الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فِي مُسْتَحَمِّهِ» مَوْضِعِ اسْتِحْمَامِهِ وَيُقَالُ لِمُطْلَقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ «فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ» أَيْ أَكْثَرَهُ قِيلَ عَنْ التَّوْفِيقِ، وَقَدْ عَمَّتْ هَذِهِ الْبَلِيَّةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ إلَّا فِي زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَمَّامِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَكْبِيرِ الِافْتِتَاحِ إلَّا بَعْدَ تَكْبِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «الْوَسْوَسَةُ صَرِيحُ الْإِيمَانِ أَوْ مَحْضُ الْإِيمَانِ» فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا مَا ذُكِرَ مِنْ الْأُمُورِ الْفَاسِدَةِ بَلْ الْمُرَادُ بِهَا مُنَازَعَةُ الشَّيْطَانِ مَعَ الْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ مِنْ أَحْوَالِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّ الْوَسْوَسَةَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأُمُورِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِهَا تَدُلُّ عَلَى صَرِيحِ الْإِيمَانِ وَمَحْضِهِ وَكَمَالِهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ سَارِقٌ وَالسَّارِقُ إنَّمَا يَدْخُلُ بَيْتًا مَعْمُورًا؛ وَلِهَذَا قِيلَ: الشَّيْطَانُ لَا يُوَسْوِسُ لِلْكُفَّارِ لِعَدَمِ إيمَانِهِمْ
وَسُئِلَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ عَنْ الْوَسْوَسَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: كُلُّ صَلَاةٍ لَا وَسْوَسَةَ فِيهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا وَسْوَسَةَ فِي صَلَاتِهِمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -: الْفَرْقُ بَيْنَ صَلَاتِنَا وَصَلَاةِ الْكُفَّارِ الْوَسْوَسَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلشَّيْطَانِ مَعَ الْكُفَّارِ وَسْوَسَةٌ وَمُحَارَبَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَهُ وَأَهْلُ الْإِيمَانِ يُخَالِفُونَهُ، وَالْمُحَارَبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِالْمُخَالَفَةِ (تَذْنِيبٌ) ثُمَّ لَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْحِقَ نُبَذًا مِنْ مَبْحَثِ الْوَسْوَسَةِ وَإِنْ عُرِفَ بَعْضُهَا مِمَّا سَبَقَ اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ الْحَوَاسَّ شَيْءٌ يَحْصُلُ مِنْهُ أَثَرٌ فِي الْقَلْبِ ثُمَّ الْقَلْبُ يَنْتَقِلُ بِسَبَبِ تِلْكَ الْآثَارِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ دَائِمًا وَتُسَمَّى الْخَوَاطِرَ، وَالْخَوَاطِرُ مُحَرِّكَةٌ لِلرَّغْبَةِ، وَهِيَ تُحَرِّكُ الْعَزْمَ، وَالنِّيَّةُ تُحَرِّكُ الْأَعْضَاءَ فَالْخَوَاطِرُ مَبْدَأٌ لِلْأَفْعَالِ وَتَنْقَسِمُ إلَى مَا يَدْعُو إلَى الشَّرِّ وَإِلَى مَا يَدْعُو إلَى الْخَيْرِ فَالْمَحْمُودُ إلْهَامٌ، وَالْمَذْمُومُ وَسْوَسَةٌ فَسَبَبُ الْمَحْمُودِ يُسَمَّى مَلَكًا وَالْمَذْمُومِ شَيْطَانًا، وَاللُّطْفُ الَّذِي يَتَهَيَّأُ بِهِ الْقَلْبُ لِقَبُولِ الْإِلْهَامِ لِلْمَلَكِ يُسَمَّى تَوْفِيقًا، الَّذِي يَتَهَيَّأُ بِهِ لِقَبُولِ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ يُسَمَّى إغْوَاءً وَخِذْلَانًا، الْقَلْبُ مُتَجَاذِبٌ بَيْنَ الْمَلَكِ وَالشَّيْطَانِ، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ بِالْمُجَاهَدَةِ أَوْ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ سِلَاحُ الشَّيْطَانِ وَكَثِيرًا مَا يَعْسُرُ تَمْيِيزُ إلْهَامِ الْمَلَكِ وَوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ؛ إذْ الشَّيْطَانُ يَعْرِضُ الشَّرَّ فِي مَعْرِضِ الْخَيْرِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْعَانِ النَّظَرِ، وَلَا يَطَّلِعُ إلَّا بِنُورِ التَّقْوَى، وَلَا يَنْجُو مِنْ تِلْكَ الْخَوَاطِرِ إلَّا مَنْ سَدَّ أَبْوَابَ الْخَوَاطِرِ، وَاخْتَارَ الْعُزْلَةَ وَقَطَعَ الْعَلَائِقَ وَدَاوَمَ الذِّكْرَ ثُمَّ إنَّ الْقَلْبَ إذَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّهْوَةُ يَسْتَقِرُّ الشَّيْطَانُ فِيهِ وَلَا يَتَمَكَّنُ الذِّكْرُ مِنْ سُوَيْدَائِهِ بَلْ يَرْجِعُ إلَى حَوَاسِّهِ، وَأَمَّا إذَا صَفَا وَخَلَا عَنْ الشَّهَوَاتِ رُبَّمَا يَطْرُقُهَا الشَّيْطَانُ لَا لِلشَّهَوَاتِ بَلْ لِخُلُوِّهَا عَنْ الذِّكْرِ فَإِذَا ذَكَرَ خَنَّسَ الشَّيْطَانُ ثُمَّ إنَّ الشَّيَاطِينَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ وَلِكُلٍّ مِنْ الْمَعَاصِي شَيْطَانٌ يَخُصُّهُ وَيَدْعُوهُ إلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فَالْوَلْهَانُ شَيْطَانُ الْوُضُوءِ، وَكَذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ إذْ يَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْهُمْ بِعَمَلٍ لَكِنْ لَا يُمْكِنُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ هُنَا
[مَرَاتِب الْوَسْوَسَة]
ثُمَّ لِلْوَسْوَسَةِ مَرَاتِبُ أَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَمَلِ الْأُولَى الْخَاطِرُ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ الثَّانِيَةُ: الْمَيْلُ وَهُوَ حَرَكَة الشَّهْوَةِ الَّتِي فِي الطَّبْعِ الثَّالِثُ: الِاعْتِقَادُ وَالْحُكْمُ بِأَنَّ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ الرَّابِعَةُ الْهَمُّ وَهُوَ الْعَزْمُ وَجَزْمُ النِّيَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَنْدَمَ فَيَتْرُكَ أَوْ يَغْفُلَ لِعَارِضٍ فَلَا يَعْمَلُ أَوْ يَعُوقُهُ عَنْهُ عَائِقٌ، وَالْأَوَّلَانِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِمَا لِعَدَمِ كَوْنِهِمَا تَحْتَ الِاخْتِيَارِ وَيُسَمَّيَانِ حَدِيثَ النَّفْسِ كَمَا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ نُفُوسُهَا» .
