المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الصنف الثامن من التسعة في آفات الرجل] - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية - جـ ٤

[محمد الخادمي]

فهرس الكتاب

- ‌[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ رَدُّ التَّابِعِ كَلَامَ مَتْبُوعِهِ وَمُقَابَلَتُهُ وَمُخَالَفَتُهُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السُّؤَالُ عَنْ حِلِّ شَيْءٍ وَحُرْمَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ لِصَاحِبِهِ وَمَالِكِهِ تَوَرُّعًا]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ تَنَاجِي الْمُكَالَمَةِ بِالسِّرِّ اثْنَيْنِ عِنْدَ ثَالِثٍ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ التَّكَلُّمُ مَعَ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الدَّلَالَةُ بِاللِّسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ لِمَنْ يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ]

- ‌[السِّتُّونَ آخِرُ آفَاتِ اللِّسَانِ الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ وَالْإِبَاحَةُ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ] [

- ‌الْأَوَّلُ الْمِزَاحُ]

- ‌[الثَّانِي مِنْ السِّتَّةِ الْمَدْحُ]

- ‌[الثَّالِثُ الشِّعْرُ]

- ‌[الرَّابِعُ السَّجْعُ]

- ‌[الْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي]

- ‌[السَّادِسُ آخِرُ الْمَبَاحِثِ فُضُولُ الْكَلَامِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ لِلْعَالِمِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ الْإِبَاحَةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ اللِّسَانِ مِنْ حَيْثُ السُّكُوتُ كَتَرْكِ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ]

- ‌[تَرْكُ التَّشَهُّدِ مِنْ آفَاتِ]

- ‌[تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ]

- ‌[تَرْكِ النُّصْحِ]

- ‌[تَرْكِ التَّعْلِيمِ]

- ‌[تَرْكِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْقَاضِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى]

- ‌[تَرْكِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ]

- ‌[تَتِمَّةٌ مُبَادَرَةُ الْعَاطِسِ بِالْحَمْدِ]

- ‌[تَرْكُ الِاسْتِئْذَانِ فِي دُخُولِ دَارِ الْغَيْرِ]

- ‌[تَرْكُ الْكَلَامِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ]

- ‌[تَرْكُ إنْقَاذِ تَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ]

- ‌[تَرْكُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ سُبْحَانَ أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ]

- ‌[تَرْكُ السُّؤَالِ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّالِثُ فِي آفَاتِ الْأُذُنِ اسْتِمَاعُ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ]

- ‌[إجَابَةِ دَعْوَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ كَالْغِنَاءِ وَاللَّعِبِ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي آلَاتِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِلَا اضْطِرَارٍ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ بِالِاخْتِيَارِ]

- ‌[رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْرَأُ بِلَحْنٍ وَخَطَإٍ بِلَا تَجْوِيدٍ]

- ‌[اسْتِمَاعُ حَدِيثِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ]

- ‌[مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي آفَاتِ الْعَيْنِ]

- ‌[الصِّنْفُ الْخَامِسُ فِي آفَاتِ الْيَدِ]

- ‌[إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ]

- ‌[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ تَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ]

- ‌[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ إهْلَاكُ الْمَالِ أَوْ نَقْصُهُ]

- ‌[الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ الْبَطْنِ]

- ‌[الْقَهْوَةُ حُكْمُ شُرْبِهَا]

- ‌[بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّنَعُّمِ]

- ‌[الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ]

- ‌[آدَابُ الْأَكْلِ]

- ‌[الصِّنْفُ السَّابِعُ فِي آفَاتِ الْفَرْجِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الرِّجْلِ]

- ‌[الصِّنْفُ التَّاسِعُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الْبَدَنِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعُضْوٍ]

- ‌[الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ]

- ‌[قَطْعُ الرَّحِمِ]

- ‌[تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ]

- ‌[مُجَالَسَةُ جَلِيسِ السُّوءِ]

- ‌[فَتْحُ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ وَعَدَمُ دَفْعِهِ]

- ‌[الْقُعُودُ وَسْطَ الْحَلْقَةِ]

- ‌[الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ]

- ‌[حُكْم الْوَشْمُ]

- ‌[تَرْكُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[سَفَرُ الْحُرَّةِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ]

- ‌[تَرْكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا]

- ‌[تَرْكُ الزَّكَاةِ]

- ‌[تَرْكُ الْحَجِّ الْفَرْضِ]

- ‌[الْعِينَةُ]

- ‌[نِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ]

- ‌[الرِّبَا]

- ‌[الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ]

- ‌[إيقَادُ الشُّمُوعِ فِي الْقُبُورِ]

- ‌[إمْسَاكُ الْمَعَازِفِ]

- ‌[رُكُوبُ الْبَحْرِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْغَرَقِ بِلَا ضَرُورَةٍ]

- ‌[قِيَامُ الْقَارِئِ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَعَالِمٍ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الدِّقَّة فِي أَمَرَ الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة]

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الدِّقَّةُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة أَنَّهَا بِدْعَة لَمْ تصدر عَنْ النَّبِيّ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ صِنْفَانِ]

- ‌[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّانِي مَا ورد عَنْ أَئِمَّتنَا الْحَنَفِيَّة فِي عَدَمِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي فِي ذَمِّ الْوَسْوَسَةِ وَآفَاتِهَا]

- ‌[النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي عِلَاجِ الْوَسْوَسَةِ]

- ‌[مَرَاتِب الْوَسْوَسَة]

- ‌[النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّوَرُّع التَّكَلُّفِ فِي تَحْصِيلِ الْوَرَعِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُمُورٍ مُبْتَدَعَةٍ بَاطِلَةٍ]

- ‌[خَاتِمَة الْكتاب]

الفصل: ‌[الصنف الثامن من التسعة في آفات الرجل]

- رحمه الله يُعْفَى عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْهُ، وَعَنْ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَأُخِذَ مِنْهُ وُجُوبُ الِاسْتِبْرَاءِ وَفِيهِ أَنَّ عَدَمَ التَّنَزُّهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِالنَّارِ صَرَّحَ بِهِ الْعَلَاءُ.

(وَتَرْكُ الْخِتَانِ بِلَا عُذْرٍ) أَمَّا مَعَ عُذْرٍ كَالْمَرَضِ وَالشَّيْخُوخَةِ فَيَجُوزُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ الشَّيْخُ الضَّعِيفُ إذَا أَسْلَمَ وَهُوَ لَا يُطِيقُ الْخِتَانَ قَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ يَتْرُكُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ لِعُذْرٍ جَائِزٌ فَتَرْكُ السُّنَّةِ أَوْلَى وَالصَّبِيُّ إذَا اُخْتُتِنَ، ثُمَّ طَالَتْ جِلْدَتُهُ وَصَارَ بِحَالِ تَسْتَتِرُ الْحَشَفَةُ يُقْطَعُ ثَانِيًا.

[الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الرِّجْلِ]

(الصِّنْفُ الثَّامِنُ)

مِنْ التِّسْعَةِ (فِي آفَاتِ الرِّجْلِ هِيَ الذَّهَابُ إلَى مَجْلِسِ الْمَعْصِيَةِ إمَّا لِفِعْلِهَا أَوْ لِلنَّظَرِ إلَيْهَا وَالْخُرُوجُ إلَى الْجِهَادِ بِغَيْرِ إذْنِ وَالِدَيْهِ وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمَا إنَّمَا كَرِهَاهُ لِمُقَاتَلَةِ أَهْلِ دِينِهِمَا لَا لِلشَّفَقَةِ فَيَجُوزُ) الْخُرُوجُ حِينَئِذٍ بِلَا إذْنِهِمَا (وَكَذَا كُلُّ سَفَرٍ يُخَافَ فِيهِ الْهَلَاكُ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ) وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِلَا إذْنِهِمَا عِنْدَ الْأَمْنِ وَعِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى الْإِذْنِ إذَا أَذِنَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ فَلَا يَخْرُجُ وَعِنْدَ كَوْنِ أَبَوَيْهِ كَافِرَيْنِ تَرَدُّدٌ فِي كَوْنِ الْمَنْعِ هَلْ لِغَيْرَةِ أَهْلِ دِينِهِ أَوْ لِشَفَقَتِهِ فَيَتَحَرَّى فَيَعْمَلُ بِمَا يَتَرَجَّحُ، وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنْ احْتَاجَا إلَى خِدْمَتِهِ فَلَا وَإِلَّا فَنَعَمْ لِحَدِيثِ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَنْظُرُ إلَى وَالِدِهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ إلَّا كَانَتْ لَهُ بِهَا حَجَّةٌ مَقْبُولَةٌ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ نَظَرَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ قَالَ، وَإِنْ نَظَرَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَاجَا لَكِنْ لَيْسَ فِي الطَّرِيقِ أَمْنٌ فَإِنْ الْغَالِبُ الْخَوْفَ فَلَا، وَإِنْ الْغَالِبُ الْأَمْنَ فَنَعَمْ انْتَهَى مُلَخَّصًا وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَالْبَحْرِ الْعُذْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِكُلِّ حَالٍ وَقِيلَ الْغَالِبُ الْهَلَاكَ عُذِرَ، وَإِنْ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ.

(وَالْمَفَاوِزِ) أَيْ الصَّحْرَاءِ لَا سِيَّمَا الْمَخُوفَةُ بِالْأُسُودِ وَالسِّبَاعِ وَشِدَّةِ الْبَرْدِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ (أَوْ كَانَا مُحْتَاجَيْنِ إلَى النَّفَقَةِ) وَلَمْ يَدَعْ عِنْدَهُمَا مِقْدَارَ الْكِفَايَةِ (أَوْ الْخِدْمَةِ) وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ يَخْدُمُهُمَا غَيْرُهُ فَلَا يَخْرُجُ وَلَوْ لِلتَّعَلُّمِ (وَحُكْمُ أَحَدِهِمَا كَحُكْمِهِمَا) وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ مِثْلُهُمَا عِنْدَ عَدَمِهِمَا، وَفِي قَاضِي خَانْ يَخْرُجُ لِلتَّعَلُّمِ وَلَا يَكُونُ عَاقًّا قِيلَ إنْ مُلْتَحِيًا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ لِلْحَجِّ فَإِنْ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فَنَعَمْ وَإِلَّا فَلَا.

