الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
حرب كنته وأولاد بسباع
أي (أبي السباع)
اعلم أن كنته. على ثلاث فرق، فرقة تسكن تكانت وهي معظمها، وفرقة تسكن الحوض، وأخرى في نواحي آدرار. وهي التي تملك سبخة اجِّلْ، التي يحمل منها الملح. وهي معظم تجارة أهل تلك البلاد. ما عدا أهل القبلة وتيرس. أما أولاد أبي السباع، فثلاث فرق أيضا. فرقة منهم في حوز مراكش. وأخرى في سوس. وأخرى في تيرس. وهذه الفرقة هي التي حاربت كنته. وكانوا يتحملون الأمور التي تبدو لهم منهم، حتى تفاقم الأمر. وكان أولاد أبي السباع مسلحين بسلاح جيد، يصل رصاصه من مسافة بعيدة، لا يصل منها رصاص غيرهم من أهل تلك البلاد، لأن سلاحهم يأتيهم من سوس. وأما سلاح غيرهم، فإنه رديء يأتيهم من فرانسة. فالتقت القبيلتان بموضع يقال له: تُرِينْ، فهزمتهم أبناء أبي السباع، ثم انتصرت أحيى من عثمان لكنته. فهزم الجميع للعلة المتقدمة. فصار أبناء أبي السباع، يغيرون على جميع الناس، لا فرق بين عدوّهم وغيره. ولا يعرض أحد دون ماله إلا قتلوه، فآل أمرهم إلى أن اشتبكوا مع الرقيبات، وكانوا متسلحين بسلاح مثل سلاحهم، فضعضعوهم، وألجئوا بقيتهم إلى القائد ابن هاشم في تازروالت، فأجارهم.
ولنتكلم هنا على بعض متعلقات الحرب في أرض شنقيط: أن الحرب في تلك البلاد لا تخلو عن ظلم، فإذا قتل فرد من قبيلة قتيلا من غيرهم، فلا ضابط عندهم في أخذ ثأر المقتول، فربما كان القاتل ملصقا في القبيلة التي هو فيها، فيؤخذ في جريرته الصميم.
وعرب الحجاز في هذا، أضبط خطة من أهل شنقيط، زواياهم وحسانهم. فإن الحجازي إذا قتل قتيلا، لا يخاف أحد من أقاربه، ما دام غير نتغيب، وتمشي بينهم السفراء لإعطاء المهلة، فيمهلونهم شهرا مثلا، أو نحوه. فإذا انقضت المدة، ربما جددوها أيضا. وفي أيام الأمن: أن لقوا القاتل فلا يغيرونه. فإذا تغيب القاتل: لا يؤخذ به من كان يجتمع معه في النسب، فوق الأب الخامس.
وأما الصلح عندهم، فيكون بسفارة تمشي بين الطائفتين. والأكثر أن يكون ذلك الوفد من الزوايا، ويسمونه الصربة، ورؤساء حسان يتبادلون إرسال أولادهم الصغار، ويبقى ولد هذا عند هذا، والعكس، ويسمون الولد امنازله وغفيرا. أما الزوايا: إذا سئموا من الحرب، فإنهم يتبادلون السفراء، حتى يتفقو على الصلح. والأكثر أن يضمن بينهم رئيس من رؤساء حسان.
واعلم أن حروب الزوايا: أكثرها إنما يكون في تكانت والحوض والرقيبا وآدرار. أما أرض القبلة، فأعظم حرب وقعت فيها: إنما هي حرب إدوعل وإدابلحسن. وقد وقعت حرب قديما، بين أولاد ابيير وتندغا، ولم تحضرني تفاصيلها، وسببها: أن تندغا استجار بهم بعض من يعادي أولاد ابييري، فأجاروه ولذلك يقول بعض الناس في شأنهم:
الحربُ أولُ شابَ اجْمِيلَ
…
واعْكابُ عَزْبَ بالزُّورْهَ
مأتْلَ تَنْدَغ يحكَمْ ادْخيلَ
…
إلا اتْلَ وَلْدْ اوْلادْ ابييرِ إدَوُرْهَ
اجميل: بمعنى جميلة. واعكاب: بمعنى آخره، وذكر الحرب، وهي مؤنثة، لأن العامي أكثره لحن. والعزبة عندهم: بمعنى المعصر، أي التي قاربت البلوغ. وآزور: ضفيرة تكون لمن هذه سنها. وماتل: بمعنى ما بقى. ويحكم: بمعنى يمسك، والدخيل: الذي يدخل في كنف من يستجير به. يعني أن تندغ لا يجيرون أحدا بعد هذه الحرب أبدا، لما وقع فيهم، وأن أبناء ابييري لا يحاولون أن يسلم لهم
الشخص من أجاره، لما نالهم أيضا. وظاهر هذا الكلام: أن القبيلتين تعبتا من الحرب، وهذا شأن كل المتحاربين، فغالبهم مغلوب.
أما حرب تندغ وتاكنيت، فإنها قليلة الأهمية، وليس فيها إلا مناوشات خفيفة. وأما حرب أولاد ابييري وإجيجبه، فإنها قريبة العهد، وكانت الناس تظن أن إجيجبه لا يقدرون على مناوأتهم، لقلتهم وكثرة أولاد ابييري. وزد على ذلك: أن أكثر حسان حسان والزوايا مع أولاد ابييري، لمكان أهل الشيخ سيدي