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَإِنْ اخْتِيَارِيًّا يُؤَاخَذُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمُؤَاخَذٌ بِهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ وَنَدَمًا عَلَى هَمِّهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ السَّيِّئَةِ حَسَنَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا مِنْ اللَّهِ بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ فَإِنَّ هَمَّهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ إلَّا أَنْ يُكَفِّرَهُ بِحَسَنَةٍ كَمَا عَرَفْت سَابِقًا أَيْضًا فَافْهَمْ هَذَا عُصَارَةُ مَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ وَتَفْصِيلُهُ فِيهِ
[النَّوْعُ الرَّابِعُ فِي اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ]
وَالْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ) الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَحْكَامِ جُزْئِيَّاتِ مَوْضُوعِهَا (فِيهِ) أَيْ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ (فَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ) فِي الْحَاشِيَةِ: رَئِيسُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلَعَلَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الظَّاهِرِيَّةِ الَّذِينَ أَخْطَئُوا بَلْ كَفَرُوا؛ لِأَنَّ التَّجَسُّمَ مِنْهُمْ يَعْنِي أَنَّ الطَّوَائِفَ ثَلَاثٌ الظَّاهِرِيَّةُ وَهُمْ يَحْمِلُونَ الْقُرْآنَ عَلَى الظَّوَاهِرِ فِي الْجَمِيعِ حَتَّى الْمُتَشَابِهَاتِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وَالْبَاطِنِيَّةُ وَهُمْ يُؤَوِّلُونَ الْكُلَّ وَأَخْطَئُوا أَيْضًا؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ظَوَاهِرِهَا إلَّا بِصَارِفٍ قَطْعِيٍّ
وَالْمُقْتَصِدَةُ وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ يَحْمِلُونَهُ عَلَى ظَوَاهِرِهِ إلَّا بِمَانِعٍ، وَقَدْ فَهِمْت التَّفْصِيلَ قَبْلُ (أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ أَصْلًا جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ (أَوْ كَثِيرًا) فِي الْجَرَيَانِ أَوْ فِي الرَّكْدِ (تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمَاءِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَشَيْءٌ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُنَجِّسَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ قِيلَ: وَالْجُمْهُورُ حَمَلُوا اللَّامَ عَلَى الْعَهْدِ، وَالْمَعْهُودُ بِئْرُ بُضَاعَةَ فِي الْمَدِينَةِ الْمَسْئُولُ عَنْ مَائِهَا وَقَدْ أُلْقِيَ فِيهَا نَحْوُ لُحُومِ الْكِلَابِ وَخِرَقِ الْمَحَايِضِ، وَأَجَابَ عليه الصلاة والسلام بِالْحَدِيثِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمَاءِ مَاءَ آبَارِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جَارٍ تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ إذَا ثَبَتَ جَرَيَانُ ذَلِكَ الْمَاءِ تَحْتَ الْأَرْضِ وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ نُزُولًا أَوْ وُرُودًا ثُمَّ قِيلَ: الْوَجْهُ الْوَجِيهُ التَّمَسُّكُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا صَاحِبُ الْمَذْهَبِ كَالْحَدِيثِ الْآتِي هُنَا وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُقَاوِمُ قُوَّةَ هَذَا الْحَدِيثِ فَانْتَظِرْ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَقُولُ: إنَّ سَبَبَ الْوُرُودِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي كَوْنِهِ قَرِينَةً لِلْمَجَازِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ مُقَايَسَةً أَوْ دَلَالَةً (خَرَّجَهُ د ت س قُطْن حك هق طح) أَيْ الطَّحَاوِيُّ.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (وَيَحْيَى) بْنُ مَعِينٍ (وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ الْقَوْلُ) أَيْ هَذَا الْقَوْلُ أَيْ الْحَدِيثُ (مِثْلُ قَوْلِنَا) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مَنْ لَفْظِ الْقَوْلِ «إنَّ الْمَاءَ) طَهُورٌ (لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ) » بِزِيَادَةِ لَفْظِ إنَّ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ (عَائِشَةُ وَعُمَرُ) الظَّاهِرُ هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَالْأَوْلَى عَكْسُ التَّرْتِيبِ (وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَمَيْمُونَةُ) مِنْ الزَّوْجَاتِ
الْمُطَهَّرَةِ (وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُوهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ) أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ (وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ) بِفَتْحٍ فَتَشْدِيدٍ (وَغَيْرُهُمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ طَهَارَتُهُ إنْ بَقِيَ عَلَى طَبْعِهِ مِنْ الرِّقَّةِ وَالسَّيَلَانِ إذْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ طَبْعِهِ لَا يُسَمَّى مَاءً) وَأَنَا أَقُولُ: لَيْتَ شِعْرِي فَائِدَةُ هَذَا التَّأْوِيلِ مِنْ الْمُصَنِّفِ بَلْ لَا يَبْعُدُ مِمَّنْ يَجْتَرِئُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْقَرِيبِ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الْقَوْلِيِّ عَلَى كَوْنِ ذَلِكَ مَاءً.
(وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ دَاوُد الْأَصْفَهَانِيِّ) رحمه الله (أَنَّ الْأَبْوَالَ كُلَّهَا وَالْأَرْوَاثَ كُلَّهَا طَاهِرَةٌ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ) ، وَلَوْ غَيْرَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ (إلَّا الْآدَمِيَّ وَالثَّانِي مَذْهَبُ مَالِكٍ) إمَامِ الْمَدِينَةِ (وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ) وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ نَجَاسَةٌ قَلَّ الْمَاءُ أَوْ كَثُرَ (إلَّا مَا تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِهِ) اللَّوْنُ وَالرِّيحُ وَالطَّعْمُ (بِالنَّجَسِ جَارِيًا) كَانَ (أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ) عَالِمُ مِصْرَ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْر وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ) رحمهم الله (فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ» وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ ظَاهِرَ اللَّامِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ يَقْتَضِي طَاهِرِيَّةَ الْمَاءِ وَإِنْ وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَعْمَلْ الظَّاهِرِيَّةُ بِهِ لِضَعْفِهِ وَقُوَّةِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِجَزْمِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْحُفَّاظِ بِضَعْفِهِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّةِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ اُسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ نَشَأَ مِمَّا قَبْلَهُ حَاصِلُهُ أَنَّ الضَّعْفَ لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ سَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ فَلَا وَجْهَ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَلَمَّا وَرَدَ مَا نَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مَعَ صِحَّتِهِ أَجَابَ بِقَوْلِهِ: اللَّامُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ لِلْعَهْدِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَا تَعَارُضَ، وَإِنَّمَا عَمِلَ مَالِكٌ بِظَاهِرِ الثَّانِي مَعَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ فِي طَبْعِهِ إحَالَةُ الْأَشْيَاءِ إلَى نَفْسِهِ فَتُقْلَبُ النَّجَاسَةُ مَاءً مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ أَحَدُ أَوْصَافِهِ كَالْجِيفَةِ الْمُلْقَاةِ فِي الْمَمْلَحَةِ فَانْقَلَبَتْ مِلْحًا وَالْخَمْرُ الْمُنْقَلِبَةُ خَلًّا انْتَهَى مُلَخَّصًا أَقُولُ: يُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْفَيْضِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ عِنْدَ جَمْعٍ مِنْهُمْ الْعِرَاقِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ لِضَعْفِ رُوَاتِهِ، وَمِنْهُمْ رُشَيْدُ بْنُ سَعْدٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ: لَا يُبَالِي عَمَّنْ رَوَى، وَأَبُو حَاتِمٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَالنَّسَائِيُّ مَتْرُوكٌ وَيَحْيَى وَاهٍ.
وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ضَعْفِهِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ حَكَى الْعِرَاقِيُّ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِيهِ لَكِنْ حَكَمَ بِصِحَّتِهِ وَحَسَّنَهُ الْيَعْمُرِيُّ لَكِنْ يَشْكُلُ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَةِ
الظَّاهِرِيَّةِ لَا سِيَّمَا دَاوُد الْأَصْفَهَانِيُّ إذْ سَمِعْت مِنْ حَاشِيَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَيْضًا أَنَّ اللَّامَ فِيهِ أَيْضًا لِلْعَهْدِ؛ إذْ سَبَبُ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ بِئْرُ بُضَاعَةَ فَلَا وَجْهَ لِلْحَمْلِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَفِي الْآخَرِ عَلَى الْعَهْدِ وَأَيْضًا يَشْكُلُ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْمَاءِ بِالنَّجَاسَةِ إذَا لَمْ يَحِلْ الْأَشْيَاءَ إلَى نَفْسِهِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ الْإِحَالَةُ فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ
(تَنْبِيهٌ)
مِنْ خَاصَّةِ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعْلُ الْمَاءِ مُزِيلًا لِلنَّجَاسَةِ وَأَنَّ كَثِيرَ الْمَاءِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْخَبَثُ وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْجَامِدِ (خَرَّجَهُ هق مج عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَ) خَرَّجَهُ (رَزَّاقٌ قُطْن طح عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مُرْسَلًا) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ وَهُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ أَقُولُ: فِيهِ تَفْصِيلٌ يُعْرَفُ مِنْ الْأُصُولِ (وَوَجْهُهُ الْمَعْقُولُ) يَعْنِي الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ عَلَى مُدَّعَى مَالِكٍ مَثَلًا مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْعَقْلِيُّ (أَنَّ الْمَاءَ شَيْءٌ فِي طَبْعِهِ إحَالَةُ كُلِّ شَيْءٍ إلَى نَفْسِهِ) وَكُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِمَا يُلَاقِيهِ مِنْ النَّجِسِ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ فَقَوْلُهُ (فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ) فِيهِ (يَظْهَرُ أَنَّهَا انْقَلَبَتْ مَاءً فَيَطْهُرُ) إلَى آخِرِهِ فِي قُوَّةِ دَلِيلِ تِلْكَ الْكُبْرَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَوَجْهُهُ الْمَعْقُولُ عِلَّةُ حُكْمِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا أَدْرَكَهُ الْعَقْلُ عَلَى قَوَانِينِ الشَّرْعِ فَلَا يُتَوَهَّمُ الْمَيْلُ إلَى الْحُسْنِ الْعَقْلِيِّ (كَالْجِيفَةِ الْمُلْقَاةِ فِي الْمَاءِ الْمَالِحِ فَانْقَلَبَتْ مِلْحًا) بِلَا تَنَجُّسِ الْجِيفَةِ فَضْلًا عَمَّا يُلَاقِيهَا مِنْ الْمَاءِ الْمُنْقَلَبِ مِلْحًا (فَإِنَّهَا) أَيْ الْجِيفَةَ (طَاهِرَةٌ عِنْدَ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَالِكٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (أَيْضًا) كَمَا عِنْدَ مَالِكٍ (لِانْقِلَابِ الْحَقِيقَةِ) إلَى حَقِيقَةٍ أُخْرَى.