(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الْفِرَارُ مِنْ الطَّاعُونِ وَ) كَذَا (الدُّخُولُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى

ص: 119

أَرْضٍ فِيهَا الطَّاعُونُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي وَظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الشُّمُولُ لِمَنْ فِي الدَّاخِلِ فَيَخْرُجُ فِرَارًا وَلِمَنْ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَدْخُلُ فِرَارًا عَلَى أَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا فُهِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَتَرْجِيحِهِ عَدَمُ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ الْآفَاتِ مُطْلَقًا، وَقَدْ سَمِعْت هُنَالِكَ فِرَارَ أَبِي مُوسَى وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ، وَقَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِرُّوا مِنْ هَذَا الرِّجْزِ، وَفَتْوَى أَبِي السُّعُودِ عَلَى التَّجْوِيزِ بِنِيَّةِ الِالْتِجَاءِ مِنْ قَهْرِهِ تَعَالَى إلَى لُطْفِهِ، وَقَوْلَ الْأَشْبَاهِ مِنْ ضَمَانِ صَبِيٍّ مَغْصُوبٍ مَاتَ فِي مَكَانِ الْوَبَاءِ، وَأَيْضًا قِيَاسُهُ وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ وَأَشَارَ هُوَ إلَى ضَعْفِهِ هُنَالِكَ أَيْضًا فَانْظُرْ، ثُمَّ سَبَبُ الطَّاعُونِ إمَّا بَاطِنٌ أَوْ ظَاهِرٌ فَالْأَوَّلُ كَثْرَةُ الزِّنَا كَمَا فِي حَدِيثِ «لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ» وَسِرُّهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرِ حَدُّ الزِّنَا فِي الْمُحْصَنِ مِنْ الْقَتْلِ بِالرَّجْمِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَائِفَةً مِنْ الْجِنِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقِيلَ لَمَّا كَانَ غَالِبُ حَالِ الزِّنَا عَلَى السِّرِّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّ السِّرِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ وَقَاعِدَةُ الْعَدْلِ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ الْبَلَاءُ يَعُمُّ الْكُلَّ، وَالثَّانِي الْجِنُّ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الطَّاعُونُ وَخْزٌ» أَيْ طَعْنُ «أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ تَعَفُّنُ الْهَوَاءِ وَعِنْدَ بَعْضٍ مَجْمُوعُهُمَا أَيْ طَعْنُ الْجِنِّ وَالتَّعَفُّنُ وَقِيلَ رِيحٌ وَقِيلَ وَقِيلَ، وَعَنْ ابْنِ سِينَا دَمٌ رَدِيءٌ وَوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْجِنِّ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ طَعْنِ الْجِنِّ مُحْدِثًا فِي الطَّبِيعَةِ ذَلِكَ الدَّمَ (خ م عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» فِي الْجَامِعِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ بَقِيَّةُ «رِجْزٍ أَيْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ» هُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ، وَعَنْ الْوَسِيطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ كِبَارِهِمْ، وَعَنْ التَّيْسِيرِ وَدَامَ فِيهِمْ حَتَّى بَلَغُوا سَبْعِينَ أَلْفًا أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أَيْ بِالطَّاعُونِ «بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ» لِأَنَّهُ إلْقَاءُ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ التوربشتي إنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لَنَا التَّوَقِّيَ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي مَدِينَةِ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ قَهْرِهِ تَعَالَى بِثَمُودَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ أَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَلِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْأَصِحَّاءُ ضَاعَتْ الْمَرْضَى مِنْ مُتَعَهِّدِي الْمَوْتَى مِنْ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ.

وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ فِي قَوْلِهِ فَلَا تَدْخُلُوهَا إثْبَاتٌ لِلْحَذَرِ وَنَهْيٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ وَقَوْلُهُ فَلَا تَخْرُجُوا إثْبَاتٌ لِلتَّوَكُّلِ وَتَسْلِيمٌ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ انْتَهَى. لَا يَخْفَى أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ فِيهِ سِرَايَةً، ثُمَّ قِيلَ وَأَمَّا الْخُرُوجُ بِلَا فِرَارٍ لِحَاجَةٍ فَجَائِزٌ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَذَابَ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ وَأَنْت فِيهِمْ فَلَا تَهْرُبْ مِنْ بَيْنِهِمْ فَإِنَّ الْعَذَابَ لَا يَدْفَعُهُ الْهَرَبُ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ التَّوْبَةُ وَلْيَظُنَّ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أُولَئِكَ أَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا نَزَلَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِشُؤْمِ ذَنْبِهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ.

(تَنْبِيهٌ) أَقُولُ السِّرُّ الْحَقِيقِيُّ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ الْوُصُولُ إلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْجَامِعِ

ص: 120

«مَنْ مَاتَ فِيهِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ أَقَامَ بِهِ كَانَ كَالْمُرَابِطِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ فَرَّ مِنْهُ كَانَ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَفِيهِ «الطَّاعُونُ وَالْغَرَقُ وَالْبَطْنُ وَالْحَرْقُ وَالنُّفَسَاءُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي» ، وَفِيهِ «الطَّاعُونُ غُدَّةٌ كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ الْمُقِيمُ بِهِ كَالشَّهِيدِ وَالْفَارُّ مِنْهُ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّحْفِ» ، وَفِيهِ «وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ «وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ» فَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا أَيْ طَالِبًا الثَّوَابَ عَلَى صَبْرِهِ عَلَى خَوْفِ الطَّاعُونِ وَشِدَّتِهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ فَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِهِ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ، وَإِنْ لَمْ يُحَصِّلْ دَرَجَةَ الشَّهَادَةِ نَفْسَهَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ اتَّصَفَ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ مَاتَ بِالطَّاعُونِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِ الثَّوَابِ بِتَعَدُّدِ الْأَسْبَابِ كَمَنْ يَمُوتُ غَرِيبًا أَوْ نُفَسَاءَ بِالطَّاعُونِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَكُونُ شَهِيدًا بِوُقُوعِ الطَّاعُونِ بِهِ وَيُضَافُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ بِصَبْرِهِ وَدَرَجَاتُ الشُّهَدَاءِ مُتَفَاوِتَةٌ فَأَرْفَعُهَا مَنْ اتَّصَفَ بِمَا ذُكِرَ وَمَاتَ مِنْ الطَّاعُونِ وَدُونُهُ مَنْ اتَّصَفَ وَطُعِنَ وَلَمْ يَمُتْ وَدُونُهُ مَنْ اتَّصَفَ، ثُمَّ لَمْ يُطْعَنْ وَلَمْ يَمُتْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِذَلِكَ لَا يَكُونُ شَهِيدًا، وَإِنْ مَاتَ مِنْ الطَّاعُونِ وَذَلِكَ يَنْشَأُ مِنْ شُؤْمِ الِاعْتِرَاضِ النَّاشِئِ عَنْ الضَّجَرِ وَالسُّخْطِ كَذَا فِي الْفَيْضِ، وَفِي الْجَامِعِ «فَنَاءُ أُمَّتِي بِالطَّعْنِ وَالطَّاعُونِ قَالُوا قَدْ عَرَفْنَا الطَّعْنَ فَمَا الطَّاعُونُ؟ قَالَ وَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ، وَفِي كُلٍّ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ «وَمَنْ صَبَرَ فِيهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ» أَقُولُ وَلِنَيْلِ أُمَّتِهِ لِمِثْلِ هَذَا الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَالشَّهَادَةِ دَعَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّتِهِ اسْتِشْفَاقًا بِهِمْ وَمَحَبَّةً لَهُمْ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ أَيْ بِالرُّمْحِ. وَالطَّاعُونُ وَخْزُ أَعْدَائِهِمْ مِنْ الْجِنِّ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَرَادَ الْمُصْطَفَى أَنْ يُحَصِّلَ لِأُمَّتِهِ أَرْفَعَ أَنْوَاعِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَيْدِي أَعْدَائِهِمْ إمَّا مِنْ الْإِنْس أَوْ مِنْ الْجِنِّ قَالَ الرَّاغِبُ نَبَّهَ بِالطَّعْنِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْكُبْرَى وَهِيَ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِالطَّاعُونِ عَلَى الشَّهَادَةِ الصُّغْرَى وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي خَبَرٍ آخَرَ بِقَوْلِهِ «الطَّاعُونُ رَحْمَةُ رَبِّكُمْ وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ قِيلَ شَهِيدٌ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ مُصِرًّا عَلَيْهَا» ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةُ وَمَكَّةُ لَا يَدْخُلُهُمَا الدَّجَّالُ وَالطَّاعُونُ قُلْتُ لَعَلَّ لَهُمْ شَرَفًا مِنْ جِهَاتٍ أُخَرَ فَيَكُونُ الطَّاعُونُ فِي غَيْرِهِمَا بَدَلَ شَرَفِهِمَا، فَإِنْ قِيلَ كَثِيرًا مَا يَمُوتُ الْخَلْقُ مِنْ غَيْرِ الطَّاعُونِ قُلْنَا أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْأَكْثَرُ وَالْأَصْلَحُ أَوْ يَجُوزُ كَوْنُهُمْ مِنْ الطَّاعُونِ لَكِنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ (وَبَعْضُهُمْ حَمَلَ هَذَا النَّهْيَ عَلَى صِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ) يَعْنِي أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ عَلَى النَّاسِ بِأَنْ يَظُنُّوا أَنَّ هَلَاكَ الْقَادِمِ إنَّمَا حَصَلَ بِقُدُومِهِ وَسَلَامَةَ الْفَارِّ إنَّمَا كَانَتْ لِفِرَارِهِ (فَيَجُوزُ الدُّخُولُ وَالْفِرَارُ لِمَنْ عَلِمَ عَدَمَ تَغَيُّرِ اعْتِقَادِهِ) فَعِلَّةُ النَّهْيِ الصِّيَانَةُ الْمَذْكُورَةُ فَإِذَا فُقِدَتْ يَجُوزُ الْفِرَارُ وَالدُّخُولُ لَا يَخْفَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ وَإِنْ انْتَفَتْ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ لَكِنْ لَا تَنْتَفِي فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَالْمَقْصُودُ صِيَانَةُ اعْتِقَادِ الْجَمِيعِ فَالْمُلَازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، وَقَدْ سَمِعْت غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّ الْعِلَّةَ كَثِيرًا مَا تَكُونُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجِنْسِ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَإِنَّ هَذَا إمَّا تَخْصِيصٌ عَامٌّ أَوْ تَقْيِيدٌ مُطْلَقٌ فَلَا يَجُوزُ بِالرَّأْيِ عَلَى أَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ بِدُونِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ (وَيَرُدُّهُ) أَيْ هَذَا الْحَمْلَ (أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه) حِينَ سَافَرَ لِأَجْلِ فَتْحِ الْقُدْسِ وَقَرُبَ مِنْ الشَّامِ وَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ رَسُولًا وَقَالَ إنَّ فِي الشَّامِ طَاعُونًا فَالْأَمْرُ إلَيْك فَتَفَرَّقُوا فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]- وَفِرْقَةٌ عَلَى الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} [البقرة: 243] الْآيَةَ فَاخْتَارَ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ فَقِيلَ أَتَفِرُّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ فَقَالَ فِرَارِي مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ إلَى قَضَاءِ اللَّهِ، ثُمَّ تَشَاوَرَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَرَأَ «إذَا سَمِعْتُمْ بِالْوَبَاءِ بِأَرْضٍ» الْحَدِيثَ فَفَرِحَ وَحَمِدَ اللَّهَ لِمُوَافَقَتِهِ اجْتِهَادَهُ (لَمْ يَدْخُلْ الشَّامَ بَعْدَ الْمَشُورَةِ) مَعَ الْأَصْحَابِ (فَرَجَعَ) إلَى الْمَدِينَةِ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ تَجْوِيزُ جَانِبِ الْفِرَارِ وَإِبْقَاؤُهُ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ فِي مَعْرِضِ

