الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله:{قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} .
وقوله: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير: أحدهما: أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني: أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى:{يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا. وقوله:{إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ} ، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم.
وقوله تعالى: {أَنْ يَفْقَهُوهُ} . فالفقه: الفهم، ومنه قوله تعالى:{فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)} أي يفهمونه، وقوله تعالى:{قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ} أي ما نفهمه. والوقر: الثقل. وقال الجوهري في صحاحه: الوَقْر -بالفتح-: الثقل في الأذن. والوِقْر -بالكسر-: الحمل، يقال جاء يحمل وقره، وأوقر بعيره. وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار اهـ. وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن:{وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} ، وقال في الحمل:{فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (2)} .
•
قوله تعالى: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)}
.
بين في هذه الآية الكريمة: أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبدًا، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى. وهذا المعنى الذي أشار له هنا من أن من أشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله:{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)} ، وقوله تعالى:{كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201)} ، وقوله تعالى:{وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101)} ، وقوله تعالى:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)} ، وقوله تعالى:{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)} .
وهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء.
أحدهما: أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، عياذًا بالله تعالى.
والثاني: أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع. والأول أظهر والعلم عند الله تعالى.
والفاء في قوله: {فَلَنْ يَهْتَدُوا} لأن الفعل الذي بعد "لن" لا يصلح أن يكون شرطًا لـ"إن" ونحوها. والجزاء إذا لم يكن صالحًا لأن يكون شرطًا لـ"إن" ونحوها، لزم اقترانه بالفاء؛ كما عقده في الخلاصة بقوله:
واقْرُن بِفا حتمًا جوابًا لو جُعِلْ
…
شرطًا لإنْ أو غيرِها لم يَنْجَعِل
وقوله في هذه الآية الكريمة {إِذًا} جزاء وجواب؛ فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سببًا للاهتداء سببًا لانتفائه؛ لأن المعنى: فلن يهتدوا إذا دعوتهم، ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر. وهذا المعنى قد غلطًا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم.
وإيضاح ذلك: أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} شرط وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه؛ ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله:{فَلَنْ يَهْتَدُوا} مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى} المشار إليه أيضًا بقوله: {إِذًا} فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم. وهذا غلط؛ لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقية لا ارتباط أصلًا بين طرفيها، فليس أحدهما سببًا في الآخر، ولا ملزومًا ولا لازمًا له، كما لو قلت: إن كان الإنسان ناطقًا فالفرس صاهل، فلا ربط بين الطرفين؛ لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك: لو لم يخف الله لم يعصه؛ لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو شرط، بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله جل وعلا،
ومحبته المانعة من معصيته. وكذلك قوله هنا: {فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)} سببه الحقيقي غير مذكور معه، فليس هو قوله:{وَإِنْ تَدْعُهُمْ} كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما. بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلًا.
ونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ
…
} الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي:
مقدم الشرطية المتصله
…
مهما تكن صحبة ذاك التال له
لموجب قد اقتضاها كسبب
…
فهي اللزومية ثم إن ذهب
موجب الاصطحاب ذا بينهما
…
فالاتفاقية عند العلما
ومثال للشرطية المتصلة اللزومية قولك: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين، كقولك: كلما كان الشيء إنسانًا كان حيوانًا، إذ لا يصدق عكسه.
فلو قلت: كلما كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا لم يصدق؛ لأن