وجوب التسبيح في غير ما سيق له دليل على ضعف الاستدلال من جهة، ودليل آخر على عدم وجود أدلة على وجوب التسبيح في الركوع والسجود؛ لأننا لا نحتاج إلى القياس إلا مع غياب النص في الفرع المقتضي لوجوب التسبيح في الركوع والسجود، وغياب النص في الصلاة المفروضة مع قيام الحاجة إلى معرفة الحكم لو كان واجبًا دليل على عدم الوجوب.

الوجه الرابع:

القول بأن التذكير بآيات الله يشمل جميع آيات القرآن، وأن التذكير بهذه الآيات موجب للسجود والتسبيح، فإن كان المقصود بالسجود الخضوع وبالتسبيح تعظيم الله سبحانه وتعالى وتنزيهه، فهذا مسلم، وهو لا يستفاد منه وجوب التسبيح في سجود الصلاة، وإن كان المقصود بالسجود سجود التلاوة فهذا لا يشرع في غير آيات التلاوة، ولو سجد في غير آيات التلاوة في الصلاة لبطلت صلاته.

الوجه الخامس:

لو سلمنا بوجوب التسبيح في السجود، فأين الدليل على وجوبه في الركوع؟

الوجه السادس:

التعبير بالحصر لا يدل على الوجوب قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ

} الآية [2: الأنفال].

ص: 561

وانتفاء هذه الصفة لا يدل على انتفاء صفة الإيمان فكذلك استخدام الحصر في سجود التلاوة والتسبيح فيه لا يدل على وجوبهما حتى يمكن تعدية الحكم إلى الفرع، وهو التسبيح في الركوع والسجود.

وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: إنما شرع الرمي والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله، وليس الذكر فيها واجبًا فيها مع استخدام الحصر.

الدليل الخامس:

(ث-438) ما رواه ابن أبي شيبة، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، قال:

قال علي: إذا ركع أحدكم فليقل: اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت، سبحان ربي العظيم -ثلاثًا- وإذا سجد قال: سبحان ربي الأعلى -ثلاثًا- فإن عجل به أمر فقال: سبحان ربي العظيم وترك ذلك أجزأه

(1)

.

[ضعيف]

(2)

.

(1)

. المصنف (2563).

(2)

. في إسناده أكثر من علة:

الأولى: أنه تفرد به عاصم بن ضمرة عن علي، والأكثر على ضعفه، منهم ابن المبارك، وأبو داود، والشافعي، وابن حبان، وابن عدي.

وقال أحمد والثوري: عاصم أعلى من الحارث، وهذه العبارة لا تفيد توثيقًا؛ لأن الحارث ضعيف جدًّا.

ووثقه ابن المديني ويحيى بن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. وانظر أثر علي رضي الله عنه: (إذا رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته) فقد وثقت كلام أهل الجرح في عاصم، والله أعلم.

العلة الثانية: إن سَلِم الأثر من الإعلال بتفرد عاصم بن ضمرة لم يَسْلَم من أبي بكر بن عياش، فإنه لم يَرْوِهِ عن أبي إسحاق إلا هو، وقد ساء حفظه لما كبر، وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: أبو بكر وشريك في الحفظ سواء، غير أن أبا بكر أصح كتابًا، وأبو إسحاق له أصحاب، فأين هم عن هذا الأثر لو كان صحيحًا عن علي بن أبي طالب.

العلة الثالثة: المخالفة لما صح عن علي رضي الله عنه مرفوعًا، فإن مسلمًا روى عن علي رضي الله عنه مرفوعًا، وليس موقوفًا، وقد ذكر ما يقوله في الركوع بنحو هذا الأثر، وليس فيه التسبيح.

فقد رواه مسلم (201 - 771) من طريق الماجشون، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله ابن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال:

وفيه: وإذا ركع، قال: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي

وإذا سجد، قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين .... الحديث، وسبق تخريجه عند الكلام على دعاء الاستفتاح، فاقتصر على الثناء، ولم يذكر التسبيح، فلو كان الركوع لا يجزئ من دون التسبيح لذكره.

ص: 562

وجه الاستدلال:

التعبير بالإجزاء دليل على انتفائه بانتفاء التسبيح.