ص: 121

الْبَيَانِ يُشْعِرُ بِالْحَصْرِ وَأَنَّ مَفْهُومَ الْمُخَالَفَةِ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُصَنَّفَاتِ بَلْ فِيهِ بَيَانُ الضَّرُورَةِ أَيْضًا وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ، وَإِنْ مُلَائِمًا لِمَا اخْتَارَهُ عَنْ التوربشتي سَابِقًا مِنْ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ يُنَافِي غَرَضَهُ فِي الْمَقَامِ مِنْ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ وَلَا يُلَائِمُ تَعْرِيفَهُ بِقَوْلِهِ (فَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ) وَأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِفِعْلِ عُمَرَ بَعْدَ النُّصُوصِ السَّابِقَةِ كَالرَّأْيِ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِمَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ سِيَّمَا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ مِمَّا يَقْبَلُ الْكَلَامَ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ سُكُوتَهُمْ عِنْدَ رَأْيِ جَانِبِ الرُّجُوعِ حَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ خَبَرٌ وَاحِدٌ كَانَ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ وَبِمَا قَرَّرْنَا فِي الْمَقَامِ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ رُجُوعِ عُمَرَ لِصِيَانَةِ اعْتِقَادِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْعَوَامّ، يُؤَيِّدُهُ مَشُورَتُهُ مَعَ الْأَصْحَابِ فَتَأَمَّلْ فِيهِ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُرَجِّحُ عُمَرُ جَانِبَ الرُّجُوعِ، وَقَدْ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ} [البقرة: 243]- الْآيَةَ وَدَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ الْفِرَارِ مِنْ الطَّاعُونِ عَلَى طَرِيقِ النَّصِّ لِسَوْقِهَا لَهُ وَآيَةُ عَدَمِ إلْقَاءِ التَّهْلُكَةِ لَوْ سَلِمَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى طَرِيقِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى وَقَعَ فِي دِيَارِهِمْ طَاعُونٌ فَخَرَجُوا هَارِبِينَ فَأَمَاتَهُمْ اللَّهُ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَتَيَقَّنُوا أَنْ لَا مَفَرَّ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ قُرِّرَ أَنَّ النَّصَّ رَاجِحٌ عَلَى الظَّاهِرِ قُلْنَا ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ فِي حَقِّ الْخُرُوجِ وَاخْتِيَارُ عُمَرَ فِي حَقِّ عَدَمِ الدُّخُولِ فَافْتَرَقَا، وَأَمَّا قِيَاسُ هَذَا عَلَى ذَلِكَ فَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَفِيهِ رَائِحَةُ الْإِجْمَاعِ كَمَا عَرَفْت وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْإِلْقَاءِ فِي التَّهْلُكَةِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ كَوْنِ التَّهْلُكَةِ قَطْعِيًّا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ ظَنِّيٌّ أَوْ وَهْمِيٌّ وَلِذَا تَرَى الْكَثِيرَ عِنْدَ وُرُودِهِمْ فِي مَحَلِّ الطَّاعُونِ لَا يَمُوتُونَ بَلْ لَا يُطْعَنُونَ وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّاعُونَ لَيْسَ بِسَارٍ طَبْعًا وَسَارٍ بِإِذْنِهِ تَعَالَى فَلِلْأَوَّلِ مَنْعٌ عَنْ الْخُرُوجِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الْمَطْعُونِينَ كَمَا مَرَّ وَلِلثَّانِي مَنْعُ الدُّخُولِ، وَقَدْ انْضَمَّ لَهُ حِفْظُ الِاعْتِقَادِ فَصَارَ كَالْعَمَلِ بِالشَّبَهَيْنِ وَأَنَّ السِّرَايَةَ بِالْإِذْنِ لَيْسَتْ بِقَطْعِيَّةٍ بَلْ بِالْإِمْكَانِ وَالْوُقُوعِ فِي الْقِلَّةِ وَلَا حُكْمَ فِي النُّدْرَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ مِثْلِ أَبِي مُوسَى بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْفِرَارِ مِنْ الدُّخُولِ تَوْفِيقًا لِلْحَدِيثِ، وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي السُّعُودِ إنْ أَمْكَنَ تَوْفِيقُهُ بِمَا ذُكِرَ وَإِلَّا فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ لَكِنْ يَبْقَى مَسْأَلَةُ غَصْبِ الصَّبِيِّ لِلْأَشْيَاءِ.

ص: 122

وَقَدْ يُقَالُ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْخُرُوجِ طِبًّا إنَّ الطَّاعُونَ هَوَاءٌ فَإِصَابَتُهُ لَيْسَتْ لِظَاهِرٍ بَلْ لِبَاطِنٍ كَالْقَلْبِ وَالرِّئَةِ وَالْكَبِدِ فَظُهُورُهُ فِي الظَّاهِرِ يَعْنِي الْبَدَنَ كَثِيرٌ أَمَّا بَعْدَ زَمَانٍ مَدِيدٍ فَلَا يُفِيدُ الْخُرُوجَ نَعَمْ يُحْتَمَلُ كَوْنُ إصَابَتِهِ عِنْدَ بَقَائِهِ بِلَا خُرُوجٍ لَكِنْ وَهْمِيٌّ، وَمَعَ هَذَا يَنْضَمُّ إلَى الْخُرُوجِ تَعْطِيلُ أَحْوَالِ الْمَطْعُونِينَ بَلْ تَحْقِيقُ إهْلَاكِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ بَقَاءِ أَحَدٍ مِنْ الْأَصِحَّاءِ وَخَلَاصُهُمْ مُنْتَظَرٌ، وَفِي مَنْعِ الدُّخُولِ أَيْضًا أَنَّ الْهَوَاءَ لَمْ يُؤَثِّرْ بِبَاطِنِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْبَلَدِ حَاجَةٌ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يُمْنَعُ بَلْ يُنْدَبُ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الضَّرَرِ الْمَوْهُومِ لِتَخَلُّصِ الضَّرَرِ الْمَقْطُوعِ عَنْ الْمَطْعُونِينَ.

(فَائِدَةٌ)

فِي الْأَشْبَاهِ أَنَّ الطَّاعُونَ مِنْ النَّوَازِلِ الشَّدِيدَةِ، وَفِي فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ الْقُنُوتَ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَفِي الطَّحَاوِيِّ وَلَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ عِنْدَنَا مِنْ غَيْرِ بَلِيَّةٍ إلَى آخِرِهِ وَأَيْضًا الطَّاعُونُ مِنْ عُمُومِ الْمَرَضِ، وَفِيهِ يُصَلُّوا وُحْدَانًا كَمَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي فَتُسَنُّ لَهُ رَكْعَتَانِ فُرَادَى كَالْخُسُوفِ وَيَتَضَرَّعُ كُلُّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ كَمَا فِي الرِّيحِ الشَّدِيدِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ وَالثُّلُوجِ وَالْأَمْطَارِ الدَّائِمَةِ وَالْخَوْفِ الْغَالِبِ مِنْ الْعَدُوِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجْتَمِعُونَ كَالْخُسُوفِ وَيُصَلُّونَ وَيَدْعُونَ، ثُمَّ قَالَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْزَعَ إلَى الصَّلَاةِ عِنْدَ كُلِّ حَادِثَةٍ انْتَهَى إجْمَالًا.

أَقُولُ: لَا يَخْفَى إنْ كَانَ ذَلِكَ بِدُعَاءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَهَادَةً وَرَحْمَةً وَمَغْفِرَةً لِمَنْ مَاتَ مِنْهُ فَكَيْفَ يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ؟ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟ وَكَيْفَ يَدْخُلُ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ؟ وَلَوْ سَلِمَ شُمُولُهَا فَيَجِبُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِهِ بِدْعَةٌ حَتَّى قِيلَ لِمُعَاذٍ اُدْعُ اللَّهَ يَرْفَعْ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ فَقَالَ لَيْسَ بِرِجْزٍ وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ وَشَهَادَةٌ يَخْتَصُّ اللَّهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُمْ اللَّهُمَّ آتِ آلَ مُعَاذٍ نَصِيبَهُمْ الْأَوْفَرَ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ.

قِيلَ وَمَا وَقَعَ عَنْ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ لِلْوَبَاءِ فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ؛ لِأَنَّ الْوَبَاءَ أَعَمُّ مِنْ الطَّاعُونِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ هُنَا أَقُولُ لَعَلَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَغْرَاضِ فَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِرَفْعِهِ لِلْخَوَاصِّ كَالْمُتَوَكِّلِينَ الْكَامِلِينَ وَيَجُوزُ لِلْعَوَامِّ كَمَا رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَحْسَنُ مَا يُدَاوَى بِهِ الطَّاعُونُ التَّسْبِيحُ، وَعَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ بِرَفْعِهِ لَا مُطْلَقًا بَلْ مِنْ هَذَا الْعَاجِلِ مَثَلًا إذْ قَدْ سَمِعْت أَنَّ طُولَ عُمْرِ الْمُؤْمِنِ لَا يُعَادِلُهُ عَمَلٌ كَيْفَ، وَقَدْ سَمِعْت دُعَاءَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فَنَاءَ أُمَّتِي قَتْلًا فِي سَبِيلِك بِالطَّعْنِ أَيْ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ وَالطَّاعُونِ الْجِنِّ» فَكَمَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ لِلْجِهَادِ فَلْيَجُزْ لِلْجِنِّ وَإِنَّ الدُّعَاءَ لِرَفْعِ مَا يُوجِبُ الشَّهَادَةَ كَالْبَطْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالشِّفَاءِ لِلنُّفَسَاءِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا فَلْيَجُزْ لِلطَّاعُونِ وَأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَحَدٌ الدَّوَاءَ وَالْمُعَالَجَةَ فِي الطَّاعُونِ فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فَلْيَجُزْ ذَاكَ فَلْيُتَأَمَّلْ بِدِقَّةٍ وَلْيُتَّبَعْ بِجَهْدٍ فَإِنَّ الْمَقَامَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ الْآنَ.

(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الْمَشْيُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِلَا إذْنِهِ) إذْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ أَحَدٍ بِلَا إذْنِهِ حَتَّى لَا تَجُوزَ إجَابَةُ دَعْوَةِ مَنْ سَكَنَ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ، وَكَذَا عِيَادَتُهُ (دَارًا أَوْ بُسْتَانًا أَوْ كَرْمًا أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً أَوْ مَكْرُوبَةً) فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ لِلزِّحَامِ فَيَمْشِي فِي الزَّرْعِ لَكِنْ يَتَّقِي وَطْءَ الزَّرْعِ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ، وَكَذَا مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ كَمَا فِي الْأُسْرُوشَنِيِّ (وَإِنْ) كَانَ (أَرْضًا جُرُزًا) وَهِيَ الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا وَانْقَطَعَ مَاؤُهَا وَالْمُرَادُ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ (بِلَا حَائِطٍ) أَيْ جِدَارٍ وَحَرِيمٍ (وَلَا خَنْدَقٍ) مُحِيطٍ لِلْأَرْضِ لِمَنْعِ كُلِّ دَاخِلٍ حَيَوَانًا أَوْ آدَمِيًّا (وَكَانَ الْمُرُورُ لِحَاجَةٍ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يُرْجَى الْجَوَازُ) ، وَفِي قَوْلِهِ لِحَاجَةٍ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الدُّخُولِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّهُ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ بِقَدْرِهَا وَلِذَا جَازَ دُخُولُ بَيْتِ غَيْرِهِ إذَا سَقَطَ مَتَاعُهُ فِيهِ وَخَافَ صَاحِبُهُ أَنَّهُ لَوْ طَلَبَهُ مِنْهُ لَأَخْفَاهُ (لِوُجُودِ الْإِذْنِ دَلَالَةً وَعَادَةً) قَيَّدَ بِعَدَمِ الْخَنْدَقِ وَالْحَائِطِ لِمَا نُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ عَدَمِ حِلِّ الْمُرُورِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا النُّزُولُ فِيهَا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الْمُرُورِ عِنْدَ كَوْنِ الْمَنْعِ مَعْلُومًا صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ

ص: 123

وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ لِلْأَرْضِ أَوْ انْحَصَرَ الطَّرِيقُ بِهَا (وَيَدْخُلُ فِيهِ الدُّخُولُ إلَى ضِيَافَةٍ بِلَا دَعْوَةٍ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ دُخُولَ دَارِ غَيْرِهِ بِلَا إذْنِهِ مَعَ زِيَادَةِ أَكْلِ طَعَامِهِ بِلَا إذْنِهِ فَفِيهِ ضَرَرَانِ (وَفِيهِ حَدِيثٌ سَيَجِيءُ وَيُسْتَثْنَى) مِنْهُ (الدُّخُولُ) إلَى مِلْكِ الْغَيْرِ (لِخَوْفِ ضَيَاعِ مَالِهِ كَمَا إذَا أَخَذَ رَجُلٌ ثَوْبَهُ) مِنْ حَانُوتِهِ مَثَلًا (فَدَخَلَ دَارِهِ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ صَاحِبُهُ أَيْضًا لِيَأْخُذَهُ، وَكَذَا إذَا وَقَعَ أَلْفُ دِرْهَمٍ مِنْ مَالِهِ فِي دَارِ رَجُلٍ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَهَبِّ الرِّيحِ (وَخَافَ أَنْ لَوْ عَلِمَ صَاحِبُ الدَّارِ مَنَعَهُ) مِنْ دُخُولِهِ وَأَخْذِهِ بَلْ يَسْتُرُهُ وَيُنْكِرُهُ (لَهُ أَنْ يَدْخُلَ) دَارِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ لَكِنْ يُعْلِمُ) مِنْ الْإِعْلَامِ (الصُّلَحَاءَ) مِنْ النَّاسِ (أَنَّهُ يَدْخُلُ دَارِهِ لِهَذَا) لِأَجْلِ أَخْذِ مَا وَقَعَ مِنْ مَالِهِ لِدَفْعِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْعَ صَاحِبِ الدَّارِ بِأَنْ يَعْلَمَ إخْرَاجَهُ أَوْ يَأْذَنَ بِالدُّخُولِ لِأَخْذِهِ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُهُ لَعَلَّ فِي التَّعْبِيرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إشَارَةً إلَى اشْتِرَاطِ الْكَثْرَةِ فَفِي الْمَالِ الْقَلِيلِ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَدْخُلَ لَكِنْ ظَاهِرُهُ مَا نُقِلَ عَنْ الْأَشْبَاهِ آنِفًا هُوَ الْإِطْلَاقُ.

(وَالْمَشْيُ عَلَى الْمَقَابِرِ) بِلَا ضَرُورَةٍ وَإِلَّا فَفِي التَّتَارْخَانِيَّة مَنْ لَهُ بُقْعَةٌ بَيْنَ الْمَقَابِرِ وَلَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِلَا وَطْءِ الْمَقَابِرِ لَهُ أَنْ يَتَخَطَّى الْمَقَابِرَ، وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا مَرَّ بِقَبْرٍ وَقَرَأَ شَيْئًا بِنِيَّةِ مَنْ يَمُرُّ عَلَيْهِ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ بَعْضٌ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّكَاثُرِ، وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة إذَا كَانَ قَبْرُ وَالِدَيْهِ بَيْنَ الْقُبُورِ فَأَرَادَ زِيَارَتَهُمَا فَيَزُورُ بِغَيْرِ وَطْءِ قَبْرٍ، وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ وَالِدِهِ بَعْدَ سُؤَالِهِ عَنْهُ إنَّ وَطْءَ الْقُبُورِ إثْمٌ، ثُمَّ الْقُعُودُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْمَشْيِ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ بَعْضٍ «لَأَنْ أَجْلِسَ عَلَى الْجَمْرِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى الْقَبْرِ» أَقُولُ هَذَا مَضْمُونُ حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ الْمُرَادُ بِالْجُلُوسِ مَا يَكُونُ لِلتَّخَلِّي وَالْحَدِيثِ، ثُمَّ قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ» النَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ إنَّمَا كُرِهَ الْجُلُوسُ عَلَى الْقُبُورِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِخْفَافِ الْمَيِّتِ وَلَمْ يَكْرَهْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِمَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ وَعَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ يَضْطَجِعُ عَلَيْهَا وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الْجُلُوسِ لِلْبَوْلِ لَكِنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ رَاجِحٌ عَلَى غَيْرِهِ فَافْهَمْ.

(وَاتِّبَاعُ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ وَزِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ " ت " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَعَنَ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ» ، وَعَنْ ابْنِ الْمَلِكِ أَنَّ فِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى النُّدْرَةِ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي اللَّعْنِ وَاسْتَثْنَى زِيَارَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِيلَ زِيَارَةُ الصَّحَابَةِ وَالصُّلَحَاءِ أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ الْمَلِكِ أَيْضًا عَنْ بَعْضٍ أَنَّ النَّهْيَ قَبْلَ الرُّخْصَةِ فَبَعْدَهَا دَخَلَ فِي الرُّخْصَةِ النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ، وَعَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» وَرَدَّ الْعِرَاقِيُّ بِأَنَّ الْإِنَاثَ لَيْسَتْ بِدَاخِلَةٍ فِي خِطَابِ الذُّكُورِ فِي الْأُصُولِ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَكِنْ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ الْأَصَحُّ عَلَى الدُّخُولِ إمَّا تَغْلِيبًا أَوْ إلْحَاقًا أَوْ تَبَعًا، لَكِنْ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ الْمَلِكِ مِنْ فَهْمِ تَجْوِيزِ كَوْنِ الزِّيَارَةِ عَلَى النُّدْرَةِ مِنْ حَدِيثِ الْجَامِعِ «لَعَنَ اللَّهُ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ» بِلَا مُبَالَغَةٍ وَقِيلَ إنْ حُمِلَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى تَجْدِيدِ حُزْنٍ وَبُكَاءٍ فَحَرَامٌ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - يَا رَسُولَ كَيْفَ أَقُولُ إذَا زُرْت الْقُبُورَ؟ قَالَ قُولِي السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَرَحِمَ اللَّهُ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَّا وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» كَذَا فِي الْفَيْضِ أَيْضًا لَكِنَّ أَمْرَهُ لِعَائِشَةَ لَا أَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ فَالِاحْتِجَاجُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي.

قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا» فَإِنَّهَا تُرْفِقُ الْقَلْبَ وَتُدْمِعُ الْعَيْنَ وَتُذَكِّرُ الْآخِرَةَ وَلَا تَقُولُوا هَجْرًا، خِطَابٌ

ص: 124

لِلرِّجَالِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْإِنَاثُ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا فَلَا يُنْدَبُ لَكِنْ يَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ انْتَهَى قَوْلُهُ. عَلَى الْمُخْتَارِ يُشِيرُ إلَى دُخُولِهِنَّ فِي غَيْرِ الْمُخْتَارِ وَقَوْلُهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يُشِيرُ إلَى الدُّخُولِ أَيْضًا عِنْدَ غَيْرِهِمْ كَأَصْحَابِنَا الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا مَرَّ قَرِيبًا، وَقَدْ قَالَ هُوَ أَيْضًا عَقِيبَ مَا ذُكِرَ عَنْ بَعْضٍ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حِلِّ زِيَارَةِ الْقُبُورِ هَبْ الزَّائِرَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَالْمَزُورَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِالْجَوَازِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ انْتَهَى أَقُولُ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - آنِفًا وَلِقَوْلِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا وَابْنِ الْمَلِكِ أَيْضًا وَلِقَوْلِ مَنْ احْتَجَّ بِالْمُبَالَغَةِ عَلَى جَوَازِ النُّدْرَةِ فَحَاصِلُ الْمَجْمُوعِ جَوَازُ زِيَارَتِهِنَّ نُدْرَةً إنْ خَلَا عَنْ نَحْوِ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَالنَّوْحِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي كَرَاهَةِ التَّتَارْخَانِيَّة فِي بَعْضِ تَأْوِيلِ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الزِّيَارَةُ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي هَذَا الْبَابِ مَنْسُوخٌ نَسَخَهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْت نَهَيْتُكُمْ الْحَدِيثَ، وَلَكِنَّ التَّرْكَ أَوْلَى انْتَهَى ثُمَّ أَقُولُ فَعَلَى هَذَا الِاحْتِجَاجُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِمَّا يَقْبَلُ الْكَلَامَ نَعَمْ قَالَ فِي التَّتَارْخَانِيَّة فِي الْجَنَائِزِ سُئِلَ الْقَاضِي عَنْ جَوَازِ ذَهَابِ النِّسَاءِ إلَى الْمَقَابِرِ فَقَالَ لَا يُسْأَلُ عَنْ الْجَوَازِ وَالْفَسَادِ فِي مِثْلِ هَذَا وَإِنَّمَا يُسْأَلُ عَنْ مِقْدَارِ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ اللَّعْنِ فِيهِ.

وَاعْلَمْ بِأَنَّهَا كُلَّمَا قَصَدَتْ الْخُرُوجَ كَانَتْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَإِذَا خَرَجَتْ تَحُفُّهَا الشَّيَاطِينُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَإِذَا أَتَتْ الْقُبُورَ لَعَنَتْهَا رُوحُ الْمَيِّتِ وَإِذَا رَجَعَتْ كَانَتْ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى.

أَقُولُ وَلَا يَبْعُدُ التَّوْفِيقُ فِي تِلْكَ الْأَقْوَالِ أَنَّ الْمَنْعَ عَلَى مَنْ أَصَرَّتْ أَوْ نَاحَتْ أَوْ بَكَتْ أَوْ نَحْوَهَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ وَإِلَّا جَازَتْ عَلَى مَنْ كَانَتْ زِيَارَتُهَا عَلَى نُدْرَةٍ وَخَالِيَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُ هَذَا الْمَطْلَبِ بِقَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَعَلَى الْإِجْمَالِ مَنْ قَالَ إنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ؛ لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الِاتِّفَاقِ وَالْعَزِيمَةَ فِي التَّوَقِّي عَنْ الشُّبُهَاتِ وَأَدْنَى دَرَجَةِ الِاخْتِلَافِ إيرَاثُ الشُّبْهَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ «وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمُرَامِ.

