المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌محمد بن سيدي محمد - الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

[أحمد بن الأمين الشنقيطي]

فهرس الكتاب

- ‌قَبيلَةُ إِدَوْعَلِ

- ‌ابن رازكه

- ‌حرم بن عبد الجليل العلوي

- ‌محمد بن سيدي عبد الله

- ‌باب بن أحمد بيب

- ‌سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم

- ‌أُبَّدَّ

- ‌محمد بن سيدي محمد

- ‌التجاني بن باب بن أحمد بيب

- ‌الهادي بن محمد

- ‌حرم بن عبد الله

- ‌محمد الحسن بن محمد عبد الجليل

- ‌إجْدُودْ

- ‌محمد محمود بن اكتوشنِ

- ‌سيدي محمد بن سيدي عبد الله

- ‌العمُّ بنْ أحْمَدُّ فَالْ

- ‌فتىً بنُ الحاج

- ‌سيدي أحمد بن محمد الصُّغير

- ‌محمد لحبيبْ بن لمرابط

- ‌عبدُ الله بنُ أحمد بن الحاج أحماه الله الغلاوي البكري

- ‌النابغة الغلاوي البكري

- ‌قبيلة إديقُب

- ‌ويقال لهم اليعقوبيون

- ‌أمحمد ابن الطلب

- ‌مولود بن أحمد الجواد

- ‌لِمْجَيْدري بن حبيب الله

- ‌المأمون

- ‌البخاري بن المأمون

- ‌شيخنا

- ‌محمد مولود بن محمد بن تكرور

- ‌العتيق بن محمد ابن الطلب

- ‌صُلَاّحي بن المامي

- ‌شعراء بني ديمان

- ‌محمد بن سعيد الديماني

- ‌مَحَنْضْ بَابَ بْنُ أعْبَيْدْ الديماني

- ‌ابن عَبْدَمْ الديماني

- ‌صُلَاّحي الديماني

- ‌المختار بن ألُمَّا

- ‌شعراء أولاد ابْيَيْرِ

- ‌الشيخ سيدي بن المختار بن الهيب الأبييري

- ‌سيدي محمد بن الشيخ سيديّ

- ‌شعراء تجكانت

- ‌المختار بن بون الجكني

- ‌ابْن عَيْدُّ الجكني

- ‌ابن مقامي الجكني

- ‌الإِمام بن محمذ الفغ الجكني

- ‌شعراءُ إِدَا بْلِحْسَنْ

- ‌سيدي عبد الله بن أحمد دام

- ‌محمذ بن السالم

- ‌الأحول

- ‌محمدُّ بن حنبل بن الفال البوحسني

- ‌هبةُ الله بن محمذٍ حبيب الله البوحسني

- ‌أحمد باب بن عينين البوحسني

- ‌ابن الأمين بن الحاج البوحسني

- ‌بُلَاّ بْنُ مكبد البوحسني

- ‌محمد سالم بن يا محمد بن لبيد

- ‌أبو بكر بن فتى بن فال الحسن البوحسني

- ‌اشويعر

- ‌ابن المحمود البوحسني

- ‌عبد الله بن أيّ

- ‌محمد بن لِحْظَانَ البوحسني

- ‌الطائع البوحسني

- ‌شعراء تندغ

- ‌محمذ فال بن متالي

- ‌معاوية بن الشّدُّ التندغي

- ‌المصطفي بن جمال

- ‌أحمد بن أمين بن الفراء التندغي

- ‌شعراء مِدْلِشْ

- ‌بو فمين

- ‌الأحنف المجلسي

- ‌المجدد البوحمدي

- ‌أحمد البدوي المجلسي

- ‌حماد المجلسي

- ‌مولود بن أغشممت المجلسي

- ‌محمد عثمان ابن أغشممت المجلسي

- ‌سيدي أحمد بن الصبار المجلسي

- ‌لِحْرَاكاتْ

- ‌باباه الأحراكي

- ‌امحمد بن هَدَّارْ

- ‌باب الأفراد

- ‌هذا باب جعلناه للأفراد

- ‌وهم من لم ترو لأكثر من واحد من قبيلته

- ‌الشيخ سيدي المختار

- ‌عبد الله بن سيدي محمود

- ‌الشيخ ماء العينين

- ‌مبايعته للسلطان مولاي الحفيظ

- ‌إدْيَيْجَ بن عبد الله الكمليلي

- ‌غالي بن المختار فال البُصاري

- ‌عبد الودود بن عبد الَّ بن انجبنان الألفغي

- ‌محمد مولود بن أحمد فال

- ‌الحسن بن زين بن سيد اسليمان القناني

- ‌اعمر مولود بن شيبة الأنتابي

- ‌محمد محود بن التلاميد التركزي

- ‌ما وقع بينه وبين الشيخ الدراج المغربي

- ‌ما وقع بينه وبين السيد علي ظاهر الوتري

- ‌ما وقع بينه وبين السيد أحمد البرزنجي

- ‌أغلاطه في رحلته

- ‌ما وقع بين محمد محمود المذكور

- ‌وشيخ المالكية الأستاذ سليم البشرى

- ‌سفره إلى اسبنيول

- ‌خروجه من المدينة

- ‌الفصول التي وعدنا بتذييل هذا الكتاب

- ‌الكلام على شنقيط وتخطيطها

- ‌فصل في شنقيط وحدودها وما يتعلق بذلك

- ‌ المغرب)

- ‌الكلام على شنقيط هل هي من السودان أو من

- ‌الكلام على تاريخ عمارة شنقيط

- ‌الكلام على جغرافية بلاد شنقيط

- ‌الكلام على آدرار تفصيلا

- ‌الكلام على طرق حيط آدرار

- ‌الكلام على أظْهَرْ

- ‌الكلام على أوْجفتْ

- ‌الكلام على جانب آدرار الشرقي

- ‌الكلام على واداق

- ‌الكلام على الباطن

- ‌الكلام على هوى آدرار

- ‌الكلام على الزرع في آدرار

- ‌الكلام على أشجار آدرار

- ‌الكلام على لعِصْايبْ

- ‌الكلام على مقطيرْ

- ‌الكلام على الساقية الحمراء

- ‌الكلام على إينشيري

- ‌الكلام على تيرس

- ‌الكلام على الخط

- ‌الكلام على أركيطه

- ‌الكلام على تكانت

- ‌(بكاف معقودة)

- ‌الكلام على مبدأ عمارة تيججكة والسبب فيها

- ‌الكلام على صفة تيججكة

- ‌الكلام على تامورِتْ انعاج

- ‌الكلام على أشجار تكانت

- ‌الكلام على الباغصه

- ‌الكلام على اركيبه

- ‌الكلام على اركيبه الكحله

- ‌الكلام على اركيز

- ‌الكلام على أفلَّه

- ‌الكلام على آوكار

- ‌الكلام على الحوض

- ‌الكلام على أظهر

- ‌الكلام على أزواد

- ‌الكلام على أروان

- ‌الكلام على لمرية

- ‌الكلام على تيشيت

- ‌الكلام على آكان

- ‌الكلام على فاي

- ‌الكلام على آوكار

- ‌الكلام على آمشتيل

- ‌الكلام على لعكل

- ‌الكلام على إكيدي

- ‌الكلام على أظهر وانوللان

- ‌الكلام على شمامه

- ‌الكلام على سكان شنقيط وجنسهم

- ‌الكلام على الزوايا

- ‌ما يحمد من أمر الزوايا وما يذم

- ‌الكلام على حسان وسيرتهم

- ‌الكلام على الترارزة

- ‌الكلام على أبناء دامان

- ‌الكلام على حروب الترارزة

- ‌الكلام على غدرة محمد لحبيب

- ‌الكلام على غدرة سيدي بن محمد لحبيب

- ‌الكلام على غدرة اعل بن محمد لحبيب

- ‌الكلام على حروب حسان

- ‌حروب تفرجنت وأبناء بنيوك

- ‌حروب إدوعيش

- ‌الكلام على أولاد امبارك

- ‌الكلام على انمادِي

- ‌الكلام على حسان شنقيط من حيث الشجاعة في

- ‌الحرب

- ‌حرب بكار واشترتيت

- ‌حروب الترارزة

- ‌الكلام على أحيى من عثمان

- ‌حروب الزوايا وحسان

- ‌حرب شرْبَبّهْ

- ‌ناصر الدين

- ‌حروب كنته وإدوعيش

- ‌حروب الزوايا مع بعضهم

- ‌حرب إدوعل البيض والكحل

- ‌حرب أهل شنقيط وأهل وادان

- ‌حرب إدوعل وإدابلحسن

- ‌يوم لِغبيبيري

- ‌يوم ايرْزيكْ

- ‌يوم بوطريفيه

- ‌يوم إبلحنوشه

- ‌يوم تندوجه

- ‌حرب كنته وإدولحاج

- ‌حرب كنته وتجكانت

- ‌حروب تجكانت والأغلال

- ‌حروب انبيز

- ‌حرب كنته وأولاد بسباع

- ‌أي (أبي السباع)