فَالْوَصْفُ الْجَامِعُ هُوَ انْقِلَابُ الْحَقِيقَةِ وَلَا يَخْفَى لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْكُلِّيَّةُ لَمْ تَتَخَلَّفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ فَإِذَا تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَالتَّغَيُّرِ بِأَحَدِ الْأَوْصَافِ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْإِحَالَةُ، وَالْكَلَامُ بِالْعَقْلِ فَلَا يَضُرُّ اسْتِثْنَاءُ النَّقْلِ، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى كَمَا فِي الْعَامِّ الْبَاقِي مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَأَصْلُهُ) أَيْ دَلِيلُ طَهَارَةِ تِلْكَ الْجِيفَةِ (الْخَمْرُ إذَا صَارَتْ خَلًّا) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي ثُبُوتِ أَصْلِ الْقِيَاسِ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَاسْتِحَالَةُ الْخَمْرِ خَلًّا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ فَالْأَوْلَى إمَّا أَنْ يَكْتَفِيَ بِدَلِيلِ هَذَا الْحُكْمِ بَدَلَهُ أَوْ يَذْكُرَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ فِيهِ رَائِحَةُ الْقِيَاسِ عَلَى الْقِيَاسِ فَتَأَمَّلْ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْقِيَاسِ مَعَ الْفَارِقِ إذْ مَا وُجِدَ فِي الْفَرْعِيَّةِ هُوَ الْحُلُولُ السُّرْيَانِيُّ أَوْ الْجَوَارِي، وَفِي الْأَصْلِ هُوَ الِانْقِلَابُ وَأَحَدُهُمَا لَيْسَ عَيْنَ الْآخَرِ (وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمَا اللَّهُ الرَّوْثُ) نَجَاسَةُ عَرِيضِ الْأَظْفَارِ كَالْفَرَسِ (وَالْخِثْيُ) نَجَاسَةُ ضِدِّهِ (طَاهِرَانِ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ) ظَاهِرُهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إذْ هُوَ مُجْتَهِدٌ كَامِلٌ مِنْ تَلَامِذَةِ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله وَهُوَ مِمَّنْ قَالَ: الْعَمَلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعِلْمِ وَلِذَا تَقَاعَدَ لِلتَّفَرُّغِ، وَلَمْ يُصَنِّفْ، وَلَمْ يُدَرِّسْ (وَالنَّخَعِيُّ وَأَحْمَدُ) لَا يَخْفَى مَا فِي بَعْضِ هَذَا التَّرْتِيبِ (بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرَانِ وَالثَّالِثُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَمَنْ تَبِعَهُ) قِيلَ: وَسَنَدُهُمْ فِيهِ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - «أَنَّ الْمَاءَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ» وَهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ) وَالرِّطْلُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وَهُوَ رِطْلُ بَغْدَادَ وَبِالْمِسَاحَةِ نَحْوَ ذِرَاعٍ وَرُبُعِ ذِرَاعٍ طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا «لَا يَتَنَجَّسُ» إلَّا بِتَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ) بِمُلَاقَاةِ النَّجِسِ (كَقَوْلِ مَالِكٍ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ يَتَنَجَّسُ بِنَجِسٍ وَإِنْ قَلِيلًا) كَنُقْطَةِ بَوْلٍ أَوْ دَمٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ
فِي الْمَاءِ الْجَارِي الْوَصْفَ الْمُنَفِّرَ فَقَطْ كَمَالِكٍ وَحَكَمَ بِنَجَاسَتِهِ إذَا وُجِدَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَإِلَّا فَبِطَهَارَتِهِ، وَكَذَا عِنْدَنَا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ لِلْفَتْوَى وَأَمَّا فِي الرَّاكِدِ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَكَذَا، وَإِلَّا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِهِ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ وُجِدَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ أَوْ لَا وَحَمَلَ الْحَدِيثَ السَّابِقَ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُ مَالِكٍ عَلَى الْجَارِي وَالرَّاكِدِ الَّذِي بَلَغَ هَذَا الْمِقْدَارَ تَطْبِيقًا بَيْنَهُمَا وَالْجَوَابُ مِنْ طَرَفِ مَالِكٍ أَنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابًا، وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ مُطْلَقٌ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ: فِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ يَرُدُّهُ مَا فِي الْفَيْضِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ حَسَنٌ " د " فَهُوَ صَحِيحٌ وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ضَعَّفَهُ " د " وَهَمٌ وَكَفَى شَاهِدًا تَصْحِيحُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَ " حب " وَاعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ بِصِحَّتِهِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: إنَّ إسْنَادَهُ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَكَذَا عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: جَيِّدٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ صَحِيحٌ وَلَمْ يَرَوْا الِاضْطِرَابَ فِيهِ قَادِحًا انْتَهَى بِنَحْوِ إيجَازٍ
ثُمَّ قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ السَّابِقُ مُطْلَقٌ أَيْ حَدِيثُ مَالِكٍ يَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِمَا ذُكِرَ مِنْ صِحَّةِ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَعَدَمِ قَدْحِ الِاضْطِرَابِ فَمُطْلَقُ الْحَدِيثِ السَّابِقِ يُحْمَلُ عَلَى تَقْيِيدِ الثَّانِي فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَاءَ الْبَالِغَ قُلَّتَيْنِ طَاهِرٌ إلَى آخِرِهِ
وَهُنَا رِوَايَةٌ أُخْرَى وَهِيَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» فَحُمِلَ عَلَى التَّقْيِيدِ كَذَلِكَ (وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ رحمه الله فِي الْإِحْيَاءِ: وَكُنْت أَوَدُّ) أُحِبُّ (أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله مِثْلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِسَبْعَةِ أَدِلَّةٍ الْأَوَّلُ: عَدَمُ وُقُوعِ السُّؤَالِ مِنْ أَوَّلِ عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى آخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ) - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهُوَ تَمَامُ مِائَةِ عَامٍ مِنْ وَفَاتِهِ (عَنْ كَيْفِيَّةِ حِفْظِ الْمَاءِ وَحَالِهِ) فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْعِبْرَةُ فِي طَهَارَةِ الرَّاكِدِ مُطْلَقًا بِعَدَمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمُنَفِّرِ بَلْ شُرِطَ مَعَ عَدَمِ التَّيَقُّنِ بِوُجُودِ النَّجَاسَةِ فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَكُنْ لِعَدَمِ السُّؤَالِ وَجْهٌ مَعَ كَمَالِ اهْتِمَامِهِمْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَكَذَا لِارْتِكَابِهِمْ الْكَرَاهَةَ وَلَوْ تَنْزِيهًا عُدِمَ الدَّوَامُ كَمَا ذَكَرَ الْمُحَشِّي لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَظْهَرُ مِمَّا حُرِّرَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ هُنَا فَلَا يَخْلُو مَا فِي التَّحْرِيرِ مِنْ الْقُصُورِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ مِنْ الشَّافِعِيِّ، وَلَوْ سُلِّمَ فَيَجُوزُ كَوْنُ عَدَمِ سُؤَالِهِمْ لِأَجْلِ فَهْمِهِمْ حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ مِنْ النَّصِّ كَحَدِيثِ الشَّافِعِيِّ (وَكَانَتْ أَوَانِي مِيَاهِهِمْ يَتَعَاطَاهَا الصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ وَاَلَّذِينَ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ) لِجَهْلِهِمْ حُكْمَ الْحَادِثَةِ أَوْ لِعَدَمِ إدْرَاكِهِمْ الْمُمَيِّزَ، وَكُلُّ أَوَانِي مِيَاهٍ كَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَأْنِهِ، وَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ وَأَنْتَ خَبِيرٌ أَنَّ عَدَمَ سُؤَالِهِمْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ زَوَالِ الْيَقِينِ؛ إذْ هَذَا التَّعَاطِي إنَّمَا يُورِثُ الشَّكَّ لَا الْقَطْعَ، وَالطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ يَقِينِيَّةٌ، وَلَوْ قِيلَ: إنَّ الْمَاءَ الَّذِي لَا يَكُونُ قُلَّتَيْنِ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجِسِ فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ (وَالثَّانِي تَوَضَّأَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِمَاءٍ فِي جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ وَهَذَا كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ إلَّا عَلَى عَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ) فِي الْحَصْرِ خَفَاءٌ لِجَوَازِ كَوْنِ التَّعْوِيلِ لِعَدَمِ خَبَرِ عَدْلٍ أَوْ عَدَدٍ مَثَلًا (وَإِلَّا فَنَجَاسَةُ النَّصْرَانِيَّةِ وَإِنَائِهَا غَالِبَةٌ) إنْ أُرِيدَ بِالْغَلَبَةِ مَرْتَبَةُ الظَّنِّ الْغَالِبِ فَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ وَإِنْ الظَّنُّ الْمُجَرَّدَ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا يُزِيلُ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ
(وَالثَّالِثُ إصْغَاءُ) بِالْمُهْمَلَةِ فَالْمُعْجَمَةِ الْإِمَالَةُ (رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْإِنَاءَ لِلْهِرَّةِ وَعَدَمُ تَغْطِيَةِ الْأَوَانِي مِنْهَا) مَعَ أَنَّ سُؤْرَهَا مَكْرُوهٌ لَا يَلِيقُ بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِوُجُودِ الْوَصْفِ الْمُنَفِّرِ وَأَيْضًا كَوْنُ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَا حُرِّرَ هُنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِطَهَارَةِ سُؤْرِهَا كَمَا فِي حَدِيثِ:«سُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ» (وَالرَّابِعُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - نَصَّ عَلَى أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ إذَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يُلَاقِيَ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ بِالْوُرُودِ عَلَيْهَا أَوْ بِوُرُودِهَا عَلَيْهِ) حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِنَجَاسَةِ الثَّانِي مُطْلَقًا بَعْدُ إنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ عَدَمِ التَّغَيُّرِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمَاءَ الْغَيْرَ الْبَالِغِ قُلَّتَيْنِ يَتَنَجَّسُ بِالنَّجِسِ وَلَوْ قَلِيلًا، وَالْمَفْهُومُ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ وَظَاهِرٌ أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الْمَفْهُومِ شَامِلٌ لَهُمَا مَعًا (وَالْخَامِسُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله أَنَّهُ) أَيْ النَّجِسَ (إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ جَارٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) أَحَدُ أَوْصَافِهِ بِهِ (أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ) الْمَاءُ (قَلِيلًا، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ) حَتَّى يَفْصِلَ بِبُلُوغِ الْقُلَّتَيْنِ وَعَدَمِهِ، وَحَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فِي سَنَدِهِ اضْطِرَابٌ لَا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ، وَعَدَمُ الْفَرْقِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَدْ عَرَفْت عَدَمَ ضَرَرِ الِاضْطِرَابِ لَا يَخْفَى أَنَّ الْجَارِيَ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بِسَيَلَانِهِ دُونَ الرَّاكِدِ
(وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إذَا وَقَعَ رِطْلٌ مِنْ الْبَوْلِ فِي قُلَّتَيْنِ ثُمَّ فَرَّقْنَاهُ فَكُلُّ كُوزٍ يَغْتَرِفُ مِنْهُ طَاهِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ طَاهِرٍ (وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَوْلَ مُنْتَشِرٌ فِيهِ) فِي ذَلِكَ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَعْنِي الْقُلَّتَيْنِ (وَهُوَ قَلِيلٌ) مِنْ الْقُلَّتَيْنِ فَيَلْزَمُهُ النَّجَاسَةُ لِعَدَمِ الْقُلَّتَيْنِ مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ.
وَأُجِيبَ أَنَّهُ اُسْتُهْلِكَ الْبَوْلَ فِي الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبَارٌ وَلَا كَذَلِكَ الْوَاقِعُ مِنْهُ فِي الْقَلِيلِ بِمُلَاقَاتِهِ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ فَرْضَ وُقُوعِ نِصْفِ هَذَا الرَّطْلِ فِي قُلَّةٍ وَاحِدٍ يَتَنَجَّسُ فِي الِابْتِدَاءِ فَمَا وَجْهُ عَدَمِ تَنَجُّسِهِ فِي الِانْتِهَاءِ لَعَلَّ الْأَوْلَى هُوَ أَنْ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا احْتَجَّ بِالنَّصِّ، وَهَذَا رَأْيٌ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ (وَالسَّابِعُ أَنَّ الْحَمَّامَاتِ) مَوْضِعَ الْغُسْلِ (لَمْ تَزَلْ فِي الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ) السَّابِقَةِ (يَتَوَضَّأُ فِيهَا) فِي حِيَاضِهَا (الْمُتَقَشِّفُونَ) الْمُبَالِغُونَ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ (وَيَغْمِسُونَ الْأَيْدِيَ وَالْأَوَانِيَ فِي تِلْكَ الْحِيَاضِ مَعَ قِلَّةِ الْمَاءِ) بِأَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ (وَمَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْأَيْدِيَ النَّجِسَةَ وَالطَّاهِرَةَ كَانَتْ تَتَوَارَدُ عَلَيْهِ) مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَمْنَعُوا مِنْ اسْتِعْمَالِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْمُتَوَضِّئِينَ مِمَّنْ يَجِبُ تَقْلِيدُهُ وَيُحْتَجُّ بِأَفْعَالِهِ، وَكَوْنَ تِلْكَ الْقُلَّةِ نَاقِصَةً مِنْ الْقُلَّتَيْنِ، وَكَوْنَ تَوَارُدِ الْأَيْدِي النَّجِسَةِ مَعْلُومًا لَهُمْ بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْعَادَاتِ وَلَيْسَتْ الْمَذْكُورَاتُ مُطَّرِدَةً (فَهَذِهِ الْأُمُورُ) السَّبْعَةُ (مَعَ الْحَاجَةِ الشَّدِيدَةِ) لِلْمَاءِ (تُقَوِّي فِي النَّفْسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ) الْأَوْلَى إلَى عَدَمِ التَّغَيُّرِ فَقَطْ لَا التَّغَيُّرِ عِنْدَ الْقُلَّتَيْنِ وَالتَّنَجُّسِ مُطْلَقًا عِنْدَ نَقْصِهِ عَنْهُمَا وَإِلَّا
فَالشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِمُطْلَقِ عَدَمِ التَّغَيُّرِ كَمَالِكٍ (انْتَهَى) كَلَامُ الْغَزَالِيِّ (مُخْتَصَرًا) لَا يَخْفَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ مِنْ هَذَا النَّقْلِ بَيَانُ حَالِ السَّلَفِ فِي أَمْرِ الطَّهَارَةِ مِنْ مَيْلِ جَانِبِ السَّعَةِ دُونَ تَضْيِيقِ بَعْضِ مُدَّعِي التَّوَرُّعِ وَلَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ أَخَذَهُ مَذْهَبًا فَتَدَبَّرْ (وَالرَّابِعُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَاءُ الْجَارِي) بِأَنْ يَذْهَبَ بِتَبِنَةٍ كَمَا هُوَ الْهِدَايَةُ وَالْكَافِي وَبِأَنْ لَا يَتَكَرَّرَ اسْتِعْمَالُهُ كَمَا قِيلَ.
وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى: وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا (لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ مُطْلَقًا) مَرْئِيَّةً أَوْ لَا وَقِيلَ لَا فِي أَكْثَرِهِ أَوْ لَا قِيلَ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا عَلَى النَّجَاسَةِ أَوْ لَا، وَفِي الْخُلَاصَةِ: النَّهْرُ إذَا كَانَ يَجْرِي بَعْضُهُ عَلَى الْجِيفَةِ إنْ كَانَ مَا يُلَاقِي الْجِيفَةَ أَكْثَرَ أَوْ كَانَا سَوَاءٌ فَالْمَاءُ نَجِسٌ، وَإِنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَى الْجِيفَةِ أَقَلَّ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ، وَظَاهِرُ مَا فِي الْمُتُونِ أَنَّ الْجَارِيَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إنْ لَمْ يُرَ أَثَرُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جِيفَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِذَا بَالَ إنْسَانٌ فِيهِ فَتَوَضَّأَ آخَرُ مِنْ أَسْفَلِهِ يَجُوزُ مَا لَمْ يَظْهَرْ فِي الْجَرْيَةِ أَثَرُهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ: وَلَوْ كُسِرَتْ خَابِيَةُ خَمْرٍ فِي الْفُرَاتِ، وَرَجُلٌ يَتَوَضَّأُ أَسْفَلَهُ مِنْهُ فَلَمْ يَجِدْ فِي الْمَاءِ طَعْمَ الْخَمْرِ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ (وَفِي النِّصَابِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ هَذَا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ رحمه الله.
وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ النَّجَاسَةَ أَوْ) لَاقَى (نِصْفُهُ فَنَجِسٌ) وَعِنْدَ الْبَعْضِ النِّصْفُ مُلْحَقٌ بِالطَّاهِرِ (وَإِنْ أَقَلَّهُ فَطَاهِرٌ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَخْرِيجِ مُرَادِ الْأَئِمَّةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مُرَادُهُمْ: إنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يَتَنَجَّسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَصْفٌ مُنَفِّرٌ، وَتَغَيَّرَ مَرْئِيُّهُ أَوْ لَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ لِلنَّاسِ وَأَرْفَقُ لِلْقِيَاسِ وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا الْإِطْلَاقُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِنْ لَاقَى أَكْثَرُ الْمَاءِ أَوْ نِصْفُهُ النَّجَاسَةَ فَنَجِسٌ، وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا أَحْوَطُ وَعِنْدَ الْبَعْضِ نِصْفُ الْمَاءِ إذَا لَاقَى النَّجَاسَةَ فَظَاهِرٌ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَشِّي.
(وَأَمَّا مَاءُ الْبِئْرِ فَلَهُ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ) فِي الْفِقْهِ (وَأَمَّا مَا عَدَاهُمَا) وَهُوَ الرَّاكِدُ (فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَكَالْمَاءِ الْجَارِي) لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ (وَإِلَّا فَيَتَنَجَّسُ بِقَلِيلِ نَجَاسَةٍ) وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ التَّغَيُّرُ (وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْكَثِيرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ) عَشْرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَشَرَةِ أَذْرُعٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ بِحَسَبِ الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَاخْتُلِفَ فِي الْعُمْقِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَنْحَسِرُ أَرْضُهُ بِالْغَرْفِ لِلْوُضُوءِ، وَقِيلَ لِلِاغْتِسَالِ وَإِذَا لَمْ يَتَنَجَّسْ كُلُّهُ هَلْ يَتَنَجَّسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ إنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً يَتَنَجَّسُ، وَإِلَّا فَلَا وَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ يَتَنَجَّسُ فِيهِمَا وَقَدْ يَعْتَبِرُ مَا هُوَ بِقَدْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ طُولٌ وَعُمْقٌ وَلَا عَرْضَ لَهُ لَكِنْ لَوْ بُسِطَ صَارَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ لَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَلْ قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ تَصِلُ إلَى الْأَرْضِ.
وَقَالَ أَبُو النَّصْرِ: يَتَوَضَّأُ بِهِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْعَرْضِ، وَإِنْ أَوْجَبَ التَّنَجُّسَ لَكِنَّ اعْتِبَارَ الطُّولِ لَا يُوجِبُهُ فَلَا يَتَنَجَّسُ، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَالْحَوْضُ الْمُدَوَّرُ يُعْتَبَرُ فِيهِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ذِرَاعًا هُوَ الصَّحِيحُ (وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَبِهِ يُفْتَى وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: يُعْتَبَرُ فِيهِ
أَكْبَرُ رَأْيِ الْمُبْتَلَى إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ بِحَيْثُ تَصِلُ النَّجَاسَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَإِلَّا جَازَ) مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ (وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَصَاحِبِ الْعِنَايَةِ وَالْيَنَابِيعِ وَهُوَ الْأَلْيَقُ بِأَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - انْتَهَى) كَلَامُ ابْنِ الْهُمَامِ (مُخْتَصَرًا) وَمِمَّنْ نَصَّ أَنَّهُ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَقَالَ بَعْضٌ: إذَا كَانَ الْحَوْضُ بِحَالٍ لَوْ اغْتَسَلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ لَا يَضْطَرِبُ طَرَفُ مُقَابِلِهِ بِأَنْ لَا يَرْتَفِعَ، وَلَا يَنْخَفِضَ فَكَثِيرٌ، وَفِي الدُّرِّ الْمُبْتَغَى لَوْ تَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ الْوُضُوءِ
(وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) كَالشَّاةِ وَالْبَقَرِ وَالْفَرَسِ كَمَا فِي الْحَاشِيَةِ لَكِنْ فِي إطْلَاقِهِ الْفَرَسَ كَلَامٌ فِقْهِيٌّ لِمَا فِيهِ نَحْوَ الْخُلَاصَةِ وَيُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى جَوَازِ أَصْلِ الْحِلِّ (طَاهِرٌ) قَالَ فِي الْمُلْتَقَى وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ قِيلَ مُخَفَّفٌ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ رحمه الله
(وَقَالُوا) قِيلَ أَيْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ جَمِيعًا (خَرْءُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ طَاهِرٌ سِوَى الدَّجَاجَةِ وَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ) فَإِنَّهُ نَجِسٌ غَلِيظٌ (وَبَوْلُ الْخَفَافِيشِ وَخَرْؤُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا) مَعَ أَنَّهَا مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُمَا وَالْقِيَاسُ النَّجَاسَةُ لَكِنْ عُفِيَ عَنْهَا لِيُدْفَعَ الْحَرَجُ (وَفِي خَرْءِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ رِوَايَتَانِ طَهَارَتُهُ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ، وَنَجَاسَتُهُ خَفِيفَةٌ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ) قِيلَ: وَالْأَقْوَى دِرَايَةً جَانِبُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الِاحْتِرَازِ عَنْ النَّجَاسَةِ لَيْسَ لِذَاتِهَا بَلْ لِوَصْفِهَا الْمُنَفِّرِ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي خَرْئِهَا.