(وَلَوْ وَجَدَ طَرِيقًا فِي الْمَقْبَرَةِ إنْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ) بِالْعَلَائِمِ وَالْأَمَارَاتِ، وَأَمَّا عِنْدَ إخْبَارِ مَنْ وَثِقَ بِهِ وَلَوْ وَاحِدًا عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً فَبِالْأَوْلَى (أَنَّهُمْ أَحْدَثُوهُ فِيهِ لَا يَمْشِي) لِأَنَّ الْقَبْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الطَّرِيقِ (وَالْقُعُودُ عَلَى الْقَبْرِ كَالْمَشْيِ) كَمَا سَمِعْت قَوْلَ الْخُلَاصَةِ وَالْحَدِيثَ آنِفًا، وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَلَا يَقْعُدُ عَلَى الْقَبْرِ؛ لِأَنَّ سَقْفَهُ حَقُّ الْمَيِّتِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ إهَانَةٌ لِلْآدَمِيِّ الْمُكَرَّمِ، وَإِنْ فِي الْقَبْرِ طَرِيقٌ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهُ حَدَثٌ لَا يَمْشِي فِيهِ وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَدِيمِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْقَبْرِ وَلَوْ أَجْلَسَ عَلَى قَبْرِ أَخِيهِ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ أَخَذَ الْمَشَايِخُ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَقَطْعُ الْحَشِيشِ الرَّطْبِ مِنْ الْمَقَابِرِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ وَيَنْدَفِعُ بِهِ الْعَذَابُ عَنْ الْمَيِّتِ أَوْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ الْمَيِّتُ وَعَلَى هَذَا لَا يُكْرَهُ مِنْ مَقَابِرِ الْكُفَّارِ وَقَطْعُ الْيَابِسِ لَا يُكْرَهُ وَبِهِ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ انْتَهَى أَقُولُ فَبِالْأَوْلَى قَطْعُ الْأَشْجَارِ الرَّطْبَةِ، وَأَمَّا رَعْيُ الدَّوَابِّ فِي الْقُبُورِ فَعَلَى قَاعِدَةِ التَّسَبُّبِ بِالسَّوْقِ أَوْ الْقُعُودِ فَكَذَا لِإِضَافَةِ أَفْعَالِهَا عَلَى مُسَبِّبِهَا كَمَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ.

(وَدُخُولُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْمَسْجِدَ) وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ بِخِلَافِ الْمُحْدِثِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَفِي شَهِيدِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إشَارَةٌ إلَيْهِ وَالْمَسَاجِدُ عَلَى قَوَارِعِ الطَّرِيقِ وَعِنْدَ الْحِيَاضِ مَسْجِدٌ لَكِنْ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، وَأَمَّا مَا بُنِيَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِصَلَاةِ الْعِيدِ فَالْأَصَحُّ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَعَنْ أَبِي اللَّيْثِ فِيمَا بُنِيَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ وَالْمَسْجِدُ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَيْتِ لِصَلَاةِ النَّوَافِلِ، وَإِنْ نَدْبًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْمَبْنِيُّ عَلَى سُورِ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ بِمَسْجِدٍ لِكَوْنِهِ حَقَّ الْعَامَّةِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ لِلْمُرُورِ بِغَيْرِ عُذْرٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ وَيُكْرَهُ مَسْحُ الرِّجْلِ مِنْ الطِّينِ بِأُسْطُوَانَةِ الْمَسْجِدِ أَوْ حَائِطِهِ، الْكُلُّ مِنْ الْخُلَاصَةِ وَمِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ فِي حَقِّ الْمَسَاجِدِ أَيْضًا إدْخَالُ الْمَيِّتِ فِيهَا وَإِدْخَالُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ حَيْثُ غَلَبَ تَنْجِيسُهُمْ حَرَامٌ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ وَيُكْرَهُ أَيْضًا الدُّخُولُ لِلصِّنَاعَةِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ بِأَجْرٍ وَتَعْلِيمِ صِبْيَانٍ بِأَجْرٍ وَدُخُولِ مَنْ أَكَلَ

ص: 125

ذَا رِيحٍ كَرِيهٍ.

(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (مَدُّ الرِّجْلِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَالْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرِيعَةِ فِي النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ إذَا كَانَا) أَيْ الْمُصْحَفُ وَكُتُبُ الشَّرِيعَةِ (فِي حِذَائِهَا دُونَ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَوْ الْفَوْقِ) فِي التَّتَارْخَانِيَّة سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ فِي مَدِّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ حَالَةَ النَّوْمِ فِي بَيْتِهِ هَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا فَقَالَ لَا، وَعَنْ الْبَزْدَوِيِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا إلَى الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ (وَوَضْعُهَا) أَيْ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّهُ مُؤَنَّثٌ سَمَاعِيٌّ (عَلَيْهِمَا) عَلَى الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الشَّرِيعَةِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَتَوَسُّدُ الْكِتَابِ وَالْجُلُوسُ عَلَى جُوَالِقٍ فِيهِ مُصْحَفٌ إنْ لِلْحِفْظِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ (وَعَلَى الْخُبْزِ) الْمُكَرَّمِ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام «أَكْرِمُوا الْخُبْزَ» .

(وَضَرْبُ أَحَدٍ) مِنْ ذِي رُوحٍ (بِهَا) أَيْ بِالرِّجْلِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ (حَيَوَانًا) فَفِي الضَّمِيرِ تَأْوِيلٌ كَالِاسْتِخْدَامِ أَوْ يُطْلَقُ الْأَحَدُ عَلَى الْحَيَوَانِ (بِغَيْرِ ذَنْبٍ وَحَقٍّ) ، فَإِنْ بِذَنْبٍ آدَمِيًّا مُكَلَّفًا فَتَضْرِبُهُ عَلَى قَدْرِ ذَنْبِهِ إنْ حَالَ مُبَاشَرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَإِلَّا فَيُحِيلُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ عَلَى قَاعِدَةِ نَهْيِ الْمُنْكَرِ، وَإِنْ حَيَوَانًا فَيَضْرِبُهُ عَلَى قَدْرِ تَأْدِيبِهِ بِلَا مُبَالَغَةٍ (وَنِفَارُهُ) أَيْ فِرَارُهُ (ذَنْبٌ) فَيُضْرَبُ بِرِجْلِهِ كَمَا بِغَيْرِهَا (لِإِعْثَارِهِ) أَيْ زَلَّةٍ وَسُقُوطٍ (وَيَجْتَنِبُ كُلَّ الْجَهْدِ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ يَنُوبُ عَنْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَكُلٍّ مُضَافًا إلَيْهِ نَحْوُ - {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} [النساء: 129]- يَعْنِي يَجْتَهِدُ اجْتِهَادًا كَامِلًا وَيَحْتَرِزُ احْتِرَازًا مُبَالَغًا.

(مِنْ حَقِّ الْحَيَوَانِ) لِانْسِدَادِ طُرُقِ التَّحْلِيلِ وَالْإِرْضَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَالُوا الْعَذَابُ فِيهِ مُتَعَيِّنٌ) وَأَمْكَنَ عَفْوُهُ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ لَكِنْ حُكْمُ شَرِيعَتِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْعَفْوِ وَلِذَا حَكَمُوا بِتَعَيُّنِ الْعَذَابِ وَفِي قَاضِي خَانْ وَمِنْ هَذَا قَالُوا إنَّ خُصُومَةَ الدَّابَّةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْآدَمِيِّ عَلَى الْآدَمِيِّ انْتَهَى. فَيَلْزَمُ الِاهْتِمَامُ فَلَا يُقْتَلُ وَلَا يُضْرَبُ بِلَا عُذْرٍ وَمَعَ الْعُذْرِ لَا يُضْرَبُ وَجْهُهُ فَلَا يُحْمَلُ وَلَا يُرْكَبُ فَوْقَ طَاقَتِهِ وَلَا يُتْرَكُ عَلَفُهُ وَشُرْبُهُ وَلَا يُرْدَفُ بِلَا طَاقَتِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَقْتَصُّ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ لِظَاهِرِ حَدِيثِ «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا» .

قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ إجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ عَقْلٌ وَلَا شَرْعٌ قَالُوا وَلَيْسَ شَرْطُ الْحَشْرِ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ لِلْجَلْحَاءِ فَلَيْسَ مِنْ قِصَاصِ التَّكْلِيفِ بَلْ قِصَاصُ مُقَابَلَةٍ انْتَهَى. فَانْظُرْ إذَا اقْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي حُقُوقِ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضٍ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ فِيهِ فَكَيْفَ يُهْمِلُ فِي حُقُوقِ الْحَيَوَانِ الَّذِي هُوَ إنْسَانٌ مَعَ كَوْنِهِ مُكَلَّفًا (وَكَذَا الذِّمِّيُّ) ، وَكَذَا الْمُسْتَأْمَنُ بَلْ الْحَرْبِيُّ عِنْدَ الصُّلْحِ (إنْ لَمْ يَسْتَحِلَّ) فَيَحِلُّ (فِي الدُّنْيَا) وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الِاسْتِحْلَالِ لَيْسَ بِمُفِيدٍ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ عَلَى مَعْنَى أَصْلِ الْفِعْلِ أَيْ إنْ لَمْ يَحِلَّ الذِّمِّيُّ فِي التَّتَارْخَانِيَّة. عَلَاقَةُ الْكَافِرِ أَشَدُّ مِنْ عَلَاقَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ أَنْ يُعْطَى ثَوَابَ الْمُسْلِمِ وَلَا وَجْهَ أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَبَالُ كُفْرِهِ فَيُعَاقَبُ عُقُوبَتَهُ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَا نُقِلَ عَنْ قَاضِي خَانْ آنِفًا وَنُقِلَ عَنْ الْحَاشِيَةِ هُنَا اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَحَدُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ: الْإِعْطَاءُ مِنْ حَسَنَاتِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ إنْ وُجِدَتْ وَإِلَّا أَوْ لَمْ تَفِ فَيُحْمَلُ إثْمُ مَنْ لَهُ الْحَقُّ عَلَيْهِ وَإِدْخَالُهُ فِي النَّارِ بَدَلَهُ أَوْ إعْطَاءُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَفَضُّلًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِمَا لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا الْجَنَّةَ فَلَا فَائِدَةَ لَهُمَا فِي إعْطَاءِ الْحَسَنَاتِ وَالدَّرَجَاتِ، وَعَدَمُ إمْكَانِ تَحَمُّلِ إثْمِهِمَا لِعَدَمِ الْإِثْمِ فِي الْحَيَوَانِ وَاقْتِضَاءِ إثْمِ الْكُفْرِ التَّأْبِيدَ فِي النَّارِ وَالْمُؤْمِنُ لَا يَتَأَبَّدُ فِيهَا وَلَيْسَ لِلْكَافِرِ سِوَى كُفْرِهِ

ص: 126

إثْمٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ زِيدَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالْفُرُوعِ.