- ‌الكلام على لغات أهل شنقيط وأصلها

- ‌الكلام على كلام أزْناكهْ

- ‌الكلام على اللغة الحسانية

- ‌الكلام على الضاد

- ‌الكلام على العلم في شنقيط

- ‌كيفية التعليم عندهم

- ‌تعب العالم في شنقيط وما يكابده من المشاق

- ‌كيفية إلقاء الدرس عندهم

- ‌تأديب المدرس للطلبة

- ‌الكلام على طلب العلم

- ‌التجارة في شنقيط

- ‌تجارة أهل شنقيط فيما بينهم

- ‌الصناعة في شنقيط

- ‌الزراعةُ في شنقيط

- ‌عاداتهم في الزواج والولائم

- ‌الكلام على التاريخ في شنقيط

- ‌الكلام على المكاتبة في أرض شنقيط

- ‌القضاء في شنقيط

- ‌البيع والشراء في شنقيط

- ‌ما بقي من الشريعة في شنقيط وما ذهب أثره

- ‌الحيوان في شنقيط

- ‌صفة الخيل العتاق في شنقيط

- ‌السباع في شنقيط

- ‌الحيات في شنقيط

- ‌الكلام على المرض والصحة في شنقيط

- ‌الكلام على السحر في شنقيط

- ‌الكلام على أمثال أهل شنقيط

- ‌حرف الباء

- ‌حرف التاء

- ‌حرف الثاء

- ‌حرف الجيم

- ‌حرف الحاء

- ‌حرف الخاء

- ‌حرف الدال

- ‌حرف الذال

- ‌حرف الراء

- ‌حرف الزاي

- ‌حرف السين

- ‌حرف الشين

- ‌حرف الصاد

- ‌حرف العين المهملة

- ‌حرف الفاء

- ‌حرف الكاف

- ‌حرف اللام

- ‌حرف الميم

- ‌حرف النون

- ‌حرف الواو

- ‌حرف الهاء

- ‌حرف الياء

- ‌الكلام على الطب في شنقيط

- ‌خاتمة الكتاب

الفصل: ‌محمد بن سيدي محمد

كلُّ عالٍ ومجيد مَجْدُهُ

وعلاه مَع ما خُوِّلْتَ فُوفْ

ما على من جاَءكم مستعطفاً

عالما أنك للجاني العَطوفْ

قائلا يا سيدي خذ بيدي

طال قرعى وعنائي والوقُوفْ

وإلى الرحمن أشكو قائلاً

يا قريبٌ يا مجيبٌ يا لطيفْ

سَيئاتٍ شفَّ جسمي ذكرُها

وبراه مثل تعْريق الصَّليفْ

وعلى هادى العبادِ المصطفى

وإمام الحق والدين الحنيفْ

صلوات ما شدت قمرية

وتغّنتْ فوق مياد قَصيفْ

وعلى المختارِ مصباح الهدى

من شآبيب رِضي اللهِ وكِيفْ

وعلى أستاذنا وارثه

وسقاه اللهُ من نَؤْءِ الخريفْ

‌محمد بن سيدي محمد

المتقدم، برع في عنفوانه في العلوم، وصرف همته إلى نظم الشعر، وبلغ صيته في قطره مبلغا لم يبلغه أحد ممن عاصره، فإذا قيل: ابن محمد، خضعت له رقاب الأدباء وفطاحل البلغاء، وأنا أسوق عنه بعض ما يبرهن عما ذكرت، وغطت شهرة شعره على علومه، مع أن له اليد الطولى في العربية والفقه، وكان ينظم القصيدة، فيقدمها إلى العلامة باب بن أحمد بيب العلوي، فينشده إياها فيأمره

بسترها، فيمتثل أمره ثم يعود إليه بغيرها، حتى قال قصيدته التي رثى بها محمد الدنبج التندغى وهي:

لا عذر للقلب أن يقنى السلوّ ولا

للعين أن تبق في آماقها بللا

فأنشده إياها فاستحسنها، وجعل يزحف عن مجلسه استحسانا لها، وهي في غاية الانسجام. ومنها بعد المطلع:

انَّ النعيّ بقيه الترب فاه بما

أسهى وأسهر من تبريحه المقُلَا

رمى القلوب بما لو كان صادفه

رَضوى ولبنان دهدى منهما القُلَلا

ص: 47

نعى محمدنا الناعي فقلت له

هلا عطفت عليه العلم والعملا

ومنها يخاطبه:

يا هالكا وقسيُّ الموت ما برحت

ترى وأغراض رامى نبلها النُّبَلَا

إن تعتبرها قنى أم اللُّهَيْم لكمْ

نفست معضلها المرهوب أن نزلا

أوسرت عن هذه الدنيا الغداة لقد

سارت مزاياك في أقطارها مثلا

نفاد زادك من دنياك زودنا

حزنا وإن كنت مسرورا به جذلا

ووردك الموت روانا الزعاقَ وإن

رواك مورده الصهباء والعسلا

ومنها يخاطب قومه، وكانوا يلقبون بحلة أربعين جوادا:

يا أربعين جوادا أن حسبكم

لطف المهيمن فلترضوا بما فعلا

ولْتذكروا الرزء لا ضاعت أجوركم

بخاتم الرسل تنسوا خاتم الفضلا

ولما نبغ محمد، طار صيته في ذلك القطر، وكان صغير السن يدهش الناس بسلاقته وحدة ذهنه. ولما كان محمد بن الطلب المشهور في تلك البلاد موجودا إذ ذاك، فاجتمع به يوما، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:

فيمنْ أهيم بها لاموا ولوْ هاموا

بمن أهيم بها يوما لما لاموا

هامَ الفؤاد بمن لولا ملاحتها

ما سفّهتْ من ذوى الأحلام أحلامُ

هامَ الفؤاد بخيتِ الناس بحت بها

إذ في الكناية تلبيسٌ وإبهامُ

حتى أتى على آخرها، فقال له امحمد المذكور: الحمد لله الذي جعلك في غير زمني، وكان امحمد إذ ذاك شيخا كبيرا. ولما حدقت إليه العيون، نزعته أعراقه إلى طاعة الله والتفكر في أمر الآخرة، فاشر أبت نفسه إلى حج بيت الله الحرام وزيارة نبيه صلى الله عليه وسلم، فوازره على ذلك صديقه وابن عمه، سيدي أحمد بن حرمة ابن الصبار العلوي، وكان فاضلا عاملا. وكان لهما ابن عم آخر، فوافقهما على ذلك ثم بدا له فيه، فجلس وجعل يثبط همة محمد فقال فيه:

يا مُشفقاً من رحيلي لجَّ في كمدِ

هل أنت من دون ربي آخذ بيدي

ص: 48

أمسى يفنّدُني فيما أرى وأرى

مفَنّدِى فيه منسوباً إلى الفَنَد

دعني وعزميَ والبيدا وراحِلتي

وما جرى من بناتِ الفكر في خلدي

الله حسبيَ لا ألوى على أحدٍ

كلاّ ومثليَ لا يلوى على أحدِ

وعقدة العزم منى لا يحلُّ بها

حل إذا حُل عزم محكم العُقَدِ

وقال أيضا لما عزم على الحج:

نَجلَّدْ جهْدَ نفسك للفراق

وكفكف غَرْبَ سافحةِ المآق

وجرّد من عزِيمك ما يوازي

مُتِرَّات المهندة الرقاق

ونِكّب عن مقال أخي الهوينا

وعنها فهي خاسرة الصفاق

وعن باكٍ وباكية أراقا

دموعا ليس واكفها براق

إلى البيت العتيق بنص إحدى

عتاق الكوم أو أحدِ العتاق

بنص شِمِلَّة تعدو بعالي

قَراها عدو منفرد لَهاق

أجادت خلف غاربها بناء

يدا صفو المراتع والمساق

تبارى الريح جافلة وتطوى

عَرِيضات الفلا طيّ البطاق

لو أرسلها وقد لحقت كُلَها

على خرجاء أيقن باللَّحاق

فلا تبرح تروحُ بها وتغدو

وتدلج لا تناخ سوى فَوَاق

إلى أن تستحيل على حنايا

فقار الظهر لاصقةَ الصفاق

وتحسبها إذا بغمت لُغوبا

من الادلاج ثاغية العَنَاق

وعاشرْ كل منتدب ليرقى

من ابنيى العلى صعب المراق

به حملت مفزعةً نوارٌ

على الإحكام من حُبُك النطاق

أأحبابي أعاد الله مني

ومنكم بعد فُرقتنا التلاق

إلى أرض الحجاز أحَلْتُ عنكم

صفيحة وجه وجدي واشتياقي

ص: 49

سلوت أحبتي واشتاق قلبي

بتلك الأرض نُجْلِ الحداق

ولا بيض الترائب والثنايا

مديرات الجُمان على التراقي

بزمزم غُلتي تغلى فمنْ لي

بكأسٍ من مُدامتها دِهاق

صفا نفسي الصفا ومِنىً مُناها

وبالجَمَرات قلبي ذو احتراق

ألا يا ركبُ حُقِّقَ ما رجوتم

على حسن التلاطف والوِفاقِ

ثِقوا بالله واعتصموا وسيروا

خِفاقا فالمهيمنُ خيرُ واقِ

فلا الإِقدامُ يجلبُ ما كُفينا

ولا الإحجامُ يصرفُ ما نلاقي

وشدوا الميس من قود النواحي

بجنبي كلِّ يَعْمَلة دِفاقِ

وذوقوا السهد فَوقَ ذرى المطايا

لذيذا والكرى مرَّ المذاقِ

وشجوا البيد عازفة النواحي

وجنح الليل مندل الرُّوِاقِ

وخوضوا في الهواجر كل آل

طمى والشمس لافظةُ البصاقِ

وإنْ عرضَ العباب فمنشآتٌ

مواخر لا تزال على اختراقِ

هوابط من جبال الموج طَوْراً

وطوراً في بواذخه رواق

إذا جاشت دواخنها تناهت

صواعدها إلى السبع الطباق

نجائب لا تعرّس في مبيتٍ

ولا ترعى ولست لها بساق

إلى حيث النجاحُ وحيث يغدو

أسيرُ الذنب مفكوك الوثاق

وحيثُ تنيخ حامدةً سُراها

لدى الإصباح مُدْلجةُ الرفاق

وحيث نطوف سبعاً ثم نسعى

ونُسرِع للمواقف في استباق

ونشعرُ بعد وقفتنا ونرمى

ونأوي للمحلّقِ للحِلاق

ونرجع للطواف وقد أرقنا

دماء المشعَرَات من النياق

ونُمضي يومنا بمنًى فنقضي

بلا عَجَل ليالِينا البواقي

فإن طبنا بطيّتِنا نفوساً

تنادَيْنا لطيبة بانطلاق

ص: 50

فوافينا الحبيب وذاك أوفى

وأوفرُ ما نؤمّلُ من خلاق

ودُرْنا بالقباب كما أردنا

ودُرْنا بالنخيل وبالزقاق

ألا يا نعم طيْبَةُ والعوالي

وحيطانُ الحدائق والسواق

هي الدارُ التي شرُفت وتاهت

على شام المواطن والعراق

على من صاغ منصبه حُلاها

وساق لها العلا كلّ المساق

صلاة الله ما لبَّي حجيجٌ

وما حُمَّ اللقا عقب الفراق

ولما وصلا إلى مُرَّاكش، نزلا عند محمد الأمين بن أبي ستة، وكان من المقربين عند السلطان مولاي عبد الرحمن، فلم يوصل خبرهما من أوَّل الأمر إلى حضرة السلطان. فقال:

هل حامل أسنى السلام كله

لحاملِ الملك وعبء كلِّهِ

ومتولي عقده وحله

وواضعِ الأمر على محلِّهِ

من لا يجود زمن بشكله

ولا يُرى عدلٌ عديل عدله

مأوى الغريب ومَحَطُّ رَحْلهِ

وملتقى نُزُولهِ ونُزْلهِ

قضى له الله يجمع شمله

ووطء من خالفه بنعله

ودام خفض العيش تحت ظله

وعزَّ الإسلام وعزَّ أهلهِ

موجبه لا زال فوق سؤلهِ

ما يرتجي سائله من بذله

أنَّا نرجى من جميل فعله

ما نرتجي أمثالنا من مثله

ولما ابلغ ابن أبي ستة خبرهما إلى السلطان، أمر باحضارهما، فلما سلما عليه واستقصى خبر الجهة التي قدما منها، أنشده قصيدتيه الآتيتين. وكان السلطان رحمه الله، شديد الاهتمام بأقصى المسلمين من أهل مملكته، حتى إنه يعلم أهل الخير من كبار أهلها وأهل الشر. ولما أنشد القصيدتين استحسنهما السلطان. وأولاهما:

هل في بكا نازح الأوطان من باس

أمْ هل لداءِ رهين الشوق من آسِ

أمْ هل مُعين يعين المستهامَ على

ليل كواكبهُ شدَّت بأمراسِ

ص: 51

آهٍٍ لمغتربٍ بالغرب ليس لهُ

جنسٌ وإن كان محفوفا بأجناسِ

علَّ الإمامَ بفضل الله يمنحه

رُحمى فيكشف غم الآسف الآسِ

أقولُ والرَّكب محزون بوحشتنا

صبراً فكم وحشة أفضت لإيناس

إذا وضعنا بأرض الغرب أرحُلنا

راح الرجاءُ علينا طارد الياس

إني كفيلٌ بنْيل السؤْل لي ولكم

إما بمُرَّاكشَ المحروس أو فاس

أمامنا في كلا المصرين نُورهما

إمامنا المستماح المطعم الكاس

خَليفةَ المصطفى وهو ابن بَضْعته

ثوبا من المجدِ لم يعلق بأدناسِ

الله منك حقوق الناس قلدها

يقظان لا غافل عنها ولا ناسِ

عَمَّرْت عُمِّرْت من عهد الشريعة ما

باض النعام بدور منه أدراسِ

داركتها بعدما مالت دعائمُها

فاستحكمتْ واطمأنت فوق آساس

وافاك ركب تعاطوا من نعاسهمُ

على متون المطايا قهوة الكاس

حثوا جلاس المهارى لا يُرَوْن على

منابر الميس منها غيرَ جُلاّسِ

حتى يرى السير منهم كالقْدِاح ومن

ها كالقسيّ حنتها كفُّ قوَّاسِ

فواسنا بلقا ما اعتيدَ منك وما

فضل المقالة إلا قولنا واسِ

وحقق الظنَّ أنَّا سوف تحملنا

على مجوَّفة الحيزوم كالرَّاسِ

لها دُخَانٌ حريقُ الغاب أزعجهُ

أنفُ الجنوب بأنفاسٍ فأنفاسِ

واسمحْ لنا بدعاءٍ منك صالحهُ

بيمنه يسهل المستعصب القاس

والقصيدة الثانية:

