الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وله أيضا:
منْ حبَّ صرْمكِ آئساً من غيره
…
أقْصَيْتُ مَنْ أنا طامعٌ في خبره
واخترتُ صرْماً منكمُ عن وصله
…
واخترت لا كم عن أجَلْهِ وجيره
واخترت صيراً منكم عن نفعه
…
آه لنسبة نفعكم من ضيره
وإذا سمعت الخائضين حديثكم
…
أعرضتُ عن ذاك المجال وسيره
صوناً لذكر حديِثكم عن غيركم
…
حتى يخوضوا في حديث غيره
شعراء تجكانت
المختار بن بون الجكني
تاج العلماء، الذي طوّق يحلى علمه كل عاطل. ووردت هيم الرجال زلاله، فصدر عنه كلهم وهو ناهل. ولا يوجد عالم بعده، إلا وله عليه الفضل الجزيل، بما استفاد من مصنفاته، وتلقى من مسنداته، ويكفيه إنه هو الذي نشر النحو بعد دفنه، وكفى الناس مشقات مؤنه. وكانوا لا يتجاوزون قبله ما في الألفية وشروحها، مع عدم معرفة الخطة التي يمكن للطالب أن يخزن في ذهنه بها، ما يكون قريب التناول عند الحاجة إلى ذلك، حتى نظم لهم ما تخلف عن الألفية، مما تضمنه التسهيل، وألصق كل شذرة بما يناسبها، وضم إلى ذلك طرته المفيدة، وأتى على كل مسألة بالشواهد من كلام العرب، وهو ثالث ثلاثة من قبيلته، كلهم اسمه المختار.
وكان من أجل طبقته: النابي، المختار بن حبيب، وهو شيخه، الذي فتح عليه عنده. والمختار بن أبي، وهو من أهل القبلة منهم.
نشأ المختار بن بون في بيت أبيه، ولم يشتغل بالقراءة إلا بعد أن كبر،
وكان في أول أمره، يضرب أقرانه من الصبيان، وينزع منهم ما بأيديهم: فاتفق إنه سطى ذات يوم على صبي فضربه، فانتصرت له أمه، وسبت المختار بن بون سباً قبيحاً، وعيرته بالجهل، فأنف لذلك، وسار من غير علم أبويه، يريد المختار ابن حبيب، فوصل اليه، وشرع في قراءة الأجرومية، فلم يفهمها، ثم فتح الله عليه.
حدثني الأديب محمد أبَات بن عبد الباقي بن المختار صاحب الترجمة: أن المختار كان عند شيخه المذكور، وكان لشيخه ختن يغيب عنه ثم يجيء، فيبنى له خباء يقيم فيه مع أهله أياما، ثم ينصرف على عادة أهل تلك البلاد، أعنى أهل البادية، قبل أن ينقل أهله إلى محله المخصوص، فإذا ذهب، يطوى ذلك الخباء، ويجعل
عليه شيء من الشجر يقيه وطأ الدواب، فإذا رجع بنى له الخباء أيضا.