أَقُولُ إنْ كَانَ الْمَقَامُ مَقَامَ الرِّوَايَةِ فَلَا مَجَالَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَإِنْ سُوِّغَ جَانِبُ الدِّرَايَةِ فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ عَذَابِ الْكَافِرِ بِتَحَمُّلِ قُوَّةِ بَعْضِ وِزْرِهِ إلَى الْمُسْلِمِ مَثَلًا وَلَا شَكَّ فِي تَفَاوُتِ عَذَابِ الْكُفَّارِ بَلْ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ تَعْذِيبِ الْمُسْلِمِ لِحَقِّهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْحَيَوَانِ مَرَاعِيَ عَلَى وَفْقِ اقْتِضَاءِ طَبِيعَتِهِ وَيَجْعَلَهَا فِي مُقَابَلَةِ حَقِّهِ وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ قُوَّةِ الرِّضَا عَنْهُ بِمُقَابَلَتِهَا وَبِمَا ذُكِرَ يَنْدَفِعُ مَا يَرِدُ أَنَّ الشَّهَادَةَ مَانِعَةٌ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَحُقُوقِ الْكَافِرِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَكَيْفَ حَالُ مَنْ جُمِعَ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (إتْلَافُ مَالٍ بِهَا) الظَّاهِرُ وَلَوْ مَالَ نَفْسِهِ لِلسَّرَفِ (وَإِتْيَانُ الظَّلَمَةِ) لِأَنَّ الظُّلْمَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَفْصَحِهَا شَنَاعَةً وَهُوَ سَبَبٌ لِخَرَابِ الْعَالَمِ وَهَلَاكِ الْعِبَادِ وَالْمُلْكُ يَبْقَى مَعَ الْكُفْرِ وَلَا يَبْقَى مَعَ الظُّلْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ إتْيَانَ الظَّلَمَةِ مَيْلٌ لَهُمْ وَهُوَ حَرَامٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى - {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [هود: 113]- الْآيَةَ قِيلَ لَفْظُ ظَالِمٍ فِي الْقُرْآنِ هُوَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ وَقَوْلُهُ - {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]- قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ لَا تَمِيلُوا أَدْنَى الْمَيْلِ كَالتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ وَتَعْظِيمِ ذِكْرِهِمْ فَمَا ظَنُّك بِالْإِتْيَانِ إلَيْهِمْ وَالصُّحْبَةِ مَعَهُمْ وَالْأُلْفَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ بِهِمْ (وَأُمَرَاءِ زَمَانِنَا) ، وَعَنْ سُفْيَانَ فِي جَهَنَّمَ وَادٍ لَا يَسْكُنُهُ إلَّا الْقُرَّاءُ الزَّائِرُونَ الْمُلُوكَ قِيلَ مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ كَمَا فِي تَبْيِينِ الْمَحَارِمِ عَنْ عُيُونِ التَّفَاسِيرِ وَفِيهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَبْغَضُ الْقُرَّاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الْأُمَرَاءَ» ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «خَيْرُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْعُلَمَاءَ وَشَرُّ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَأْتُونَ الْأُمَرَاءَ» .

«الْعُلَمَاءُ أَمُنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ فَاحْذَرُوهُمْ وَاعْتَزِلُوهُمْ» رَوَاهُ أَنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ حُذَيْفَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إيَّاكُمْ وَمُوَافَقَةَ الْفِتَنِ قِيلَ وَمَا هِيَ قَالَ أَبْوَابُ الْأُمَرَاءِ يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَى الْأَمِيرِ فَيُصَدِّقُهُ بِالْكَذِبِ وَيَقُولُ مَا لَيْسَ فِيهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا مِنْ شَيْءٍ أَبْغَضُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ عَالِمٍ يَزُورُ عَامِلًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ الرَّجُلَ لَيَدْخُلُ عَلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ دِينُهُ وَيَخْرُجُ وَلَا دِينَ لَهُ. قِيلَ لَهُ لِمَ؟ قَالَ لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ الْفُضَيْلُ مَا ازْدَادَ رَجُلٌ مِنْ ذَوِي سُلْطَانٍ قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ بُعْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا رَأَيْتُمْ عَالِمًا يَخْتَلِفُ إلَى الْأُمَرَاءِ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لِصٌّ، وَقَالَ مَكْحُولٌ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، ثُمَّ أَتَى بَابَ السُّلْطَانِ تَمَلُّقًا إلَيْهِ وَطَمَعًا بِمَا فِي يَدِهِ خَاضَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ بِعَدَدِ خُطَاهُ.

وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ دُخُولُك إلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوك إلَى ثَلَاثٍ: إيثَارُك رِضَاهُمْ وَتَعْظِيمُك دُنْيَاهُمْ وَتَزْكِيَتُك عَمَلَهُمْ، فَإِنْ فَعَلْت هَؤُلَاءِ فَقَدْ هَلَكَتْ مِنْ الْإِحْيَاءِ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الدَّاخِلَ عَلَى الْأُمَرَاءِ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى إمَّا بِفِعْلِهِ أَوْ سُكُوتِهِ أَوْ بِقَوْلِهِ أَوْ بِاعْتِقَادِهِ، وَقَدْ فُصِّلَ وَوَقَعَ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سُلْطَانٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ وَجَاءَ خَلْوَتَهُ وَدَخَلَ الْخَلَاءَ، وَفِي يَدِهِ شَمْعٌ فَارْتَفَعَ عَنْهُ شَرَارَةُ نَارٍ فَأَحْرَقَتْ لِحْيَتَهُ وَوَجْهَهُ فَخَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ مُسْرِعًا وَهُوَ يُنَادِي - {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]-.

(وَقُضَاتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ " مج " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَرْفُوعًا أَنَّ «أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَقُولُونَ نَأْتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ»

ص: 127

بَعْضَ دُنْيَاهُمْ «وَنَعْتَزِلُهُمْ» بِقُلُوبِنَا «بُغْضًا» لِمَا فِيهِمْ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ «وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ» أَيْ مُتَمَنَّاهُمْ يَعْنِي يَقُولُونَ نَأْتِي الْأُمَرَاءَ لَأَنْ نَأْخُذَ مِنْ دُنْيَاهُمْ قَدْرَ مَا يَدْفَعُ ضَرُورَتَنَا فِي مَعَاشِنَا وَلَا نُخَالِطُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ بَلْ نَعْتَزِلُهُمْ وَنَتْرُكُهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْزَارِ فَأَخْبَرَ عليه الصلاة والسلام أَنَّ مُتَمَنَّاهُمْ أَمْرٌ مُتَعَذِّرٌ، ثُمَّ أَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ «كَمَا لَا يُجْتَنَى» فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ وَالْأَخْذِ «مِنْ الْقَتَادِ» وَفُسِّرَ بِالشَّجَرِ الْمُسَمَّى بِأُمِّ غَيْلَانَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْمِثْلِ هَذَا أَصْعَبُ مِنْ خَرْطِ الْقَتَادِ «إلَّا الشَّوْكَ كَذَلِكَ» أَيْ كَعَدَمِ جَنْيِ غَيْرِ الشَّوْكِ مِنْ الْقَتَادِ «لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إلَّا» كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّيَّادِ يَعْنِي) يُرِيدُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُسْتَثْنَى الْمَحْذُوفِ «الْخَطَايَا» وَكَانَ فِي حَذْفِهِ التَّهْوِيلُ أَوْ التَّعْمِيمُ حَاصِلُهُ فَلَا يُجْتَنَى مِنْ مُجَالَسَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ خَيْرٌ دِينِيٌّ لِغَلَبَةِ مَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ فَالْبُعْدُ عَنْهُمْ سَعْدٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ ابْنُ الصِّيَاحِ بَدَلَ الصَّيَّادِ لَعَلَّهُ هُوَ الْأَنْسَبُ وَقَعَ فِي مَجْمُوعَةِ الشَّيْخِ الْوَالِدِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِغُفْرَانِهِ بِخَطِّهِ كَانَ الْبَيْضَاوِيُّ رحمه الله تَعَالَى مِنْ مَحَلَّةٍ بِشِيرَازَ مُسَمَّاةٍ بِالْبَيْضَاءِ، وَلَمَّا أَجَادَ فِي الْأَدَبِيَّةِ وَاسْتَفَادَ وَأَفَادَ فِي الْعَرَبِيَّةِ ارْتَحَلَ إلَى تَبْرِيزَ لِيُنَصَّبَ مَنْصِبَ الْقُضَاةِ فَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ مُلَازَمَتِهِ اسْتَشْفَعَ مِنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الكحجاني فَقَالَ عِنْدَ إتْيَانِ السُّلْطَانِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَادَتِهِ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَالِمٌ فَاضِلٌ مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ وَفَقِيرٌ حَقِيرٌ يُرِيدُ الِاشْتِرَاكَ مَعَ الْأَمِيرِ فِي السَّعِيرِ يَعْنِي يَطْلُبُ مِنْكُمْ مِقْدَارَ سَجَّادَةٍ فِي النَّارِ وَهُوَ مَجْلِسُ الْحُكْمِ قَالَ السُّلْطَانُ عَلَى رَأْسِي وَأَمَرَ الْكُتَّابَ فَكَتَبُوهُ وَسَلَّمُوهُ قَضَاءَ فَارِسَ وَالْعِرَاقِ فَلَمَّا ذَهَبَ مِنْ عِنْدِ السُّلْطَانِ تَأَثَّرَ وَبَكَى غَايَةَ الْبُكَاءِ بِتَأْثِيرِ كَلَامِ الْعَارِفِ وَتَرَكَ الْمَنَاصِبَ الْفَانِيَةَ وَاخْتَارَ الْمَنَاصِبَ الْعَالِيَةَ الْبَاقِيَةَ وَلَازَمَ الْخِدْمَةَ وَالْخَلْوَةَ وَالرِّيَاضَةَ التَّامَّةَ حَتَّى ذَاقَ مِنْ كَأْسِ الْعِشْقِ الْإِلَهِيِّ وَسَكِرَ مِنْ شُرْبِ الْوِصَالِ الْحَقِيقِيِّ وَصَنَّفَ تَفْسِيرَهُ بِإِشَارَةِ شَيْخِهِ وَمَاتَ خَلِيفَةً فِي سَجَّادَتِهِ وَدُفِنَ عِنْدَ قَدَمِ شَيْخِهِ (حَدّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَرْفُوعًا «مَنْ بَدَا» أَيْ سَكَنَ فِي الْبَادِيَةِ «جَفَا» صَارَ جَافِيًا قَاسِيَ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَاتِ وَمَجْلِسَ الْعُلَمَاءِ وَصُحْبَةَ الصُّلَحَاءِ «وَمَنْ تَبِعَ الصَّيْدَ» بِاعْتِيَادِهِ لَا سِيَّمَا لِلَّهْوِ «غَفَلَ» عَمَّا يَهُمُّهُ فِي أَمْرِ الدِّينِ بَلْ الدُّنْيَا «وَمَنْ أَتَى أَبْوَابَ السُّلْطَانِ» بِلَا ضَرُورَةٍ «اُفْتُتِنَ» يَقَعُ فِي الْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاخِلَ عَلَيْهِمْ إمَّا أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى تَجَمُّلِهِمْ فَيَزْدَرِي نِعْمَةَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُهْمِلَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ مَعَ وُجُوبِهِ فَيَلْزَمَ عَلَيْهِ مَا يَلْزَمُ أَوْ يُنْكِرَ فَيَضِيقُ صُدُورُهُمْ بِإِظْهَارِ ظُلْمِهِمْ وَتَقْبِيحِ فِعْلِهِمْ، وَإِمَّا أَنْ يَطْمَعَ فِي دُنْيَاهُمْ وَذَلِكَ هُوَ السُّحْتُ «وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنْ السُّلْطَانِ قُرْبًا إلَّا ازْدَادَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بُعْدًا» فَعَلَى قَدْرِ قُرْبِ السُّلْطَانِ قَدْرُ بُعْدِ الْغُفْرَانِ لِعَدَمِ الْخَلَيَانِ عَنْ الْمَحْظُورَاتِ وَالطُّغْيَانِ (ت س عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «أُعِيذُك يَا كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ مِنْ أُمَرَاءَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي فَمَنْ غَشِيَ» أَيْ جَاءَ وَذَهَبَ «أَبْوَابَهُمْ فَصَدَّقَهُمْ فِي كَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» وَلَوْ بِعَدَمِ الْإِنْكَارِ الْمَقْدُورِ وَالتَّحْسِينِ «فَلَيْسَ مِنِّي»

