الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(بَابُ) حكمِ (صَيْدِ الحَرَمِ)، أي: حرمِ مكةَ
(يَحْرُمُ صَيْدُهُ عَلَى المُحْرِمِ وَالحَلَالِ) إجماعاً (1)؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يومَ فتحِ مكةَ: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (2).
(وَحُكْمُ صَيْدِهِ كَصَيْدِ المُحْرِمِ) فيه الجزاءُ، حتى على الصغيرِ والكافرِ، لكنَّ بَحْرِيَّه لا جزاءَ فيه، ولا يَملِكُه ابتداءً بغيرِ إرثٍ، ولا يَلزمُ المحرمُ جزاءان.
(وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ)، أي: شجرِ الحرمِ (وَحَشِيشِهِ الأَخْضَرَيْنِ) اللَّذينِ لم يَزرعهما آدميٌّ؛ لحديثِ: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحَشُّ حَشِيشُهَا» ، وفي روايةٍ:«وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» (3).
ويجوزُ قَطْعُ اليابسِ، والثمرةِ، وما زَرَعَه الآدميُّ، والكَمْأَةِ، والفَقْعِ (4)،
(1) الإجماع لابن المنذر (ص 60)، ومراتب الإجماع لابن حزم (ص 46).
(2)
رواه البخاري (1834)، ومسلم (1353).
(3)
رواه البخاري (112)، ومسلم (1355)، من حديث أبي هريرة.
(4)
قال في تاج العروس: (21/ 507): (الفقع: بالفتح، ويكسر، عن ابن السكيت: ضرب من الكمأة، وقال أبو عبيد: هي البيضاء الرخوة من الكمأة، وهو أردؤها).
وكذا الإذخرُ كما أشار إليه بقولِه: (إِلَّا الإِذْخِرَ (1)، قال في القاموسِ:(حشيشٌ طيبُ الرِّيحِ)(2)؛ لقولِه عليه السلام: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (3).
ويُباحُ انتفاعُ بما زال أو انكَسَر بغيرِ فِعْلِ آدميٍّ، ولو لم يَبِنْ.
وتُضمنُ شجرةٌ صغيرةٌ عُرفاً بشاةٍ، وما فوقَها ببقرةٍ، رُوي عن ابنِ عباسٍ (4)،
ويُفعلُ فيها (5) كجزاءِ صيدٍ.
(1) قال في المطلع (ص 220): (الإِذخِر: بكسر الهمزة والخاء، نبت طيب الرائحة، الواحدة إِذْخِرَةٌ).
(2)
القاموس المحيط (ص 395).
(3)
هو تتمة لحديث ابن عباس وأبي هريرة السابقين في الصحيحين.
(4)
لم نقف عليه من كلام ابن عباس مسنداً، قال ابن حجر:(نقله عنه إمام الحرمين، وذكره أيضاً أبو الفتح القشيري في الإلمام ولم يعزه)، ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال:(والفدية في متقدم الخبر عن ابن الزبير، وعطاء مجتمعة: في أن في الدوحة بقرة، والدوحة: الشجرة العظيمة، وقال عطاء: في الشجرة دونها شاة).
أما خبر ابن الزبير: فروى بعضه الفاكهي في أخبار مكة (2233)، من طريق حمزة بن عتبة، قال: حدثني غير واحد من مشيخة أهل مكة: «أن مما رخصوا في قطع شجر الحرم إذا اضطروا إلى قطعه في منازلهم، ويدونه، أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما بنى دوره بقعيقعان قطع شجراً كانت في دوره، ووداه كل دوحة ببقرة» ، وحمزة بن عتبة قال فيه الذهبي:(لا يعرف، وحديثه منكر)، وفيه إبهام أيضاً.
وأما أثر عطاء: فرواه الفاكهي (2228، 2320)، وابن أبي شيبة (13949)، من طرق عن عطاء أنه قال:«في الدوحة من شجر الحرم إذا قطعت: بقرة» ، وهو صحيح عنه. ينظر: السنن الكبرى 5/ 320، ميزان الاعتدال 1/ 608، التلخيص الحبير 2/ 601.
(5)
في (ق): فيهما.
ويُضمنُ حشيشٌ وورقٌ بقيمتِه، وغصنٌ بما نقص، فإنْ (1) استَخلفَ شيئاً منها سَقَط ضمانَه، كرَدِّ شجرةٍ فتنبت، لكنْ يَضمنُ نقصَها.
وكُرِهَ إخْرَاجُ ترابِ الحرمِ وحجارتِه إلى الحِلَّ، لا ماءِ زمزمَ.
ويَحرمُ إخراجُ ترابِ المساجدِ وطيبِها للتَّبركِ وغيرِه.
(وَيَحْرُمُ صَيْدُ) حرمِ (المَدِيْنَةِ)؛ لحديثِ عليٍّ: «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِر (2) إِلَى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ» رواه أبو داودَ (3).
(1) في (ق): فإذا.
(2)
في باقي النسخ: عير. و «عائر» موجودة في بعض الألفاظ عند أحمد (1037)، وأبي داود (2034).
(3)
رواه أبو داود (2053)، ورواه أحمد (959)، من طريق قتادة عن أبي حسان الأعرج عن علي، وصحح إسناده النووي، وصححه الألباني.
وقال الطحاوي: (منقطع الإسناد، وذلك أن أبا حسان لم يلق عليًّا رضي الله عنه، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: (أبو حسان الأعرج عن علي رضي الله مرسل).
وقد رواه الدارقطني (3152)، من وجه آخر عن قتادة عن أبي حسان عن الأشتر عن عليٍّ، قال الدارقطني:(ولعل قتادة سمعه أيضاً عن أبي حسان الأعرج).
وأصل الحديث في الصحيحين، وليس فيهما:«إلا أن يعلف رجل بعيره» ، ولهذه اللفظة شاهد من حديث جابر عند أحمد (15233)، وفيه ابن لهيعة. ينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص 216، شرح مشكل الآثار 8/ 178، المجموع 7/ 478، صحيح أبي داود 6/ 274.
(وَلَا جَزَاءَ) فيما حَرُم مِن صيدِها وشجرِها وحشيشِها، قال أحمدُ في روايةِ بكرِ بنِ محمدٍ:(لم يبلغنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ولا أحداً مِن أصحابِه حَكَموا فيه بجزاءٍ)(1).
(وَيُبَاحُ الحَشِيشُ) مِنْ حرم المدينةِ (لِلعَلَفِ)؛ لما تقدَّم.
(وَ) يُباحُ اتخاذُ (آلَةِ الحَرْثِ وَنَحْوِهِ)؛ كالمساندِ، وآلةِ الرَّحْلِ مِن شجرِ حرمِ المدينةِ؛ لما روى أحمدُ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لمَّا حَرَّم المدينةَ قالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّا أصحابُ عَمَلٍ، وأصحابُ نَضْحٍ، وإنَّا لا نستطيعُ أرضاً غيرَ أرضِنا، فرَخِّص لنا، فقال:«القَائِمَتَانِ، وَالوِسَادَةُ، وَالعَارِضَةُ، وَالمِسْنَدُ (2)، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (3)، والمسندُ: عودُ البكرةِ.
(1) لم نقف على هذه الرواية، وقد ذكرها مختصرة: أبو الخطاب في الهداية (ص 186)، وابن أبي يعلى في التمام (1/ 325)، وابن مفلح في الفروع (6/ 23).
(2)
كذا في جميع النسخ، ولفظ الحديث كما في مصادره، و (المَسَد)، وكذا في كتب غريب الحديث، ومعناه: حبل من ليف. ينظر: غريب الحديث للحربي 2/ 519، غريب الحديث لابن قتيبة 3/ 742.
(3)
لم نقف عليه في كتب الإمام أحمد، ولم نقف عليه من حديث جابر أيضاً.
وقد رواه الطبراني (18)، وابن عدي في الكامل (7/ 190)، من طريق كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن بقطع المشد والقائمتين والمتخذة عصا الدابة» ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 304):(وفيه كثير بن عبد الله المزني، وهو متروك)، وقال ابن عدي بعد روايته لأحاديث وهذا منها:(وعامة أحاديثه التي قد ذكرتها وعامة ما يرويه لا يتابع عليه).
ومَن أدخلَها صيداً فله إمساكُه وذبحُه.
(وَحَرَمُهَا) بريدٌ في بريدٍ، وهو (مَا بَيْنَ عَيْرٍ): جبلٍ مشهورٍ بها، (إِلَى ثَوْرٍ): جبلٍ صغيرٍ لونُه إلى الحمرةِ فيه تدويرٌ، ليس بالمستطيلِ، خلفَ أُحُد مِن جهةِ الشمالِ، وما بينَ عَيْر إلى ثورٍ هو ما بين لابَتَيْها، واللَّابةُ: الحَرَّةُ، وهي أرضٌ تَرْكَبُها حجارةٌ سُودٌ.
وتُستحبُ المجاورةُ بمكةَ، وهي أفضلُ مِن المدينةِ، قال في الفنونِ:(الكعبةُ أفضلُ مِن مجرَّدِ الحجرةِ، فأما والنبي صلى الله عليه وسلم فيها فلا والله، ولا العرشُ وحملتُه والجنةُ؛ لأنَّ بالحجرةِ جَسداً لو وُزِن به لرجح) ا. هـ (1).
وتُضاعفُ الحسنةُ والسيئةُ بمكانٍ وزمانٍ فاضلٍ.
(1) نقله ابن مفلح عن ابن عقيل من كتابه الفنون (6/ 28).
تنبيه: قال ابن عثيمين رحمه الله: (هذا القول مردود عليه، وأنه لا يوافق عليه، وأن الحجرة هي الحجرة، ولكنها شرفت بمقام النبي صلى الله عليه وسلم فيها في حياته وبعد موته، وأما أن تكون إلى هذا الحد، ويقسم رحمه الله أنه لا تعادلها الكعبة، ولا العرش، ولا حملة العرش ولا الجنة فهذا وهم وخطأ، لا شك فيه). ينظر: الشرح الممتع 7/ 227.