قال: فاتفق إنه ذهب، فبعد انصرافه وانصراف أهله، جاء المختار فدخل في طنب الخباء ونام، فجاءت الجارية الموكلة بالخباء، فطوته على المختار ولم تنتبه له. قال: فأقام هناك أياما في نومه ذلك. وقد سأل عنه شيخه فلم يعثر له على خبر. فلما رجع الرجل من سفره، شرعت الجارية في بناء الخباء، فما راعها إلا المختار، فانتبه مذعورا، وخرج في غاية الشحوب، فجاء إلى شيخه، فجعل يسقيه اللبن الممذوق بالماء، حتى قوى قليلا، فسأله عن أمره. فأخبره بما كان، وانتبه من نومه، يحفظ ما كان مكتوبا في ألواح التلاميذ الموجودين هناك، إلا إنه لم يفهم معناه. فعلم شيخه أن الله تعالى فتح عليه، فبنى له بناء منفردا، ومنعه من لقاء الناس، وجعل يحضر له الكتب ويتركه وإياها، ثم يتعهده ويسأله، فبعد مدة قليلة نبغ، فأبرزه شيخه للناس وقد تمكن، ثم أمره بالمسير إلى شيخ من أبناء ديمان، لم يحضرني الآن اسمه، لينظر في كتبه، فتوجه اليه، فنزل على تلاميذه، فأساءوا عشرته. فقال لهم: أني مقيم عندكم أياما قلائل ومنصرف، فعلام هذا الجفاء؟ ثم إنه اجتمع بذلك الشيخ، وجعل يستعير منه كتابا ثم يذهب إلى محل لا أنيس
به، حتى يتم نظره، ثم يرده ويأخذ غيره. فلما انتهى غرضه، دنا من تلاميذ الشيخ، وأصاخ لهم يكررون دروسهم، فجعل يناظرهم ويبين لهم الغامض. فلما كرَّ راجعا، صحبه منهم نحو أربعين، وتركوا شيخهم ولازموه هو.
ولما ظهر المختار بن بون، انتشر ذكره في ذلك الإقليم، فصارت الناس تنثال إليه من كل وجهة، وأرى الناس الطريق النافعة في التعليم، على إنه وجد العلوم في ذلك العصر حية، وكان من اجل قبائل الزوايا في العلم: قبيلة إديقب. خصوصاً في علم العربية، فاستجلبوه إليهم، ليأخذوا عنه علم النحو والكلام. وكان لا يجارى فيهما. فأقام عندهم برهة فوقع بينه وبينهم مناظرات آله إلى الشقاق، وكان
المناضل له حقيقة اكبر تلامذته محمد بن حبيب الله، المعروف بالمجيدري، ومولود بن أحمد الجواد. وصاروا كلهم يدا واحدة عليه. وكانوا إذا صاروا إلى الشعر يغلبونه، لأنهم أمهر منه في نسجه فإذا صاروا إلى الألغاز الكلامية يغلبهم. وقد ألغز لهم لغزاً وقال لهم: إن أجبتموه كفرتم، وإن سكتم غلبتم. وأطالوا الشقاق، ثم استسمحوه بعد ذلك وقالوا له:(تا لله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين) فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين).
ولم يكن والده من أهل العلم، فكانت إديقب تحضره للتبكيت عليه، وتسأله عن المسائل، لتحط من قدر المختار، وتخجله بذلك، ولم يزده ذلك عند الناس إلا رفعة وعلو منزلة. وهل ضر عكرمة بن أبي جهل كفر أبيه.
واتفق يوما أن أحد إديقب، مر ببون في غنيمة له، وكان المختار يلزمه بيته، إذا كان معه ولا يتركه يخرج، فلما غاب، خرج هذه الخرجة فقال له: إن المختار يوجد قريبا وعنده لباس كثير، فدونك فاركب معي على هذا الجمل، فأراد أن يدس قدوما عنده، فقال له: إن تركتها شرقت. فحمله على حقيبة الجمل، ثم إنه لما استبطأ محل المختار، قال له: أنزلني، وأراد هو أن يثب من فوق الجمل،
فضرب الجمل، وجعل يعدو لئلا يتمكن هو من النزول عنه. فبينا المختار في حلقة عظيمة من أهل الفضل، إذ رمى له والده على تلك الحالة، ولكن المختار كان متسع الصدر، لا تزعزعه الرياح.