ص: 128

مِنْ عَامِلِ شَرِيعَتِي وَالْمَهْدِيِّ بِهِدَايَتِي «وَلَسْت مِنْهُ وَلَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ» بِدُونِ تَطَهُّرٍ مِنْهُ إمَّا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِحْلَالِ فِي الدُّنْيَا أَوْ بِالْإِحْرَاقِ فِي الْعُقْبَى إذْ عَفْوُهُ تَعَالَى أَمْرٌ احْتِمَالِيٌّ «وَمَنْ غَشِيَ أَبْوَابَهُمْ أَوْ لَمْ يَغْشَ» أَيْ أَبْوَابَهُمْ «فَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ فِي كَذِبِهِمْ» يَشْمَلُ الْمَدْحَ بِغَيْرِ الْوَاقِعِ «وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ» بَلْ عَلَى دَفْعِ ظُلْمِهِمْ «فَهُوَ مِنِّي» مِنْ جَمَاعَتِي وَمِنْ النَّائِلِينَ لِشَفَاعَتِي «وَأَنَا» رَاضٍ «مِنْهُ وَسَيَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ» فَيَسْتَبْشِرُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْإِيمَانِ إذْ لَا يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ إلَّا الْمُؤْمِنُ (وَيُكْرَهُ الدُّخُولُ) تَنْزِيهًا (فِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ كَالْمَسْجِدِ وَالدَّارِ) لِشَرَفِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَحْوِ الْخَلَاءِ (بِالرِّجْلِ الْيُسْرَى وَ) فِي (الْمَوَاضِعِ الْخَسِيسَةِ كَالْخَلَاءِ وَالْحَمَّامِ بِ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى وَالسُّنَّةُ عَكْسُ هَذَا) أَيْ السُّنَّةُ فِي الْمَوَاضِعِ الْخَسِيسَةِ بِالرِّجْلِ الْيُسْرَى، وَفِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى (وَالْخُرُوجُ عَكْسُ الدُّخُولِ) فَيَخْرُجُ مِنْ الشَّرِيفَةِ بِتَقْدِيمِ الْيُسْرَى، وَفِي الْخَسِيسَةِ بِتَقْدِيمِ الْيُمْنَى (وَلُبْسُ النَّعْلِ وَالْخُفِّ وَإِخْرَاجُهُمَا عَلَى هَذَا) الْأُسْلُوبِ (فَالرِّجْلُ كَالْيَدِ) فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ (، وَقَدْ ذَكَرْنَا) حُكْمَهَا فِي آفَاتِ الْيَدِ فَتَذَكَّرَ.

(وَ) مِنْ آفَاتِ الرِّجْلِ (الدُّخُولُ عَلَى الْأَهْلِ بَغْتَةً عِنْدَ الْقُدُومِ مِنْ السَّفَرِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَأَمَّا الْقُدُومُ عَلَيْهَا مِنْ أَقَلِّ مُدَّتِهِ فَيَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ (خ م عَنْ «جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ إذَا جِئْت مِنْ سَفَرٍ» الظَّاهِرُ السَّفَرُ الشَّرْعِيُّ وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِتَعْلِيلِهِ وَمَنْ قَالَ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا كَمَا تُؤْذِنُ بِهِ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقٍ إلَخْ فَقَدْ سَهَا سَهْوَيْنِ ( «فَلَا تَدْخُلْ عَلَى أَهْلِك حَتَّى تَسْتَحِدَّ» أَيْ تَحْلِقَ الْعَانَةَ ( «الْمُغَيَّبَةُ» بِضَمِّ الْمِيمِ الْمَرْأَةُ الَّتِي غَابَ زَوْجُهَا «وَتَمْتَشِطَ» أَيْ تَسْتَعْمِلَ الْمُشْطَ بِشَعْرِ رَأْسِهَا ( «الشَّعِثَةُ» الْمُتَفَرِّقَةُ الشَّعْرَ ( «وَعَلَيْك بِالْكَيْسِ» بِفَتْحٍ وَسُكُونٍ طَلَبُ الْوَلَدِ بِالْجِمَاعِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْكَيْسُ الْجِمَاعُ (وَفِي رِوَايَةٍ «إذَا أَطَالَ أَحَدُكُمْ الْغِيبَةَ فَلَا يَطْرُقَنَّ» أَيْ لَا يَأْتِيَنَّ «أَهْلَهُ لَيْلًا» بَلْ اللَّائِقُ أَنْ يَجِيءَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ نَهَارًا لِيَبْلُغَ خَبَرُ مَجِيئِهِ إلَى زَوْجَاتِهِ فَتَجْعَلْنَ عَلَى أَنْفُسِهِنَّ نَظَافَةً كَيْ لَا تَنْفِرَ طِبَاعُ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْهُنَّ بِتَرْكِ التَّنْظِيفِ.

(وَ) يُكْرَهُ (تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يَرَ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى فُرْجَةً) وَأَمَّا إذَا رَأَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ؛ لِأَنَّهُمْ لِعَدَمِ سَدِّهِمْ الْفُرْجَةَ الْمَأْمُورَ بِسَدِّهَا سَقَطَتْ حُرْمَتُهُمْ وَلِإِحْرَازِ فَضْلِ تِلْكَ الصُّفُوفِ وَلِزَجْرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تَرْكِ سُنَّةِ الصَّفِّ وَقِيلَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا» ، وَفِي أَكْمَلِ الْمَشَارِقِ وَالْحَقُّ أَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ هُوَ مَا يَلِي الْإِمَامَ سَوَاءٌ جَاءَ صَاحِبُهُ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا وَسَوَاءٌ تَخَلَّلَهُ مَقْصُورَةٌ وَنَحْوُهَا أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ ذَهَبَ لِفَسَادِ صَلَاتِهِ

ص: 129

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُعَدَّلِ الْمُصَنِّفِ (ت مج عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ» مَنْ تَجَاوَزَ رِقَابَهُمْ «يَوْمَ الْجُمُعَةِ» مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لِكَثْرَتِهِ عَادَةً فِيهَا فَلَا يَحِلُّ الْقَرِيبُ مِنْهُ بَلْ يُقَالُ يُفْهَمُ السَّائِرُ بِالْمُقَايَسَةِ بَلْ بِالدَّلَالَةِ «اتَّخَذَ» بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ «جِسْرًا إلَى جَهَنَّمَ» اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ جِسْرًا يَمُرُّ عَلَيْهِ إلَى جَهَنَّمَ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَبِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ يُجْعَلُ جِسْرًا يَمُرُّ عَلَيْهِ مَنْ يُسَاقُ إلَى جَهَنَّمَ جَزَاءً لِكُلٍّ بِمِثْلِ عَمَلِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُجْعَلُ جِسْرًا عَلَى طَرِيقِ جَهَنَّمَ لِيُوطَأَ وَيُتَخَطَّى كَمَا تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَعَنْ الطِّيبِيِّ قَوْلُهُ إلَى جَهَنَّمِ صِفَةُ جِسْرًا أَيْ جِسْرًا مُمْتَدًّا إلَى جَهَنَّمَ وَالتَّخَطِّي حَرَامٌ تَارَةً وَمَكْرُوهٌ أُخْرَى وَتَفْصِيلُهُ فِي الْفِقْهِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ فِيهِ رُشْدُ بْنُ أَبِي سَعْدٍ ضَعَّفُوهُ كَمَا فِي الْفَيْضِ، وَعَنْ النِّصَابِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ النَّارِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ وَلَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتْرُكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَلَأَنْ أَتْرُكَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ.

(وَأَمَّا الْمَعَاصِي الْعَدَمِيَّةُ) مِنْ الرِّجْلِ (فَالْقُعُودُ عَنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَاتِ وَالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ) سِيَّمَا وَقْتُ انْحِصَارِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَ) عَنْ (الْحَجِّ وَالْجِهَادِ الْفَرْضَيْنِ) يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ مَا يَكُونُ وَاجِبًا كَالْأَوَّلَيْنِ (وَ) عَنْ (الدَّعْوَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مُنْكَرٌ فَإِنَّ الْإِجَابَةَ وَاجِبَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ، سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ " خ م " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ» أَيْ وَلِيمَةُ الْعُرْسِ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَةُ. سَمَّاهُ شَرًّا عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ فِيهَا فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ الْأَغْنِيَاءَ وَيَدَعُونَ الْفُقَرَاءَ كَمَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ «يُدْعَى إلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ» تَفَاخُرًا بِهِمْ أَوْ نَيْلًا لِمَا عِنْدَهُمْ «وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ» ، وَفِي الْجَامِعِ يَمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا وَيُدْعَى إلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا «وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» .

قَالَ الْمُنَاوِيُّ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَمَنْ تَأَوَّلَهُ بِتَرْكِ النَّدْبِ فَقَدْ أَبْعَدَ وَظَاهِرُ الْخَبَرِ أَنَّ الْإِجَابَةَ إلَى الْوَلِيمَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْأَغْنِيَاءِ وَاجِبَةٌ وَحَاصِلُ مَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَوْلِ الطِّيبِيِّ الْإِجَابَةُ وَاجِبَةٌ إلَّا إذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا إذَا خَصُّوا الْجِوَارَ أَوْ لِاجْتِمَاعِ حِرْفَةٍ وَالْحَاصِلُ فَمَا جَعَلُوا لِلرِّيَاءِ فَلَا يُجِيبُ وَمَا لِلتَّوَاصُلِ وَالتَّحَابُبِ فَيُجِيبُ، وَلَا وُجُوبَ فِي غَيْرِ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ مُطْلَقًا انْتَهَى.

(م د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ» وَظَاهِرُ إطْلَاقِ الْأَمْرِ الْإِيجَابُ لَكِنْ مَا ذُكِرَ آنِفًا يَقْتَضِي النَّدْبَ وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ يَحْتَمِلُهُمَا (وَفِي رِوَايَةِ م «إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ إلَى كُرَاعِ» يَدِ الشَّاةِ «فَأَجِيبُوا» قِيلَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ لِحَدِيثِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ بَعِيدًا يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ فَلَا بَأْسَ بِالتَّخَلُّفِ

ص: 130

عَنْ الْإِجَابَة كَمَا فِي الْمَبَارِقِ (خ م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ» أَيْ الْحُقُوقُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ مُلَاءَمَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وُجُوبُ عَيْنٍ أَوْ كِفَايَةٍ أَوْ نَدْبٍ «رَدُّ السَّلَامِ» وَاجِبٌ عَيْنًا إنْ وَاحِدًا، أَوْ كِفَايَةً إنْ جَمَاعَةً قِيلَ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مَعْنَاهُ الْأَمَانُ فَإِذَا ابْتَدَأَ بِهِ أَخَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ تَوَهَّمَ مِنْهُ الشَّرَّ فَوَجَبَ دَفْعُ ذَلِكَ التَّوَهُّمِ بِالرَّدِّ «وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ» الْمُسْلِمِ فَوَاجِبَةٌ عَيْنًا حَيْثُ لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ وَإِلَّا فَكِفَايَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ «وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ» فَرْضُ كِفَايَةٍ كَرَدِّ السَّلَامِ «وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ» إنْ وَلِيمَةَ عُرْسٍ وَجَبَتْ أَوْ لِغَيْرِهَا أَوْ لِنَحْوِ إعَانَةٍ نُدِبَتْ كَمَا عَرَفْت آنِفًا وَلَكِنَّ صَنِيعَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُطْلَقَ الْإِجَابَةِ لِمُطْلَقِ الدَّعْوَةِ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهَذِهِ هِيَ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ «وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» أَيْ الدُّعَاءُ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْبَرَكَةِ إذَا حَمِدَ.

