الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتبنا قوله؛ على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي:
إذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ
…
ولم تجدي من أن تقري بها بدًا
أي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، فجردها هنا لمعنى الوعيد اهـ منه بلفظه. إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكملته.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعددة من كتابه، كقوله تعالى:{قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)} ، وقوله تعالى:{أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (80)} ، وقوله تعالى:{هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29)} ، وقوله تعالى:{سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)} ؛ وقوله تعالى: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181)} ، وقوله تعالى:{كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12)} ، وقوله تعالى:{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا} ؛ وقوله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13)} ؛ إلى غير ذلك من الآيات.
•
.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المتقدم
ذكرهم في قوله: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) } اتخذوا من دون الله آلهة، أي معبودات من أصنام وغيرها يعبدونها من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزًّا؛ أي أنصارًا وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله؛ كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أفَلُوه بهم؛ وكقوله تعالى عنهم: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية. فالشفاعة عند الله عز لهم
(1)
يزعمونه كذبًا وافتراء على الله؛ كما بينه بقوله تعالى: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) } .
وقوله في هذه الآية الكريمة: {كَلَّا} زجر وردع لهم عن ذلك الظن الفاسد الباطل؛ أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون الله عزًّا لكم، بل تكون بعكس ذلك؛ فيكونون عليكم ضدًّا، أي أعوانًا عليكم في خصومتكم وتكذيبكم والتبرؤ منكم. وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا الذي ذكرنا؛ كقول ابن عباس:{ضِدًّا} أي أعوانًا. وقول الضحاك: {ضِدًّا} أي أعداء. وقول قتادة: {ضِدًّا} أي قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، وكقول ابن عطية:{ضِدًّا} يجيئهم منهم خلاف ما أملوه فيئول بهم ذلك إلى الذل والهوان، ضد ما أملوه من العز.
وهذا المعنى الذي ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بينه أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ
(1)
بعدها في المطبوعة: "بهم"!.
اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)}، وقوله تعالى:{ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} إلى غير ذلك من الآيات. وضمير الفاعل في قوله: {سَيَكْفُرُوَنَ} فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن؛ إلا أن لأحدهما قرينة ترجحه على الآخر.
الأول: أن واو الفاعل في قوله: {سَيَكْفُرُوَنَ} راجعة إلى المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله. أما العاقل منها فلا إشكال فيه. وأما غير العاقل فالله قادر على أن يخلق له إدراكًا يخاطب به من عبدوه ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى عنهم: {تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)} ، وقوله تعالى:{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)} وقوله تعالى: {وَقَال شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينَنَا وَبَينَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29)} ، إلى غير ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن العابدين هم الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23)} ، وقوله عنهم:{بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا .. } الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
والقرينة المرجحة للوجه الأول: أن الضمير في قوله: {وَيَكُونُونَ} راجع للمعبودات؛ وعليه فرجوع الضمير في: {سَيَكْفُرُونَ}