الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فما بالشعر كان المجد مني
…
ونفسي ليس ذلك منتهاها
فإني قد أرى الشعراء تحتي
…
عصافيراً تطاردها بُزْاها
فقال الثاني منهما:
أنا ليث الشرى أحمى عريني
…
بِعُصْل غير مفلول شباها
وهل تخشى بزاة أو صقوراً
…
ليوثُ الغاب تزأَر في حماها
ومن جيد شعره، وقد بقى فريدا ليس معه غير كلب يقال له، فيداح:
أصخْ لسرد قريض الشعْرِ فيداحُ
…
إن كنت ممن لسرد الشعر يرتاحُ
قد أصبح الشعر عمري لا رواة له
…
إن لم يكن من رواة الشعر فيداح
نعمَ المرافقُ لولا قبحُ منظرهِ
…
ينفي الذئاب إذا يعوي فتنزاح
إنْ يطرِحونّي أرْضاً لا يُصاحُبني
…
إلاّ ألص هريت الشدقِ نبَّاح
فقد يُسامرُني في مجلس عَطِرٍ
…
شُمُّ الأنوفُ لهم كُتْبٌ وألواح
وقدْ أعارلُ جماَء العظام على
…
أنْيابها العنبر الهندي والرَّاح
ورأيت له قصيدة جيدة، ومطلعها:
إنّ الدَّيار بجنب ذات الجيأل
…
هاجت عليك عماية لا تنجلي
ومات - رحمه الله تعالى - في أوائل القرن الرابع عشر.
الأحول
واسمه عبد الله، وقد أغنته شهرة لقبه، عن معرفة اسمه واسم والده، هو الفصيح الشاعر، ذو الصوت الطائر. اشتغل في صغره بتثقيف اللسان، حتى صار كشباة
السنان، ولازم يوسف بن المختار، وباب ابن أحمد بيب العلويين، مدة مديدة، حتى وقعت الحرب التي شتت العباد، وأفنت الأمجاد، وانحاز إلى قومه، وصاغ فيها قصائده الطنانة. ومما نقم الناس عليه فيها، أنه هجا أستاذه باب المتقدم، في قصيدته التي أوَّلها:
أَلا بلغن باب جانِ الحروب
…
وجان الحروب رهين الخطا
وكان سلس العبارة، كأنما يأخذ الشعر من جيبه، لقرب مأخذه، على أشياء أخذت عليه. منها قوله في وصف خيال:
أهلاً به من مُلِّمٍ صوبنا قذفتْ
…
بيدا لبيدٍ وأصحاراً لأصحار
فإن صحراء لا تجمع على أصحار، وإنما تجمع على صحروات، وعلى صحارَى، صحارِى، وإنما اغتر ببيت الأنصاري:
مَن كان في نفسه حوجاَء يطلبها
…
مني فإِني له رهن بإِصحار
فإن إصحار هنا، مكسور الهمزة، مصدر أصحر، أي برز للصحراء. وقد رأيت هذا البيت مكتوبا هكذا:
بيدا لبيد وأسحاراً لأسحار
وهذا غلط أشد من الأول، لان الأول صحيح المعنى، وهذا فاسده، ولأن الطيف لا يصح أن يقذف، أي يرمى سحراً لسحر. والمحافظة على المعنى، أولى من المحافظة على اللفظ. وأخذ عليه قوله في صفة سلاح ناري:
ومهمى مرت خِلْفَيْهِ أيد تطايرَتْ
…
مِنَ الجوْفِ شتى أمّهاتُ الذوائب
لأن الأم من غير الإناس. تجمع أمات، وأما من الإناس. فإنها تجمع أمهات، وهذا هو الكثير، وقد جمعت أم من العقلاء: أمات، ومن غيرهم أمهات، وقيل إن من قال في المفرد أم، قال في الجمع أمات، ومن قال أمهة. قال أمهات، والحاصل أنه لا يسوغ تلحينه، فيما قيل إنه جائز بقلة، ولا على هذا التفصيل، وكلما غلط
فيه، يوجد له جواب يقنع، غير أصحار.
