الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال الأسود بن يعفر:
ومن الحوادث لا أبالك أنني
…
ضربَتْ علَيَّ الأرض بالأسداد
وقال آخر:
إن المروءة والسماحةَ والندى
…
في قبة ضُرِبَتْ على ابن الحشرج
وذكر الجارحة التي هي الآذان، إذ هي يكون منها السمع؛ لأنه لا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع. وفي الحديث:"ذلك رجل بال الشيطان في أذنه" أي استثقل نومه جدًا حتى لا يقوم بالليل اهـ كلام أبي حيان.
•
قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)}
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مِن حِكَم بَعْثه لأصحاب الكهف بعد هذه النومة الطويلة: أن يبين للناس أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم أحصى لذلك وأضبط له. ولم يبين هنا شيئًا عن الحزبين المذكورين.
وأكثر المفسرين على أن أحد الحزبين: هم أصحاب الكهف. والحزب الثاني: هم أهل المدينة الذين بُعِث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية. وقيل: هما حزبان من أهل المدينة المذكورة، كان منهم مؤمنون وكافرون. وقيل: هما حزبان من المؤمنين في زمن أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم، قاله الفراء. وعن ابن عباس: الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب، وأصحاب الكهف حزب. إلى غير ذلك من الأقوال.
والذي يدل عليه القرآن: أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله تعالى:{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول.
ولقائل أن يقول: قوله عنهم: {رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ} يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم. والله تعالى أعلم.
وقد يجاب عن ذلك بأن رَدَّ العلم إلى الله لا ينافي العلم، بدليل أن الله أعلم نبيه بمدة لبثهم في قوله:{وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} الآية، ثم أمره برد العلم إليه في قوله:{قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا} الآية.
وقوله: {بَعَثْنَاهُمْ} أي: من نومتهم الطويلة. والبعث: التحريك من سكون، فيشمل بعث النائم والميت، وغير ذلك.
وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يذكر الله جل وعلا حِكمة لشيء في موضع، ويكون لذلك الشيء حِكَم أُخر مذكورة في مواضع أخرى؛ فإنا نُبينها، ومثلنا لذلك، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك.
وإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حِكَم بعثهم: إظهاره للناس أيّ الحزبين أحصى لِما لبثوا أمدًا. وقد بين لذلك حِكَمًا أخر في غير هذا الموضع.
منها: أن يتساءلوا عن مدة لبثهم، كقوله:{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} الآية.
ومنها: إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق، لدلالة قصة أصحاب الكهف على ذلك. وذلك في قوله:{وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} الآية.
واعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: {ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ} الآية، لا يدل على أنه لم يكن عالمًا بذلك قبل بعثهم وإنما علم بعد بعثهم كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة! بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، لا يخفى عليه من ذلك شيء. والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثرة.
وقد قدمنا: أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علمًا جديدًا سبحانه وتعالى عن ذلك علوًا كبيرا- قولَه تعالى في آل عمران: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)} ، فقوله:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)} بعد قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ} دليل واضح في ذلك.
وإذا حققت ذلك فمعنى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ} أي: نعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه.
واختلف العلماء في قوله: {أَحْصَى} فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و {أَمَدًا} مفعوله. و"ما" في قوله: {لِمَا لَبِثُوا}
مصدرية؛ وتقرير المعنى على هذا: لنعلم أيُّ الحزبين ضبَطَ (أمدًا) للبثهم في الكهف.
وممن اختار أن {أَحْصَى} فعل ماض: الفارسي والزمخشري وابن عطية وغيرهم.
وذهب بعضهم إلى أن {أَحْصَى} صيغة تفضيل، و {أَمَدًا} تمييز. وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين.
والذين قالوا: إن {أَحْصَى} فعل ماض قالوا: لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياسًا إلا من الثلاثي، و {أَحْصَى} رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسًا. قالوا: وقولهم: ما أعطاه، وما أولاه للمعروف، وأعدى من الجرب، وأفلس من ابن المُذلَّق = شاذ لا يقاس عليه، فلا يجوز حمل القرآن عليه.
واحتج الزمخشري في الكشاف أيضًا لأن {أَحْصَى} ليست صيغة تفضيل: بأن {أَمَدًا (12)} لا يخلو: إما أن ينتصب بأفعل، فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب بـ {لَبِثُوا} ، فلا يسدّ عليه المعنى -أي: لا يكون سديدًا على ذلك القول- وقال: فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه {أَحْصَى} كما أضمر في قوله:
• وأضرب منا بالسيوف القوانسا*
أي: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيتَ أن يكون {أَحْصَى} فعلًا، ثم رجعت مضطرًا إلى تقديره
وإضماره. انتهى كلام الزمخشري.
وأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا: لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي، ولا نسلم أيضًا أنها لا تعمل.
وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من "أفعل" كما هنا، أو لا تصاغ منه؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو:
الأولى: جواز بنائها من "أفعل" مطلقًا، وهو ظاهر كلام سيبويه، وهو مذهب أبي إسحاق، كما نقله عنه أبو حيان في البحر.
