المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الصنف الأول فيما ورد عن النبي في أمر الطهارة من الأخبار والآثار] - بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية - جـ ٤

[محمد الخادمي]

فهرس الكتاب

- ‌[الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ رَدُّ التَّابِعِ كَلَامَ مَتْبُوعِهِ وَمُقَابَلَتُهُ وَمُخَالَفَتُهُ]

- ‌[الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السُّؤَالُ عَنْ حِلِّ شَيْءٍ وَحُرْمَتِهِ وَطَهَارَتِهِ وَنَجَاسَتِهِ لِصَاحِبِهِ وَمَالِكِهِ تَوَرُّعًا]

- ‌[الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ تَنَاجِي الْمُكَالَمَةِ بِالسِّرِّ اثْنَيْنِ عِنْدَ ثَالِثٍ]

- ‌[السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ التَّكَلُّمُ مَعَ الشَّابَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ]

- ‌[السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى الذِّمِّيِّ]

- ‌[الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ يَتَغَوَّطُ أَوْ يَبُولُ]

- ‌[التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ الدَّلَالَةُ بِاللِّسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ لِمَنْ يُرِيدُ الْمَعْصِيَةَ]

- ‌[السِّتُّونَ آخِرُ آفَاتِ اللِّسَانِ الْإِذْنُ وَالْإِجَازَةُ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ وَالْإِبَاحَةُ مِنْ جَانِبِ الشَّرْعِ] [

- ‌الْأَوَّلُ الْمِزَاحُ]

- ‌[الثَّانِي مِنْ السِّتَّةِ الْمَدْحُ]

- ‌[الثَّالِثُ الشِّعْرُ]

- ‌[الرَّابِعُ السَّجْعُ]

- ‌[الْخَامِسُ الْكَلَامُ فِيمَا لَا يَعْنِي]

- ‌[السَّادِسُ آخِرُ الْمَبَاحِثِ فُضُولُ الْكَلَامِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعَادَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا النِّظَامُ لِلْعَالِمِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ الْغَيْرِ الْمُنْقَطِعَةِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ فِيمَا الْأَصْلُ فِيهِ الْإِذْنُ الْإِبَاحَةُ مِنْ الْعِبَادَاتِ]

- ‌[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ اللِّسَانِ مِنْ حَيْثُ السُّكُوتُ كَتَرْكِ تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ]

- ‌[تَرْكُ التَّشَهُّدِ مِنْ آفَاتِ]

- ‌[تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ]

- ‌[تَرْكِ النُّصْحِ]

- ‌[تَرْكِ التَّعْلِيمِ]

- ‌[تَرْكِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْقَاضِي بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى]

- ‌[تَرْكِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ]

- ‌[تَتِمَّةٌ مُبَادَرَةُ الْعَاطِسِ بِالْحَمْدِ]

- ‌[تَرْكُ الِاسْتِئْذَانِ فِي دُخُولِ دَارِ الْغَيْرِ]

- ‌[تَرْكُ الْكَلَامِ مَعَ الْوَالِدَيْنِ]

- ‌[تَرْكُ إنْقَاذِ تَخْلِيصِ الْمَظْلُومِ]

- ‌[تَرْكُ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِثْلِ سُبْحَانَ أَوْ تَبَارَكَ اللَّهُ]

- ‌[تَرْكُ السُّؤَالِ لِلْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّالِثُ فِي آفَاتِ الْأُذُنِ اسْتِمَاعُ كُلِّ مَا لَا يَجُوزُ التَّكَلُّمُ بِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ]

- ‌[إجَابَةِ دَعْوَةٍ فِيهَا مُنْكَرٌ كَالْغِنَاءِ وَاللَّعِبِ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْمَلَاهِي آلَاتِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ بِلَا اضْطِرَارٍ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْغِنَاءِ بِالِاخْتِيَارِ]

- ‌[رَفْعَ الصَّوْتِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالْجِنَازَةِ وَالزَّحْفِ وَالتَّذْكِيرِ]

- ‌[اسْتِمَاعُ الْقُرْآنِ مِمَّنْ يَقْرَأُ بِلَحْنٍ وَخَطَإٍ بِلَا تَجْوِيدٍ]

- ‌[اسْتِمَاعُ حَدِيثِ قَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ]

- ‌[مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ]

- ‌[الصِّنْفُ الرَّابِعُ فِي آفَاتِ الْعَيْنِ]

- ‌[الصِّنْفُ الْخَامِسُ فِي آفَاتِ الْيَدِ]

- ‌[إحْرَاقُ كُلِّ حَيٍّ بِالنَّارِ أَوْ بِالْمَاءِ الْحَارِّ]

- ‌[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ تَصْوِيرُ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ]

- ‌[مِنْ آفَاتِ الْيَدِ إهْلَاكُ الْمَالِ أَوْ نَقْصُهُ]

- ‌[الصِّنْفُ السَّادِسُ فِي آفَاتِ الْبَطْنِ]

- ‌[الْقَهْوَةُ حُكْمُ شُرْبِهَا]

- ‌[بَعْضَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الشِّبَعِ وَكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالتَّنَعُّمِ]

- ‌[الْأَكْلُ عَلَى السُّفْرَةِ]

- ‌[آدَابُ الْأَكْلِ]

- ‌[الصِّنْفُ السَّابِعُ فِي آفَاتِ الْفَرْجِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّامِنُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الرِّجْلِ]

- ‌[الصِّنْفُ التَّاسِعُ مِنْ التِّسْعَةِ فِي آفَاتِ الْبَدَنِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِعُضْوٍ]

- ‌[الْآفَاتِ الْغَيْرِ الْمُخْتَصَّةِ بِعُضْوٍ مُعَيَّنٍ]

- ‌[قَطْعُ الرَّحِمِ]

- ‌[تَشَبُّهُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَبِالْعَكْسِ]

- ‌[مُجَالَسَةُ جَلِيسِ السُّوءِ]

- ‌[فَتْحُ الْفَمِ عِنْدَ التَّثَاؤُبِ وَعَدَمُ دَفْعِهِ]

- ‌[الْقُعُودُ وَسْطَ الْحَلْقَةِ]

- ‌[الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ]

- ‌[حُكْم الْوَشْمُ]

- ‌[تَرْكُ الْوَلِيمَةِ]

- ‌[سَفَرُ الْحُرَّةِ بِلَا زَوْجٍ وَلَا مَحْرَمٍ]

- ‌[تَرْكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا]

- ‌[تَرْكُ الزَّكَاةِ]

- ‌[تَرْكُ الْحَجِّ الْفَرْضِ]

- ‌[الْعِينَةُ]

- ‌[نِسْيَانُ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ]

- ‌[الرِّبَا]

- ‌[الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ]

- ‌[إيقَادُ الشُّمُوعِ فِي الْقُبُورِ]

- ‌[إمْسَاكُ الْمَعَازِفِ]

- ‌[رُكُوبُ الْبَحْرِ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الْغَرَقِ بِلَا ضَرُورَةٍ]

- ‌[قِيَامُ الْقَارِئِ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَعَالِمٍ]

- ‌[الْبَابُ الثَّالِثُ خَاتِمَةُ أَبْوَابِ الْكِتَابِ فِي أُمُورٍ يُظَنُّ أَنَّهَا مِنْ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ]

- ‌[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الدِّقَّة فِي أَمَرَ الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة]

- ‌[النَّوْع الْأَوَّل مِنْ الدِّقَّةُ فِي الطَّهَارَة وَالنَّجَاسَة أَنَّهَا بِدْعَة لَمْ تصدر عَنْ النَّبِيّ وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ صِنْفَانِ]

- ‌[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ]

- ‌[الصِّنْفُ الثَّانِي مَا ورد عَنْ أَئِمَّتنَا الْحَنَفِيَّة فِي عَدَمِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ]

- ‌[النَّوْعُ الثَّانِي فِي ذَمِّ الْوَسْوَسَةِ وَآفَاتِهَا]

- ‌[النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي عِلَاجِ الْوَسْوَسَةِ]

- ‌[مَرَاتِب الْوَسْوَسَة]

- ‌[النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي التَّوَرُّع التَّكَلُّفِ فِي تَحْصِيلِ الْوَرَعِ]

- ‌[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أُمُورٍ مُبْتَدَعَةٍ بَاطِلَةٍ]

- ‌[خَاتِمَة الْكتاب]

الفصل: ‌[الصنف الأول فيما ورد عن النبي في أمر الطهارة من الأخبار والآثار]