ومما خاطبهم به قوله، يعمهم ويخص لمجيدري بن حبيب الله، ويقال له حبَّلَّ:
على رسلكَ أرْيَعْ يابن حبَّلَّ إنما
…
يقُدّمُ هذي الناسُ منَّا المقدَّما
ومن قدّمتْه نفُسهُ دونَ غيره
…
رأى غيرُه التأخيرَ ذاكَ التقَدُّما
تقدَّمْتَ للتّصدير جهْلاً مؤخِّراً
…
ذوي الرأي والتصدير أن تتقدما
وقلتَ كما ضلتْ قريشٌ ضللتمُ
…
ألا قاسموا هذا الفتى المتقدما
قرَيْش قفت أهلَ الضلال ونحن في
…
هدى سلفٍ منهاجه قد تقوَّما
ومنها:
فلا تُنكرِوني آلَ يعقوبَ واذكروا
…
لياليَ أجلو ما على النّاس أظْلما
وحين أحلِّي منكم كلَّ عاطلٍ
…
بدرّي وأسقي باردي كلَّ أهْيَما
فلا نولكم أنْ تكفروا كمحمَّدٍ
…
سنى سُرُجٍ مني تسامى وأنعما
فكم قد بذلتُ الوسعَ فيكم مُعلما
…
له يقظةً كيْما يعيه ويفهما
وأهدى إليَّ العابَ وَالشّتمَ جازياً
…
وليس جزائي أنْ أعابَ وأشتما
ألا قبَّحَ الله ابن حَبَّلّ إنه
…
جزاني سنَّماراً وما كان أظلْما
إلى ولد الخطَّاطِ أهدى بعيرهُ
…
على أنه في النَّوْم منه تعَلّما
وبقي منها قليل.
وكان المختار رحمه الله مكباً على تحرير العلوم، ومن انفع ما ألف، نظمه الذي
سماه: بالاحمرار، عقد فيه من تسهيل ابن مالك، ما يذكره في الألفية، ومزجه بها مزجا جيدا، يدل على مهارة تامة، وفيه أبواب كثيرة تركت منها، كالقسم وجوابه، والتسمية بلفظ كائن ما كان، وتتميم الكلام، والإلحاق، ومخارج الحروف والهجاء، وغير ذلك من الفصول الكثيرة، ولما أراد نظم التسهيل، لم يجد شرحا له يستعين به، فذُكر له الدماميني عند محمذ بن بابان العلوي، فقصده وقال:
أتيتكمْ يا قضاةَ العلمِ والدين
…
وليْسَ لي غرضٌ سوى الدمامينِ
عنْ كلِّ حِبٍّ به قد كنتُ ذا كلفٍ
…
وكادَ زائدةٌ قد كاد يُسليني
كأنكم وهي للتحقيق ترتفعوا
…
على ظنون فؤادٍ ذات تحسين
فقال محمذ المذكور، أعطوه له على قبح أبياته:
ولما شاع نبوغه بين الناس، جعلت الطلبة ترحل إليه من البلاد الشاسعة، وكان حسن الصحبة والمعاملة للطلبة، جوادا بما يملك، إلا إنه قليل الإقامة، فشق ذلك
على تلامذته، لتعطل الأوقات وعدم من يقوم مقامه في الدروس، لأن الطريق التي اخترع للطلبة لا يقدر عليها غيره، فتعطلت دروس الطلبة مدة، ثم حضر ورحل بهم إلى بئر تسمى بودْرَيْك (بكاف معقودة مفتوحة) وهو في أرض تاكنانت، فقال لهم: أني سأقيم هنا سنة، لا أشتغل ليلا ولا نهارا إلا بتعليمكم، وكان لا يمل من التدريس الليل والنهار، فشرعوا يبنون الأخصاص، فلما أكملوها، رحل إلى السودان، وهم بعيدو الدار، فلما وصل إليهم، جاءه النذير
يخبره بأن ابنا دليم، أغاروا على إبله، وهذا من مسافة تزيد عن شهر، فانكفأ متوجهاً إلى أقصى تيرس، وكان يصحبه كبار تلامذته، فقال أحدهم:
لكَ اللهُ مِنْ شيخٍ إذا ما تبوّأَتْ
…
تلامذُه مأوى لنصبِ المدارسِ
تيمّمَ ميمونَ الخصَاصةِ فاتِراً
…
على ظهْرِ مفتولِ الذراعين عاتِسِ
يفزعُ نون البحر طوراً وتارةً
…
يُهدّمُ جُحْرَ الضَّبِّ فِي رأس مادِس
وكان يشدد النكير، على وليّ الله الشيخ المختار الكنتي، وله في ذلك، وقد بلغه أن الشيخ قال إنه يسلبه:
أسيّدَنَا المختار لا تكُ مفرِطاً
…
وإياكَ والتفريطَ واعدلْ وأقسِطا
فكونُكَ ذا مالٍ وجاهٍ وَرُتبةٍ
…
عَلتْ في قلوبِ الناس لمْ يمنعِ الخطا
وكونيَ لم أذكَرْ كذكرك لم يكنْ
…
ليمنَعني التوفيقَ من مانح العطا
أتسلبني واللهُ ما شاَء مثبتٌ
…
إذاً أنتَ في تعظيم نفسك مفرطا
وله أيضا في ذلك:
لئن كنتمُ استظهرتموا أنْ جعلتموا
…
أموراً علينا في الشريعَةِ لم تكنْ
فلا تُنكروا إنْ كنّتِ الكتْبِ عنكم
…
سرائِر عنا حالةَ البحثِ لم تكن
ثم إنه رجع عن ذلك، وصارت بينهما مكاتبات وملاطفات، واتفقا على أن يجتمعا في تكانت، بأن يقدم ابن بون من أرض القبلة، ويتوجه الشيخ من أزواد. ثم إن
المختار رحل من القبلة كما قال، ولما بلغ أول طرق تكانت، بلغه أن الشيخ عدل عن عزمه، وسأل عن ذلك المحل، فقيل له: يقال له التِّبرانن (بتشديد المثناة الفوقية مكسورة وفتح الموحدة وفتح الراء مرققة وبعدها ألف وكسر المثناة الفوقية مخففة وسكون النون) اسم طريق من طرق تكانت، فقال لهم: بلدة طيبة ورب غفور، وأخبرهم بأن ذلك محل تربته، وكان كما قال، هكذا تقول الناس، والله أعلم.
وله أيضا:
وسوداَء رُمتُ الوصْلَ منها فأعرضت
…
فقلتُ أمِثلي عنهُ مِثلكِ يَعرضُ
فقالتْ بِلَوني عنكَ ما أنا راغِبٌ
…
ولكن كلوني عن كلونكَ مُعرِض
وقالتْ سمُاك النار إني أخافُها
…
على جسدٍ للنار لَسْتُ أعرّض
فقلتُ لها ما لفظُ نارٍ بمُحرقٍ
…
ولكنَّ عُذراً لي أردتِ يُعرّض
وقلتُ لنفسي عنْ هواها صِيانةً
…
ففي الذّنْبِ كلُّ الذلِّ للمْرءِ يَعرض
فإِن أَعْرضَتْ عني فيا رُبَّ روْدةٍ
…
منَ البيضِ مني للهوى تتعَرض
وله أيضا:
وشادِنٍ رمى الحشى طرفُه
…
بفاتر أضعفَ منْ حُجَّتي
فبتُّ لا هجعةً منْ همهِ
…
في ليلةٍ أطْوَلَ منْ حِجَّةِ
تَعتادُني من ذِكرِهِ زفرةٌ
…
أَحَطُّ للآئام منْ حَجَّةِ
وله أيضا، أبيات يهجو بها جملا له، وقيل: هي لأحد إذا بلحسن:
لحاك اللهُ من جَملٍ حيادي
…
تفجِّعُه مخايلةُ الهواءِ
بروكٌ إن تُردْ منه قياماً
…
يميلُ من البُروك إلى اتكاءِ
وأحْملُ للمضاربِ من جَمادٍ
…
ويحرَنُ في الخلاءِ على الخلاءِ
وكان المترجم رحمه الله حيًّا، في أوائل القرن الثالث عشر، وقد طبعت طرته
المسماة: بالاحمرار، في مصر، وطبع بعض تآليفه بمدينة فاس.