والثاني: لا يبنى منه مطلقًا، وما سُمع منه فهو شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
وبالندور احكم لغير ما ذكر
…
ولا تقس على الذي منه أُثِر
كما قدمناه في سورة "بني إسرائيل" في الكلام على قوله: {فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72)} .
الثالث: تصاغ من "أفعل" إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة؛ كأظلم الليل، وأشكل الأمر. لا إن كانت الهمزة للنقل، فلا تصاغ منها. وهذا هو اختيار أبي الحسن بن عصفور. وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو.
وأما قول الزمخشري: "فأفعل لا يعمل"، فليس بصحيح؛ لأن صيغة التفضيل تعمل في التمييز بلا خلاف، وعليه درج في
الخلاصة بقوله:
والفاعل المعنى انصِبَن بأفعلا
…
مفضَلًا كانت أعلى منزلا
و {أَمَدًا (12)} تمييز كما تقدم؛ فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه.
وذهب الطبري إلى أن: {أَمَدًا (12)} منصوب بـ {لَبِثُوا} وقال ابن عطية: إن ذلك غير متجه.
وقال أبو حيان: قد يتجه ذلك؛ لأن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن المدة غاية. و"ما" بمعنى الذي، و {أَمَدًا} منتصب على إسقاط الحرف، أي: لما لبثوا من أمد، أي مدة. ويصير "من أمد" تفسيرًا لما انبهمِ في لفظ {لِمَا لَبِثُوا} ، كقوله:{مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} ، {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل.
قال مقيده -عفا الله عنه-: إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان:
إلا لمثلكَ أو من أنتَ سابقه
…
سبق الجواد إذا استولَى على الأمدِ
وقد قدمنا في سورة "النساء": أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقًا. ولكن نصب قوله: {أَمَدًا (12)} بقوله: {لَبِثُوا} غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية، وكما لا يخفى.
وأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل، وأعربوا
قول العباس بن مرداس السلمي:
فلم أر مثل الحيِّ حيًا مصبحًا
…
ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
أكرَّ وأحْمَى للحقيقة منهم
…
وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا
بأن "القوانس" مفعول به لصيغة التفضيل التي هي "أضرب". قالوا: ولا حاجة لتقدير فعل محذوف. ومن هنا قال بعض النحويين: إن {مَنْ} في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ} منصوب بصيغة التفضيل قبله نَصْب المفعول به.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ومذهب الكوفيين هذا أجرى عندي على المعنى المعقول؛ لأن صيغة التفضيل فيها معنى المصدر الكامن فيها فلا مانع من عملها عمله. ألا ترى أن قوله: "وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا" معناه: يزيد ضربنا بالسيوف القوانس على ضرب غيرنا، كما هو واضح. وعلى هذا الذي قررنا فلا مانع من كون {أَمَدًا (12)} منصوب بـ {أَحْصَى} نصب المفعول به على أنه صيغة تفضيل. وإن كان القائلون بأن {أَحْصَى} صيغة تفضيل أعربوا {أَمَدًا (12)} بأنه تمييز.
تنبيه
فإن قيل: ما وجه رفع {أَيُّ} من قوله: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى} الآية، مع أنه في محل نصب لأنه مفعول به؟ فالجواب: أن للعلماء في ذلك أجوبة، منها: أن {أَيُّ} فيها معنى الاستفهام، والاستفهام يعلق الفعل عن مفعوليه كما قال ابن مالك في الخلاصة عاطفًا على ما يعلق الفعل القلبي عن مفعوليه:
وإنْ وَلا لامُ ابتداءٍ أو قسم
…
كذا والاستفهامُ ذا له انحتَمْ
ومنها: ما ذكره الفخر الرازي وغيره، من أن الجملة بمجموعها متعلق العلم، ولذلك السبب لم يظهر عمل قوله:{لِنَعْلَمَ} في لفظة {أَيُّ} بل بقيت على ارتفاعها. ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول كما ترى.
قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر أوجه الأعاريب عندي في الآية: أن لفظة {أَيُّ} موصولة استفهامية. و {أَيُّ} مبنية لأنها مضافة، وصدر صلتها محذوف على حد قوله في الخلاصة:
أيٌّ كما وأُعربت ما لم تضف
…
وصدرُ وصلها ضميرٌ انحذف
ولبنائها لم يظهر نصبها. وتقرير المعنى على هذا: لنعلم الحزب الذي هو أحصى لما لبثوا أمدًا ونميزه عن غيره. و {أَحْصَى} صيغة تفضيل كما قدمنا توجيهه. نعم، للمخالف أن يقول: إن صيغة التفضيل تقتضي بدلالة مطابقتها الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل الفعل، وأحد الحزبين لم يشارك الآخر في أصل الإحصاء لجهله بالمدة من أصلها، وهذا مما يقوي قول من قال: إن {أَحْصَى} فعل، والعلم عند الله تعالى.
فإن قيل: أي فائدة مهمة في معرفة الناس للحزب المحصي أمد اللبث من غيره، حتى يكون علة غائية لقوله:{ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ .. } الآية؟ وأي فائدة مهمة في مساءلة بعضهم بعضًا، حتى يكون علة غائية لقوله:{وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ} ؟
فالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله