الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شوْلٍ تَريعُ إلى بيضٍ مُعطَّفةِ
…
طيَّ الأهِلَّةِ في ألوانِ كُرَّاس
سُودٌ حَقائبها من طُولِ ما نضَجتْ
…
منها توالِيَ أَبْرَاجٍ وَأَقْوَاس
وترتعيهِ حَواليْها مُؤبَّلَةٌ
…
منَ الهُنَيْداتِ لا أذوادُ مِفلاس
فيها الحواني وأَمَّاتُ الرّباع سُدًى
…
لا مِنْ صِرارٍ ولا منْ زجْرِ بسباس
كومٌ تروح وتغدو فيهِ منْ كثَبٍ
…
تأوي إلى خَيم أرقاضٍ وسُوَّاس
شعراءُ إِدَا بْلِحْسَنْ
سيدي عبد الله بن أحمد دام
الملحوظ بالإعظام، من أقرَّ بتقدمه جميع معاصريه، وأذعن له من أهل قطره حاضره وباديه برع في صوغ القريض، حتى كان طوع فكره. ويقال: أن أول ما نظم قوله:
أما والغواني من أناةٍ وناهِدِ
…
وما طاب من أَيَّامها والمعاهِدِ
وما لذَّ للعينين منْ بَشراتها
…
وللسمع قدماً من حديث الخرائد
لقد نزلَتْ أرضاً أميمةُ منزلا
…
من القلب لم تظهر به عينُ رائدِ
وكان حرّ الأفكار، سالماً من التعصب، يعتمد على فكره، من غير متابعة الناس، على ما يعتقد خطأهم فيه. ووقعت بينه وبين الصالح الناسك، محّمْ بن
أحمد البو حسني وحشة، سببها أن بعض القبائل، وقعت بينه وبين إذابلحسن فتنة، فقتل إذابلحسن من تلك القبيلة رجلين، فوفد إليهم محمد المذكور، فتحمل لهم خمس ديات مغلظة، فقال:
أيا شَيخَنا الأستاذَ أنتَ إمامُنا
…
وكنتَ لنا عندَ الخطوبِ مَلاذا
حملتَ رعاكَ اللهُ ما لا نطيقُهُ
…
وهل حملت تبزكَّ قبلك هذا
مذوا يُسقطون المُدّ ثمَّ تبدَّلوا
…
بهِ عُكَّةً إذْ يَحْضُرُونَ جِذانا
فذي ديةٌ من غيرِ عقْلٍ ولا دَمٍ
…
وتانِ قضاءٌ وَاثنتانِ لماذا
فقال محم المذكور: أن لماذا لا ترد في عجز الكلام، لان الاستفهام له الصدر، فقال:
هيَ العُرْبُ تأتي منْ وجُوهٍ كثيرةٍ
…
يتيهُ بها بعض النُّحاةِ الأكابرِ
لذلك أضْحى بعض أشياخ معشري
…
يقولبون ماذا لا تُرى في الأواخر
وألفٌ لماذا في النوادِرِ كرّرَتْ
…
وهل تجهل الأشياخ ما في النوادر
يشير إلى قصة الاعرابي، الذي سأل بعض الأمراء، فقال له: ما يجبر كسرك؟ فقال: ألف وألف وألف. فقال الأمير: ألف لماذا، وألف لماذا، وألف لماذا؟ فذكر الأعرابي لكل ألف وجها يصرفها فيه، وهي في أمالي أبي عليّ القالي، وكتاب (الأمالي) يعرف عند أهل الصحراء بالنوادر. قالوا: فقال الشيخ - أبعد الله - فكان ذلك سبب جولاته. ووقعت بينه وبين إدييج مشاعرات، تقرب من المهاجاة، وسببها أن إدييج كان يهجو التجانيين. وكان سيدي عبد الله المذكور يعتقدهم. ومما قال يخاطب إدييج:
صاح لا تَسْعض أَنْ تُلمَّ بنادِ
…
يتعاطَوْنَ غِيبةَ العُبَّادِ
عَدِّ عَنْ ذكَ وَلْيَكُنْ لك شُغْلٌ
…
بالذي فِيكَ مِنْ خَفيٍّ وَبَادِ
كيفَ لا يَغْنَمُ السّلَامَةَ مِنّى
…
رَائحٌ في عِبادَةِ اللهِ غادِ
إن بَدَا ما يُقَرّرُ الشَّرْعَ عِنْدِي
…
مِنْهُ سَلَّمْتُ تَارِكاً لِلْعِنَادِ
وإذا ما بَدَا بعيدُ احْتمالٍ
…
لِسَدَادٍ نَسَبْتُهُ لِسَدَادِ
إِنَّ نُكْراً نكِير مَنْ ليس يدري
…
وقمينٌ بالعُزْلِ تَرْكُ الجِلَادِ
وإذا لم يكنْ لديْكَ نِصَابٌ
…
فلّيُزَكَ المَليُّ ذُو الأذْوادِ
إنَّ أمراً قد أحْجَمَ الحبْرُ عَنْهُ
…
نَجْلُ عَبدِ الجليلِ وَابنُ الجَواد
لَجَدِيرٌ أن لا تَكُرَّ إليه
…
كَيْفَ كَرُّ البِغالِ بعْدَ الجيادِ
وغلطة إدييج في قوله - إن نكرا نكير من ليس يدري - حيث نكر اسم إن، وذلك غير صواب، لان الأعشى ميمون، من الطبقة الأولى من الجاهليين، وقد نكره، قال:
إنَّ محلا وإنَّ مرتحلا
…
وإنَّ في السّفر إذ مضوا مهلا
وفي قوله - فليرك الملي ذو الأذواد - لأن الذود، تقال للثلاث وما فوقها إلى العشر، وأفعال جمع قلة، وهو أيضا من الثلاث إلى العشر، والحاصل أن من عنده
أذواد لا يقال له ملي، وهذا غير سديد، لان الذود قيل فيه: انه من الثلاث إلى العشرين، وقيل إلى الثلاثين، فإذا جمعنا ثلاثين عشر مران صار مليا، ولأن جمع القلة قد يرد للكثرة. قال تعالى:(ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) ولا يقال: إن أقلاماً هنا للقلة معنى، وله أيضا في هذا المعنى:
من كان في مَذهب التيجان مُمتْرِيا
…
فإنني لكمال الشيخ معتقدُ
مَن ينظرِ الكُتُبَ التي أفاد بها
…
ينظر كلام محق كله رشدُ
أمَّا الذين تعاطوا ورده فلقد
…
أعيا على العدِّ حصراً منهمُ العدد
وليس يُعدَمُ في الاعراج غَصَّ بها
…
فِيح الفلا عَرَجٌ في البعض أو حرد
إن يأتِ منتسب ينمى إليه بما
…
يخالف الحق عقَّ الوالدَ الولدُ
فاردد عليه بمضمون الثلاثة في
…
قيد عن الشيخ لا يْجمح بك الحَسدُ
سُمٌّ وحيٌّ فلا تذهب لتلعقهُ
…
إن العقول عن أسباب الردى صفد
وله في إدييج، قصائد عديدة، ولادييج قصائد يجيبه بها، وما حفظت من ذلك إلا ما تقدم، وقد رأيت رائيتين لهما في بحر واحد، ومطلع كل واحدة منهما:
سلام كما هب النسيم المعطَّرُ
…
وإلا فمسك طيب النشر أذفرُ
ثم تفترقان بعد البيت، إلا أنهما ما أقذعا فيما وقع بينهما، وجال سيدي عبد الله جولة عظيمة، في كل ناحية من نواحي السودان، وله أبيات جيميمة قالها لما وصل إلى بير:
أفي الحق أني كلما مرَّ قافلٌ
…
طغَتْ زفرات في الحشا ونشيج
ووارى غُروبُ الدمع إنسان مقلتي
…
فيالمَعينٍ سال وهْوَ مشيجُ
ومنها:
كذاك حسبتُ الأفقَ حَلقةَ خاتمٍ
…
غداةَ بدتْ مِنْ دَيْرِ بَيْرَ بُرُوج
ثم قال في آخر بيت منها - فأعيج - وغلطوه فيه، لأنه استعمل عاج في
الإيجاب، وهذا غير صحيح، لأن عاج وإن كان الأكثر مجيئها في النفي، فقد وردت في الإيجاب. قال الشاعر:
ولم أر شيئاً بعد ليلى ألَذُّهُ
…
ولا مَشربا أروى به فأعيج
كوسطى ليالي الشهر لا مقسئنّة
…
ولا وثباً عجلى القيام خروج
وقال وهو في أرض إسنغان:
ألا ليت شعري هل إلى معهد النوى
…
خلاص من أيدي النَّأي والجَولان
وهل لي بجنبي تغَرَرَيتَ إلى الصفا
…
إلى الاجرع الغربي فالجُرُذان
إلى جنبتيْ ذي قَسْطلٍ متنزّهٌ
…
فإِني إليها دائم الهَيَمانِ
وتبدو لعيني بلدة وأحِبَّةٌ
…
عَداني طويلا عَنْهُما المَلوَانِ
فيرأبَ ما أثأتْهُ أيّامُ سالمٍ
…
وأيَّامُنا في ساحةِ السُّنُغانِ
وأخرى أقمنا في قُرى جُلُفِ الَّتي
…
أقمنا بها في ضَيْعةٍ وهوانِ
فمنْ منظرٍ تَقْذى به ورطانةٍ
…
نصِمُّكَ أخزى مَنظرٍ ولسانِ
بلادٌ رَمتْنا بينها لا مُحبَّبٌ
…
إلى العين مرآها يدُ الحدثان
ومَنْ صحب الأيامَ أنأين جاره
…
وأدْنَتْ لهَ منْ ليس بالمُتدان
وقال وهو في أرض السودان:
مِن أينَ وأنيّ للِفؤادِ صُدُودُ
…
وفي كلّ أرْضٍ من بلادِكَ رُودُ
إذا أنا أزْمَعْتُ الصُّدودَ تلاعَبَتْ
…
بِعُقْدَةِ عَزْمي أعْيُنٌ وخُدُوَدُ
فأصْبحتُ مشغُوفَا بكلّ مليحةٍ
…
بَدَتْ لي فبيضٌ بعضُهُنَّ وسُودُ
وقال أيضا:
بينما نحن بالنتجالَ نُوَامُ
…
إذْ أتَتنا تميسُ ثمَّ أمامُ
وانتبهْنا وقد مُلِئنا سُروراً
…
فإِذا الأمر كله أحْلامُ
وله من قصيدة، يمدح بها العلامة، حرم بن عبد الجليل العلوي، ويهجو بُلَاّ بن
مَكبد الشقراوي:
جابَتْ على شحَط المزار نوارُ
…
فِيحاً إليكَ مُتُوتهُنَّ قِفارُ
يُلفْى بها غَرِد الصّدى متوسطا
…
تيها يتيهُ بها القطا ويَحارُ
لوْلا القتيرُ وأربعون لا سْبَلتْ
…
مِنّى عليها دمْعةٌ مِدْرارُ
وليس في حفظي منها، إلا هذه الأبيات، وهي من أجود شعره.
وقال أيضا:
ما سَفَّهَ الحلمَ واسْتَصْبي أخا كِبَرٍ
…
كالكاعبِ الرُّودِ لم تَعْدُ اثنتى عَشرَهْ
كأنها فَنَنٌ طَوْعَ الرّياحِ فما
…
تَنْفكُّ مُسْفِرَةً طوْراً ومُخْتَمِرَهْ
عَجْلي القِيامِ ضحُوكٌ عَنْ مُؤَشّرَةٍ
…
تُنْسى مَلاحَتُها ذا لؤلؤٍ دُرَرَهْ
وفي الجوابِ وفي كلّ الذي نَطقَتْ
…
ظيْشٌ ترُدُّ بهِ الأكبادَ مُنفَطِرَهْ
يَخالُ ذو الجهلِ أنّ الخوْدَ ليس لها
…
لُبٌّ وَيُعْجبُهُ مِنْ ذاكَ ما اختبرَهْ
فغضبت امرأتُهُ من هذه الأبيات، وخرجت من بيته، وقالت له: ابن بيتاً من الشعر، فقال:
منْ يهْجُرُ الشعر جَرَّا عاذلٍ زجَرَهْ
…
أم من يطيق صدودَ الحِبِّ إنْ هَجَرَهْ
أضحتْ صَفيَّةُ عن لُقْياكَ مُعْرِضَةً
…
والشّعْرُ يَعْرِضُ مِنْ مكنُونِهِ دُرَرَهْ
لم أدْرِ أيُّهما أدْهى مُفارَفَةً
…
كلٌّ يحِنُّ فؤادي دائما أثرَهْ
قد كنتِ ياذي إلى نفسي محببةً
…
ورُبما صَدَّقَتْ حالُ امرئ خبَرَهْ
طئَتْ عن القلب رمياتُ الحسانِ سِوي
…
سَهْمَيْكِ قدْ قَرَعا أعْشارَهُ العَشَرَهْ
فما عليكِ إذاً لو رُحْتِ عالمةً
…
أنَّ القَرِيضَ جناً للفكر لَنْ يذرَهْ
أمْ خلتني مثلَ أقْوامٍ عَهِدْتهِمُ
…
طُوعَ الحلائل لا يعصونَ أمر مَرَهْ
كلَاّ لعَمْرُ بناتِ الفِكرِ ثمَّقَها
…
حَرَّانُ ذاد بها من همه شرره
بَلْ لَيْتَ يومَا فتاةَ الحيّ إذ أمرتْ
…
أن ابتني من قريضي واسعَ الحُجُرهْ
تدرِي حقيقتَهُ علمَ اليقين لِكيْ
…
تَرى البيُوتَ سِواهُ غيْرَ مُعْتَبَرهْ
وقال أيضا يمدح الشيخ سيديَّ:
ما للمشيبِ وفعل الفتيةِ الشَّبَبَهْ
…
وللبيب يواصي في الصّبا خَببهْ
آنت لذي شَمَطِ الفودينِ رجعته
…
إنَّ القتيرَ ليَحمي ذا النُّهى طرَبهْ
لمَّا تأوَّبني منْ طولِ ما جَمحَتْ
…
نفْسي هُمومٌ رَمتْ صَبْرِي بما سَلبهْ
ناجَيْتُ فكري وقد أمعَنْتُ من نظري
…
ثمَّ استمر بيَ الرَّأْيُ الذي اكتسبَهْ
أن يمْمَتْ شرَفَ الدينِ الكمالَ بنا
…
علياءُ تعتسف الآكام والهضبهْ
حتى وضعتُ عَصى سَيْري بباب فتىً
…
يؤوِى الطريد ويولي الراغب الرغبهْ
من نبْعة طيّبَ الباري أرُومتها
…
بيتاً أحلَّ ذُرى المجدِ العُلى نسبهْ
حارتْ أناسٌ بجَدْوى حاتمٍ ولقد
…
نَرى سَخاءً كمالَ الدينِ قد غلبَهْ
أغْنى العماعِمَ مِنْ راجيهِ سَيْبُ نَدَا
…
مَنْ لا يُمنَّ على العافينَ ما وَهبهْ
مَن كان يَفْضُلُ لِلمُعْتَرِّ إِنْ عَرضَتْ
…
عزَّاءُ تعْدُو عَليهِ أُمَّهُ وَأَبَهْ
أَحْني على الشُّعْثِ والأيتام مِنْ نَصَفٍ
…
على صَغيرٍ لها قدْ أكبرتْ عَطبهْ
أشدُّ عندَ تمادي أَزْمَةٍ فرَحاً
…
بالمُعْتقين مِن العافي بكلّ هِبهْ
يلقى العفاة بوجهٍ من سماحتهِ
…
كالهِنْدُوانيِّ تجلو متنَهُ الجَلَبهْ
وَإنْ أَلَمَّ بهِ ضَيْفٌ فمرتحل
…
يُثنى وكان جميلَ الظنّ إذْ رَغِبَهْ
ولَّى يفرّقُ حمدَ الشيخ في فِرَقٍ
…
شتًّى ويكثرُ مما قدْ رأى عجبَهْ
رأى هنالكَ أخلاقَ الكرامِ إلى
…
زِيِّ الملوكِ وَزِيِّ السَّادَةِ النخبَهْ
رأى مُصَرَّعَةَ الأنعام قد قسمتْ
…
بين الصفيفِ وبين الجَونَةِ الرَّحَبه
رأى الوُفُودَ على بابِ الكمالِ كما
…
يرى الدُّنُورَ على عِدٍّ حمتْ قُلُبَهْ
من مُعْتفٍ وأخيِّ فتْوى ومُلتمِسٍ
…
فَصْلَ القَضا ومريدٍ كشف ما حُجِبه
أو كشْفَ مسألةٍ والكل قد وسعت
…
جفائه ولكلّ منه مَا طلبهْ
فاللهُ بارك في نفْسِ الكمالِ وفي
…
ما اللهُ موليهِ من قُصوى ومقترَبهْ
إنْ تستَبِقْ حَلباتُ المجدِ راكِضةٍ
…
خَيلَ المعالي تَراهُ سابق الحَلَبهْ
لا يضمرُ الضَّجْرَ من جارٍ أساء ولا
…
مِنَ المُرافِقِ يوهي صَبرَ من صَحِبَهْ
ولا يضيقُ ذراعا بالذي صَنعتْ
…
أبدِى الحوادثِ تبنز الفتى سَلَبهْ
وكم ثأيً بينَ ما حَيْين أصْلَحَهُ
…
خَرْزَ الصّاعِ لمسني أجرة قِرَبَهْ
أمَّا الرِّقاعُ فأعْلاقٌ يجودُ بها
…
والسيرُ نصحُ بلغٍ يَبتغي القرُبه
رآهُ ذو العرْش علامُ الغيوب لذا
…
أهْلاً فساق لهُ مِنْ قبله سَببَهْ
عِلماً وفَهماً بَصيدُ المشكلاتِ بْهِ
…
دَرْكَ الطِّمِرَّةِ مَنْ سرْبِ المَهى عطبه
ومَصَّ كلَّ درورٍ من مسلسلةٍ
…
دُرًّا تَخيَّرَهُ للملك مِنْ ثقبهْ
لما تغلْغلَ في علمِ الشريعةِ منْ
…
صافيهِ أعَملَ في نَيْلِ العُلى بُحبهْ
شدَّ الرحالَ على عُتْقِ الرِّكابِ إلى
…
تاج الأجِلّةِ من ساداتِنا النُّخَبهْ
فنال ما نال إذ حطّ الرحالَ وما
…
أدراك ما نال يأواها لها رتبهْ
فأصبح الشيخُ مأوى كل ذي ظمإِ
…
كما يُصَبَّحُ مُسْقى دجلةَ القربَهْ
ترى الوقار عليه والسكينة في
…
حال الحفيظة مما أن ثنى غضبه
وقال أيضا: وسبب هذه القصيدة، انه لما كان في أقاصي السودان، اشتاق إلى أوطانه وأهله، فترك أولادا له صغارا، ورجع إلى أهله. فلما أقام مدة بين أظهرهم، اشتاق إلى أولاده، وحن إليهم، فأراد قومه أن يثبطوه عنهم. فلما علموا انه لا يمكنه تركهم، جعلوا يعدونه برفقاء ليأتي بهم، فقعد سنة ينتظر وعودهم. فلما تحقق خلفهم، شد رحله على جمله، ووافاهم في مسجدهم، فلما قضوا صلاتهم، قال لهم: لا يخرج أحد حتى أتم كلامي، فأوَّل ما نطق به، ان أقسم لهم أن لا يصحبه أحد منهم، ولا يأخذ منهم زادا ولا غيره، ثم أنشد القصيدة، وركب جمله، فبعد مدة طلع عليهم في مسجدهم ذلك ومعه أولاده، وعنده خمسة عشر
عبدا. وهاهي القصيدة:
تجلدتُ للتَّوْديع والقلبُ جازعُ
…
وأخفيتُ ما كادتْ تبينُ المدامعُ
ترقرق دَمعٌ لَوْ أطعتُ غرُوبه
…
ذرفْنَ كأجرى ما تُفيضُ الدَّوافعُ
فيا عجبا أخشى الفراقَ وطالما
…
حَرَصْتُ عليهِ مكرَهاً أنا طائعُ
أَمَرُّ النَّوى مَنأى حَبيبٍ إذا دنا
…
لَوَتْكَ بمحبوبٍ بلادٌ شواسِعُ
هما طرفا ميزانِ شوقٍ كلاهما
…
تُطلّقُني أَهْوَالُهُ وَتُرَاجعُ
أُتيحتْ لغرْبِ الأرْضِ منى زيارةٌ
…
وفي الشرْقِ أرْضٌ في المزارِ تُنَازعُ
ألا فارْحَلا قبلَ الصَّباحِ مَطِيّنا
…
فلمْ يَبْقَ إلا أنْ تُجابَ البلاقعُ
إلى حاجةٍ لم يثْنِ عنها عَزيمتي
…
صَديقٌ بألوانِ الملامَةِ صادِعُ
غدا إذْ غدا فَرْخاهُ منهُ بمنظَرِ
…
يُثبَّطُ لو أَنَّ الشجيَّ يُطاوعُ
أَأُصْغي وأفْرَاخي قدَ أعْرَضَ دُونَهُمْ
…
عِراضُ الفيافي والجبالُ الفَوارعُ
دعاني إلى نسيانهمْ كلُّ راقمٍ
…
على الماءِ صَمَّتْ عَنْ دُعاهُ المسامعُ
إذا وَعدوا بالمالِ ثمَّ ذكرْتُهُمْ
…
تلاشَنْ إذاً لو يعلمونَ المَطامعُ
وإنْ خدعُوا بالغِيدِ غادرَ ذكرُهمْ
…
لَدَيَّ هباءً ما وَشاهُ المخادعُ
وإن قيلَ في أهلِ التغرُّبِ أَسْوةٌ
…
فما أنا للضَّاوِينَ في العَجزِ تابعُ
سَأُعْمِلُ سَيْرَ النُّجْبِ نَصًّا إليْهُمُ
…
وأهملُ لغْواً رأْىَ مَنْ هُوَ راجعُ
وَمُعْطى عُهودٍ أنْ يُرافِقَ أَصْبَحَتْ
…
تَمُرُّ بها نُكَبُ الرِّياحِ الزَّعازعُ
يُضاعَفُ منْ عزمي على السَّيْرِ كلما
…
بَدَتْ مِن ضميرِ المخلفين الجنادعُ
بدا ما طوى مَن كان يزعمُ أنه
…
سَيطوي إلى البيد والحقُّ ناصعُ
تكاسَلَ إخواني الأقاربُ في الرَّخا
…
لَدُنْ صَدَعتْ شملي الليالي الصَّوادعُ
فما اسْتأجَروا لي صاحِباً مِن سِواهُم
…
فَرُبَّ أجيرٍ في المضايق نافعُ
ولكنْ كفتني منّةً سَيَمُنُّها
…
فتىً لم تدُمْ مِني لديهِ الصَّنائعُ
جَلادَةُ نفسٍ بَيْنَ جَنْبيْ مُجَرِّبٍ
…
تهابُ قتادَ المنِّ منهُ الأصابعُ
ويصغُرُ في عينيهِ ما استعْظمَ الذي
…
تَهُونُ لدَيْهِ الدَّاهِياتُ القَوَارِعُ
أَمَا والمَوامي والهواجرِ والسُّرى
…
وأنضائها منها رَهيصٌ وظالعُ
لئن أسْلموني للنوى لم يكنْ معي
…
أخٌ لِحُميَّا وِحْشةِ البينِ دافعُ
لمَا أسلموا حيران يعيى بأمرِهِ
…
إذا راحَ كلُّ الناسِ وَهْوَ مُقاطعُ
ولكنْ غنىَّ النفْسِ أمْضى عزيمة
…
مِن العضْبِ جَلَاّهُ الكمِيُّ المصارعُ
تعَوَّدَ فقدانَ الرَّفيقِ بأمْكُنِ
…
تغول بها نفْسَ الجَبانِ الرَّوائعُ
خَليليَّ مَنْ يخشى اعتسافَ تَنُوفَةٍ
…
لَوَاهُ بِحَوْجا وهْدُها والأجارعُ
فإني لَمِقدامٌ على كلّ مَهْمهٍ
…
يَتيهِ به لو كان يغشاهُ رافعُ
جَسُورٌ على دُهْمِ المخاوف في يدي
…
عُرَى الحَزْمِ لا يلفي بها وهو ضائعُ
صَبُورٌ على برح المشقَّاتِ يَنثني
…
عَنَ أهْوالها الزرقُ العيون السمادعُ
ولستُ لأمرٍ إنْ تعاصى بتارِكً
…
ولسْتُ لِمَرءِ في أمُورِي أطاوعُ
أصِيخُ إذا قالوا وأتبعُ ما أرى
…
وما سَيفُ منقادِ القَرِينةِ قاطعُ
وما ضمَّ ثَوْبي عاجزَ الهَوْءِ كلَّمَا
…
أشار عليه غيرُهُ فهوَ طائعُ
شكوتُ إلى المُبْدي المُعِيدِ بمثلِ ما
…
شكوتُ به إذْ عَوَّقَتني المَوانعُ
فَسنَّ امتناناً أمرَ حوْجاَء طالما
…
لوَتْ فانثنى باليأسِ مَنْ هُوَ طامعُ
ألا ليْتَ شعري هلْ أراني بصبيتي
…
طليقاً من أيدي النَّأي والشملُ جامع
عَلَىَّ إذاً إطعامُ أضعافِ من مضى
…
وصَوْمٌ بصيْفٍ سَبْعةً مُتتابعُ
وقال أيضا يمدح النبي صلى الله عليه وسلم:
تألَّقَ لَمَّاعُ الوَميضِ لَمُوحُ
…
بذي السَّرْحِ يَخفي تارةً ويلوحُ
جَلا عَنْ رَوايا بتْنَ يَمأدْنَ مثل ما
…
ينَوءُ مُداني الساعدَيْنِ طَليحُ
سَقي دِمناً حَوْلَ اللُّوَى وأرْبُعاً
…
على الغارِ نجاَّجُ الفُواقِ سَحُوحُ
وجادتْ على أطلالِ زارَ مُرِبَّةً
…
بها كلُّ غَرَّاءِ الجبينِ دَلُوحُ
مَعاهِدُ يَرْتاحُ الفؤادُ لِذكرِها
…
وأهْتِفُ شَوْقاً باسمها وأبوحُ
وتعتادُني منها طوارِقُ لوْعةٍ
…
كما انقَضَّ رَوَّعُ الرَّعيلِ جَرُوحُ
فَدَعْ ما تَرى وافْزَعْ إلى الصّبْرِ إنما
…
أخُو الصبرِ في عُقْبي الأمور تَجوحُ
وإياك أن تُلْفي هيوباً يَصدُّهُ
…
عَنِ الأمر حيناً أن يَمُرَّ سَنيحُ
وعرجْ على صَدآَء واسْتسق وِردَها
…
عَسى أن يتيحَ الرِّيَ منهُ مُتيحُ
سَلامٌ بأنفاسِ العَبيرِ يفَوحُ
…
على النورِ يغَدُو دائما ويَرُوحُ
سلام على قطب العُلى الأوحد الذي
…
يُرَوّحُ منه السَّامعين مديحُ
سلام على شمس الضحى قمر الدُّجى
…
وَنَجم الهدى ذو عَوضُ ليس بزيح
سلامٌ على عِزِّ الحجازِ وأهْلهِ
…
مَنْ اتْبأهمْ شِقٌّ به وسَطيحُ
وأدْهَشَ منهُ الوافدين جَلالةً
…
وَسيمٌ أغرُّ الوَجنتينِ صَبيحُ
وسكّن لما استأنسوا بعضَ رُعْبِهم
…
بهِ خُلُقٌ حُلْوُ الجناةِ مَليحُ
لكم جاد فقرْاً عندَ بابِ ابنِ هاشمٍ
…
رَوايا نَدًى مِنْ راحتيهِ سَفُوحُ
ونالَ عَظيمُ السُّؤالِ أوْفرَ نائلٍ
…
يجودُ بهِ رَحْبُ الذّراعِ سَموحُ
وخاضَ وغى الهَيْجاءِ منه بصَحبهِ
…
أخُو عَزماتٍ في الخطوبِ مُشيحُ
وجَدَّتْ به جُرْدٌ إلى حومةِ الوغى
…
مَذاكٍ ويَجْبٌ للِمَشاعِرِ رُوحُ
فما شغلتْهُ الحَربُ عن صَوْبِ مَنْسِكٍ
…
ولا نُسُكٌ أن يُستباحَ جَموحُ
إذا ما أبي إلا جِماحا عَنِ الهدى
…
فَرِيقٌ بَداء باللّيانِ نَصوحُ
غزاهُ فأمسى عُرْضَهَ البيضَ والقَنا
…
فما منهُ إلاّ فائظٌ وجَرِيحُ
فلما رأوا أنْ لا مَناصَ وأنه
…
لِسائمتيهمْ والحريمِ مُبيحُ
غَدًَوا مُسْعِدينَ الدينَ من كل وِجهَةٍ
…
وأنْفُ مَناةٍ في الرَّغامِ طرِيحُ
فَراحَ سَناهُ في سَناءِ وأدْبَرتْ
…
بنجْدة غيّ المُشرِكينَ طَموحُ
حَمى حُرُماتِ اللهِ لوْلا انتِهاكُهُمْ
…
لها ما انتهى حِلْمٌ هناك صَفوحُ
فكم سَفِهَتْ ناسٌ عليهِ وما ازدَهَتْ
…
وقاراً يُحاكيهِ أشَمُّ مَروحُ
كما انقَضَّ للميلادِ شهْبٌ ولم ينَلْ
…
مِن الملاءِ قُصْوى العُدْوَتين سَبُوحُ
فما مِثْلُ مَجدِ المصطفى قطُّ ماجِدٌ
…
ولا النَّجْمَ ساعٍ ان يَنالَ شحيح
يَرُوقكَ مِنْ قَوْمٍ عُلاً تَستَفِلًّها
…
إذا اشْتَمَّ مِنْ رَيَّا المؤمّلِ رِيحُ
وتستَعْظمُ الأطوادَ ما لم تُسامِها
…
به فمدَى فَضْلِ الأمينِ نَزُوحُ
إذا ما تولّي ماجدٌ راحَ مَدْحُهُ
…
وفي جِدَّةِ الإشعارِ منهُ نُزُوحُ
سِواهُ ستلفِي نَفخةُ الصُّورِ السُناً
…
مِن الناسِ دَأباً تَغْتَدِي وترُوح
ليُهدَى إليهِ مِنْ ثناءِ يَحُوكُهُ
…
قَرِيضٌ يُرَوِّى السامِعينَ صَليحُ
وكلُّ جَزى مَدْح وإنْ جَل ينقضي
…
سِوي مَدْح طهَ إنه لرميحُ
أُعِدَّتْ لهم جَنَّاتُ خلدٍ تزخرفَتْ
…
وحورٌ بأبوابِ الخِيامِ جُنوح
وإني وتَعدَادي حُلاهُ كحاسِبٍ
…
مِن الرَّمْلِ ما ضمَّتْ مهامِهُ فيحُ
تواصفَ خيرَ الخلْقِ ناسٌ وقصَّرُوا
…
ونى الجهد منهمْ والمجالُ فسيحُ
تولَّتْ يَدُ الغاياتِ مِن دُونِ فضلهِ
…
فسيَّانِ مِنَّا باقِلٌ وَفصِيحُ
سِوى أنَّ صَدْيانَ المَحبّةِ واردٌ
…
فمغتبقٌ إمَّا لواهُ صَبُوحُ
نَعمْ أبْنَ مِنّا قَدْرُ مدحِكَ بَعدَما
…
أتى النَّاسَ وَحيٌ بالثناءِ صحيحُ
أيا مصطفىً والناسُ لا ناسَ راغبٌ
…
ببابكُمُ هَوْلُ الجَنانِ طريحُ
يَهابُ حَياءً أن يَبوحَ بُسؤلهِ
…
لدَي مَنْ لِخَلَاّتِ البّزِيلِ لَمُوحُ
تَحيَّةُ ربّ العالمين يُرِيُحها
…
عَليكم وَيَغدُو مُبكرٌ ومُرِيحُ
ورَيَّا سَلامٍ دونَهُ المِسْكُ نَفْحةً
…
نَفُوعٌ لمِهُدْيهِ الجَرُوعِ تَفُوحُ
وعَرْفُ صَلاةٍ تَفضُلُ العَدلا انِقضى
…
لها ما جَزى حُسْنَ الثناءِ جَزوحُ
وعَظّتْ مُلِمَّاتُ الزمانِ فأفظعَتْ
…
وما عِيلَ صبْرٌ للنبيّ رَجوحُ
تَخيّرَهُ منْ خيرِ خيْرِ أرُومَةٍ
…
نمى نَحرَها سامُ بْنُ نُوحٍ ونوحُ
لِيمُنَحَ مالا يَقدُرُ الناسُ قدْرَهُ
…
سِوى لَمْعِ نَزْرٍ مِنْ سَناهُ يَلوحُ
وأسْعَدَهُ في اللهِ أسْعدُ شيعة
…
قدِ اجتاحَ منها الجاحِدينَ جُرُوح