أَنَّ مُرَادَنَا بِالدِّقَّةِ فِيهِمَا) فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَثْرَةُ صَبِّ الْمَاءِ) وَالْمُبَالَغَةُ فِي صَبِّهِ (وَمُجَاوَزَةُ الْحَدِّ) الْمَشْرُوعِ (فِي عَدَدِ الْغَسْلِ) كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَالْعَصْرِ) فِيمَا يَطْهُرُ بِالْعَصْرِ كَالتَّثْلِيثِ (فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحُكْمِيَّةِ (وَالْأَخْبَاثِ) النَّجَاسَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ مُغَلَّظَةً أَوْ مُخَفَّفَةً (وَغَسْلِ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ) بِمُجَرَّدِ وَهْمِ النَّجَاسَةِ وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ بِخِلَافِ غَسْلِ الطَّاهِرِ لِلْوَسَخِ وَالدَّنَسِ وَالنَّظَافَةِ (وَعَدِّ الْمَاءِ الطَّاهِرِ) فِي نَفْسِهِ إمَّا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فِي الْأَشْيَاءِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ طَهَارَتَهُ يَقِينًا وَيُوهِمُ طُرُوُّ النَّجَاسَةِ بِلَا دَلِيلٍ (نَجِسًا) بِكَسْرِ الْجِيمِ فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَنَجَّسُ وَبِالْفَتْحِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ (وَ) أَيْضًا (الِاحْتِرَازُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ فِي شَيْءٍ مَا (وَإِصَابَتِهِ) لِشَيْءٍ كَبَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ) وَالْوَسْوَسَةِ بِلَا ظَنٍّ بِدَلِيلٍ وَقَرِينَةٍ اعْلَمْ أَنَّ الْوَهْمَ رُجْحَانُ جِهَةِ الْخَطَأِ، وَالظَّنُّ رُجْحَانُ جِهَةِ الصَّوَابِ، وَالشَّكُّ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ.

وَأَمَّا أَكْبَرُ الرَّأْيِ، وَغَالِبُ الظَّنِّ فَهُوَ الطَّرَفُ الرَّاجِحُ إذَا أَخَذَ بِهِ الْقَلْبُ، وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالظَّنُّ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْأَشْبَاهِ (وَتَرْكُ بَعْضِ الْمُهِمَّاتِ الدِّينِيَّةِ) وُجُوبًا أَوْ نَدَبًا (بِسَبَبِ الِاشْتِغَالِ بِهَا) بِالْوَسَاوِسِ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِهِمَا وَفَسَّرَ بِأَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (كَالتِّلَاوَةِ وَالذِّكْرِ وَالْفِكْرِ) فِي عَجَائِبِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مُكَوِّنَاتِهِ وَآلَائِهِ تَعَالَى تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ وَقَدْ سَبَقَ التَّفْصِيلُ فَمَنْ فَسَّرَ بِالتَّفَكُّرِ فِي آلَائِهِ لَمْ يُصِبْ (وَالتَّذْكِيرِ) وَالْعِظَةِ {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} [الذاريات: 55] وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُوَسِّعَ بِالتَّعْلِيمِ وَالتَّدْرِيسِ (بَلْ الْجَمَاعَةُ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا وَاجِبَةٌ أَوْ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوْ فَرِيضَةٌ (وَالصَّلَاةُ) رَاتِبَةً أَوْ نَفْلًا كَالضُّحَى وَالتَّهَجُّدِ (وَفِعْلُ بَعْضِ الْمَكْرُوهَاتِ) بَلْ الْمَنْهِيَّاتِ (كَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ) كَمَا فِي الْعَصْرِ؛ لِأَنَّهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالتَّطَهُّرِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْوَسْوَسَةِ يَمْضِي الْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ (وَتَعْيِينِ إنَاءٍ لِلْوُضُوءِ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ إنَاءِ غَيْرِهِ، وَلَا غَيْرُهُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْغَيْرَ عَنْ إنَائِهِ وَهُمَا مِنْ التَّجْنِيسِ (وَ) تَعْيِينِ (سَجَّادَةٍ لَا يُصَلِّي عَلَى غَيْرِهَا، وَلَا غَيْرُهُ عَلَيْهَا) مَعَ أَنَّهُمَا مَكْرُوهَانِ فِي الشَّرْعِ يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا مَعَ أَنَّهُ وَرَعٌ بَارِدٌ.

[الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ]

(وَالسُّؤَالُ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَالْإِنَاءِ وَالْمَكَانِ وَالْبِسَاطِ وَاللِّبَاسِ بِلَا أَمَارَةٍ ظَاهِرَةٍ) دَالَّةٍ (عَلَى نَجَاسَتِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِمَّا لَا يَلْزَمُ فِيهِ التَّعَمُّقُ وَالتَّوَغُّلُ مِثْلُ السُّؤَالِ عَنْ حِلِّ الطَّعَامِ وَحُرْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَمَارَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِمَا (فَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ فِي كَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالتَّفْتِيشِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهِ بِدْعَةً) الظَّاهِرُ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا (لَمْ تَصْدُرْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ) مِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا قَبْلَ هَذَا مَعْنَى السَّلَفِ وَالْخَلَفِ فِي عُرْفِهِمْ فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَا ذُكِرَ خَارِجٌ عَنْ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْمَفْهُومُ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّ مَا صَدَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حُجَّةٌ قُلْنَا: إنْ بِاتِّفَاقِهِمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَدَاخِلٌ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ بِاخْتِلَافٍ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْخِلَافُ فَقَدْ يَصْلُحُ حُجَّةً، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ فِي بَحْثِ السُّنَّةِ وَقَدْ قَرَّرَ أَيْضًا فِي عِلْمِ الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُطَالِبَ الظَّنِّيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَالْعُلَمَاءِ وَسَائِرِ مَنْ يَحْسُنُ الظَّنُّ بِهِ (وَأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى سَعَةٍ وَرُخْصَةٍ وَفَتْوَى بِهِمَا) الْأَوْلَى بِهَا؛ إذْ الرُّخْصَةُ بِمَعْنَى السَّعَةِ (فِيهِ) أَيْ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالْفَتْوَى لَا الْعَزِيمَةِ وَالتَّقْوَى فَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ صُدُورُ الرُّخْصَةِ مِنْهُمْ لَيْسَ إلَّا أَحْيَانًا أَوْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِالْأَوْلَى وَالِاحْتِيَاطِ لَيْسَ إلَّا طَرِيقُ الْوَرَعِ فَإِنْ قِيلَ عَنْ حَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُفْعَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ

ص: 207

رُخْصَةَ رَبِّهِ» وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ هُوَ الِاسْتِمْرَارُ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنْ قَالَ شَارِحُهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ سِيَّمَا الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ

وَتَرْكُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِإِفْضَائِهِ إلَى الضَّرَرِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَحْمَدَ وَالْبَيْهَقِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ «إنَّ اللَّه يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» إذْ الْكُلُّ فِي مَحَلِّهِ؛ إذْ الْوُضُوءُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ التَّيَمُّمِ فِي مَحَلِّهِ، وَلَا الْإِتْمَامُ أَوْلَى مِنْ الْقَصْرِ فَيُطْلَبُ فِعْلُ الرُّخَصِ فِي مَوَاضِعِهَا وَالْعَزَائِمِ كَذَلِكَ فَإِنْ تَعَارَضَا فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ رَاعَى الْأَفْضَلَ كَذَا فِي الْفَيْضِ أَيْضًا (بَلْ) كَانُوا (عَلَى مَنْعِ التَّوَغُّلِ فِيهِ) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَهُوَ) أَيْ النَّوْعُ الْأَوَّلُ (صِنْفَانِ الصِّنْفُ الْأَوَّلُ فِيمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّنْفَ الْأَوَّلَ فِي إثْبَاتِ التَّحْقِيقِيِّ بِالْأَخْبَارِ وَالْآثَارِ لِكَوْنِ الدِّقَّةِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مَذْمُومَةً، وَالثَّانِي فِي الْإِثْبَاتِ التَّقْلِيدِيِّ لَهُ بِفَتْوَى مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي (وَخَيْرُ الْقُرُونِ) وَهُمْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ

(د عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَا» أَيْ بَيْنَ وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ فِي نَعْلَيْهِ؛ إذْ خَلَعَهُمَا» مِنْ رِجْلَيْهِ «فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ» قِيلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْخَلْعِ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ أَوْ عَلَى كَوْنِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ غَيْرَ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ فِي أَوَائِلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ «فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى خَلْعِ نِعَالِكُمْ» لَعَلَّ أَنَّهُ يَعْلَمُ وَجْهَ الْخَلْعِ لَكِنَّهُ سَأَلَ تَمْهِيدًا لِمَنْ يُجِيبُهُ «قَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت فَخَلَعْنَا» ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لَهُ عليه الصلاة والسلام.