(وَقَالُوا لَوْ انْتَضَحَ الْبَوْلُ) وَكَذَا الْخَمْرُ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ (مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ مَعْفُوٍّ (وَالْغُبَارُ النَّجِسُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَالطَّعَامِ لَا يَضُرُّ، وَإِذَا تَنَجَّسَ بَعْضُ صُبْرَةٍ أَوْ نَحْوُهَا فَقُسِّمَ أَوْ غُسِلَ بَعْضُهُ حُكِمَ بِطَهَارَةِ كُلِّ قِسْمٍ حَتَّى يَحِلَّ أَكْلُهُ وَكَذَا فِي اللِّبَاسِ) إذَا تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْهُ وَغُسِلَ بِلَا تَحَرٍّ طَرَفٌ آخَرُ مِنْهُ يَطْهُرُ كُلُّهُ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ: وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُمْ: الْقِسْمَةُ مِنْ الْمُطَهِّرَاتِ يَعْنِي لَوْ تَنَجَّسَ بَعْضُ الْبُرِّ ثُمَّ قُسِّمَ طَهُرَ لِوَقْعِ الشَّكِّ فِي كُلِّ جُزْءٍ هَلْ هُوَ الْمُتَنَجِّسُ أَوْ لَا فَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ: ثَوْبٌ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَا يَدْرِي مَكَانَهَا يَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ مُخَالِفٌ لَهُ مَعَ قَوْلِ الْأَشْبَاهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ وَتَفْصِيلُهُ يُنْقَلُ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَقَدْ جُوِّزَ الْأَخْذُ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ بِمَذْهَبِ الْغَيْرِ) لَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِ الْجَوَازِ بِالطَّهَارَةِ لِلسَّعَةِ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى إنْ لِضَرُورَةٍ فَلَا وَجْهَ لِلتَّخْصِيصِ، وَإِلَّا فَإِنْ الْغَيْرُ أَعْلَمَ فَلَيْسَ مَسْأَلَتُنَا فِيهِ، وَإِنْ مُطْلَقًا فَقَابِلٌ لِلْكَلَامِ عَلَى أَنَّ مَا أَتَى فِي حُجَّتِهِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ
فِي الْأَوَّلِ.
(حُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اغْتَسَلَ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ) ظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَ لِلْيَوْمِ بَلْ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَمَّا لِلْيَوْمِ فَلِلْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَالْأَوْلَى لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَوْ لِلْجُمُعَةِ، وَحَذْفُ الْمُضَافِ بِلَا قَرِينَةٍ لَيْسَ بِجَائِزٍ، وَأَنَّ الْكَلَامَ مَعَ الظَّاهِرِ لِلسُّنَّةِ (وَصَلَّى بِبَغْدَادَ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ إمَامٌ (فَوَجَدُوا فِي الْبِئْرِ) الَّذِي اغْتَسَلَ فِيهِ (فَأْرَةً مَيْتَةً فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ) وَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ نَزْحُ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ كَمَا فُصِّلَ فِي الْفِقْهِيَّةِ وَأَيْضًا إعَادَةُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
(فَقَالَ نَأْخُذُ بِقَوْلِ إخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) كَالْمَالِكِيَّةِ (تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يَحْمِلُ خُبْثًا» كَذَا فِي التتارخانية وَغَيْرِهَا) لَكِنَّ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي الْأُصُولِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمُجْتَهِدٍ أَنْ يُقَلِّدَ الْمُجْتَهِدَ مَعَ خِلَافِ رَأْيِهِ اتِّفَاقًا فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ قُلْنَا: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَقْلِيدِ الْغَيْرِ مُطْلَقًا نَعَمْ قَدْ يُقَالُ يُرَخَّصُ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ الْحَادِثَةِ لَكِنَّ كَوْنَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ لَعَلَّ الْأَوْجَهَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هُمْ التَّابِعُونَ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي فَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ لِلْأَعْلَمِ مِنْهُ إذَا كَانَ الْأَعْلَمُ صَحَابِيًّا أَوْ تَابِعِيًّا، وَالتَّفْصِيلُ فِي زُبْدَةِ الْوُصُولِ فِي الْأُصُولِ وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ بِقَوْلِهِ (وَلَعَلَّ حُرْمَةَ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِ مُقَيَّدَةٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَا قَلَّدَهُ حُكْمًا قَوِيًّا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ النَّصِّ) فَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا مُخَالِفًا لِلْقِيَاسِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ فَيَجُوزُ؛ إذْ الْمَفْهُومُ مُعْتَبَرٌ فِي كَلَامِ الْمُصَنَّفِينَ لَعَلَّ قُوَّةَ الِاهْتِمَامِ فِي الْأَوَّلِ مَانِعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَعَدَمُ قُوَّتِهِ فِي الثَّانِي مُجَوِّزٌ إيَّاهُ.
وَأَقُولُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ نَظَرِيًّا مُحْتَاجًا إلَى الِاجْتِهَادِ حَتَّى يُقَلِّدَ بَلْ مَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي ظَاهِرِ نَصٍّ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَى قِيَاسٍ مِمَّا يَعْرِفُهُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِّيَّةُ (أَوْ فِي الْأُمُورِ الْمَقْصُودَةِ) الْأَقْرَبُ لَفْظًا عَطْفُهُ عَلَى قَوْلِهِ فِي ظَاهِرِ النَّصِّ وَمَعْنًى عَلَى قَوْلِهِ حُكْمًا قَوِيًّا (لَا الْوَسَائِلِ) فَلِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ فِي الْوَسَائِلِ، مِثْلُهُ فِي الْمَقَاصِدِ جَوَّزَ فِيهَا دُونَهَا فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَرْوِيجًا لِمَا كَانَ فِي صَدَدِهِ لَكِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْأُصُولُ، وَلَمْ يُرَ هَذَا التَّفْصِيلُ فِيهِ فَالْأَوْجَهُ مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا أَوْ مَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ غَيْرُ مَمْنُوعِ التَّقْلِيدِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فَيَجُوزُ كَوْنُ أَبِي يُوسُفَ مِنْهُمْ فَفِيهِ تَأَمُّلٌ (فَإِذَا جَازَ لِلْمُجْتَهِدِ) كَأَبِي يُوسُفَ هُنَا (التَّقْلِيدُ فِيهِ) فِي بَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْبَابِ (فَجَوَازُهُ لِلْمُقَلِّدِ أَوْلَى) فَلِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ أَيَّ مُجْتَهِدٍ كَانَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ تَقْلِيدِ حَنَفِيٍّ لِمَالِكِيٍّ فَضْلًا عَنْ شَافِعِيٍّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِ إطْلَاقِهِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ بَلْ قِيلَ هُنَا أَيْضًا: وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ قِيلَ لَا وَقِيلَ نَعَمْ وَقِيلَ إنْ عَمِلَ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا عَمِلَ بِهِ فِيهِ وَإِلَّا فَيَجُوزُ.
(وَأَمَّا الثَّانِي) أَيْ الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ (فَالْأَصْلُ) أَيْ فَهُوَ الْأَصْلُ (فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ لِمَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الْفَتَاوَى: وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ بَلْ يَزُولُ بِيَقِينٍ بِمِثْلِهِ)
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَزُولُ الشَّيْءُ بِمِثْلِهِ بَلْ إنَّمَا يَزُولُ بِمَا هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ
قُلْنَا حُكْمُ الْمُمَاثَلَةِ هُوَ التَّعَارُضُ فَيَتَسَاقَطَانِ فَيَزُولُ إلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالُوا: مَا ثَبَتَ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا بِيَقِينٍ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِالْيَقِينِ هُنَا غَالِبُ الظَّنِّ (وَهَذَا أَصْلٌ مُقَرَّرٌ فِي الشَّرْعِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْأَحَادِيثِ) كَأَنَّ مَا فِي كُتُبِ الشَّرْعِ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (مُصَرَّحٌ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ) وَدَخَلَ تَحْتَهَا فُرُوعٌ كَقَوْلِهِمْ مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ كَعَكْسِهِ وَهُوَ: تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَمُحْدِثٌ تَيَقَّنَ التَّيَمُّمَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَعَلَى تَيَمُّمِهِ اسْتَيْقَنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي التَّيَمُّمِ فَعَلَى حَدَثِهِ
تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ وَشَكَّ فِي سَبْقِهِمَا فَمُتَطَهِّرٌ
عَلِمَ عَدَمَ غَسْلِ عُضْوٍ لَكِنْ لَا بِعَيْنِهِ يَغْسِلُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهُ آخِرُ الْعَمَلِ
شَكَّ فِي وُجُودِ النَّجَسِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّاهِرِيَّةِ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطُّرُقَاتِ
أَكَلَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ صَحَّ صَوْمُهُ
تَيَقَّنَ الْفِعْلَ وَشَكَّ فِي الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ حَمَلَ عَلَى الْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ صَلَّاهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ،
وَدَخَلَ تَحْتَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إضَافَةُ الْحَادِثِ إلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِهِ كَمَا لَوْ رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَهُ يُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ آخِرِ حَدَثٍ أَحْدَثَهُ وَالْمَنِيُّ مِنْ آخِرِ نَوْمِهِ وَالتَّفْصِيلُ فِي الْأَشْبَاهِ (وَلَمْ أَرَ مُخَالِفًا فِيهِ) أَيْ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا (فَإِذَا شَكَّ أَوْ ظَنَّ فِي طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ طِينٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ لِبَاسٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ إنَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ فَذَلِكَ الشَّيْءُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَحِلِّ الْأَكْلِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ وَكَذَا) كَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يَشُكُّ فِيهِ (إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَةٌ) فَإِنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ كَمَا عَرَفْت وَأَنْتَ عَرَفْت أَيْضًا أَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ مَا فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ وَلَوْ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ، وَأَحَبَّ أَنْ يَقْضِيَ صَلَاةَ عُمُرِهِ مُنْذُ أَدْرَكَ لَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ أَكْبَرُ ظَنِّهِ فَسَادَهَا بِسَبَبِ طَهَارَةٍ أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ فَحِينَئِذٍ يَقْضِي مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ يُكْرَهُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ انْتَهَى.