قَالَ الطِّيبِيُّ يَجُوزُ عَطْفُ السُّنَّةِ عَلَى الْوَاجِبِ إنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَذَا فِي الْفَيْضِ لَعَلَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الِاقْتِرَانِ فِي النَّظْمِ الِاقْتِرَانَ فِي الْحُكْمِ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يُحْتَاجُ عِنْدَنَا.

قَالَ الْبَغَوِيّ وَهَذِهِ كُلُّهَا يَسْتَوِي فِيهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ

(تَنْبِيهٌ) : قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَيْك بِرِعَايَةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِهَا بِالْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَقُلْ هَذَا ذُو سُلْطَانٍ وَجَاهٍ وَمَالٍ وَهَذَا فَقِيرٌ وَحَقِيرٌ وَلَا تُحَقِّرْ صَغِيرًا وَاجْعَلْ الْإِسْلَامَ كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ وَالْمُسْلِمِينَ كَالْأَعْضَاءِ لِذَلِكَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا وُجُودَ لَهُ بِدُونِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِالْأَعْضَاءِ وَجَمِيعِ قُوَاهُ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ.

(تَتِمَّةٌ)

قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ إذَا رَاعَيْت حَقَّ الْمُسْلِمِ لِلَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤْتِيك أَجْرَك مَرَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ مَا أَدَّيْت مِنْ حَقِّهِ وَمِنْ حَيْثُ مَا أَدَّيْت حَقَّ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْك حَقُّهُ مِنْ خَلْقِهِ (د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - مَرْفُوعًا «مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ» مِنْ أَهْلِهِ «دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا» مِنْ الْإِغَارَةِ مِنْ الْمُقْتَدَى بِهِ أَوَّلًا، وَفِي الْجَامِعِ عَلَى تَخْرِيجِ مُسْلِمٍ بِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَيْضًا «مَنْ دُعِيَ إلَى عُرْسٍ أَوْ نَحْوِهِ كَخِتَانٍ وَعَقِيقَةٍ فَلْيُجِبْ» قَالَ شَارِحُهُ وُجُوبًا فِي الْعُرْسِ وَنَدْبًا فِي غَيْرِهِ وَوُجُوبًا مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ الصَّحْبِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ فَقَالَ رَجُلٌ اعْفِنِي فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنَّهُ لَا عَافِيَةَ لَك مِنْ هَذَا فَقُمْ.

وَجَزَمَ بِاخْتِصَاصِ الْوُجُوبِ بِوَلِيمَةِ النِّكَاحِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَجُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ وَبَالَغَ السَّرَخْسِيُّ مِنْهُمْ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ وَفِي الْجَامِعِ أَيْضًا عَلَى تَخْرِيجِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ عَدَمَ السَّلَامِ احْتِقَارٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وَعَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْجَرَائِمِ وَالذُّنُوبِ الْعَظَائِمِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ بِلَا تَقْصِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ وَبَذْلِ الْجَهْدِ لَكِنْ لَا يُشِيرُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشَارَ وَلَا يَتَبَرَّعْ بِالرَّأْيِ فَيَكُونَ رَأْيُهُ مُتَّهَمًا أَوْ مَطْرُوحًا، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وُجُوبًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضُ عَيْنٍ، «وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ» وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا، «وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ» ، وَإِنْ صَحِبْته إلَى الدَّفْنِ كَانَ أَوْلَى.

(تَنْبِيهٌ)

مَفْهُومُ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا قَبْلَهُ لَا يَنْفِي الزَّائِدَ فَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ حُقُوقًا أُخْرَى مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ بِسَنَدِهِ إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا كَمَا فِي رَوْضِ الْأَفْكَارِ لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا لَا بَرَاءَةَ لَهُ مِنْهَا إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْعَفْوِ: يَغْفِرُ زَلَّتَهُ، وَيَرْحَمُ عَبْرَتَهُ، وَيَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، وَيُقِيلُ عَثْرَتَهُ، وَيَقْبَلُ مَعْذِرَتَهُ، وَيَرُدُّ غَيْبَتَهُ، وَيُدِيمُ نَصِيحَتَهُ، وَيَحْفَظُ خُلَّتَهُ، وَيَرْعَى ذِمَّتَهُ، وَيُجَدِّدُ مَوَدَّتَهُ، وَيَشْهَدُ مَيِّتَهُ، وَيُجِيبُ دَعْوَتَهُ، وَيَقْبَلُ هَدِيَّتَهُ، وَيُكَافِئُ صِلَتَهُ، وَيَشْكُرُ نِعْمَتَهُ، وَيُحْسِنُ نُصْرَتَهُ، وَيَحْفَظُ حَلِيلَتَهُ، وَيَقْضِي حَاجَتَهُ، وَيَشْفَعُ مَسْأَلَتَهُ، وَيُطَيِّبُ كَلَامَهُ، وَيُسَيِّرُ أَنْعَامَهُ، وَيُصَدِّقُ أَقْسَامَهُ، وَيَنْصُرُهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، وَيُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَيُحِبُّ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مِنْ الشَّرِّ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ انْتَهَى.

(وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ثَمَّةَ) مَوْضِعَ الْوَلِيمَةِ (لَعِبًا أَوْ غِنَاءً) غَيْرَ مَشْرُوعٍ (أَوْ نَحْوَهُمَا مِنْ الْمُنْكَرَاتِ لَا يَجُوزُ الذَّهَابُ مُطْلَقًا) مُقْتَدًى بِهِ أَوْ لَا، عَلَى الْمَائِدَةِ أَوْ لَا، مَرْئِيًّا أَوْ لَا

ص: 131

(وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجَدَ ثَمَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ وَكَانَ مُقْتَدًى بِهِ يَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ وَلَا يَقْعُدَ مُطْلَقًا أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقْتَدِيًا بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَائِدَةِ أَوْ عَلَى مَرْأًى مِنْهُ لَا يَقْعُدُ وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ بِالْقُعُودِ وَالْأَكْلِ) ، وَقَدْ فُصِّلَ قَبْلُ.

(وَإِنْ كَانَ الدَّاعِي فَاسِقًا مُعْلِنًا يَجُوزُ أَنْ لَا يُجِيبَهُ) وَبِالْجُمْلَةِ إذَا كَانَ الدَّاعِي فَاسِقًا مُعْلِنًا أَوْ أَهْلَ رِبًا أَوْ أُمَرَاءَ زَمَانِنَا أَوْ قُضَاتِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مُنْكَرٌ تَسْقُطُ سُنِّيَّةُ الْإِجَابَةِ بَلْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ (ثُمَّ الْإِجَابَةُ تَتَحَقَّقُ بِالدُّخُولِ وَالْقُعُودِ فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَأْكُلَ لَوْ كَانَ غَيْرَ صَائِمٍ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ) وَلَوْ كَانَ صَائِمًا، فَإِنْ نَفْلًا وَكَانَتْ قَبْلَ الظُّهْرِ فَالْأَفْضَلُ الْأَكْلُ وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْ الْمِنَحِ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ وَالصَّحِيحُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الطَّعَامِ رَاضِيًا بِمُجَرَّدِ الْحُضُورِ بِلَا أَكْلٍ وَلَا يَتَأَذَّى لَا يُفْطِرُ، وَعَنْ الْحَلْوَانِيِّ وَأَحْسَنُ مَا فِي الْبَابِ إنْ وَثِقَ بِالضِّيَافَةِ يُفْطِرُ دَفْعًا لِلْأَذَى عَنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَعَنْ الْبَزَّازِيَّةِ وَيُبَاحُ الْفِطْرُ بِعُذْرِ الضِّيَافَةِ وَإِدْخَالُ السُّرُورِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَجِبْ أَخَاك وَاقْضِ يَوْمًا مَكَانَهُ» ، وَعَنْ النَّظْمِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُفْطِرَ وَلَا يَقُولَ أَنَا صَائِمٌ لِئَلَّا يَقِفَ عَلَى سِرِّهِ أَحَدٌ، وَفِي الدُّرَرِ وَالضِّيَافَةُ عُذْرٌ يَعْنِي عَلَى الْأَظْهَرِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُذْرٍ وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الْمُضِيفَ وَالضَّيْفَ.

(وَالْقُعُودُ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ) عِنْدَ شُرُوطِهِمَا (وَ) عَنْ (إعَانَةِ الْمَظْلُومِ وَالسَّعْيِ فِي حَاجَةِ الْعَاجِزِ) لَعَلَّك سَمِعْت قَبْلُ أَنَّ الْحَسَنَ أَمَرَ ثَابِتًا بِالْمَشْيِ فِي حَاجَةٍ فَقَالَ أَنَا مُعْتَكِفٌ فَقَالَ يَا أَعْمَشُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَشْيَك فِي حَاجَةِ أَخِيك خَيْرٌ لَك مِنْ حِجَّةٍ بَعْدَ حِجَّةٍ وَأُخِذَ مِنْهُ وَمِمَّا قَبْلَهُ أَنْ يَتَأَكَّدَ لِلشَّيْخِ السَّعْيُ فِي مَصَالِحِ طَلَبَتِهِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ بِجَاهِهِ وَمَالِهِ عِنْدَ قُدْرَتِهِ كَذَا فِي الْفَيْضِ عِنْدَ حَدِيثِ «مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ» (وَعَنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ، وَإِنْقَاذِ إنْسَانٍ) مِنْ كَافِرٍ أَوْ ظَالِمٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ مَهْلَكَةٍ مِنْ نَحْوِ مَاءٍ أَوْ نَارٍ أَوْ رِيحٍ (أَوْ مَالٍ بِصَدَدِ الْهَلَاكِ بِالسُّقُوطِ أَوْ الْغَرَقِ أَوْ الْحَرْقِ أَوْ نَحْوِهَا لِلْقَادِرِ) قَيْدٌ لِلْجَمِيعِ (مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ مُتَعَيِّنٍ) صِفَةٌ لِلْقَادِرِ وَالتَّعَيُّنُ يَحْصُلُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ (إمَّا لِعَدَمِ غَيْرِهِ أَوْ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ) أَيْ التَّغَيُّرِ (أَوْ لِإِهْمَالِهِ) مَعَ الْقُدْرَةِ (وَعَدَمِ مُبَالَاتِهِ لِدِينِهِ) فَإِنَّ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ عَنْهُ بِوُجُودِهِمْ (وَأَمَّا الْمَشْيُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْعِيَادَةِ وَالزِّيَارَةِ وَالتَّهْنِئَةِ وَالتَّعْزِيَةِ فَمِنْ السُّنَنِ الْمُسْتَحَبَّةِ) فَإِنَّ وُجُوبَ صِلَةِ الرَّحِمِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الْمَشْيِ كَالسَّلَامِ وَالْمَكْتُوبِ وَالْهَدِيَّةِ (وَمِنْهَا قُعُودُ الْأَجِيرِ عَنْ خِدْمَةِ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمَمْلُوكِ عَنْ خِدْمَةِ الْمَالِكِ وَالزَّوْجَةِ

ص: 132