وَأَمَّا احْتِمَالُ الْخَوَاصِّ وَالزَّلَّةِ فَبَعِيدٌ وَخِلَافُ سِيرَتِهِ عليه الصلاة والسلام وَإِنَّمَا لَمْ يَحْمِلُوا عَلَى إصَابَةِ النَّجَسِ لِعِلْمِهِمْ اهْتِمَامَهُ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْ مِثْلِهِ وَسِيَّمَا عِنْدَ تَتَالِي نَسْخِ الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا وُقُوعُ هَذَا الْقَدْرِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِحِكْمَةٍ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى، وَمَصْلَحَةِ إعْلَامِ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ ( «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ جَبْرَائِيلَ عليه السلام أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» بِفَتْحِ الذَّالِ مَصْدَرٌ وَبِكَسْرِهَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ضِدُّ الطَّاهِرِ أَوْ الطَّهَارَةِ «وَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ» مِنْ قَبِيلِ الْإِخْرَاجِ مَخْرَجَ الْعَادَةِ أَوْ بِمَعْنًى لُغَوِيٍّ يَعْنِي مَحَلَّ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا أَوْ عُمُومَ مَجَازٍ «فَلْيَنْظُرْ» بِعَيْنِهِ «فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ» فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ بِالنَّعْلَيْنِ.

وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا يُلْبَسُ بِالرِّجْلِ، وَجْهُ التَّخْصِيصِ لِكَوْنِهِمَا مَظَانَّ الْإِصَابَةِ فَيَكُونُ نَزْعُ غَيْرِهِمَا مُقَايَسَةً «قَذَرًا أَوْ أَذًى» قِيلَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فَفِيهِ نَظَرٌ فَمِنْ قَبِيلِ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ «فَلْيَمْسَحْهُ» إنْ مِنْ قَبِيلِ مَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الْمَسْحِ «وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» ، وَفِي رِوَايَةٍ «خَبَثًا» بَدَلَ قَذَرًا (فِي الْمَوْضِعَيْنِ) نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ هُنَا فَيَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْبَعْضِ مَعَ النَّجَاسَةِ بِلَا عِلْمٍ إذَا لَمْ يُؤَدِّ مَعَهَا رُكْنٌ، وَالْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ قَدْرُ عَدَمِ أَدَاءِ رُكْنٍ، وَكَوْنُ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ مَفْهُومِيَّةُ الْبِنَاءِ بِلَا اسْتِئْنَافٍ لَيْسَ بِمَفْهُومٍ صَرِيحًا إلَّا أَنْ يُدَّعَى مِنْ قَوْلِهِ: فَلَمَّا قَضَى الدَّلَالَةَ عَلَى الْبِنَاءِ، وَيُدَّعَى أَنَّ الْبِنَاءَ مَعَ النَّجَاسَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ قَدْرِ أَدَاءِ رُكْنٍ وَيُدَّعَى أَيْضًا أَنَّ خَبَرَ جَبْرَائِيلَ يَقْتَضِي كَوْنَ النَّجَاسَةِ قَدْرَ مَنْعِ الصَّلَاةِ

ص: 208

(د عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلَيْهِ الْأَذَى» أَيْ النَّجَسَ «فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ» مِنْ قَبِيلِ إقَامَةِ دَلِيلِ التَّالِي مَوْقِعَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَلْيَمْسَحْهُ بِالتُّرَابِ بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ آنِفًا؛ إذْ بَعْضُ الْحَدِيثِ كَالْآيَةِ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَا حَاجَةَ إلَى غَسْلِهِ إنْ عَيْنُهُ مَرْئِيَّةً، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي لَهَا عَيْنٌ مَرْئِيَّةٌ إذَا أَصَابَتْ النَّعْلَ فَطَهَارَتُهَا زَوَالُ عَيْنِهَا إذَا كَانَتْ يَابِسَةً بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ رَطْبَةً فَكَذَا فِي الْمُخْتَارِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْمَسْحِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا أَثَرٌ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَإِلَّا مِثْلَ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَطَهَارَتُهَا بِالْغَسْلِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْعَصْرِ كَذَلِكَ فِيمَا يُمْكِنُ الْعَصْرُ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنْ إذَا نَثَرَ عَلَيْهَا التُّرَابَ قَبْلَ الْجَفَافِ حَتَّى صَارَتْ مُتَجَسِّدَةً يَكْفِيهَا زَوَالُ الْعَيْنِ أَيْضًا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ هَذَا فِي الْخُفِّ، وَالثَّوْبُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ وَكَذَا إذَا نَتَرَ بَعْدَ الِابْتِلَالِ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ كَمَا فِي الْمُحَشِّي.

وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ لَا يَطْهُرُ الْخُفُّ مِنْ غَيْرِ الْمَنِيِّ الْجَافِّ إلَّا بِالْغَسْلِ كَالنَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جُرْمٌ هَذَا ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ بِمَا ذُكِرَ لَا يَكُونُ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالنَّصِّ أَيْضًا، وَظَاهِرٌ أَنَّ فُقَهَاءَنَا وَقَفُوا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ فِي الِاحْتِجَاجِ بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ خَفَاءٌ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْغَسْلِ بَلْ اكْتَفَى بِالتُّرَابِ فَمَنْ تَكَلَّفَ بِالْغَسْلِ فَقَدْ ابْتَدَعَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ مُضَايَقَةِ الْمَاءِ أَوْ مُضَايَقَةِ الْوَقْتِ أَقُولُ: لَعَلَّ الْحَدِيثَ هُوَ بَيَانُ الرُّخْصَةِ وَأَصْلُ الْجَوَازِ، وَلَا يَمْنَعُ الْغَسْلَ بَلْ أَوْ أَوْلَوِيَّتُهُ وَأَحْوَطِيَّتُهُ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ مُخْتَارٌ فِي التَّطْهِيرِ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُطَهِّرَاتِ (خ م عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ:«سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ قَالَ نَعَمْ» فِي كَوْنِ الْحَدِيثِ مِنْ الرُّخَصِ الْمَطْلُوبَةِ خَفَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ مَنْ يَدَّعِي التَّوَرُّعَ لَا يُصَلِّي بِالنَّعْلِ فَهُوَ بِدْعَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّ النَّعْلَ رُبَّمَا يَمُرُّ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَالْعَذِرَةِ وَلَا يَخْلُو عَنْ تَشَرُّبِ النَّجَاسَةِ فَالنَّبِيُّ صَلَّى مَعَ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَالصَّفِيُّ يُحْتَرَز عَنْهُ (د عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «خَالِفُوا الْيَهُودَ» .

وَفِي رِوَايَةٍ «وَالنَّصَارَى» أَيْ وَصَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ وَخِفَافِكُمْ «فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهِمْ» فَصَلُّوا أَنْتُمْ فِيهَا إذَا كَانَتْ طَاهِرَةً غَيْرَ مُتَنَجِّسَةٍ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهِ بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ مَنْ تَنَجَّسَ نَعْلُهُ إذَا دَلَكَهُ عَلَى الْأَرْضِ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ «وَلَا نِعَالِهِمْ» وَكَانَ مِنْ شَرْعِ مُوسَى نَزْعُ النِّعَالِ فِي الصَّلَاةِ - {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12]- وَكَانَ الْمُوجِبُ لِلنَّزْعِ أَنَّهُمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ فَالْتَزَمَهُ الْيَهُودُ فَلِهَذَا أُمِرَ بِمُخَالَفَةِ الْيَهُودِ فِيهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَحِكْمَةُ الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ كَمَا تَقَرَّرَ، وَخَشْيَةُ أَنْ يَتَأَذَّى أَحَدٌ بِنَعْلَيْهِ إذَا خَلَعَهُمَا مَعَ مَا فِي لُبْسِهِمَا مِنْ حِفْظِهِمَا مِنْ سَارِقٍ أَوْ دَابَّةٍ تَنَجُّسِ نَعْلِهِ قَالَ: وَقَدْ نَزَعْت نَعْلِي مَرَّةً فَأَخَذَهُ كَلْبٌ فَعَبِثَ بِهِ وَنَجَّسَهُ كُلَّهُ هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ ثُمَّ هِيَ مِنْ الرُّخَصِ كَمَا قَالَ الْقُشَيْرِيُّ لَا مِنْ الْمَنْدُوبِ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فَيَكُونُ نَدْبُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ.