ونقض أبَّدَّ بن محمود قصائده غير البائية، قالوا: لأنه مات قبل بلوغها إلى ابن محمود، والناس يفضلون الأحول عليه، لسلاسة ألفاظه، وبعضهم يعكس. قال: لأن كل معنى وقع في شعرهما، إذا تؤمل يظهر ذلك فيه، فإن الأحول، قال في صفة سلاح ناري:
وجلجل رعد ينهمي عند هزمه
…
نجيع العدى لا ماء غرّ السحائب
وابن محمود قال في صفته:
بأجري فرانس فيها صواعق
…
تُصمي الفتى قبل أن يسقطا
فإِن الأوَّل على سلاسة ألفاظه، ليس فيه كبير معنى. فإن غايته أنه شبه صوت الرصاص الخارج من السلاح بالرعد، وجعل سيلان الدم، أشد من سكب السحائب. وابن محمود، نسب السلاح لفرانس، وشبه صوت الرصاص الخارج بالصاعقة، وهي أبلغ من الرعد، وجعل المصاب بها يموت قبل وصوله إلى الأرض، والذي نزفه الدم، كثيرا ما يرقأ دمه، ثم يسلم بعد ذلك. وقالوا: إن الأحول قال لما هزم عدوّه هو وقومه:
لمَّا رأوا عابدَ الرحمنِ منقبضاً
…
تحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولّوا فُرادى ومثنى مدبرين ولمْ
…
يثنو من الرعب وجهاً بعد إدْبار
وابن محمود، قال لمَّا دارت رحى الحرب، وهزموا عدوّهم، بعد الأيام التي كانت عليهم:
سقوناً ذنوبا سقيناهموه
…
بضعف وكنا لهم أضغطا
فإنه أنصفهم، حيث ذكر نكايتهم فيه أولا، ثم ذكر أنهم ضغطوهم وهزموهم، وقال في رائيته:
والعلويون ركبانٌ تنوشهم
…
بالأندرية تردى كلَّ ختار
حتى إذا أثخنوهم محنقين وهم
…
ما بين ملتزم أو واجب خار
ولوّا فُرَادى ومثنى مدبِرِينَ ولم
…
يثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار
فإنه أنصفهم حيث قال: إنهم فروا بعد أن أثخنوهم، حال كونهم - أي العدو - محنقين، فليس من انهزم بعد أن لم يترك دفاعا، مثل من فرَّ أول وهلة، ولأن العلويين في اليومين الذين دارت عليهم رحى الحرب، تركوا في موضع المعركة
كثيرا من أبطالهم موتى، ولو كانوا انهزموا لما رأوهم، لم تبلغ موتاهم ذلك العدد. ومما جعلوه عبرة قوله:
ومن شاء فلينظر عواقب معشر
…
جنى حربنا يزجره شوم العواقب
لأن آخر وقعة وقعت، هي فتنة تندوج، وقتل فيها هو نفسه، ولم يعقبها شيء فأنه قضى على نفسه فيها، ولأن الحرب في الأصل بين أولاد اخطير والعلويين، وكان أولاد اخطير، أخذوا ديات قومهم، على يد جموع كثيرة من الزوايا، فنقض أبناء اعمر أكداش ذلك، وغدروا با بني الخطاط العلويين، ثم انه هو من قبيلة كنيت (بكاف معقودة) وليس من إدا بلحسن، فهو الباغي، وهذا لا يخلو عن تحامل، فإن ذلك الأصل قد اندثر وصار نسياً منسياً، حتى ان فخذه في ذلك الوقت وبعده، من أفضل أبناء اعمر أكداش، وكذلك قوله:
وجدَّل حتى جاذبته عصائب
…
من الطير غرثى تهتدي بعصائب
فإنه هو بقي جديلا وجاذبيته الطير، فسبحان من لا يعلم الغيب غيره، فإنه لو كان يدري أن عاقبة أمره كذلك، ما كان سره ما سره، من تجديل ذلك الشيخ، ولله در الشاعر حيث يقول:
فقل للشامتين بنا أفيقوا
…
سيلقى الشامتون كما لقينا
وقال من يفضل ابن محمود، إن الأحول لما قال هذا البيت:
ما أبعد العار منا في الحروب وما
…
أدنى سيادة محمود من العار
لو هجا أبناء اعمر أكداش غير ملوم، لأن شاعرهم أقذع على أبيه. ولما انطلق لسانه بالأيام المتوالية، كيوم ابلحتوش ويوم تندوج، رأى أن أخذ الثار بقتل الأبطال ونهب الأموال، أبلغ من أخذه بالهجاء، وأي عار على محمود، في أن هزم هو وقومه مرتين، وأخرجوا من بلاد غير بلادهم الأصلية وعشيرتهم. ثم هزموا أعداءه هزائم أبلغ من هزيمته في يوميه السابقين، ولم تزل الحرب سجالا من قديم الزمان. ومن ذا الذي يخطر في باله، أن يحارب قبيلة مثل إدابلحسن
في الكثرة، وما انضم إليهم من أبناء البوعلى، وتيابهم، ويظن أنه لا يهزم؟ بل العار في أن لا يهزمهم هو، وفي أن يخرج من أرضه ولا يبعث الجيوش حتى ينتصف. أما إذا انهزم يوما بعد يوم، ولم يلن لذلك جانبه، فهذا دليل على صلابة عوده وقوَّة عزمه. وهل أمكن عدّوه أن يوافيه في أرضه وعشيرته، بجيش واحد فيغنم، أو يخسر، فمحمود مثل ما قال الشاعر:
وأخرجت منها ولكنني
…
رجعت على رغم أنف الجميع
وسيأتي بيان أن إدابلحسن، لم يخرجوه على كثرتهم وقلة قومه، بل أخرجه تضافر الترارزة عليه وعلى قومه، ما عدا أبناء دامان وأهل عبل.
