الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذا سقتُها للصالحات تَقَعَّسَتْ
…
ودبَّتْ على كره إليها دبِيبَها
وتشتد نحو الموبقات نشيطة
…
إذا فاوقتها الريحُ فاقت هبوبَها
وما هي إلا كالفراشة إنها
…
ترى النار ناراً ثم تصلى لهيبَها
ومن بديع قوله:
ألا إني خليلك يا حويري
…
ومبسمك المُبَرِّدِ للغليل
فقولي للنحاة حمايَ عنه
…
دعوا بين المبرد والخليل
وسواء فتحت راء المبرد أو كسرتها كما ضبط بالوجهين. ومما أنشدني له العلامة أستاذنا المختار بن ألما الديماني رحمه الله تعالى من أبيات:
إذا جلت فكراً في العلوم عويصها
…
ومادت به الأفراح كل مميدِ
تصاغرت الدنيا لدىّ وأهلها
…
وجئتُ بما يشفى غليل مريدِ
ونلتُ لذيذ العلم بالذوق وحده
…
وكل لذيذ غيره كهبيدِ
هذا ما علق في الخاطر من شعره ومحاضراته، سوى قصيدة ستأتي في ترجمة اليدالي ولم ننقل شيئا من الغرائب التي تتداولها العامة من أخباره لعدم صحتها. وكان رحمه الله تعالى موجودا في صدر القرن الثاني عشر.
حرم بن عبد الجليل العلوي
ويقال له حرمة الله وحرمة الرحمن بن الحاج ابن سيدي الحسن بن القاضي، يجتمع فيه مع الذي قبله علامة عصره. وأعجوبة دهره. جدَّ واجتهد حتى ظفر
بمناه، وأقام بمدينة شنقيط وآطار لطلب العلم. وكان أبوه من أمثل قبيلته يقطن أرض القبلة، فلما تأخرت عنه المؤونة لقلة القادمين، كتب إلى أهله يعرض لهم، بأن كثرة مالهم لم يحصل منها على طائل في وقت الحاجة إليه فقال:
عليكم سلام مارست ضمُّ يذبل
…
وما جال ذكر الزاد في قلب مرمل
وما انشرحت نفس امرئٍ متغرب
…
لثوب قشيب ناله بعدَ مسمل
وبعد فبرق خلب متألق
…
على البعد لم تمرع به أرض ممحل
ومن لا يغادر ثلمة في المَنِيل لا
…
يسدُّ جداه ثلمة المتنوّل
ويحكى عنه من الاجتهاد في طلب العلم، وتحمل المشاق والصبر، شيء عجيب. ومن شعره في جواب أبيات لمحمد بن الطلبة اليعقوبي، يسأله إعارة كتاب التبصرة لابن فرحون.
يا ابن المشايخ والأشياخ أسلافه
…
جزاء من يسعف العافين إسعافُهْ
لكنَّ تبصرة الحُكَّام مَبْخَلَةٌ
…
ولؤلؤ وسواد القلب أصدافُهْ
ومن أعار سواد القلب أتلفه
…
لكن يهون علينا فيك إتلافُهْ
ومن أشهر مشايخه المختار بن بون، وكان عليه اعتماده من كل طلبته، ولم يحمل عنه أحد من علمه ما حمل، وكان يساعده في نظم التسهيل حتى إنه قال: لو أخذت ما يخصني لم يبق منه ما يسمى به.