وَوَرَدَ فِي كَوْنِ الصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ مِنْ الزِّينَةِ الْمَأْمُورِ بِأَخْذِهَا فِي الْآيَةِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْعُقَيْلِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

قَالَ الْمُحَشِّي: مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ أَمْرٌ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ لِكَوْنِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمْحَةً سَهْلَةً وَلِذَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ السُّحُورِ وَتَعْجِيلُ الْفِطْرِ وَحِلُّ الرَّفَثِ

ص: 209

لَيْلَةَ الصِّيَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ أَقُولُ يَشْكُلُ بِقَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ هِيَ أَنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ ثَبَتَ كَوْنُهُ شَرِيعَةً لِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَهُوَ شَرِيعَةٌ أَبَدًا مَا لَمْ يَظْهَرْ النَّسْخُ وَالْجَوَابُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ نَاسِخٌ يَرُدُّهُ أَنَّ الْخَبَرَ الْوَاحِدَ لَا يَنْسَخُ الشَّرِيعَةَ الثَّابِتَةَ نَعَمْ إنَّ مِثْلَ مَا ذُكِرَ لَيْسَ بِمَقْطُوعٍ بِكَوْنِهِ شَرِيعَةً لِمُوسَى عليه الصلاة والسلام لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ تَحْرِيفَاتِهِمْ.

(خ م «عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ أُمَّهُ» أَيْ أُمَّ أَنَسٍ أَعْنِي «مُلَيْكَةَ» بِالتَّصْغِيرِ «دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ» أَيْ صَنَعَتْ أُمُّهُ مُلَيْكَةُ ذَلِكَ الطَّعَامَ لَهُ عليه الصلاة والسلام وَقَدْ كَانَ مِنْ تَوَاضُعِهِ يُجِيبُ دَعْوَةَ مَنْ دَعَاهُ، وَلَوْ إلَى ذِرَاعٍ «فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: قُومُوا فَأُصَلِّيَ بِكُمْ قَالَ أَنَسٌ» - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ» أَيْ فُرِشَ تَحْتَ الْأَقْدَامِ «فَنَضَحْته بِمَاءٍ» أَيْ أَفَضْت عَلَيْهِ مَاءً لِيَذْهَبَ بَعْضُ وَسَخِهِ «فَقَامَ عَلَيْهِ» مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَتِهِ «رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَفَفْت أَنَا وَالْيَتِيمُ» قِيلَ اسْمُهُ ضُمَيْرَةُ «وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ» أَيْ مُلَيْكَةَ إنَّمَا أَظْهَرَ فِي مَوْضِعِ الضَّمِيرِ وَعَبَّرَ بِالْوَصْفِ دُونَ الْعَلَمِ إشَارَةً إلَى أَدَبِ تَرْتِيبِ الصَّفِّ فَافْهَمْ «مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ» مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ.

قِيلَ وَلِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إنَّمَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي أَمَّا لَوْ اقْتَدَى وَاحِدٌ بِوَاحِدٍ وَاثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يُكْرَهُ وَإِذَا اقْتَدَى ثَلَاثَةٌ بِوَاحِدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَإِذَا اقْتَدَى أَرْبَعَةٌ بِوَاحِدٍ يُكْرَهُ اتِّفَاقًا انْتَهَى لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ نَوْعِ اضْطِرَابٍ إذْ مُقْتَضَى التَّعْلِيلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إطْلَاقُ الْجَوَازِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ: إنَّمَا تُكْرَهُ الْجَمَاعَةُ إلَى آخِرِهِ جَوَازُ مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ، وَلَوْ أَرْبَعَةً مَثَلًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّدَاعِي، وَأَيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ مِنْ الْحَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ النَّفَلَ بِجَمَاعَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاعِي مَكْرُوهٌ مَا عَدَا التَّرَاوِيحَ وَصَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَالْجَمَاعَةُ فِي صَلَاةِ الرَّغَائِبِ وَالْبَرَاءَةِ وَالْقَدْرِ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا مَوْضُوعَةٌ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ رَسَائِلِهِ، وَالْحِيلَةُ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا بِنَحْوِ النَّذْرِ بِالْجَمَاعَةِ أَيْضًا بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ كَمَا فُهِمَ مِنْ الْبَزَّازِيِّ.

(حَدّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضَافَهُ الْيَهُودِيُّ» مِنْ الضِّيَافَةِ فَإِنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ مِنْ كَمَالِ حِسَانِ خُلُقِهِ «بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ» أَيْ دَسَمِ لَحْمٍ فَأَكَلَ مِنْ ذَلِكَ لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ فَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْيَهُودِيِّ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنْ طَهَارَتِهِ، وَأَنَّ الْإِهَالَةَ مِنْ دَسَمٍ أَيْ حَيَوَانٍ وَهَلْ عَجَنَ الْخُبْزَ بِالْمَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْخَمْرِ (وَثَبَتَ) فِي نَحْوِ الصَّحِيحَيْنِ (أَكْلُهُ عليه الصلاة والسلام فِي بَيْتِ الْيَهُودِيَّةِ) بِلَا سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَةِ وَذَكَاةِ الشَّاةِ فَدَلَّ عَلَى السَّعَةِ وَتَرْكِ التَّدْقِيقِ (الَّتِي سَمَّتْهُ) عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ يَهُودِيَّةَ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَشْوِيَّةً ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخَذَ الذِّرَاعَ فَأَكَلَ مِنْهَا، وَأَكَلَ رَهْطٌ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ: سَمَمْت هَذِهِ الشَّاةَ فَقَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَك قَالَ أَخْبَرَتْنِي هَذِهِ الذِّرَاعُ الَّتِي فِي يَدِي قَالَتْ نَعَمْ قُلْت: إنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ يَضُرَّهُ، وَإِلَّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ فَعَفَا عَنْهَا، وَلَمْ يُعَاقِبْهَا أَوَّلًا فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ مِنْ لُقْمَةٍ تَنَاوَلَهَا مِنْهَا أَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقُتِلَتْ مَكَانَهُ» وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَسْطُورُ قِيلَ: لَا يَخْفَى مَا بَيْنَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ وَجَابِرٌ مِنْ الْمُخَالَفَةِ؛ إذْ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ صَرِيحٌ فِي أَكْلِهِ عليه الصلاة والسلام وَمَا ذُكِرَ عَنْ جَابِرٍ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ أَكْلَهُ صَرِيحٌ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَلَيْت شِعْرِي وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ شَخْصًا بِالسُّمِّ لَا يُقْتَلُ قِصَاصًا إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السِّيَاسَةِ أَوْ النَّسْخِ أَوْ الْخَاصَّةِ لَهُ عليه الصلاة والسلام -

ص: 210

(وَ) ثَبَتَ أَيْضًا «تَوَضُّؤُهُ) عليه الصلاة والسلام (مِنْ مَزَادَةٍ» هِيَ كَالْإِدَاوَةِ إنَاءُ الْمَاءِ «لِمُشْرِكَةٍ» فِي بَيْتِهَا أَيْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ مَعَ احْتِمَالِ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ بِلَا سُؤَالٍ عَنْ طَهَارَتِهَا.

(خ م عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -) فِيهِ تَغْلِيبُ الشُّرَافَةِ عَلَى الْعَدَدِ؛ إذْ الصَّحَابِيُّ هُوَ الْجَدُّ، وَالْبَاقُونَ تَابِعُونَ فَحَقُّهُمْ الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ (أَنَّهُ قَالَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثًا ثَلَاثًا» حِينَ سَأَلَهُ الْأَعْرَابِيُّ عَنْ الْوُضُوءِ.

«وَقَالَ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ ظَلَمَ وَأَسَاءَ» أَيْ الْأَدَبَ (بِتَرْكِ السُّنَّةِ) فَإِنَّ الِازْدِيَادَ اسْتِنْقَاصٌ لِمَا اسْتَكْمَلَهُ الشَّارِعُ وَأَمَّا مُدَّعِي التَّوَرُّعِ فَيَزِيدُ اعْتِقَادًا لِلتَّوَرُّعِ فِيهِ قِيلَ الْغَسْلَةُ الْأُولَى فَرْضٌ وَالثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ إكْمَالُهُ وَقِيلَ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْكَافِ أَنَّ الثَّلَاثَةَ تَقَعُ فَرْضًا كَإِطَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالثَّمَرَةُ فِي كَثْرَةِ السُّجُودِ أَنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ السُّنَّةِ قِيلَ: الْمَفْهُومُ مِنْ الْخُلَاصَةِ أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُجْزِئَ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيَجُوزُ بِالْأَكْثَرِ وَالْأَقَلِّ ثُمَّ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَوْ اكْتَفَى بِالْوَاحِدَةِ قِيلَ: يَأْثَمُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ، وَقِيلَ: لَا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ.

