الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقوله: "وكر زيد أسدًا أي كأسد" مثال لمُبْدي التأوُّل، لأنه في تأويل "كر" في حال كونه مشابهًا للأسد كما ذكرنا، واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفًا. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جدًّا، ومنه قول الشاعر:
لنحن الألى قلتم فأنى مُلِئتم
…
برؤيتنا قبل اهتمامٍ بكم رُعبا
(1)
لأن المراد: لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة "نقاتلهم" التي هي مقول القول. وقوله:{وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا} عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدًّا في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا:{وَحَشَرْنَاهُمْ} ، وقوله:{وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ} ، وقوله:{لَقَدْ جِئْتُمُونَا} . ومنه قوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} ، وقوله:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ} ، وقوله:{وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وقوله:{وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ} ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا.
•
قوله تعالى: {بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)}
.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعدًا. والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى: أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتًا ولا مكانًا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم للبعث؛ جاء
(1)
كذا بالأصل.
مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا
…
} الآية، وقوله عنهم:{وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29)} ، {وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ} ونحو ذلك من الآيات.
وقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة؛ كقوله في هذه السورة الكريمة: {بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58)} ، وقوله: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ
…
} الآية، وقوله:{وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا} ، وقوله:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)} والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد قدمنا في سورة "البقرة" وسورة "النحل" البراهينَ التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {بَلْ زَعَمْتُمْ} إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. و"أن" في قوله:{أَلَّنْ نَجْعَلَ} مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف؛ على حد قوله في الخلاصة.
وإن تخفف أن
…
البيت
والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي؛ على حد قوله في الخلاصة:
وإن يكن فعلًا ولم يكن دعا .. البيتين
• قوله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا} .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكتاب يوضع يوم القيامة. والمراد بالكتاب: جنس الكتاب؛ فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا. وأن المجرمين يشفقون مما فيه، أي يخافون منه، وأنهم يقولون:{يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ} . أي لا يترك {صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} من المعاصي التي عملنا {إلا أَحْصَاهَا} أي ضبطها وحصرها.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر؛ كقوله: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (14)} . وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه. وبعضهم يؤتاه بشماله. وبعضهم يؤتاه وراء ظهره. قال: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) ..} الآية، وقال تعالى:{فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12)} وقد قدمنا هذا في سورة "بني إسرائيل". وما ذكره من وضع الكتاب هنا ذكره في "الزمر" في قوله: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ
…
} الآية.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ} تقدم معنى مثله في الكلام على قوله: {وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ
…
} الآية. والمجرمون: جمع المجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه
النكال. ومعنى كونهم {مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} : أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم السيئة، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد، وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي. وقولهم:{يَاوَيلَتَنَا} الويلة: الهلكة، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا: يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان حضورك! وقال أبو حيان في البحر: المراد من بحضرتهم: كأنهم قالوا: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله: {يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} ، {يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} ، {يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} ، وقوله:
يا عجبًا لهذه الفليقة.
فيا عجبًا من رحلها المتحمَّل.
إنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى. انتهى كلام أبي حيان. وحاصل ما ذكره: أن أداة النداء في قوله: {يَاوَيلَتَنَا} ينادى بها محذوف، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف، والتقدير كما ذكره: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب؛ ومنه قول عنترة في معلقته:
يا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حلَّتْ له
…
حَرُمَت عليَّ وليتها لم تَحْرُم
يعني: يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة:
ألا يا اسلمي يا دارَمَيَّ على البِلَى
…
ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعانك القَطْر
يعني: يا هذه اسلمي.