الدليل السادس:

استدلوا بالقياس على وجوب الذكر في القيام.

وجه القياس:

قالوا: إن الركوع والسجود من أركان الصلاة، فكان فيهما ذكر واجب كالقيام.

* ويناقش من أكثر من وجه:

الوجه الأول:

هذا القياس إما أن يكون من قياس الشبه، وهو أضعف أنواع القياس، ولا حجة فيه على الصحيح، كإلحاق بعض الفقهاء المني بالمذي بالنجاسة لشبهه به وارتباط خروجهما باللذة،

وإما أن يكون من قياس العلة، بجامع أن الصلاة مأمور بفعلها لإقامة ذكر الله تعالى، فالركن لا يصح أن يكون خاليًا من الذكر، فيتعين التسبيح.

فإن كان من قياس العلة، فالذكر في القيام على نوعين:

أحدهما: سنة، وهو دعاء الاستفتاح، وكذلك قراءة ما تيسير من القرآن.

والثاني: ركن: وهو قراءة الفاتحة.

وليس في القيام ذكر واجب، يمكن أن يلحق به حكم التسبيح، فإن صح قياس ذكر الركوع والسجود على ذكر القيام فإن قياسه على ما هو ركن في القيام قول ضعيف، فلا يبقى إلا قياسه على ما هو مستحب، كالاستفتاح وقراءة ما تيسر، ولأن قياس الذكر على الذكر أقرب من قياس الذكر على الفاتحة.

الوجه الثاني:

جاء في أسنى المطالب: «إنما وجب الذكر في قيام الصلاة، والتشهد ولم يجب

ص: 563

في الركوع ولا في السجود؛ لأن القيام والقعود يقعان للعادة وللعبادة فاحتيج إلى ذكر يخلصهما للعبادة، والركوع، والسجود يقعان خالصين لله تعالى إذ هما لا يقعان إلا للعبادة فلم يجب الذكر فيهما»

(1)

.

* دليل من قال: التسبيح ركن من أركان الصلاة:

أطلق القرآن على الصلاة اسم التسبيح، فقال تعالى:{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُون} [الروم: 18].

(ح-1678) وروى مسلم من طريق عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب،

عن أبيه، قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رحله، وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناسًا قيامًا، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحًا لأتممت صلاتي، يا ابن أخي إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر، فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله .... وذكر بقية الحديث

(2)

.

وجه الاستدلال:

أنه أطلق على الصلاة اسم التسبيح، فدل على أنه من أركانها، وهكذا في كل جزء عبر به عن الكل فإنه دليل على ركنية ذلك الجزء، كإطلاق الرقبة على العبد في قوله تعالى:{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3]، ولا يصح أن يقال: فتحرير يد، أوتحرير قدم؛ لأن حياة العبد تستقل من دون ذلك العضو بخلاف الرقبة، وكإطلاق السجود على الركعة، في قوله صلى الله عليه وسلم: من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة. فإنه دليل على أن الركعة لا تستقل من دون السجود، وكإطلاق القراءة على الصلاة في قوله تعالى:{وَقُرْآنَ الْفَجْرِ} [الإسراء: 78]، دليل على أن القراءة جزء من ماهية الصلاة، وقد بينت السنة على فرضية الفاتحة خاصة، وقد بينت السنة أن محل التسبيح في الصلاة هو الركوع والسجود، والله أعلم.

(1)

. أسنى المطالب (145، 157).

(2)

. صحيح مسلم (8 - 689).

ص: 564

* ويناقش:

استدل بعض العلماء بهذا الدليل على وجوب التسبيح، ولو صح هذا التوجيه لكان يقتضي أن يكون التسبيح ركنًا؛ وليس واجبًا

(1)

؛

لهذا سقت هذا الدليل لمن قال: بركنية التسبيح، كما قيل في حديث:(لا صلاة لمن لم يذكر اسم الله عليه) اعترضوا على الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التسمية، بأن الحديث لو صح لكان يقتضي ركنية التسمية، وليس وجوبها.

والفرق أن هذا الحديث ضعيف، بخلاف الاستدلال بإطلاق التسبيح على الصلاة فإنه في الكتاب والسنة.