(خ م عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلَانِ وَالرِّطْلُ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا قَالَ فِي الْفَيْضِ وَالصَّاعُ مِكْيَالٌ يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَ رِطْلٍ بِرِطْلِ بَغْدَادَ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ وَثَمَانِيَةً عِنْد الْعِرَاقِيِّينَ وَرُبَّمَا زَادَ فِي غُسْلِهِ عَلَى الصَّاعِ، وَرُبَّمَا نَقَصَ كَمَا فِي مُسْلِمٍ وَرِطْلُ بَغْدَادَ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَالنَّوَوِيِّ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعٍ ثُمَّ زَادُوا فِيهِ مِثْقَالًا لِإِرَادَةِ كَسْرِ الْجَبْرِ فَصَارَ مِائَةً وَثَلَاثِينَ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ الْعُلَمَاءِ بِهِ «وَ» كَانَ «يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ» رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَرُبَّمَا يَتَوَضَّأُ بِثُلُثَيْهِ تَارَةً وَبِأَزْيَدَ مِنْهُ أُخْرَى نَحْوَ أَرْبَعِ أَوَاقٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُجْزِئَ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَيُجْزِئُ مَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَيْثُ وُجِدَ جَرْيُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ.

وَالسُّنَّةُ أَنْ لَا يَنْقُصَ وَلَا يَزِيدَ عَلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ لِمَنْ بَدَنُهُ كَبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ غَالِبُ أَحْوَالِهِ وَوُقُوعُ غَيْرِهِ لَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ قَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَبَدَانِ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَتْ أَنْبَلَ وَأَعْظَمَ مِنْ أَبْدَانِ النَّاسِ الْآنَ؛ لِأَنَّ خَلْقَ النَّاسِ لَمْ يَزَلْ فِي نَقْصٍ إلَى الْيَوْمِ، وَعَنْ السُّبْكِيّ أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أُوقِيَّةٌ وَنِصْفٌ ثُمَّ تَوَقَّفَ فِي إمْكَانِ جَرْي الْمَاءِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِذَلِكَ كَذَا فِي الْفَيْضِ وَيُقِرُّ بِهِ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ عليه الصلاة والسلام وَالْعِبْرَةُ بِحَالِ الْمُغْتَسِلِ وَعَلَيْهِ الْقَصْدُ وَهُوَ تَرْكُ الْإِسْرَافِ وَهُوَ مَحَلُّ الِاسْتِشْهَادِ (م عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا» مِنْ الرِّيحِ «فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ» أَيْ الْأَمْرُ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ «أَخَرَجَ» مِنْهُ شَيْءٌ «أَمْ لَا» وَالْجَوَابُ «فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ» يَعْنِي لَا يَنْصَرِفُ مِنْ مُصَلَّاهُ إنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ هُوَ خَارِجُ خَارِجٌ عَنْ كَوْنِهِ مُصَلِّيًا مُبَالَغَةً.

«حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ وِجْدَانِ الرِّيحِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ حَقِيقَتَهُمَا بَلْ هُمَا كِنَايَتَانِ عَنْ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ الْحَدَثِ قِيلَ: الْحَدِيثُ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله فِي قَوْلِهِ إنَّ الرِّيحَ مِنْ الْقُبُلِ لَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ وَدُفِعَ بِعَدَمِ الْعَادَةِ مِنْ الْقُبُلِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا

ص: 211

(وَفِي رِوَايَةِ د) أَبِي دَاوُد (قَالَ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ حَرَكَةً فِي دُبُرِهِ أَحْدَثَ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ» أَيْ شَكَّ فِيهِمَا «فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ» بِعَدَمِ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ «فَلَا يَنْصَرِفُ» مِنْ الصَّلَاةِ «حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَلِذَا قَالُوا الْحَرَكَةُ الَّتِي فِي الدُّبُرِ إذَا لَمْ تَنْبَعِثْ مِنْ الْبَطْنِ لَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّهَا اخْتِلَاجٌ نَاشِئٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ لَكِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَعِنْدَ فُقَهَائِنَا الْإِطْلَاقُ فَإِمَّا نَقُولُ لَا عِبْرَةَ بِالْمَفْهُومِ عِنْدَنَا فِي النَّصِّ أَوْ الْقَيْدُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِنَحْوِ وَاقِعَةٍ أَوْ سُؤَالٍ أَوْ يُفْهَمُ حُكْمُ الْخَارِجِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ أَوْ الْمُقَايَسَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ وَكَذَا قَوْلُهُ مِنْ الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ؛ إذْ هُوَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْمُصَلَّى لَا يَخْفَى مَا فِي الِاسْتِشْهَادِ مِنْ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِ أَمْرِ الطَّهَارَةِ عَلَى السَّعَةِ وَتَرْكِ التَّدْقِيقِ؛ لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالشَّكِّ الَّذِي هُوَ فِي طَرِيقِ الْيَقِينِ

فَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَهُوَ مُحْدِثٌ لَكِنْ مَا ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَا كَانَ مُحْدِثًا وَإِنْ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ وَمَعَهُ مَاءٌ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَوْ لَا كَانَ مُتَوَضِّئًا فَلَعَلَّ الْغَالِبَ فِيهِمَا يَكُونُ قَرِينَةً مُرَجِّحَةً (ط عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه خَرَجَ) إلَى السَّفَرِ (مَعَ رَكْبٍ) أَيْ مَعَ رُكْبَانٍ مِنْ الْإِبِلِ (فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حَتَّى وَرَدَا) أَيْ عُمَرُ وَعَمْرٌو (حَوْضًا فَقَالَ عَمْرُو يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ يَرِدُ حَوْضَك السِّبَاعُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا) لِأَنَّا نَعْمَلُ بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَلَا نَلْتَفِتُ لِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ وَسْوَسَةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا فَفِيهِ تَأْدِيبٌ لِعَمْرٍو حَيْثُ سَأَلَ عِنْدَ حُضُورِ الْأَفْضَلِ مِنْهُ بَلْ وَظِيفَتُهُ التَّسْلِيمُ لِلْأَفْضَلِ، وَفِيهِ أَيْضًا رَدٌّ وَتَعْرِيضٌ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ مَا لَمْ يَسْتَيْقِنْ أَوْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ ثُمَّ الِاحْتِجَاجُ بِقَوْلِ عُمَرَ إمَّا لِسُكُوتِ بِوَاقِي الصَّحَابَةِ فَيَحِلُّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ أَوْ لَا يُعْلَمُ خِلَافُهُمْ، وَلَا وِفَاقهُمْ فَيَكُونُ حُجَّةً عِنْدَنَا سِيَّمَا عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْقِيَاسِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأُصُولِ (خ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ «كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ» لَا يَغْسِلُونَ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ بَلْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى الظَّاهِرِ وَأَصَالَةِ الطَّهَارَةِ لَكِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ بَوْلِ الْكِلَابِ وَرَوْثِهَا قِيلَ وَمَا فِي نُسْخَةِ إبْرَاهِيمَ النَّسَفِيِّ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْكَرْمَانِيُّ فَمَحْمُولٌ عَلَى النَّسْخِ أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ يَقْلِبُونَ وَجْهَ الْأَرْضِ

(د عَنْ «دَاوُد بْنِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّهِ أَنْ مَوْلَاتَهَا» سَيِّدَتَهَا «أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إلَى عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ» أَيْ الْأَمَةُ «فَوَجَدْتهَا تُصَلِّي» أَيْ عَائِشَةُ «فَأَشَارَتْ إلَيَّ أَنْ أَضَعَهَا» قِيلَ الْإِشَارَةُ لَا تَضُرُّ الْمُصَلِّيَ وَتَمَامُهُ فِي مُنْيَةِ الْمُصَلِّي انْتَهَى فَتَأَمَّلْ فَوَضَعَتْهَا فِيمَا أَشَارَتْ إلَيْهِ «فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتْ الْهِرَّةُ، وَقَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ

ص: 212

- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ» وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ عَدَمَ التَّنَجُّسِ لَيْسَ إلَّا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ لِلْحَرَجِ الْمُشَارِ إلَيْهِ لَا فِي حَقِّ الْأَكْلِ «إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» الطَّائِفُ الْخَادِمُ الَّذِي يَخْدُمُك بِرِفْقٍ وَعِنَايَةٍ، وَالطَّوَافُ مِنْهُ يُجْمَعُ عَلَى طَوَّافِينَ شَبَّهْتهَا بِالْخَادِمِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى مَوْلَاهُ وَيَدُورُ حَوْلَهُ ثُمَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى عِلَّةِ عَدَمِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ فِي الِاحْتِرَازِ عَمَّا كَثُرَ طَوَافُهُ حَرَجًا؛ إذْ الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ كَالسَّفَرِ وَالْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ.

قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: السَّادِسُ مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى كَالصَّلَاةِ مَعَ النَّجَاسَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهَا كَمَا فِي دُونِ رُبْعِ الثَّوْبِ مِنْ الْخَفِيفَةِ وَقَدْرِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْغَلِيظَةِ وَنَجَاسَةِ الْمَعْذُورِ الَّتِي تُصِيبُ ثِيَابَهُ وَكَانَ كُلَّمَا غَسَلَهَا خَرَجَتْ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَقِّ فِي الثَّوْبِ وَإِنْ كَثُرَ بَوْلٌ تُرُشِّشَ عَلَى الثَّوْبِ قَدْرُ رُءُوسِ الْإِبَرِ وَطِينِ الشَّوَارِعِ وَأَثَرِ نَجَاسَةٍ عَسُرَ زَوَالُهُ

ثُمَّ قَالَ وَبَوْلِ سِنَّوْرٍ فِي غَيْرِ أَوَانِي الْمَاءِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ فِي الْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَخَرْءِ حَمَامَةٍ وَعُصْفُورٍ وَإِنْ كَثُرَ وَخَرْءِ الطُّيُورِ الْمُحَرَّمَةِ فِي رِوَايَةٍ ثُمَّ قَالَ: وَغُبَارِ السَّرْجِينِ وَقَلِيلِ الدُّخَانِ النَّجَسِ وَالْعَفْوِ عَنْ الرِّيحِ وَالْفُسَاءِ إذَا أَصَابَ السَّرَاوِيلَ الْمُبْتَلَّةَ أَوْ الْمُقْعَدَةَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ وَالْبَعْرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمِحْلَبِ وَرُمِيَ قَبْلَ التَّفَتُّتِ وَمَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْ بُخَارَاتِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمَا يُصِيبُهُ مِمَّا سَالَ مِنْ الْكَنِيفِ مَا لَمْ يَكُنْ أَكْبَرُ رَأْيِهِ النَّجَاسَةَ، وَتَمَامُهُ فِيهِ «وَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ بِفَضْلِهَا» أَيْ بِفَضْلِ مَا شَرِبَتْ الْهِرَّةُ

اعْلَمْ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي سُؤْرِهَا فَمِنْهُمْ كَالطَّحَاوِيِّ مَالَ إلَى كَوْنِهِ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا نَظَرًا إلَى حُرْمَةِ لَحْمِهَا، وَمِنْهُمْ كَالْكَرْخِيِّ إلَى كَوْنِهِ تَنْزِيهًا نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَا تَتَحَامَى عَنْ النَّجَاسَةِ قَالُوا: وَهُوَ الْأَصَحُّ وَتَوَضُّؤُهُ عليه الصلاة والسلام تَعْلِيمًا لِلْجَوَازِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَوْرًا وَإِلَّا فَنَجَسٌ كَذَا، وَقِيلَ فَحَاصِلُهُ رَاجِعٌ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ لَكِنْ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ فَإِنَّ سُؤْرَهَا عِنْدَهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ وَالْحَرَجِ وَعَلِمْت أَيْضًا أَنَّ حَصْرَ الِاخْتِلَافِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ عَرَفْت الْمُفْتَى بِهِ عَنْ الْأَشْبَاهِ فِي حَقِّ بَوْلِهَا فَضْلًا عَنْ سُؤْرِهَا كَمَا صَرَّحَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عَلَى خِلَافِهِ فِي حَقِّ السُّؤْرِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، وَعَنْ الْحَدَّادِيِّ إذَا أَكَلَتْ الْهِرَّةُ مِنْ شَيْءٍ يُكْرَهُ أَنْ يُؤْكَلَ بَاقِيهِ وَعَنْ الْكَامِلِ الْكَرَاهَةُ فِي حَقِّ الْغَنِيِّ لَا الْفَقِيرِ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّ كَرَاهَةَ سُؤْرِ الْهِرَّةِ عِنْدَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَمُحَمَّدٍ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَإِلَّا فَلَا كَرَاهَةَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا

(د عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ (أَيْ بُنَيَّ) يَا بُنَيَّ (سَلْ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ» يَتَجَاوَزُونَ حَدَّ الشَّرْعِ كَالْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَكَثْرَةِ ضَيَاعِهِ وَمُجَاوَزَةِ الْغُسْلِ عَنْ الثَّلَاثِ وَمُجَاوَزَةِ غَايَةِ الْأَعْضَاءِ فَوْقَ الْغُرَّةِ «وَالدُّعَاءِ» لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ فَسُؤَالُ الْقَصْرِ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ اعْتِدَاءٌ لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمُعَيَّنَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي تَقْدِيرِ اللَّهِ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ الدَّاعِي فَحِينَئِذٍ يَكُون سَائِلًا مَا لَيْسَ لَهُ كَذَا قِيلَ هُنَا لَكِنْ لَا يَخْفَى مَا فِيهِ لَعَلَّ الْوَجْهَ أَنَّ الْأَدَبَ كَوْنُ مَا يُدْعَى بِهِ مِمَّا يَلِيقُ بِحَالِ الدَّاعِي، وَإِلَّا كَرُتْبَةِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالصُّعُودِ إلَى السَّمَاءِ اعْتِدَاءٌ فِي الدُّعَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الدَّاعِي اعْتِدَاءً وَقِيلَ الِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ مُبَاحٍ كَدُعَاءٍ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ لِكَافِرٍ أَوْ لِظَالِمٍ بِغَيْرِ الصَّلَاحِ وَالْإِسْلَامِ وَقِيلَ وَجْهُ الْمَنْعِ هُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَطْعِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ فَفِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ

ص: 213

(وَقَالَ الْإِمَامُ) حُجَّةُ الْإِسْلَامِ (الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ مَا مُحَصَّلُهُ وَمُخْتَصَرُهُ) مَا سَيَرِدُ عَلَيْك فِي قَوْلِهِ (سِيرَةُ الْأَوَّلِينَ) عَادَتُهُمْ أَيْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ هُمْ أُسْوَتُنَا وَسَادَتُنَا (اسْتِغْرَاقُ جَمِيعِ الْهَمِّ) الْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ وَالْقَصْدِ (وَفِي تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ) عَنْ الْمَلَكَاتِ الرَّدِيئَةِ وَالْوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَالْمُيُولَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ وَالْعَوَائِلِ الْهُيُولَانِيَّةِ (وَالتَّسَاهُلُ) الْمُسَامَحَةُ وَالسَّعَةُ (فِي تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَنْظُرُ إلَى صُوَرِ الْعِبَادِ بَلْ إلَى قُلُوبِهِمْ فَلَمَّا كَانَتْ الْقُلُوبُ مَنْظَرَ عَلَّامِ الْغُيُوبِ دُونَ الصُّوَرِ لَزِمَ تَطْهِيرُهَا عَنْ الْخَبَائِثِ وَالرَّذَائِلِ حَتَّى يَلِيقَ بِنَظَرِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ؛ فَلِذَا صَرَفُوا جَمِيعَ قَصْدِهِمْ وَاهْتِمَامِهِمْ إلَى تَطْهِيرِهَا وَتَسَاهَلُوا فِي الظَّاهِرِ (حَتَّى إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَعَ عُلُوِّ مَنْصِبِهِ) عِنْدَ رَبِّهِ وَحَبِيبِهِ وَعَامَّةِ أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلِيقَتِهِ بَعْدَ صِدِّيقِهِ الْأَعْظَمِ (تَوَضَّأَ بِمَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ) مَعَ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ لِعَدَمِ اهْتِمَامِ الْكَافِرِ مَعَ جَوَازِ الطَّهَارَةِ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ شَيْءٍ نَجِسٍ عِنْدَنَا عَمَلًا بِأَصْلِ الطَّهَارَةِ (مج وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -) عَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ مَاجَهْ (وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ) وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ مَأْوًى غَيْرُ صُفَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَشْتَغِلُونَ بِالِاكْتِسَابِ وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُعَلِّمُونَ الْخَلْقَ الدِّينَ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِمْ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ رُؤَسَائِهِمْ ثُمَّ لَمَّا أَعَزَّ اللَّهُ الدِّينَ وَأَيَّدَ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَفَاءَ بِفَضْلِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَمَّ الْخَيْرُ وَكُشِفَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ الضُّرُّ وَأَنَّهُ مِمَّنْ لَبِسَ الْخَزَّ كَمَا تَقَدَّمَ (كُنَّا) كَلِمَةُ كَانَ لِلِاسْتِمْرَارِ فَإِنَّ الْكَثْرَةَ اللَّازِمَةَ لِلسُّنَّةِ لَهَا حُكْمُ الِاسْتِمْرَارِ (نَأْكُلُ الشِّوَاءَ) اللَّحْمَ الْمَشْوِيَّ (فَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَنُدْخِلُ أَصَابِعَنَا فِي الْحَصْبَاءِ) رَمْلٌ دَقِيقٌ (ثُمَّ نَفْرُكُهَا بِالتُّرَابِ ثُمَّ نُكَبِّرُ) مَعَ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ لَهَا بِالْمَاءِ قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ تَرْكِ الْفَاضِلِ إحْرَازًا لِلْأَفْضَلِ فَيَكْتَفُونَ بِمَسْحِ التُّرَابِ لِلرُّخْصَةِ فَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يُلَائِمُ مَقْصُودَ الْمَرَامِ مِمَّا يُظَنُّ مِنْ التَّوَرُّعِ.

وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِمَا مَرَّ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْبَيْتُوتَةِ بِرِيحِ غَمْرٍ وَأُجِيبَ بِعَدَمِ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ الْغَسْلِ عِنْدَ الْبَيْتُوتَةِ فَإِنَّهُمْ يَغْسِلُونَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنَّ فَرْكَهُمْ لَهَا بِالتُّرَابِ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْقِي لِلْغَمْرِ رِيحًا (وَكَانُوا) السَّلَفُ (يَقْتَصِرُونَ عَلَى الْحِجَارَةِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) لِكَوْنِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ سُنَّةً، وَأَمَّا بِالْمَاءِ فَأَدَبٌ لَيْسَ بِسُنَّةٍ فَتَرْكُهُ تَرْكُ الْأَوْلَى كَذَا قِيلَ فَفِيهِ خَفَاءٌ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِشْهَادُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الِاسْتِمْرَارُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلِمَةِ كَانَ يَلْزَمُ اتِّفَاقُهُمْ عَلَى تَرْكِ أَدَبٍ فَوْقَ سُنَّةٍ فَحَاشَاهُمْ مِنْ نَحْوِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ تَجْوِيزُهُمْ الِاقْتِصَادَ الْمَذْكُورَ فَلَا يَتِمُّ التَّقْرِيبُ.

وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» فَلَيْسَ بِقَوِيٍّ؛ إذْ عَرَفْت مَعْنَى الْحَدِيثِ قَرِيبًا أَنَّ فِيهِ اعْتِرَافًا بِقُوَّةِ الْعَزِيمَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْمَحَبَّةِ؛ إذْ الْمُتَعَارَفُ قُوَّةُ الْمُشَبَّهِ بِهِ لَعَلَّ الْوَجْهَ كَانَ هَذَا الِاقْتِصَارَ مِنْهُمْ عِنْدَ عَدَمِ إمْكَانِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ لِمَا فِي الدُّرَرِ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْحَجَرِ أَوْلَى إنْ أَمْكَنَ بِلَا كَشْفِ الْعَوْرَةِ، وَفِي الْمِنَحِ أَمَّا مَعَهَا فَلَا يُفْعَلُ، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ تَرْكُهُ أَوْلَى إنْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً وَلَوْ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ رَاجِحٌ عَلَى الْأَمْرِ حَتَّى اسْتَوْعَبَ النَّهْيُ الْأَزْمَانَ، وَالْأَمْرُ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ.

وَفِي الْخَانِيَّةِ: الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَشْفِ عَوْرَةٍ وَأَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَحْجَارِ قَالُوا مَنْ كَشَفَ الْعَوْرَةَ لِلِاسْتِنْجَاءِ يَصِيرُ فَاسِقًا قَالُوا: الْمَاءُ مَنْدُوبٌ قَبْلَهُ الْحَجَرُ أَوْ لَا وَالصَّحِيحُ الْمُفْتَى بِهِ أَنَّ الْجَمْعَ سُنَّةٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي هَذَا حُصُولَ الطَّهَارَةِ بِمُجَرَّدِ الْحَجَرِ، وَإِلَّا فَالْمَاءُ لَازِمٌ (مج وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: مَا كُنَّا نَعْرِفُ الْأُشْنَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّمَا كَانَتْ مَنَادِلُنَا)

ص: 214

جَمْعُ مَنْدِيلٍ خِرْقَةٌ تُمْسَحُ بِهَا الْيَدُ لِلْوَسَخِ (بَوَاطِنُ أَرْجُلِنَا) فَنَمْسَحُ مَا بَقِيَ فِي أَيْدِينَا مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى بِدَعِيَّةِ الْمِنْدِيلِ لِلْوُضُوءِ فَلَا يُنَافِيهِ كَوْنُ الْمَسْحِ بِالْمِنْدِيلِ بَعْدَ غَسْلِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ الطَّعَامِ أَدَبًا (حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ أَفْضَلُ) قَالَ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَرِيبًا مِنْ خِتَامِهِ، وَفِي الْحُجَّةِ الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْحَافِي أَضْعَافًا مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ (لِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام وَإِنْكَارِهِ خَلْعَهَا) كَمَا مَرَّ لَا يَخْفَى أَنَّ فَهْمَ الْفَضِيلَةِ مِنْ ذَلِكَ إنْ تَمَّ لَيْسَ إلَّا بِالِالْتِزَامِ، وَفَهْمُ ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ آنِفًا مُطَابَقَةٌ وَصَرِيحٌ لَعَلَّ الْحَقَّ هُنَا مَا قِيلَ إنَّ نَهْيَهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يَكُنْ عَنْ خَلْعِهِمَا لِلصَّلَاةِ بَلْ عَنْ خَلْعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ.

وَكَذَا الْأَمْرُ بِلُبْسِهِمَا مِنْ قَبِيلِ تَعْلِيمِ الْجَوَازِ وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْيَهُودِ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الرَّأْيِ وَالتَّجْوِيزِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَهُ (وَقَالَ النَّخَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الَّذِينَ يَخْلَعُونَ نِعَالَهُمْ: وَدِدْت) أَيْ أَحْبَبْت (لَوْ أَنَّ مُحْتَاجًا جَاءَ وَأَخَذَهَا) حَالَ كَوْنِهِ (مُنْكِرًا لِخَلْعِ النِّعَالِ) قِيلَ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يُنْكِرُ الصَّلَاةَ بِالنَّعْلِ أَقُولُ فَحِينَئِذٍ لَا يَتِمُّ اسْتِشْهَادُ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ الْإِطْلَاقَ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ (وَكَانُوا) أَيْ السَّلَفُ (يَمْشُونَ فِي طِينِ الشَّوَارِعِ) جَمْعُ شَارِعٍ بِمَعْنَى الطَّرِيقِ (حُفَاةً) بِلَا خُفٍّ وَلَا نَعْلٍ فَبِمَعْنَى عُرَاةٍ وَقَدْ عُلِمَ فِي مَحَلِّهِ سُنِّيَّةُ الْمَشْيِ حُفَاةً (وَيَجْلِسُونَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الطِّينِ فِي الشَّوَارِعِ أَقُولُ: مَشْيُهُمْ عَلَى الطِّينِ، وَلَوْ طَاهِرًا خَالِصًا وَكَذَا جُلُوسُهُمْ عَلَيْهَا بَعِيدٌ عَنْ التَّلْوِيثِ وَالتَّلْطِيخِ الْمُنَافِي لِلنَّظَافَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ النَّقْلِ أَوْ تَأْوِيلِ الطِّينِ بِالْيَابِسِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ بَعِيدًا مِنْ مُرَادِ الْمَقَامِ قِيلَ عَنْ الْخُلَاصَةِ: وَطِينُ بُخَارَى طَاهِرٌ، وَلَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوءًا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ وَالْحَلْوَانِيُّ لَا يَقْبَلُ هَذَا (وَ) كَانُوا (يُصَلُّونَ فِي الْمَسَاجِدِ عَلَى الْأَرْضِ) مَعَ احْتِمَالِ تَنَجُّسِهَا بَلْ مَعَ قَرَائِنِ النَّجَاسَةِ كَمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام فِي عَرَفَاتٍ وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ فِي مِنًى قِيلَ: حَتَّى قَالَ مَالِكٌ: الصَّلَاةُ عَلَى الْأَرْضِ أَفْضَلُ ثُمَّ عَلَى الْحَصِيرِ وَكَرِهَهَا عَلَى الْبِسَاطِ غَيْرُهُ (وَيَأْكُلُونَ مِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَهُوَ يُدَاسُ بِالدَّوَابِّ وَتَبُولُ عَلَيْهِ) .