ألمَّتْ بنا أهلاً بها أمّ سالم

على نأيها أم تلك أحلامُ نائِم

ألمَّت بنا وهناً وقد ضرَب الدجى

علينا خباءً في مُتِيهِ المخارِمِ

ألمَّت بشُعْث في الفلاة توسَّدوا

مرافق خوصٍ كالسهام سواهم

نضونا على أنضائها من عزيمنا

سواهمَ أمضى من شفار الصوارمِ

وجبنا عليها مهماً بعد مهمهٍ

إلى ابن هشام كي نزور ابن هاشم

ص: 52

إلى أن أنخناها لديه ولم نكن

كمن عاقه عن ذاك ضعف العزائمِ

خليفةُ مصباح الهدى وحفيده

ومحِييُّ عافى ربعه المتقادمِ

غيور على بيضاء سنته التي

أبيحت لها لولاه كلُّ محارمِ

فكم غض عنها طرفَ من رام طرَفها

بغضِّ وكم قد كَفَّ من كَفِّ ظالم

أنامَ عيون الناس تحت عدالةٍ

وقَتْ رجل سار الليل لدغ الأراقم

ومنها يخاطب السلطان:

تعاظمنا هول الطريق ومنكمُ

عظامَ اللُّهى نعتاد دفع العظائمِ

وثقنا بِرِىٍّ أمت ظماؤنا

موارد طامى بحرك المتلاطم

ومنها:

أمولايَ لازالت مدى الدهرِ منكم

حصون المعالي عالياتِ المعالِمِ

ولا برح التقبيل شغل أكفكم

وأقدامكم تُحْذى أديم الجماجم

فأصبح ثَغْر الأرض سوقا وأصبحت

مَآسِدُها مرعى المخاض السواهمِ

حماها حماهُ الله أن تسبيحها

من أعدائها دُهم الدواهي الدواهمِ

وبشرَنا أن سوف تأتي ركابنا

أبا فاطم أنَّا أتينا ابن فاطمِ

على جدّه في كل بدءِ ومختم

مبادي صلاة مالها من مخاتمِ

وقال أيضا يخاطب ابن أبي ستة، ويسأله التوسط في أمر السلطان:

أثار من التذكُّرِ حين زارا

خيالٌ من أمَيْمَة ما أثارا

سرى بعد الهدوّ فما أعيرت

قلوب العاشقين كما أعارا

وكم بعث الخيالُ لذي انْتِزاح

نزوعا للأحبةِ وادِّ كارا

ألا أهلاً بها ولوِ استحالتْ

على قرب زيارتها ازورارا

لئن أنأى أميمة ما اعتسفنا

رواحا بالنجائب وابتكارا

ص: 53

فقد أدنت مباراةُ المطايا

نوافخ في البُرى منْ لا يبارا

أزارتنا الفقيه فأنصفتنا

من أيدِ النأي إذ مَطلَ المزارا

وغادر طيُّهَا نشر الموامي

إليه طيَّ حاجتنا انتشارا

قَدَ أهدى الدهر إذ أهدى إلينا

لقاه من إساَءته اعتذارا

إلى مثل ابن أحمد فليسافرْ

أخو العزمات أو يدع السّفارا

هُمامٌ سَلَّ صارمَهُ ليحمى

من الحق الحقيقةَ والذمارا

أبى نور الهداية من يديهِ

لمحيار الضلالة أن يحارا

وشيّدَ للحقيقةِ من زوايا

تعاطِى الذكر أرفعَها منارا

له خلق يُدير مدى الليالي

عليها من معارفه عُقارا

سرى لمحمد في الأرض حمد

يسير به المسافر أين سارا

حكمنا فيه بالخير امتداحاً

إلى أن أصبح الخير اختبارا

فأبصرنا شواهد ما سمعنا

كمفتوق الصباح إذا استطارا

ومنها:

أسيدنا النبيه ومن تحلّى

بما فضه الجواهر والنُّضارا

أسارنا ببابكمُ فبادرْ

إلى تخليص إخوتك الأسارى

وداركْ بالنجاة ذَماَء غرقى

قد اقتحموا بما اقتحموا بحارا

أطاعوا أمرَ غَيِّهِمُ ولَجُّوا

غرورا في عمايتهم سُكارى

فانهمُ وإن شَحَطت نواهم

لجارك فارعَ حق من استجارا

رعاك الله من راعٍ نصيح

رعاية من قد أودع واستعار

وباركَ فيك ربك من خديم

قد أحسن في أوامره ائتمارا

ومنها:

أمتخذ الهدى خذها هَدِيًّا

بدت في زيّ فارهة العَذارا

تغضُّ الطرف من خجل وتدنى

عليها من مهابتك الخمارا

ص: 54

قد اكسبها فَخَارك فَخَارك حين زُفَّتْ

إليك على نظائرها فَخَارا

وقال أيضا يصف ليلة سهرها عند بعض أفاضل أهل مرَّاكش، ويصف ما اعتراهم فيها من السرور، ويصف منزل صاحب الدعوة وكيفية شرابهم للشاهي:

يا ليلةً راحَ فيها عازب الوطرِ

بات الصفاءُ بها يسطو على الكَدَر

طابتْ مجالسنا فيها وخامرنا

حسنُ السرور على موضونة السُّرُر

إذ بات أحمدُ يسقينا على مَهَل

أشهى من الراح في أبهى من الدرَر

في منزل تُتْعِبُ الأفكارَ عبرتُها

فيه كما يُتْعِبُ الأبصارَ بالنظرِ

فيه النَّهارُ عِشاءٌ والمعايش وال

أنهار تجرى وفيه مُثْمِرُ الشَّجَرِ

ثم إنه رحمه الله، بعد مقابلة مولانا السلطان عبد الرحمن وحفاوته به وبمن معه، ركبا البحر متوجهين إلى الحرمين الشريفين وفي الركب ابن أبي الشيكر (بكاف معقودة) قائد أبناء أبي السباع فبدءوا بالزيارة، ثم قضوا حجهم، فتوفى رحمه الله بين مكة وجده. ولم نعثر له على نظم في الحجاز، سوى بيتين قالهما لإبراهيم

القاضي صاحب الصولة في الينبوع وضواحيه. وكان تلقى ذلك الركب بما ينبغي، وهما:

يا قاصداً بطحاَء مكة يرتجي

نيل الطواف ببيتها المرفوع

لا نخش من ينبوع حاجِك غورةً

ما دام إبراهيمُ باليَنْبوع

وقال يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم:

هاج التفرُّق فاعذليني أوْ دَعي

شوقاً أصمّ عن العواذل مسمعي

لا تُنكري مني الشحوب فهكذا

فعلُ الفراق بكل صبٍّ مولع

إنّ الأحبة أوْدَعوا إذ ودَعوا

في القلب شجواً لم يكن بمودّع

كيف السلوّ خلافهم أمْ كيف لي

بالكف بعد نواهم من مدمعي

بانوا فبتُّ بليلة لم تنكشف

من بعدهم وبمقلة لم تهجع

بانت ببينهمُ الرباب وخلفت

بين الجوانح غُلّة لم تنقعِ

دارَ الرباب أربَّ فيك على الرَّبى

ينهل مرتجس الركام الممرعِ

ص: 55

حيَّى الإلهُ زماننا إذ لم يرعْ

فيك الصدود ولا نعيبُ الأبقعِ

دهرٌ مضى جمعت لنا أيامهُ

شمل السرور فهل له من مرجع

أم هل تقرَّبُها النجائب أن ترح

عوجاً سواهمَ جائلات الانسُع

من كل مُجْفَرة لها بعد الونى

عدوُ الهجفِّ أو الأتان الملمع

يا نفس قد ولىَّ الشباب وأنت عن

غيِّ البطالة والصبا لم تنزع

قد تعلمين مصير أمركِ فارعوى

فالعلم محض الجهل أن لم ينفع

والموت منتظرُ اللقاء وذو الحجا

متأهب للقائه المتوقّع

ما لي أشاهد كل حين عِبرَةً

وعن الغواية سادراً لم أقلع

وارحمتا لأسير ذنب تاه في

ظُلَمِ الضلالة عن قويم المهيع

إني فزِعت وفكرتي جعلت إلى

خير البرية مُشتكايَ ومفزعي

إنسان عين الكون غرَّة وجهه

حاوي التفرُّد بالمقام الأرفع

ذو الرتبة العليا التي ما للورى

من مطمع في نَيْلها من مطمع

بابُ الإله ومصطفاه لسره

وسراج حجته الذي لم يقْشَع

مَنْ خصهُ بحُلي الكمالِ إلهُهُ

والكون واقع أمره لم يوقع

وإلى اسمِه ضمَّ اسمَهُ شرفاً له

من قبل حيعلة المنادى المسمع

وبه توسل الأنبياءُ إلى الذي

حازوه من سرّ النبوَّة أجمع

أسرى الإله به وأودع صدره

في ستر جنح الليل أشرف مودع

يا مولد الهادي لشهرك نفحةٌ

أرج الزمان بنشرها المتضوّع

أكرم بمولد ذي الختام بيومه

وبشهره وبعامه والموضع

حَلِى الزمان به كما حَلِىَ الرُّبَي

بالروض إثر الساريات الهمّع

لله أكملُ خِلقة وخليقة

مُنِحا لصفوة هاشم ومُجَمّع

بحر إذا ورد العُفاة وإن بدا

فالبدرُ ماضي عَشْرِه والأربَع

يغشى الهياج إذا التظى متبسما

والبيض تلمع والفوارس تدَّع

ص: 56

والخيل ثائر نقعها من نسجهِ

وجه الغزالة مدرج في بُرْقُع

في سرج مشرفة التَّليل طِمرّة

أو سلْهَب ظامي المفاصل جُرْشع

حطم الأعادي خطمة جنحتْ بهم

لِتَبَذُّلٍ من بعد طول تمنع

وبها غدى مَنَ أبا السجود لربه

وله سجودٌ بعدها لم يَرْفَع

قَتْلى تَنازَعُ في الوغى أشلَاءها

بين الجيوش جيوش طير وقع

فغدت حصون الشرك رسما دائراً

لعبت به أنفاس ريح زَعْزَع

لم يُبْقِ فيه المصطفى من قَيْصر

كلا ولا كسرى ولا من تُبَّع

بهُدى الكتاب دعا فمن لم يرتدعْ

بهُدى الكتاب فبالكتاب يُردع

فرقٌ هُدِين به وأخرى حُمِّلت

من سيف سطوته الذي لم تسطع

لَا تألُ مدحا للنبيّ وبله ما

تدرى النصارى في المسيح وتدَّع

يا خيرَ من حمل المطيُّ ومن بهِ

زُجِرَ العتاق بلامعات اليَلْمعِ

أثنى عليك إلهنا فلتعترف

بقصورها فكِرُ البليغ المِصْقَع

إني بمدحك أستجيرُ وإنني

منه لفي الحصن الحصين الأمنع

فأمنتُ طارقةَ الحوادث وأثنت

عني دواهم كلِّ خطب مفظع

وبك احتميْتُ من المكاره فاحمني

وبك استعنْتُ على الزمانِ فكنْ معي

لتكن معي عند الممات وكن معي

عند السؤال وكن معي في مضجع

لتكنْ معي يوم الجزا أن قُدِّمت

نفسي لما صنعت وما لم تصنع

صلى الإله عليك ما صدحتْ على

فَنَن مُطوَّقةُ الحمام السُّجّع

ومن غرر قصائده قوله يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ايضا:

زارت عُليُّ على شحط النوى سحرا

فاعتاض جفنك من عذب الكرى سهرا

زارت فبات نظام الهمّ مجتمعاً

شوقاً وبات نظام الدمع منتثرا

فالقلب يغلي وجفن العين يُسعده

بمدمع كلّما كفكفكته انحدرا

يا رب مشتبهات لا منار لها

من خاضها ركب الأهوال والغَررا

خاضت إلى ودوني من هوائلها

ما يستتيه عن القصد القطا الكُدُرا

ص: 57

زارت مُعَرَّسَ سَفْرٍ بعد ما ارتحلوا

شهراً رواحاً وتهجيراً ومبتَكرا

تهوى بهم راقصات العبس طاويةً

أخفافها من عراض اليد ما انتشرا

تعلو الهضاب وصمَّ الصخر حافيةَ

ما أن ترى نَقَباً فيها ولا دَبَرا

بُزْلا سمى النيُّ في أثباجها وعلى

غِرْبانها لبَّدَتْ أذنابها الخطرا

عهدي بها لم تزر جاراتها كسلا

واهاً لها كيف باتت تسلك الوعرا

باتت تشقُّ ظلامَ الليل نحوهمُ

يا عظم ما كَلَّفَتْ أوصالها الفُترا

ما أنس لا أنس والأيَّامُ مولعَةٌ

بفرقة الشمل إذ خالستها النظرا

فأومأتْ بكحيل الطرف باسمة

نحوي لكيما أرى أن الرقيب يرى

أيام أحسو رحيق الوصل آمنة

نفسي أن أحسوَ سمَّ الصرم والصبرا

ما كنتُ أحسب هذا الدهر تُحدث لي

أحداثه من ليالي صفوه كدرا

إني إذا الحبل أمسى من عُلَيَّةَ ذا

صرْم وأمسى تدانيها نوًى شُطُرا

عديت عنها وعن جاراتها وَخَدَتْ

بي نجب فكرىَ للمختار من مضرا

من يشغل الذهن منه في محاسنه

يستقبح اللعَسَ المعسول والحَوَرا

لمَّا برى كبدي ما قد جنته يدي

يممته صارفاً عن غيره البصرا

وجهَّتُ وجْهي إلى خير الورى وأرى

لنفسيَ الفوز بالمطلوب والظفرا

وجّهت وجْهي إلى مُغْنى الفقير ألا

إني لمعروفه من أفقرِ الفقرا

وجَّهت وجْهي لذي الخُلْقُ العظيم وذي ال

مجد الصميم عديم الشكل والنُّظَرا

وجَّهت وجْهي لمحمود المقام ومق

صود الأنام إذا الخطب الجليل عرا

مولى الشفاعة في الهول العظيم إذا

ما صدَّ عنها جميع الرسل واعتذرا

منير صبح الهدى للمهتدين به

من بعدما جنَّ ليل الكفر واعتكرا

به إلى مَهْيع الحق اهتدى نفرٌ

وضلّه نفرٌ من قوله نَفَرا

قد أخرست عن مقال الحق لُسْنُهم

والضبُّ أخبر لما استُخبر الخبرا

وخالفوه ففاض الماءُ منفجراً

لمَّا دعاه ونادى فاندعى الشجرا

ص: 58

والشمس عن صوبها ردَّت له وله

قد أسبل المزن لمَّا استمطر المطرا

من آيه وكفى القرآن معجزة

ما كان من خارق في بدئه ظهرا

يكفيك أن إله العرش صوَّره

كما يشاءُ ومنهُ صوّر الصورا

لا لا تقس بالورى الماحي فذو خطأٍ

من قاسهُ بالورى لو لم يكن بشرا

أثنى عليه بما قد كان ناسبه

رب العباد فماذا يبلغُ الشُّعَرا

أهدى إليه قديماً من بدائعه

كعب وحسّان والهمزيُّ ما كثرا

أسْدوا به وأناروا ثم ما بلغوا كلاّ لعَمْرُك من مِعشاره العُشرا

لكن أتوا فيه بالقدرِ الذي اقتدروا

قبلي فهلْهلْتُ أقفوا منهم الأثرا

لا يوجدُ الدهرَ إلا راكباً خطراً

أو قائداً شقراً أو طارداً أخرا

أو قائداً عسكراً أو مفنياً زمراً

أو قارئاً سوراً أو قائماً سحرا

ما زال يغزو وجند الله يؤزره

والنصر يصحَبهُ في كلِّ ما شجرا

حتى استبد وبزَّ الكفر دولته

بالغزوِ واستعبد الأشراف والأمرا

وأصبحت ملة الإسلام واضحة

وعمَّ نور هداه البدوَ والحضرا

قد أنكروا ما أتى البر الصدوق به

والبر أنزلَ تصديقاً له السورا

من صدَّ عن آيه العظمى أعدَّ له

بواتر الهند والخَطّيَّةَ السمرا

والجرد جرد المذاكي القود حاملة

رُبْداً ضراغم في زِي الورى جسرا

مستلئمي حَلق الماذيّ يقدمهمْ

شاكى السلاح يهز الصارم الذكرا

ثَبْتُ الجنان وموج البحرِ ملتطم

والحرب رامية من شهبها الشررا

يخوض ثم بحار الموت مبتسما

تلك الجراَءة بَلْهَ الضيغم الهصرا

هذا ما بقى في الخاطر منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير. ومن بديع قوله في الغزل:

ولت ليالٍ إلينا ساقها الزمنُ

ما سيق من بعدها للأعين الوسنُ

ولّتْ سِراعاً وولّى البشر يتبعها

عنا وأقبل من إدبارها الحزن

ولّت فقائم ركن الصبر منهدم

من بعدها ومصون الدمع ممتَهَنُ

ص: 59

قد غبن بالوصل ممن لم يغب جزعي

من بعد ما غاب عنا وجهها الحسَنُ

بمن إذا قابلت يوماً محدّثةً

تحاسَدَتْ عند ذاك العين والأذن

بانوا بها لا سَقى السّاقي مطَيَّهُمُ

ولا رعَتْ ما وَشاهُ العارضُ الهتن

يا ظاعنين ولى نفس تصاحبهم

في بينهم حيثما ساروا وما سكنوا

حملتموني ثقلاً من تحملكم

يعوق جَلْدَ القوى عن حمله الوهَنُ

إن ظَلْتُ بعدكم أدعو الربوع لِمَا

هاجت لقلبي من ذكراكم الدِّمنُ

تعتادني زفرة يرتدُّ صاعدها

عن عبرة ضاق عن منهلَّها الجفنُ

فإنني ببكا غَيْلان ربع لوى حزوى

أو أربع وعسى مشرق قمنُ

ليت الأُلى ظعنوا بالقلب إذ ظعنوا

لم يظعنوا والألى لم يظعنوا ظعنوا

وما وقع بينه وبين سيدي محمد بن الشيخ سيدي رحمهما الله، ذكره اكثر منه. كان محمد هذا رحمه لله في غاية الآداب، ولا يلاحى الناس، ولم تزل الفتن تقه بواسطة أهل الوشاية، ونقل الأخبار على غير وجهها، فاتفق أن أحد الأدباء من تلامذة الشيخ سيدي، أنشد أبياتا لسيدي محمد المذكور وأوّلها:

يا معملين قلاصاً حاكت الحِرَفا

صارت وصارتْ لها أنواعه حرفا

فتوقف محمد المذكور في جمع حَرْفٍ على حِرَفٍ، وهو في الحقيقة غير مقيس، ولم ينكر، فابلغ ذلك الأديب سيدي محمد المذكور، أن ابن محمد لحنه، فكتب إليه:

يا منكراً جمعنا حَرْفاً على حِرَفٍ

لتَتَّئِدْ لا تكن للمرتمي هدفا

إنكار من ليس يدرى اشدد به غَرَرا

إذ هو من جُرُف الألحان فوق شفا

ينهارُ من هَذَرٍ والصمت يثبتُهُ

والفرّ قبل اللحاقِ للجبان شِفا

لو خضت لُجةَ قاموس وجدت به

درًّا جلا جلوه مصباح الدجى السُّدفا

حرف الكدى لا سزاه جمعهُ حِرَف

وزانه عِنَبٌ والجمع قد عُرفا

ثانيه طَلٌّ ولم يجمع على فِعَلٍ

فَعْل سوى ذَيْن قد كانا به اتّصفا

والعلم ذو كثرةٍ في الصحف منتشرٌ

وأنت يا خلٌّ لم تستكمل الصحفا

ص: 60

فلما وصلته الأبيات، استغرب ذلك، لأنه لم يتكلم بما يمس كرامة صاحبها، فأمر رجلا كان معه أن يكتب، فأملى عليه ارتجالا أربعين بيتا في ذلك البحر والروي. وكان يملي بيتاً فيكتبه بسرعة، فيأتي بغيره قبل تمام نسخه. ولما بلغت باب

المتقدم الذكر، محا بعضها وأقسم عليه أن لا يتفوه به، حفظا لكرامة ابن الشيخ المذكور. والقصيدة هذه:

منى إلى ابن كمال الدين من خَلَفا

بين الورَى أحمدَ المختارَ والخُلفَا

أزكى سَلَامٍ يُحاكي حُسْنَ سيرتِه

وطيبَ شيمته لا روْضة أنفا

سِيديَّ قطبِ رحا أهل المعارف مَنْ

أمسى يُجَدّدُ رسْم الدين حين عَفا

ما زال مُذْ عقدت منه الإزارَ يدٌ

صبًّا مشوقا بأبكار العُلى كِلفا

فنال منزلةً تعلو السعود إلى

أن صارَ للناس من داءِ القلوب شِفا

اعْلَمْ أيا خِلُّ أني لستُ حاسِدَ كم

وأنَّ مني لكم محضُ الوِدَادِ صَفا

لا تَسْمَعَنْ ما وَشَى بعض الوُشاةِ به

وَاسْمَعْ مقالي فليْسَ الأمر ما وُصِفا

إذ قد حكى البيتَ راويهِ على حِرَفٍ

فقلت مستفهما لا منكراً حِرَفا

وهل سمعتم بحرف جمعهُ حِرَفٌ

قد كان ذاعنْ قياسِ الجمع منحرفا

ما كان من شيمتي نكرٌ على أحدٍ

يأبى لِيَ النُّكرَ طبْعٌ منهُ قد أنِفا

ولا مُجَاناةُ أرْبابِ الجفا شُغُلي

مثلي إذا ما جفا حِلْفُ الجفا صدَفا

وإن أتى صائلا ذو الضعف يوعدني

فاللهُ يعصمني من صولة الضُّعَفا

قد سرَّهُ جريه في الفقر منفرداً

فظن سرعتَهُ فيه وقد دَلفا

أقصر بطرفك لا تطمحْ إلى به

فشأن من ليس يدرى الجريَ أن يقفا

ومن يخض لجة القاموس ليس له

فُلكٌ تقيهُ من الألحانِ قد تلفا

أهدى إلى من الأشعارِ مضحكة

للخلق أودعها من لحنه كِسَفا

إذ صَيَّر الهمز همز القطع متّصلاً

وقال جلوي وجلوا ثمَّ ما ألِفا

ص: 61

ومنها:

والشعر صعب عزيز ليس يدركه

سوى ذكيّ حديد الفهم قد ثقفا

لا يكسب الشعر تبجيل وقولهمُ

عسى تكون لنا من شيخنا خَلَفا

كلاّ ولا أنا نجلُ الشيخ سيدنا

أبي وأمّيَ قد فاق الورى شرفا

وهذا ما تذكرت منها، وربما وقع فيها تقديم وتأخير لقدم عهدي بها. ولما شاعت هذه القصيدة، تداولها الناس، فتداعت تلاميذ الشيخ سيدي على هجو ابن محمد، فلم يكترث بهم، ولم يجب منهم غير الشيخ أحمد بن سليمان الديماني، لأنه رآه كفؤا، وهذه العادة قديمة في الشعراء كانوا لا يهاجون من يرون إنه دونهم. فلما بلغ الشيخ سيدي انتصارهم لابنه، دعاهم وقال لهم: أن انتصرتم لابن شيخكم فإني أنتصر لابن شيخي. وكانت أم محمد المذكور، بنت حرم بن عبد الجليل المتقدم. وكان الشيخ سيدي تلميذا له، فهذه إحدى مكارم أخلاق الشيخ سيدي، ولما بلغ الأمر أيضا والد محمد صاحب هذه القصيدة، أقسم عليه ليذهبن إليه ويطلب منه الصفح، فركب وأناخ في مسجد الشيخ، فوجده فيه فأنشده قصيدته الآتية، فقال ليتك هجوتنا في كل يوم، واعتذرت بمثل هذه القصيدة، استحسانا لها، وهي:

هاجتْ رسيس بلابلي وهموم

قَسْراً دَوارسُ أرْبُعٍ ورُسُومِ

أودَتْ بهنَّ يَدُ الزمانِ فأسأرتْ

كالوحْىْ أو كَمُرَجَّعَاتِ وشومِ

كانت لروض اللَّهْوِ مرعةً فانتهتْ

للعِين مرعة الشيحِ والقيصوم

لله ما جلبتْ له عِصاتُها

من ذكر عهدٍ للشباب قديمِ

فأراد يكتم ما به وبدمعه

ظهرت ضمائرُ سرّهِ المكتوم

إن ترمني بسهام لحظ غادرت

بين الجوانح داميات كُلُوم

فلرُبما سَرَّتْ بمرأى رائقٍ

عيني أوان مسرَّةٍ ونعيم

ولكم سحبتُ بربعها بُرْدَ الصّبا

وشرِبْتُ عذْب رحيقه المختوم

ولكم عمدت إلى الملاعب مائساً

كالغصن عطفّهُ هبوبُ نسيم

ص: 62

ولكم رشفتُ من الشفاه بربعها

عذب الزُّلال بعاتِق الخُرطُوم

قد خنْتُ عهد عهودها أن لم أقِفْ

حيرانَ يَلْتَهِبُ الأسى بحَزِيم

بل لم أقمْ بحقوقها أن لم أقمْ

منهلَّ جفْنٍ بالدموع جَمُوم

لازال يعهَدُها السّماك مَعاهِداً

بأجشَّ مُنْبَجِسِ الصَّبيرِ هزيم

مُرْخى الجوانبِ ذي روايا حُفّلٍ

تمرى قوادِمَها الجنائبُ شيم

لمَّا رأت دِمَنَ الصَّبابة والهوى

سَفّهْنَ حلمي واسْتَبحْنَ حريمي

هبَّتْ تلُومُ وَمَنْ يلمْ مُتذكراً

عَهْدَ الشبيبةِ لامَ غَيْرَ مُليم

فأجبْتُها نهْىُ المحبّ كأمرِهِ

فَدَعِى الملَامَةَ في الهوى أو لومي

ما خلُتني أجدُ السُّلوّ ولم تزلْ

ذِكَرُ الأحبَّةِ تستثيرُ همُومي

قالت وكنتُ من الضلالِة سائراً

في ظلّ مُسترخِ السُّدُول بَهيم

هلاّ اهتديت بنجمٍ شَيْبَك إذ بدا

فكم اهتدى ذو حيرة بنجوم

أو ما كبِرْتَ عن النَّسيب ألا ترى

عند العدول إلى امتداح كريم

بمحاسنٍ تنسيك ما للبيض من

وجهٍ أغرِّ الوجنتينِ وسيم

هذي محاسن من غدا بصفاتهِ

مستوْجبَ الإجلال والتعظيم

مَنْ بالسيادةِ والمحامدِ وسْمُهُ

وفق اسمه فالاسْمُ كالموسوم

نالت من الرُّتَب العوالي كَفُّهُ

ما لم تكن لتنال كف أريم

ألفى المكارم قد تهدّد ركنها

فأقام ساقطَ ركنِها المهدوم

خلق الإله بنَانه للبحث عن

صعب العلوم وكسب كل عديم

ولسانهُ للكف إلا مدمناً

لتعلم أو مدمنَ التعليم

وجنانَهُ الماضي المنيرَ لفهم ما

عنه قد أكدى فهمُ كل فهيم

وقصائدٍ ودّ العذارى جعلها

حَلْيا مكان اللؤلؤ المنظوم

يا راكباً بدنيهِ ساحة بابهِ

تقريب دامية الأظلّ رَسُوم

ص: 63

أبشرْ فقد يمَّمتَ من مَنْ ينحه

يظفر بنيل مؤمّل ومروم

إن سائلاً يمّمت بحر مواهبٍ

أو جاهلاً يمّمت بحر علوم

أو مشتكٍ من ذي عداءٍ مَظْلِماً

يمّمت رفع شكاية المظلوم

عَلِم المعارف والمعاني والمعا

لي من أب نَبِهٍ بهنَّ عليم

شيخ هدى من ضلّ عن سنَن الهدى

حتى كسى الأنوار كل أثيم

عمَّ الأنام بهديه وأمدَّهمْ

كلاًّ بفيض من نداه عميم

وردت حياض نواله وعلومه

هِبمُ الورى فشفى غليلَ الهيم

في كفه رزق الأنام فكلهم

ساعٍ لموضع رزقه المقسوم

فترى البيوت أمامه مملوأة

ما بين نأوي رِحْلَة ومقيم

كُلاً بنسبة ما يحاول خصه

من قوت أفئدةٍ وقوتِ جسوم

لم يكفه الميْرُ الكثير لدى القرى

كلَاّ ورِسْلُ الكوم نحر الكوم

فترى بساحته الدماَء وفرثَها

ولَقي العظام جديدة ورميم

وترى القدور رواسياً وترى الجفا

ن لوامعاً بحواضرِ المطعوم

من قاسه بالأكرمين فإنه

في الشأو قاس مجلياً بلطيم

بل قاس ملتطم البحار بنطفةٍ

والروضَ غضاً ناضراً بهشيم

حدّث ولا حرج عن الشيخ الرضا

أو دع إذا حدثت بالمعلوم

يا حبذا ذلك الكمال وحبذا

جلساؤه من زائر وخديم

ولحبذا تلك القصيدة إنها

حَلِيَتْ بدر من حُلاه يتيم

نالت عظيم الحظ حين تعلقت

بمنال حظ لا يُنال عظيم

قد أكملتْ خَلْقاً وخُلقاً وانتمت

لأروم صدق فوق كل أروم

عُدمت نظائرها فواجد من لها

شبهٌ لعمرك واجد المعدوم

إن كنت قد أخرتها ذكراً فكم

من آخر في رتبة التقديم

يا حائز الشرف الصميم ومنتهى

أمل المريد وحيلَة المحروم

ص: 64

حُزّ ما ابتغيت من الكمال فأنت في

زمن بمثلك في الأنام عقيم

لازلت باقي الدهر سالك مهيع

في إثر والدك الكريم قويم

وبقيتما زمناً فكلٌّ منكما

غوث المَضِيم وبرءُ كل سقيم

مني إليك تحيةٌ تزداد ما

بعث التشاجرَ من مشى بنميم

ونفى إساَءته بعتبى معتب

وعلا بصون الحلم كل حليم

وعلى النبي من الإِله صلاتُه

وسلامهُ في البدءِ والتتميم

ومن رقيق شعره قوله:

شَمِّرْ لعلَّ رَسِيمَ الأيْنُقِ الذُّلُلِ

مِنْ بعدِ عشرين بُدنى ساكني العُقُلِ

سِرْ مُدْمِناً عبْرَ أمواج الهجير وسِرْ

تَحْتَ الدُّجى ثالثَ البيداءِ والإبلِ

واعص العذول فمشتاقُ الأحبِة مَنْ

ما أن يُميّزُ بين العذرِ والعَذّلِ

واصحبْ دليلاً من الشْوقِ المُبَرِّح أن

مال القطا عن سبيلِ القصدِ لم يَملِ

واجعلْ مِهادَك بَطنَ الرحل من جملٍ

جون المؤخَّرِ أو وجناَء كالجملِ

رعَتْ من الروض في أكتاف دُومِسَ

ما لم ترَع منُه بِجَنْبَيْ هضبة الوعِلِ

ومنها:

سهلٌ تجَشُّمِيَ البيداَء مُعْتَسفاً

لو كنتُ من وصلِ من أهوى على أملِ

إني وإن حلت يا ذي عن مودّتنا

عما عهدتِ لَدَىَّ الدهرَ لم أحُلِ

سلى فؤاديَ عني هل سلوتكم

والجفنَ بعدك هل ذقتُ المنامَ سَلى

بَورْد خدّكِ إلا ما وصلتِ أخا

بث ألم يأنِ بعد الهجرِ أن تَصلى

صلى أخا كلف كم بات من شغفٍ

إلى لقاك سمير النجم أو زُحَلِ

ومن رقيق غزله قوله:

بعد الهدوِّ يمين الضَّرْع أسْرَالي

طَيفٌ أحَلَّ بِبالِي كلَّ بَلْبالِ

ص: 65

أسرى فنبهني وهنا بتِبرس مِنْ

بارَيْنَ طيف قَطُوفِ المشي مكسالِ

زارتْك عائشُ والجوازءُ جانِحةٌ

واللَّيْلُ مُلْتَفُّ أرْواقٍ وأذيالِ

زارت ومن دونها شُم الجبالِ وأو

عَاثُ الرمالِ ولمَّاعٌ من الآلِ

وكلُّ مُغبَرَّةِ الأرجاءِ طامِسَة ال

أعْلَام حفّتْ بأوجالٍ وأهوال

ومنها:

أما وكل خلوب اللحظ ساعِدُها

والسَّاق غصَّا بدُمْلُوجٍ وخُلخال

لفي الفؤاد هوى مني لعائش لا

يَبْلى وكلُّ جديدٍ غيرهُ بالِ

مَلَّ المُعَاتِبُ فيه من معاتبتي

فكفَّ عنى وملَّ العذلَ عذالي

وطالما سمتهُ كتما فنمَّ به

دمعي وأخبر عنهُ مخبرُ الحال

دَعْني إليها أجوب البيدَ ممتطياً

بزلا تواصلُ إرْقالا لإِرْقالِ

أُدنى بها النازحَ النائي وأسبحها

بحر الدُّجى وبحور الآل في الآل

وله أيضا:

أرْضَ العُقيلاتِ يا برقَ الحَيا وعَلى

أحْيَائها لعيون الشائمين لُحِ

ولا تُرِقْ دونَها في الأرض مِلَء فَمٍ

من سارِياتِ رَوايا ودقك الدُّلُحِ

حوْلَ المُلْيَحَة خيّمْ واغدونَّ ورُحْ

ثمَّ اغدوَنَّ وَرُحْ ثمَّ اغدوَنْ ورُحِ

ولا تَزَلْ مُسْتطيراً مثلَ ما رَمَحتْ

بُلْقُ العوادي زهاها فادحُ المرحِ

حتى إذا عَمَّتِ السُّقْيا مسارحها

فاسقِ المسارح من بارين واسترِحِ

ومن ظريف ما يحكى عنه، إنه كان مسافرا ومعه ناس من أهل الفضل، فنزلوا أمام بيت فيه عبيد لابن جيرفين، أحد من اشتهر في بلده. وكان ابن جيرفين المذكور، موجودا في تلك الليلة عند عبيده، فلم يسلم عليهم ولم يبعث إليهم بفراش ولا قرى، فاجتمعوا به من غد تلك الليلة، فأخبرهم إنه غداً يذهب إلى ابن أحمد بن عيدَّ أمير آدرار، فقالوا له: نريد منك أن توصل اليه هذا

ص: 66

المكتوب، فظن أن المكتوب فيه سلام على الأمير لا غير، فلما ناوله إياه أمر من يقرأه، فإذا فيه:

إنْ يمنع الله رزق العبد ينزله

ضيفاً لدى نجل جَيْرِفِّينَ ذي البقر

أهدى إليه بنا عوز الكرام وما

لاقَتْ نجائبُنا مِنْ شِدَّةِ السَّفر

لم يأتنا بفراش لا ولا بقرىّ

ولم يُسلّمْ ولم يسألْ عن الخبر

فباتَ ملآنَ بطنٍ حولنا ولنا

مبيت موسى كليمِ الله والخضرِ

فلما قرئت الأبيات، ضحك الناس ممن يحمل هجو نفسه إلى أمير فهذه الصحيفة مثل صحيفة المتلمس، وكان لابن جيرفين هذا، ابن عم يملك الإبل، فلما سمع الأبيات قال: الحمد لله على أن لم يقل ذي الإبل. وقال أيضا يرحب بأحد أفاضل قبيلته قادما من الحج:

وافى الهمام فتاه الدهرُ وابتهجا

وانْزَاحَ همُوم النفس وانفرجا

لم يأتِ دهر لعمري قبلَ حَجتهِ

بحجَّةٍ أشبهتْ أيَّامها حِجَجا

وافى فزاد به الرحمان شانِئَنا

كَرْباً وكان لنا من كربنا فرجا

وافى وقد شادَ من بنيان والدِهِ

والعمِّ وانتهَجَ النَّهْج الذي ابتَهَجا

قومٌ شِعارُهُم قدماً ودَيْدَنُهمْ

في اللهِ أن يبذلوا إلأرواح والمُهَجَا

قد وجَّهَ العِيسَ نحو البيتِ تمرح في

فِيح الفلا والخلايا تعبر اللُّججَا

تَقْتَادهُ همة قُصوى ويَجْذِبهُ

شوقٌ حَوى الصد منه لوعةً وشجَا

لم يثن همتهُ ظِلُّ البيوتِ ولا

بيضُ العوارض تجلو الظَلْمَ والفَلَجا

مضى مُذِيلاً لحرّ الشمسِ وجْنَتهُ

وللموامي إذا الليلُ البهيمُ دَجا

حَتى قضى ما انْطَوى في النفس من أربٍ

وتمّ ما قد رجا يا نعمَ ذاك رجا

فقرَّتِ العينُ إذا ألقى عصاه لدى

حيث الإِلهُ يحطُّ الوِزرَ والحرجا

وطابتِ النفس منه حين فاحَ لهُ

من طيبِ طيبة أذكى فائحٍ أرَجا

ص: 67

فنال من زوْرة الهادي وشيعَتهِ

ما نال والصيد كلاّ في الفرَا انْدَرَجا

سقيا ورعيا لعيس بلَّغتهُ على

أين تشكته من أيدي النوى وَوجا

راحت سَوَاهِمَ عوجا بعدما رُحلت

غلباً مباريَّة هوجَ الصبَّا هَوَجا

يا ضيعة النَّاجيات القود ليس لها

تحت العجاج بمغبرِّ الفجاج نجا

والحمدُ لله ربي إذ أتيحَ لهُ

من ورْطةِ البحر والدَّاءِ العُضال نجا

لازال آخرُ آل الحبر أوَّلَهم

يقفوُ ولازال يعلو كعبهم دُرجا

ثم الصلاة على المختارِ ما دَلَجَ ال

رَّكبُ المُجدُّ إلى البطحاءِ وادَّلَجا

وله من قصيدة يرثى بها ولي الله سيدي مولود، قال اليعقوبي:

ما لراجي الخلود نيل خلودِ

أن وِرد المنون حتمُ الورود

إنما الموت عُرْضَةٌ ليس عنهُ

من محيص كلا ولا من محيدِ

إنَّ ليل في جنبهِ لقصيرٌ

ليلُ بنتِ الشريد بابن الشريد

ومنها:

غادروه تحت الصعيد دفينا

نِعم ذاك الدفين تحت الصعيد

وهي تقرب من قصيدة ابن مناذر، التي رثى بها عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي. ومن غزله:

رَدَّتْهُ بعد تمام الحلم والنَّبهِ

إحدى الجواري رهين الشوْق والولهِ

إنَّ امرأ سفَّهتهُ بعد كبرته

بنات عشر لمعذور على السَّفَهِ

كَمْ قائلٍ لي إلى كم لا تُرى أبداً

منَ نَوْمَةِ الحُبّ إلاّ غيرَ منْتَبِهِ

فقُلْتُ لا تعجبي مني فكم سلبتْ

حسناءُ قبليَ لُبَّ الحازم النبهِ

يمينَ حقٍّ بمرآها الملَيح وما

بالباطل الحقُّ أن يسمع بمُشْتَبِه

إنْ الذي قد جنى ما كان من ولَهِي

لَهى وإنّ شفا برحِ الغرام لهى

ص: 68