والقول بأن التسبيح ركن من أركان الصلاة مخالف لمذهب الأئمة الأربعة، وإن كان روي عن الإمام أحمد، وهو خلاف المعتمد في المذهب.

* وأما الجواب على عن هذا الاستدلال فمن أوجه:

الوجه الأول:

سميت الصلاة تسبيحًا لما فيها من تعظيم الله تبارك وتعالى وتنزيهه، وليس المراد به التسبيح الخاص في الركوع والسجود، فلا يدخل في اصطلاح إطلاق الجزء على الكل.

قال تعالى: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِين} أي المصلين على أحد القولين، فكان هذا قبل شريعتنا.

الوجه الثاني:

قد يعكس هذا الدليل، فيقال: أطلقت السُّبْحةُ على صلاة التطوع لكونها

(1)

. جاء في مجموع الفتاوى (16/ 115): «القرآن سماها تسبيحًا، فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود، كما سماها الله (قرآنًا)، وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام، وسماها (قيامًا) و (سجودًا) و (ركوعًا) وبينت السنة علة ذلك ومحله

».

فالقرآن والقيام والسجود والركوع كلها أركان، فما بال التسبيح يكون من الواجبات، والموجب واحد، وهو تسمية الصلاة بجزء منها، فكان مقتضى الاستدلال أن يكون التسبيح ركنًا، ولذلك إذا نسي التسبيح سهوًا، أيجبره سجود السهو، وتصح الصلاة وتخلو الصلاة منه، أم لابد من الإتيان به؛ لأنها لا تستقل الصلاة من دونه، وقد أطلق على الصلاة اسم التسبيح، كما لا تستقل الصلاة من دون القيام والركوع والسجود؟.

ولو كان ركنًا أو واجبًا لذكر في حديث المسيء صلاته، فلما أغفله من الذكر دل على سنيته.

ص: 565

شبيهة بالتسبيح في عدم الوجوب.

(ح-1679) روى مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع،

عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي سبحته حيثما توجهت به ناقته

(1)

.

(ح-1680) وروى مسلم من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود وعلقمة، قالا:

أتينا عبد الله بن مسعود في داره، فقال: أصلى هؤلاء خلفكم؟ فقلنا: لا

وفيه:

قال إنه ستكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها، ويخنقونها إلى شرق الموتى، فإذا رأيتموهم قد فعلوا ذلك، فصلوا الصلاة لميقاتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة

(2)

.

أي نافلة، ولا يصح حمل السبحة على مطلق الصلاة؛ لأنه يجعل المعنى: اجعلوا صلاتكم معهم صلاة، فيكون لغوًا.

قال الزمخشري في الفائق: «المكتوبة والنافلة وإن التقتا في أن كل واحدة منهما مسبح فيها إلا أن النافلة جاءت بهذا الاسم أخص من قبل أن التسبيحات في الفرائض نوافل، فكأنه قيل: النافلة سبحة على أنها شبيهة الأذكار في كونها غير واجبة، وفي حديث ابن عمر كان يصلي سبحته في مكانه الذي يصلي فيه المكتوبة»

(3)

.

وقال ابن الأثير: «وإنما خصت النافلة بالسُّبْحة وإن شاركتها الفريضة في معنى التسبيح؛ لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، فقيل لصلاة النافلة: سُبْحة؛ لأنها نافلة كالتسبيحات والأذكار في أنها غير واجبة»

(4)

.

الوجه الثالث:

قد يكون إطلاق التسبيح على الصلاة باعتباره من مقاصد الصلاة، وكونه من

(1)

. صحيح مسلم (31 - 700).

(2)

. صحيح مسلم (26 - 534).

(3)

. انظر: الفائق في غريب الحديث (2/ 147).

(4)

. النهاية في غريب الحديث (2/ 331).

ص: 566

مقاصد الصلاة لا يعني أن الصلاة لا تصح إلا به، فالحج والطواف والسعي والرمي من مقاصدها إقامة ذكر الله.

فالخشوع روح الصلاة، قال تعالى:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون} [المؤمنون: 2]. وخشوع القلب ليس من أركان الصلاة بالإجماع، ولا من واجباته على الصحيح، وقد حكي الإجماع على عدم وجوبه، ولا تعاد الصلاة لفواته.

(ح-1681) وروى الإمام أحمد من طريق، سفيان (الثوري)، عن عبيد الله بن أبي زياد قال: سمعت القاسم قال:

قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الطواف بالبيت، وبالصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة، ذكر الله عز وجل

(1)

.

[الراجح وقفه]

(2)

.

(1)

. مسند أحمد (6/ 64).

(2)

. رواه عن عائشة القاسم بن محمد، وعطاء،

أما رواية عطاء: فرواها ابن جريج كما في مصنف عبد الرزاق (8961)، وأخبار مكة للفاكهي (332)،

وحبيب المعلم، كما في أخبار مكة للفاكهي (1423)، كلاهما عن عطاء، عن عائشة موقوفًا.

وأما رواية القاسم، فرواها عنه اثنان:

أحدهما: ابن أبي مليكة، عنه، عن عائشة موقوفًا، ذكر ذلك البيهقي في السنن الكبرى (5/ 236).

الثاني: عبيد الله بن أبي زياد، مختلف في توثيقه، وليس بالقوي، وهذه علة، وكان يرويه مرة مرفوعًا ومرة موقوفًا، وهذه علة أخرى، وإذا كان الرفع قد تفرد به لم يقبل.

فرواه سفيان بن عيينة، كما في مصنف ابن أبي شيبة ت عوامة (15570)

وأبو عاصم كما في سنن الدارمي (1895)، كلاهما عن عبيد الله بن أبي زياد به موقوفًا.

قال أبو عاصم: كان يرفعه.

ورواه الثوري مرفوعًا، كما في مصنف ابن أبي شيبة (15571)، مسند أحمد (6/ 64، 139)، وسنن الدارمي (1896)، وصحيح ابن خزيمة (2738)، ومستدرك الحاكم (1685)، والسنن الكبرى للبيهقي (5/ 236)، وفي شعب الإيمان (3787).

قال البيهقي في السنن (5/ 236): ورواه قتيبة عن سفيان، فلم يرفعه.

ورواه محمد بن بكر كما في مسند أحمد (6/ 75)،

وعيسى بن يونس كما في سنن أبي داود (1888)، وسنن الترمذي (902)، وصحيح ابن خزيمة (2882، 2970)، والمنتقى لابن الجارود (457). =

ص: 567

فقوله: (إنما جعل الطواف والسعي والرمي لإقامة ذكر الله عز وجل حصر بأنه ما شرع إلا من أجل هذه الغاية، فإن دل الحديث على وجوب الذكر فيها دل هذا على وجوب التسبيح في الصلاة.

والأمر بذكر الله في الحج مستفيض بالقرآن والسنة، والذكر ليس من أركان الحج، ولا من واجباته.

قال تعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ} [الحج: 28].

وقال تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّين (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].

فالذكر مأمور به الحاج في كل أحواله، فالحاج في عرفات يذكر الله حتى إذا أفاض من حيث أفاض الناس أمر بالاستغفار، فإذا حَلَّ في مزدلفة أمر بالذكر عند المشعر الحرام، فإذا طاف وسعى ورمى أمر بإقامة ذكر الله فيها، بل عبر الشارع بما يفيد الحصر، وأنه لم يشرع إلا من أجل ذلك، فإذا فرغ من مناسكه أمر بالذكر ختامًا

= ويحيى بن سعيد مرفوعًا كما في صحيح ابن خزيمة (2738).

قال البيهقي في السنن الكبرى (5/ 236): ورواه يحيى القطان، عن عبيد الله فلم يرفعه، وقال: قد سمعته يرفعه، ولكني أهابه.

ويحيى بن أبي زائدة كما في صحيح ابن خزيمة (2738)،

ومكي بن إبراهيم كما في صحيح ابن خزيمة (2738)، ومستدرك الحاكم (1685)، والسنن الكبرى للبيهقي (5/ 236) ستتهم (الثوري، ومحمد بن بكر، وعيسى بن يونس، والقطان، وابن أبي زائدة، ومكي بن إبراهيم) رووه عن عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة مرفوعًا، وقد رواه الثوري وأبو عاصم والقطان عن عبيد الله بن أبي زياد به موقوفًا كما أشرت إليه في التخريج، ونقلته من كتاب البيهقي.

فكان المحفوظ من رواية عائشة الوقف، وهي رواية عطاء، عنها، ورواية القاسم من رواية ابن أبي مليكة، عنها، والراجح من رواية عبيد الله بن أبي زياد ما وافق ابن أبي مليكة، لا ما خالفه، والله أعلم.

ص: 568

لمناسكه، ومع ذلك فهذا الذكر مأمور به أمرًا صحيحًا صريحًا وكونه من مقاصد الحج، فلا يعني أنه من أركانه ولا من واجباته، فكذلك تسبيح الله وذكره في الصلاة من مقاصد الصلاة، ولا يقتضي ذلك أن يكون من أركانه، ولا من واجباته، وكأن الذكر في العبادة أعم من أن يكون بالقول، فكأن الرمي والطواف والسعي إذا أقامها العبد فقد تحقق منه ذكر الله تعالى في هذه الأفعال، وكذلك يقال في الصلاة:{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} فكأن إقامة الصلاة من قيام وركوع وسجود هذه الأفعال من الذكر الفعلي، ولهذا لم يذكر التسبيح في حديث المسيء صلاته، واقتصر في الأركان على الأفعال، وعلى تكبيرة الإحرام، وقراءة القرآن، ولم يذكر التسبيح، والله أعلم.

الوجه الرابع:

رد الحنفية على صاحبهم أبي مطيع البلخي، بأن القول بأن التسبيح ركن، وهو قد ثبت بدليل ظني يؤدي إلى نسخ حكم الدليل القطعي بالظني، وهذا لا يصح عند الحنفية.

وجه القول بذلك:

أن الله تعالى قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج: 77].

فقوله: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) مقتضاه صحة الركوع والسجود بمطلق الفعل، ولو لم يكن فيهما تسبيح، هذا ما يفيده مطلق الآية، وهي قطعية الثبوت، فإذا قلنا: إن التسبيح ركن بدليل ظني، فذلك يعني أنه لا يصح الركوع والسجود بمطلق الفعل حتى يسبح فيهما، وهذا يلزم منه تغيير حكم الآية، وتغيير حكم الآية يعني نسخ المقطوع بالمظنون، وهذا لا يصح عند الحنفية، ولهذا جاء في أصولهم: إن الزيادة على نص الكتاب نسخ، يعني يشترط له ما يشترط للنسخ عندهم.

قال الكسائي في بدائع الصنائع: «وروي عن أبي مطيع البلخي أنه قال: من نقص من الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لم تجزه صلاته، وهذا فاسد؛ لأن الأمر تعلق بفعل الركوع والسجود مطلقا عن شرط التسبيح فلا يجوز نسخ الكتاب بخبر الواحد فقلنا بالجواز مع كون التسبيح سنة عَمَلًا بالدليلين بقدر الإمكان»

(1)

.

وقد ناقشت هذا الاستدلال في بحث الطمأنينة في الركوع في مبحث سابق،

(1)

. بدائع الصنائع (1/ 208).

ص: 569

فارجع إليه إن شئت.

* الراجح:

مشروعية التسبيح ليست محل خلاف، والأمر بالتسبيح لم يصح في السنة المرفوعة مع حاجة كلِّ مُصَلِّ إلى هذا الحكم لو كان واجبًا، ولم يؤثر القول بوجوب التسبيح عن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم، وما روي عن علي رضي الله عنه، موقوفًا، لا يصح، كما لم يؤثر عن أحد من التابعين، ولا عن تابعيهم، وإنما حفظ القول بالوجوب عن الإمام أحمد وقد عَدَّها أصحابه من مفرداته، وله رواية أخرى توافق رواية الجمهور، فكان قوله الموافق للجمهور أولى من الرواية التي تخالفهم، ولم يوافق الإمام أحمد إلا الإمام إسحاق، وهو معدود من طبقة الإمام أحمد، والإمام داود الظاهري، وهو في طبقة عبد الله بن الإمام أحمد، فلا يطمئن الباحث إلى الجزم بالوجوب، فلو كان واجبًا لحفظ من النصوص ما تقوم به الحجة على الخلق بما يصحح ركن الإسلام الأعظم بعد الشهادتين، والله أعلم.

* * *

ص: 570