الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وصفت هذه الريح بالعصف تارة وبالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال:{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ، فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم. اهـ محل الغرض منه.
وأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن قوله: {حَيثُ أَصَابَ (36)} يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض. وقوله: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ (81)} لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله:{حَيثُ أَصَابَ (36)} في حالة الذهاب. وقوله: {إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} في حالة الإياب إلى محل السكنى. فانفكت الجهة فزال الإشكال. وقد قال نابغة ذبيان:
إلا سليمان إذ قال الإله له
…
قم في البرية فاحددها عن الفند
وخيس الجن إني قد أذنت لهم
…
يبنون تدمر بالصفاح والعمد
وتدمر: بلد بالشام. وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو معروف.
•
قوله تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)}
.
الأظهر في قوله: {مَنْ يَغُوصُونَ} أنه في محل نصب عطفًا على معمول {وَسَخَّرْنَا} أي: وسخرنا له من يغوصون له من
الشياطين. وقيل: {مَنْ} مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره.
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين؛ أي يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة؛ كاللؤلؤ، والمرجان، والغوص: النزول تحت الماء. والغواص: الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه؛ ومنه قول نابغة ذبيان:
أو دُرَّة صدفيَّةٍ غوَّاصها
…
بَهِجٌ متى يَرَها يُهِلَّ ويسجُدِ
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أيضًا. أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملًا دون ذلك؛ أي سوى ذلك الغوص المذكور؛ أي كبناء المدائن والقصور، وعمل المحاريب والتماثيل، والجفان والقدور الراسيات، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)} أي من أن يزيفوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه. وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في غير هذا الموضع. كقوله في الغوص والعمل سواء:{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37)} الآية، وقوله في العمل غير الغوص:{وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} ، وقوله:{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} ، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره:{وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)} ، وقوله:{وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)} .