وكان رحمه الله موصوفا بحسن الأخلاق، حدثني عمنا مأمون، انه لما وقعت الحرب واعتزلها من اعتزلها من الفريقين، كان - هو أعني مأمون - قبل البلوغ، فذهب مع العلامة المختار بن عبد الجليل يقرأ عليه. وكان الأحول صديقا لأخيه أحمد، لما كان يقرأ على يوسف وباب المتقدمين. فاتفق أنه مر على المذكور، فرأى مأمون فعرفه، فأسرع اليه وضمه إلى صدره، وجعل يتوجع مما وقع، ولامه على عدم مجيئه إليه لما رآه ولما بلغ موتة الشيخ سيديَّ، قال: ذهبوا به إلى غير فنه، يعني أن فنه صوغ الشعر الجيد. وليس من فئة مناضلة الأبطال، ضنا به عن الموت. هكذا يقول الناس، ويجعلون الضمير عائد على من قتله. ولا يخفى
أن هذا فاسد المعنى، لان المعنى توبيخ قومه على حملة الغزو، فإن الفتنة لو كانت وقعت عند حيّه، لكان لذلك وجه، ولكن الفتنة وقعت خارجا عن بلادهم، وسببها: أن العلويين أغاروا على آبال لهم، فأتبعوهم مسيرة يومين أو نحوهما. وكان هو في مقدمتهم، واختلف في قاتله. فأهل تكانت يزعمون، أن قاتله محمد أحيد بن سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم. وأهل القبلة يزعمون، أن قاتله محمد بن الحسن بن الأمين، قالوا: ووجد في كانون مدفعه (أي موضع ثوران البار ودمنه) شيء من الشوك، لأنه كان يتحرج من قتل مسلم، وما أظن هذا صحيحا،
بل لا يتأتى أن يطلب عدواً أنكى فيهم من مسافة بعيدة، ويكون على هذا من ترك الحزم.
وقال في الحرب التي وقعت بينهم وبين العلويين، إثر هزيمة كانت لأعدائهم. وتقدم بعض التي نقضت بها، لما انهزم قومه، وقتل هو:
جادت بطيفٍ سرى لي أمُّ عمَّارِ
…
للهِ لله لقيَا طيفها الساري
أهلا به من مسلم صوبنا قذفت
…
بيداً لبيد وَأصحاراً لأصحارِ
لا وصْلَ من أمّ عمَّارٍ أُ أمّلُهُ
…
ما لم تَزُرْ في منامي أمّ عمَّارِ
لو كنتُ زير نساء كنتُ زائرها
…
بل زيرُ حرْب أخوها غيرُ زوَّارِ
إنا بنو الحرب لا نشكو أظافرها
…
لو جرَّحتنا بأنياب وأظفار
خضنا لِواها وجنبنا بني حسن
…
حمل المغارم من حمل وأوزار
والخيل فيها على الأبناء نؤثرها
…
صوناً فيا لك من صون وإيثار
والوفد نقريه في اللاوى ونكرمُهُ
…
طول الثوى إذ يجل المكرم القاري
ما أبعد العار منا في الحروب وما
…
أدنى سيادة محمود من العار
لمَّا رأوا عابد الرحمن منقبضاً
…
تحت العجاجة مثل الضيغم الضار
ولوّا فرادى ومثنى مدبرين ولم
…
يثنوا من الرعب وجهاً بعد إدبار
وقال أيضا في تلك الحرب:
تداعتْ حُداةُ الركبِ من كل جانْبِ
…
فَودّعْ سُليمى قبلَ سَيرِ الركائبِ
فإنْ ضَعُفَتْ أسبابُ ذلك بينَها
…
وبينَكَ إلاّ سَرْق وَمْإِ الحَواجبِ
وكيف وداعُ الحب آخرَ كلما
…
دنا منهُ صَدَّتْهُ مخافةُ راقب
سلامٌ عليها أين غابتْ بها النَّوى
…
عن العينِ منْ حِبّ عن العين ذاهب
ففاضتْ دموع العينِ حتى تناثرت
…
تناثرَ نظْمِ اللؤلؤ المتراكبِ
فقلتً لصَحْبٍ أكثر والعيب في البكا
…
وليس بكاء الوجدِ بعض المعائب
دعوني وتسكابي الدُّموعَ فرُبما
…
يُقلُّ الأسى فيضُ الدموع السَّواكب
فإن كنتمُ صَحْبي فموتوا معي أسىً
…
ولا تتركوني هالكا دون صاحبي
كما فرَّ محمودُ ليسلَمَ وحدَهُ
…
وأسلم من إخوانه والأقارب
هُمُ جلَبوا الحربَ العَوانَ فلم نَزلْ
…
نُبيدُ ونقصى منهمُ كلَّ جانبِ
شفى التائبونَ الغيظَ من نهب مالِهمْ
…
ولوْ علموا لم يَنْهبوا مال تائب
وزرناهُمُ منْ آلِ أعوجَ فائقٍ
…
بأسْدٍ وأسْدٍ من حبيبٍ وطالب
وإخوانِنَا الشمّ الألى إن تقحموا
…
لقاءً تجلى بأسُهُمْ غيرُ كاذب
غداةَ أرادَ الشيخُ ما لا يُطيقُهُ
…
فلاقى الذي لاقى يسترَ الكواكب
وجُدّلَ حتى جاذبْتهُ عصائبٌ
…
من الطيرِ غَرْثى تَهتدي بعصائب
لدى مشهدٍ دارتْ رحاهُ فجرّعتْ
…
صَناديدَهُمْ حَتْفاً مَريرَ المشارب
وولَّوْا سِراعاً مُدْبرِينَ كأنْهُمْ
…
بُغاثٌ تهَادى من صُقورٍ دوارب
وقَهْراً طردْناهمْ وخُضنا حماهُمٍ
…
وهجنا هُمومَ المُعْولاتِ النّوادب
فَطوْراً يُلَطْمنَ الخدُودَ وتارةً
…
يُلَطّمْنَ بالأيدِي أعالي التَّرائب
لعمرك ما قَوْمي بعُزْلٍ أذِلّةٍ
…
إذا يَممُوا أرْضَ العَدُوّ المُحارب
بأرْعَنَ مَجْرٍ يذْعرُ الوَحْشَ بالندى
…
وزَجْرِ المهارى والجيادِ الشوازِب
فكم هَيّئوا مِن كلّ جَرْداَء وَرْدةٍ
…
ومُنْجَرِدٍ عَبل الشَّوى غيرِ لاغِب
وأزْهَرَ مصْقولِ الحديدةِ متْئمٍ
…
سَخِي نقيَّ اللوْنِ وارِ المناقِبِ
أجادتهُ أرْبابُ الجريدةِ ميْسما
…
ونقْشاً كفي منْ رائقاتِ الغرائبِ
وحَلَّوْهُ نَقلاً مِنْ لُجيْنٍ وَدَوَّرُوا
…
مِنَ الدُّرِّ في أَوْساطِهِ والجوانبِ
ومَهْمى مَرَتْ خَلْفَيهَ أيدٍ تطايرَتْ
…
مِنَ الجَوْفِ شَتَّى أُمَّهاتُ الذوائبَ
وجَلْجلَ رَعْدٌ يَنْهمي عِندَ هَزْمهِ
…
نَجيعُ العِدى لا ماءُ غُرِّ السحائب
بنو الحربِ لا نُعْطى القوىً مَقادةً
…
ولا نَشتكى فيها نُزُولَ المصائبِ
ولكننا نحمى الحمى ونحُوطُهُ
…
ونزدادُ صَبْراً تحتَ كل النَّوائب