قَالَ فِي الدُّرَرِ: وَكَمَا لَوْ بَالَ حِمَارٌ عَلَى مَا يَدُوسُهُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا فَقُسِمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضٌ مِنْهَا حَيْثُ يَطْهُرُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّحَرِّي، وَعَنْ الْمِنَحِ وَكَذَا لَوْ أُكِلَ أَوْ بِيعَ بَعْضُهُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ النَّجِسِ فِي كُلِّ طَرَفٍ كَمَا فِي الثَّوْبِ (وَلَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ عَرَقِ الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ مَعَ كَثْرَةِ تَمَرُّغِهَا فِي النَّجَاسَاتِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَلَوْ كَانَ السُّؤَالُ مَمْدُوحًا لَفَعَلُوا، وَلَوْ فَعَلُوا لَنَقَلُوا، وَإِلَّا فَأَثِمُوا، وَهُمْ بُرَآءُ فَإِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ (وَلَمْ يُنْقَلْ قَطُّ) كَمَا نُقِلَ مِنْ سُؤَالِهِمْ عَنْ دَقَائِقِ خَبَائِثِ الْقَلْبِ (عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُؤَالٌ عَنْ دَقَائِقِ النَّجَاسَاتِ) بَلْ تَسَامَحُوا جَرْيًا عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ

لَا يَخْفَى أَنَّ حَاصِلَ مَا ذُكِرَ بَقَاءُ أَصْلِ الطَّهَارَةِ الثَّابِتَةِ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الْحَالِّ عِنْدَ عَدَمِ صَرِيحٍ يُنَافِيهِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ، وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ الْمُفَسَّرُ بِالْحُكْمِ بِبَقَاءِ أَمْرٍ مُحَقَّقٍ لَمْ يُظَنَّ عَدَمُهُ، وَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ؛ إذْ تَفْصِيلُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضٍ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا عَنْ بَعْضٍ كَأَبِي زَيْدٍ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الدَّفْعِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ.

قَالَ صَاحِبُ الْأَشْبَاهِ: وَالْوَجْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا لِأَنَّ الدَّفْعَ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ الْأَصْلِيِّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ بِلَا دَلِيلٍ كَذَا فِي التَّحْرِيرِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَقَدْ انْتَهَتْ النَّوْبَةُ الْآنَ إلَى طَائِفَةٍ يُسَمُّونَ الرُّعُونَةَ) أَيْ الْحَمَاقَةَ وَالْجَهَالَةَ فَالتَّسْمِيَةُ مِنْ غَيْرِ تَطَابُقٍ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى (نَظَافَةً) مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ

ص: 215

فَيُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.

(وَيَقُولُونَ: هِيَ) أَيْ النَّظَافَةُ (مَبْنَى الدِّينِ) بِنَاؤُهُ وَأَصْلُهُ (فَأَكْثَرُ أَوْقَاتِهِمْ فِي تَزْيِينِهِمْ الظَّوَاهِرَ كَفِعْلِ الْمَاشِطَةِ) الْمَرْأَةِ الْمُزَيِّنَةِ (لِعَرُوسِهَا وَالْبَاطِنُ خَرَابٌ مَشْحُونٌ) مَمْلُوءٌ بِخَبَائِثِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ (وَهُوَ أَحَقُّ بِالنَّظَافَةِ) لِكَوْنِهِ مَحَلَّ نَظَرِ الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ (وَلَا يَسْتَنْكِرُونَ ذَلِكَ) أَيْ لَا يَعُدُّونَ تَزْيِينَ الظَّوَاهِرِ مَعَ خَرَابِ الْبَاطِنِ أَمْرًا مُنْكَرًا، وَلَا يَقْصِدُونَ الْإِصْلَاحَ وَالْإِزَالَةَ (وَلَا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ) أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ تَعَجُّبٌ وَانْفِعَالٌ وَتَأَثُّرٌ حَتَّى يَقْصِدُوا إزَالَتَهُ (وَلَوْ اقْتَصَرَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ أَوْ مَشَى حَافِيًا) عَلَى الْأَرْضِ (أَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ) مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ (وَعَلَى بَوَارِي) أَيْ حَصِيرِ (الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ سَجَّادَةٍ أَوْ تَوَضَّأَ مِنْ آنِيَةِ عَجُوزٍ أَوْ آنِيَةِ رَجُلٍ غَيْرِ مُتَقَشِّفٍ) أَيْ مُتَعَمِّقٍ وَمُسْتَقْصٍ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مَعَ أَنَّهَا مُسْتَحْسَنٌ، وَمَسْنُونٌ فِي الشَّرْعِ (لَأَقَامُوا فِيهِ الْقِيَامَةَ) بِالْإِنْكَارِ وَاللَّوْمِ لَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ حَاصِلٌ بِالتَّجْرِبَةِ أَوْ الْأَمَارَاتِ، وَإِلَّا فَأَكْثَرُهَا وِجْدَانِيٌّ يَتَعَسَّرُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ سُوءِ الظَّنِّ (وَشَدَّدُوا عَلَيْهِ النَّكِيرَ) مَعَ أَنَّ النَّكِيرَ حَرِيٌّ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ.

(وَلَقَّبُوهُ بِالْقَذِرِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ زُمْرَتِهِمْ) جَمَاعَتِهِمْ (وَاسْتَنْكَفُوا مِنْ مُؤَاكَلَتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ) زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَحَاشٍ عَنْ النَّجَاسَاتِ إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِسُنِّيَّتِهِ يُخَافُ مِنْهُ خَطَأٌ عَظِيمٌ (فَسَمَّوْا الْبَذَاذَةَ) أَيْ الْحَقَارَةَ وَرَثَاثَةَ الْهَيْئَةِ (الَّتِي هِيَ مِنْ) ثَمَرَاتِ (الْإِيمَانِ قَذَارَةً) أَيْ نَجَاسَةً (وَالرُّعُونَةَ) أَيْ الْجَهَالَةَ وَالْحَمَاقَةَ (نَظَافَةً) يَعْنِي إذَا لَقَّبُوا الِاقْتِصَارَ الْمَذْكُورَ الْمَسْنُونَ بِالْقَذَارَةِ لَزِمَ أَنْ يُسَمُّوا الْأَمْرَ الْمَسْنُونَ الَّذِي هُوَ الْبَذَاذَةُ وَثَمَرَةُ الْإِيمَانِ بِالْقَذَارَةِ الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ النَّجَاسَاتِ وَأَفْحَشُ الْمُسْتَقْذَرَاتِ هَذَا ظَاهِرٌ وَأَمَّا تَفْرِيعُ قَوْلِهِ، وَالرُّعُونَةَ نَظَافَةٌ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عَطْفِ الرُّعُونَةِ عَلَى الْبَذَاذَةِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِالْتِزَامِيَّةَ، وَلَعَمْرِي إنَّ هَذَا لَيْسَ إلَّا عَكْسَ الْمَشْرُوعِ وَالْمَوْضُوعِ، وَتَغْيِيرَ مَا عَيَّنَهُ الشَّارِعُ بَلْ وَضْعُ شَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ لِشَرِيعَةٍ ثَابِتَةٍ.

وَلِهَذَا قَالَ (فَانْظُرْ) يَا مَنْ شَأْنُهُ النَّظَرُ وَالتَّأَمُّلُ (كَيْفَ صَارَ الْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا وَالْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا) فِي جَعْلِهِمْ فَإِنَّ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْحَجَرِ مَثَلًا مَسْنُونٌ، وَمَعْرُوفٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي الشَّرِيعَةِ، وَمُنْكَرٌ فِي جَعْلِهِمْ لِتَشْدِيدِهِمْ الْإِنْكَارَ (وَكَيْفَ انْدَرَسَ) أَيْ انْقَطَعَ وَخَفِيَ (مِنْ الدِّينِ رَسْمُهُ) أَيْ أَثَرُهُ وَثَمَرَتُهُ الْمُطَابِقُ لَهُ وَبَقِيَ مُجَرَّدُ اسْمِهِ (كَمَا انْدَرَسَ تَحْقِيقُهُ) أَيْ حَقِيقَةُ الدِّينِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَهَابَ الدِّينِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ كُفْرًا، وَالتَّأْوِيلُ بِالْكَمَالِ لَا يُنَافِي التَّحْقِيقَ؛ إذْ حَقِيقَةُ الشَّيْءِ تَمَامُ مَاهِيَّتِه، وَجَمِيعُ ذَاتِيَّاتِهِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ التَّجَوُّزَ مُبَالَغَةً أَوْ يَدَّعِيَ لُزُومَ الْكُفْرِ مِنْ تِلْكَ الْأَفْعَالِ كَمَا أُشِيرَ هُنَالِكَ (انْتَهَى) كَلَامُ الْغَزَالِيِّ.

(وَقَالَ الْإِمَامُ الْخَبَّازِيُّ) وَهُوَ الشَّارِحُ الْأَوَّلُ لِلْهِدَايَةِ (فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ) فِي حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ هُوَ ابْنُ زَيْنِ الْعَابِدِينَ وَالْبَاقِرُ لَقَبُهُ سُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَاهِرًا فِي الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ مِنْ الْبَقَرِ وَهُوَ الْمَهَارَةُ فِي الشَّيْءِ (أَوْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ) لَقَبُهُ (زَيْنُ الْعَابِدِينَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَنَّهُ رَأَى فِي الْخَلَاءِ ذُبَابًا يَقَعْنَ عَلَى النَّجَاسَاتِ ثُمَّ يَقَعْنَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَمَرَ بِثِيَابٍ) مُعَدَّةٍ (لِلْخَلَاءِ) كُلَّمَا دَخَلَ الْخَلَاءَ لَبِسَ

ص: 216