وكان حرمة الله هذا رحمه الله، من عجائب الدهر، ولما تضلع من ابن بون، جلس لإفادة الناس، وضربت إليه أكباد الإبل، وانتفع به خلق كثير، ولم يبلغ أحد من تلامذته مبلغ الشيخ سيدي ومحنض بن سيدي عبد الله الشقروي، وكانت له اليد الطولى في جميع العلوم. أما النحو فاشتهر به بعد ابن بون. وأما الفقه فكان المرجع فيه إليه أيضا، ويدل على تفننه قوله، وقد مر بربع خلا كانوا يطلبون العلم فيه على بن بون:
دمن دعتك إلى القريض فإن تجب
…
فلمثلها يهدى القريض ويندبُ
وإذا سكتّ عن الجواب لشِرَّةٍ
…
فاضت فذاك من الإجابة أصوبُ
أما النسيبُ فلا يسوغك ذكرهُ
…
عصر التعلم والمشايخ يعذبُ
كنا مع البونيِّ في عرصاتها
…
هالات بدر لم يشبها غيهبُ
فيها تجمَّعَ سيبويهِ ويوسفٌ
…
والكاتبي والأشعريّ وأشهبُ
شاقتك أطلال يَلِين لهم وما
…
شاقتك سعدى إذ نأتْكَ وزينبُ
ومن عجيب أمره، إنه لما كبر أصيب ببصره، فكان لا يميز الناس ولا الدواب ولكنه يقرأ الكتب، وقد حدثني عمنا العلامة البركة مأمون، إنه كان يكتفي في الليل بضوء قليل يقرأ الكتب عليه، وهذا شائع هناك. وله شواهد منها قول العلامة باب الآتي يرثيه من منظومة:
أغناه نور القلب عن نور البصر
…
يطالع الكتب ولا يرى البشر
وقال ابن عيد الجكني يخاطبه ويشكو إليه ناسا من أقاربه هجوه:
يا حرمة الله يا نبراس ذي العُصُرى
…
يا من بصيرته أغنت عن البصرِ
ماذا تقول لمن أمسى يخاطرني
…
من خاطر البزل لم يسلم من الخطرِ
وكان مع علمه وصلاحه يجيد النسيب. ومن بديع قوله:
إلى متى تظهرُ السلوان والفكرُ
…
تعلو بقلبك أحياناً وتنحدرُ
ما أنت أوّل من أفنى تجلده
…
وصبره دعج العينين والحورُ
ولو مرّ أهيفُ مجدولٌ على حجر
…
صبا له أن رآه ذلك الحجرُ
هيف الخصور خدال السُّوق قد صرعت
…
قَيساً وقِيساً وغيلانا وما انتصروا
جرَّ عن عروة كأس الموت قبلهم
…
وقال فيهنَّ ما قد قاله عمرُ
عراك منذ شهور ما ألمَّ بهم
…
رِدْ مثل ما ردوا واصدر كما صدروا
لا يصدر الطرف عن جيدا منعمة
…
إلا امرؤ لم يكن في وجهه بصرُ
واجعل سريرك رحلا فوق يعملة
…
من شدة الخطو لا يبدو لها أثرُ
ساير براحا عليها كل هاجرة
…
وأدلج كما تدلج الجوزاءُ والقمرُ
حتى تُؤَوِّب غزلاناً تسامرها
…
يا حبذا تلكم الغزلان والسمرُ
إن شاكلت كل خضر أدمنة زَهَراً
…
يا حبذا الدمن اللاتي بها الخضرُ
ماذا تضرُّ عروقٌ غير طيبة
…
أن طاب للمجتني أثمارها الثمرُ
ومن جيد نظمه:
لقد عادني ما خلته غير عائدي
…
بساسية الأنساب في حيي عائدِ
ضنَى من هواها واصلي وهي لم تصل
…
ولابد للموصول من عود عائد
وقال أيضا في حرب أهل شنقيط وأهل وادان:
إذا الدهر بالمكروه سامك فاصبرا
…
ولا تجزعن منه أقلَّ أو أكثرا
فما دام شجو لامرئٍ أو مسرَّة
…
أرى الدهر من هذا وهذاك أكثرا
لقد كنت أحجو الهجر أكبر فاجع
…
فألفيته من أصغر البين أصغرا
أرى البين عن ساقيه أضحى مشمرا
…
وشجوك لما شمر البين شمرا
وليس يرد الحزن مَنْ شط ولْيُها
…
فأقصر عن الأحزان أن كنت مقصرا
تغيرت أحوالا كما أن رسمها
…
وحق له من بعدها قد تغيرا
غداً رائح الأرواح والمغتدى به
…
إذاً بدلا منه أصمَّ أو أعورا
ومنها:
تقول وقد أضمرت ما بي أن رتضى
…
هوى لم يزل في مضمر القلب مضمراً
فقلت لها أضحى وأصبح أمرهُ
…
من الشمس أو من فتح وادان أظهرا
أقرّ بذاك الفتح من كان منكراً
…
له وغدا من كان يخفيه مظهرا
وأدلج إدلاجاً به كل راكب
…
على رغم أنف الحاسدين وهجّرا
فصير في الآفاق أمر وقائع
…
تطيل إذا فكرت فيها التفكرا
دعا عاجل الآجال للحين معشرا
…
بوادان لن يدعى مدى الدهر معشرا
فشنجيط ظنوا هدمه متبسرا
…
فألفوه من إحياء كبَّادِ أعسرا
كأنهم لم يعرفوا بأس أهله
…
ولو سألوا بان أمُّ والمسك أخبرا
لئن وردت شنجيط يوماً ظماؤهم
…
لقد شربوا زعقاً من الموت أكدرا
وكان لهم شر الموَاردِ موْرِداً
…
وكان لهم شرُّ المصادرِ مصدرا
همُ حزب الأحزابَ من كل جانب
…
كما حَزّبت أحزابها أهلُ خيبرا
أتوا بالرعايا ينشرون وعيدهم
…
فصاروا على البطحاء لحماً منشرا
وفاض أتىٌّ من نجيعِ دمائهم
…
به شجر البطحاءِ أصبح مثمرا
ومنها:
غدت كنتَ تقضى دونهم ما ينوبهم
…
من الأمر كانوا غائبين وحُضّرا
أتوا بخميس لم نكن خمس خمسه
…
فقل فيه لو ساواه أو كان أكثرا
وأقبل من آكان جند لنصرهم
…
وقد فرَّعنه النصر إذ فرَّ مذعَرا
فمن كرًّ منهم قد تكسر عمرُه
…
ومن فرَّ منهم صبره قد تكسرا
نجا مذعراً مما رأت عينه وما
…
نجا من نجا من مأزِقِ الحرب مذعرا
إذا هو في المرآة أبصرَ وجههُ
…
توهم وجه القِرن ما كان أبصرا
وإن نام لو حفته منه عساكرٌ
…
رأى مشرفياً فوق فوديه أحمرا
بدا إذ رأى ما قد رآه تواضعٌ
…
لمن كان منهم طاغياً متكبرا
فقال زعيم القوم أصبحت راضياً
…
بما كان في أمر القديرِ مقدّرا
فنالوا إذاً عبداً ببعض دمائهم
…
ونيما وتنُّورَيْن والبعض أهدرا
دمٌ أهدرتهُ سادة علوية
…
وما كان فيهم مثل ذلك منكرا
وما استنصروا غير الصوارم ناصرا
…
وأغنتهم عمن أتى متنصرا
يخوضون يوم الروع في لجج الردى
…
لأنّ منالَ العز فيهنّ أبحرا
يسابق عَزْرائيلَ وقعُ سيوفهم
…
إذا ما مُحَيَّا الحرب أصبح مسفرا
فكم مشهد في الحرب يثنى عليهمُ وكم معشر من بأسهم كان أزورا
تراهم وليس الدهرُ إلا نوائباً
…
إذا كبرت تلك النوائب أكبرا
سما للمعالي من تقدَّم منهم
…
ويسمو على آثاره من تأخرا
مآثرهم حَلْيُ الزمان لو إنه
…
على صورة الإنسان كان مصوّرا
فكم من فتى منهم يروقك علمه
…
ويهزم من أنجاد وادان عسكرا
ويجعل في إحدى يديه مهندا
…
طريراً وفي الأخرى كتاباً مطرَّرا
يحب الردى يوم الوغى فكأنه
…
إذا مات فيه لا يزال معمَّرا
بطرفك فانظر كَيْ ترى بعض مجدهم
…
إذا أنت عن إدراكه كنت مُقْصرا
وأنت ترى كيف نزه شعره عن هجو أعدائه مع ظفر قومه.
وله من أبيات يخاطب فيها العلامة بُلَاّ بن مكبد الشقروى، وكان مدحه بقصيدة فأطال غزلها، ثم نال من ابن أحمد دام، وسأذكرهما في موضعهما أن شاء الله تعالى:
دع التطويل في ذكر الغواني
…
ودع عنك البكاء على المغان
أسن الدهر عن هذا فقصِّرْ
…
عنان الشوق وأنن من العنان
فإن المرَء يحسن في زمانٍ
…
عليه ما يشنَّع في زمان
ووقعت بينه وبين ابن عمه باب الآتي، مناظرات ومشاعرات في مسائل فقهية، ومع محنض بابه الديماني. وكنت أظنه ممن أدرك المائة الثالثة عشرة، فوجدت في رسالة للعلامة ولى الله، سيدي أحمد بن محمد الآتي، يخاطب فيها العلامة الحارث بن محنض ما نصه: (وقبولك لكلام الدسوقي، وهو ووالدك متعاصران منه أقدم، لأنه ينقل في حاشيته عن الأمير، من غير سماع منه، معبرا عنه بخاتمة المحققين، والأمير وحرم ولدا في عام واحد، فقد قال في مجموعه: شرعت فيه
وأنا ابن إحدى وعشرين سنة في القرن الثاني عشر، ثم تم تبيضه سنة ست وستين ومائة وألف، وحرم مات عام ثلاث وأربعين قبل لمليح بأربعة أعوام، وهو شيخ والدك، فهلا نقلت عن والدك) انتهى.