قَالَ شَارِحُهُ الْحَمَوِيُّ: قِيلَ عَلَيْهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ السَّلَفِ لِشُبْهَةِ الْفَسَادِ كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ، وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ قِيلَ يُكْرَهُ وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ وَيَقْرَأُ فِي الْجَمِيعِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ (لَكِنْ) هُنَا أَيْ فِي غَلَبَةِ الظَّنِّ (يَحْتَسِبُ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ) وَمِمَّا عَرَفْت آنِفًا وَسَابِقًا اللَّازِمُ يَجِبُ فَتَأَمَّلْ إلَّا أَنْ تَحْمِلَ غَلَبَةَ الظَّنِّ عَلَى نَفْسِ الظَّنِّ.
(وَيُكْرَهُ تَنْزِيهًا اسْتِعْمَالُهُ) وَإِنْ قِيلَ بِتَحْرِيمِهَا (كَسَرَاوِيلِ الْكَفَرَةِ) فَإِنَّ الْغَالِبَ نَجَاسَتُهَا لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ عَنْهَا لَعَلَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِلَلِ الْكَفَرَةِ (وَسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) وَأَمَّا الْمَحْبُوسَةُ فَلَيْسَتْ مِنْ شَاهِدِ الْبَابِ لَكِنْ يُخَالِفُ ذَلِكَ مَا فِي خِزَانَةِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَضُّؤِ بِهَا: سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَالْهِرَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ (وَالْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ) فِي غَلَبَةِ نَجَاسَةِ يَدِ مُطْلَقِ الصَّبِيِّ خَفَاءٌ لَا يَخْفَى (وَطِينِ الشَّوَارِعِ) قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ شَكَّ فِي وُجُودِ
النَّجِسِ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّاهِرِيَّةِ وَلِذَا قَالَ مُحَمَّدٌ: حَوْضٌ تَمْلَأُ مِنْهُ الصِّغَارُ وَالْعَبِيدُ بِالْأَيْدِي الدَّنِسَةِ وَالْجِرَارِ الْوَسِخَةِ يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ بِهِ نَجَاسَةٌ؛ وَلِذَا أَفْتَوْا بِطَهَارَةِ طِينِ الطَّرَقَاتِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَهُ الْجَوَازُ بِلَا كَرَاهَةٍ فِي شَرْحِ الْحَمَوِيِّ وَالصَّحِيحُ أَنَّ طِينَ الشَّوَارِعِ إنْ كَانَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ فَنَجِسٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي السِّرَاجِ
، وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ مَشَى فِي الطِّينِ وَأَصَابَهُ لَا يَجِبُ فِي الْحُكْمِ غَسْلُهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَثَرُ النَّجَاسَةِ، وَالِاحْتِيَاطُ فِي الصَّلَاةِ غَسْلُهُ وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ (إذَا لَمْ يُرَ فِيهِ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَلَا أَثَرُهَا وَأَوَانِي الْمُشْرِكِينَ وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا) كُلِّهِ (مَا ذَكَرْنَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ مِنْ «أَكْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ضِيَافَةِ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ» مَعَ أَنَّ الظَّنَّ الْغَالِبَ فِي طَعَامِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ النَّجَاسَةُ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ فِيمَا يُكْرَهُ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي فِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ قَدْ بُعِثَ أُسْوَةً وَإِمَامًا لِلْأُمَّةِ وَهَادِيًا لَهُمْ بَلْ عَامَّةُ فِعْلِهِ الْقَصْدِيِّ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ مِنْ النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ فَتَأَمَّلْ أَوْ ارْجِعْ إلَى بَعْضِ مَا مَرَّ (وَمَا خَرَّجَهُ " د " عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ وَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا يَعِيبُ) عليه الصلاة والسلام (ذَلِكَ عَلَيْنَا» فَسُنَّةٌ تَقْرِيرِيَّةٌ وَسُكُوتِيَّةٌ إذْ سُكُوتُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ حُجَّةٌ وَحَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الضَّرُورَةِ بَعِيدٌ.
(وَكَذَا فِي التتارخانية وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ: الصَّبِيُّ إذَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي كُوزِ مَاءٍ أَوْ رِجْلَهُ فِيهِ فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ يَدَهُ) أَوْ رِجْلَهُ (طَاهِرَةٌ بِيَقِينٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأَصْلِيَّةَ لَا تَزُولُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ (يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهَذَا الْمَاءِ) فِي إيرَادِ هَذَا لَا يُعْلَمُ كَثِيرُ نَفْعٍ فِي الْمَقَامِ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ قَوْلُهُ (وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ يَدَهُ) أَوْ رِجْلَهُ (نَجِسَةٌ بِيَقِينٍ) أَوْ أَخْبَرَ الْعَدْلُ أَوْ الْعَدَدُ (وَلَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ رَاكِدٌ قَلِيلٌ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ طَاهِرٌ أَوْ نَجِسٌ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِغَيْرِهِ) قِيلَ لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك» لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ تَبَعِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ، وَقَدْ كَانَ الْأَصْلُ الْعَدَمَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَالْعَادَةُ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ؛ وَلِذَا قَالَ (لِأَنَّ الصَّبِيَّ) لَا سِيَّمَا الْغَيْرَ الرَّشِيدَ (لَا يَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَاتِ عَادَةً وَمَعَ هَذَا لَوْ تَوَضَّأَ بِهِ أَجْزَأَهُ انْتَهَى)، وَفِي الْإِجْزَاءِ إيمَاءٌ إلَى أَنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى لَا يَخْفَى إنْ سَلَّمَ تِلْكَ الْعَادَةَ فِي الصَّبِيِّ يَلْزَمُ الْقَطْعُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ؛ إذْ الْعَادَةُ مُحَكَّمَةٌ كَمَا قَالُوا فِي حَدِّ الْمَاءِ الْجَارِي: الْأَصَحُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَفِي وُقُوعِ الْكَثِيرِ فِي الْبِئْرِ الْأَصَحُّ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَكَوْنُ الْعَادَةِ مِعْيَارَ الْحُكْمِ الْقَطْعِيِّ فِي بَابِ الْحَيْضِ مَعْرُوفٌ، وَكَذَا أَلْفَاظُ الْوَاقِفِينَ تُنْبِئُ عَلَى عُرْفِهِمْ، وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ، وَتَعْلِيمُ الْكَلْبِ عَلَى الْعُرْفِ، وَهَكَذَا وَهَكَذَا إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ عَادَةٍ وَعَادَةٍ وَيَدَّعِيَ أَنَّ هَذِهِ الْعَادَةَ مِنْ الصَّبِيِّ لَيْسَتْ مِمَّا اطَّرَدَتْ أَوْ غَلَبَتْ وَمَا ذُكِرَتْ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ مِمَّا لَا يَغْلِبُ فَافْهَمْ.
(وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَيُكْرَهُ) قِيلَ تَنْزِيهًا (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ) وَكَذَا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ (فِي أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ) وَلَوْ أَهْلَ الْكِتَابِ (قَبْلَ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ أَوَانِيهِمْ النَّجَاسَةُ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ (وَيَشْرَبُونَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُونَ فِي قِصَاعِهِمْ) جَمْعُ قَصْعَةٍ (وَأَوَانِيهِمْ فَيُكْرَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهَا قَبْلَ الْغَسْلِ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ) لَا يَخْفَى كَمَا عَرَفْت مِرَارًا أَنَّ اقْتِدَاءَ الْغَلَبَةِ وَالظُّهُورِ هُوَ الْحُرْمَةُ وَالنَّجَاسَةُ؛ إذْ لِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي الشَّرْعِ حُكْمُ التَّيَقُّنِ إلَّا أَنْ يُتَجَوَّزَ بِنَحْوِ مَا أُشِيرَ (كَمَا كُرِهَ التَّوَضُّؤُ بِسُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالْغَالِبِ وَكَمَا كُرِهَ التَّوَضُّؤُ بِمَا أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّى مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالْغَالِبِ
وَكَمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي سَرَاوِيلِ الْمُشْرِكِينَ اعْتِبَارًا لِلظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَنْجُونَ) وَلَا يَجْتَنِبُونَ عَنْ الْبَوْلِ (وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ سَرَاوِيلِهِمْ النَّجَاسَةَ وَمَعَ هَذَا) الظَّاهِرِ (لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِيهَا قَبْلَ الْغَسْلِ جَازَ وَلَا يَكُونُ آكِلًا وَلَا شَارِبًا حَرَامًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ، وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ فَيَجْرِي عَلَى الْأَصْلِ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ وَدَلِيلٌ خِلَافُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الظَّاهِرَ قَرِينَةٌ خِلَافُ ذَلِكَ الْأَصْلِ، وَنَظِيرُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بَيْتَ الْخَلَاءِ وَجَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَشَكَّ هَلْ خَرَجَ مِنْهُ حَدَثٌ أَوْ لَا كَانَ مُحْدِثًا وَإِنْ جَلَسَ لِلْوُضُوءِ وَمَعَهُ مَاءٌ ثُمَّ شَكَّ هَلْ تَوَضَّأَ أَوْ لَا كَانَ مُتَوَضِّئًا عَمَلًا بِالْغَالِبِ فِيهَا (حَتَّى يَعْلَمَ) الظَّاهِرَ أَيْ يَتَيَقَّنَ يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ الظَّاهِرِ لَا يُغَيِّرُ الْأَصْلَ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَيَقَّنًا (بِحُدُوثِ الْعَارِضِ وَمَا يَقُولُ) السَّائِلُ اعْتِرَاضًا (بِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَتُهُ) فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْمَلَ بِهِ.
(قُلْنَا نَعَمْ وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ ثَابِتَةٌ بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ) لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالظَّاهِرِ مُجَرَّدُ الظَّنِّ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا يَعُمُّ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ إذْ هِيَ مُلْحَقَةٌ بِالْيَقِينِ فَلَا يُتَوَجَّهُ الْإِشْكَالُ بَلْ يَنْدَفِعُ مَا سَبَقَ أَيْضًا (انْتَهَى) كَلَامُ الذَّخِيرَةِ
(ثُمَّ قَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ كُلِّهِ) أَيْ كُلِّ الطَّعَامِ (مِنْ الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ يَعْنِي أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَلِيلًا آخَرَ غَيْرَ الْأَصْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ) مِنْهُ تَعَالَى (بَيْنَ الذَّبِيحَةِ وَغَيْرِهَا وَيَسْتَوِي الْوُجُوبُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَوْ النَّصْرَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَكَذَا يَسْتَوِي الْجَوَابُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودِيُّ أَوَالنَّصْرَانِيُّ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ) أَوْلَادِ يَعْقُوبَ عليه الصلاة والسلام (أَوْ مِنْ غَيْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ كَنَصَارَى الْعَرَبِ لِظَاهِرِ مَا تَلَوْنَا مِنْ النَّصِّ فَإِنَّهُ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَكِتَابِيٍّ وَلَا بَأْسَ بِطَعَامِ الْمَجُوسِ كُلِّهِ إلَّا الذَّبِيحَةَ فَإِنَّ ذَبِيحَتَهُمْ حَرَامٌ) لِعَدَمِ كِتَابِهِمْ وَلِعَدَمِ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِمْ عِنْدَ الذَّبْحِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121](انْتَهَى وَقَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ رحمه الله) مِنْ التَّابِعِينَ (أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَظْهَرُونَ) يَغْلِبُونَ (عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَكَانُوا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فِي أَوَانِيهِمْ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَغْسِلُونَهَا قَبْلَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ مَعْنَى يَظْهَرُونَ يَغْلِبُونَ وَيَسْتَوْلُونَ) مِنْ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: - {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: - {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ} [الكهف: 97] وَمَعْنَاهُ مَا قُلْنَا
وَرُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا هَجَمُوا عَلَى بَابِ كِسْرَى مَلِكِ الْعَجَمِ وَجَدُوا فِيهِ مَطْبَخَةً) آلَةَ طَبْخٍ أَوْ مَكَانَ طَبْخٍ (قُدُورًا) بَدَلٌ مِنْ: " مَطْبَخَةً "(فِيهَا أَلْوَانُ الْأَطْعِمَةِ فَسَأَلُوا عَنْهَا) هَلْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الذَّبِيحَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُمْ مَجُوسٌ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ (فَقِيلَ إنَّهُ مَرَقَةٌ) وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهَا (فَأُطْعِمُوهُ فَأَكَلُوا) أَيْ مَا فِي الْقُدُورِ (وَتَعَجَّبُوا مِنْ لَذَّتِهِ وَبَعَثُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه فَتَنَاوَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ وَتَنَاوَلَ أَصْحَابُهُ فَالصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَكَلُوا مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي طَبَخُوهُ) أَيْ الْكُفَّارُ (وَطَبَخُوا) أَيْ الصَّحَابَةُ (فِي قُدُورِهِمْ قَبْلَ الْغَسْلِ) وَلَوْ كَانَ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَاسْتِعْمَالُ قُدُورِهِمْ قَبْلَ الْغَسْلِ حَرَامًا لَمَا أَكَلُوا وَاسْتَعْمَلُوا قَالَ الْحَمَوِيُّ فِي فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبِي عَلِيٍّ السُّغْدِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حُكِيَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ الْمَجُوسِ كَانَ كَثِيرَ الْمَالِ حَسَنَ التَّعَهُّدِ لِفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يُطْعِمُ جَائِعَهُمْ وَيَكْسُو عَارِيَهُمْ وَيُنْفِقُ عَلَى مَسَاجِدِهِمْ وَيُعْطِي أَدْهَانَ سَرْجِهَا وَيُقْرِضُ مَحَاوِيجَ الْمُسْلِمِينَ فَدَعَا النَّاسَ لِوَلِيمَةٍ فَشَهِدَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَأَهْدَى إلَيْهِ بَعْضُهُمْ هَدَايَا فَكَتَبَ بَعْضٌ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنْ أَدْرِكْ أَهْلَ بَلَدِك فَقَدْ ارْتَدُّوا بِأَسْرِهِمْ فَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ إجَابَةَ دَعْوَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مُرَخَّصَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمُجَازَاةُ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ مِنْ بَابِ الْكَرَمِ وَالْمُرُوءَةِ، وَالْحُكْمُ بِرِدَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذَا الْقَدْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ انْتَهَى
وَمِنْ هَذَا قِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِعِيَادَةِ النَّصَارَى وَقِيلَ وَكَذَا الْمَجُوسُ وَقِيلَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ وَاخْتُلِفَ فِي عِيَادَتِهِمْ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْبَأْسِ، وَيَجُوزُ تَعْزِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ بِمَوْتِ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ وَيَقُولُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك خَيْرًا مِنْهُ، وَأَصْلَحَك كَمَا فِي التتارخانية (وَالْمَعْنَى) الْمَعْقُولُ وَالدَّلِيلُ (فِي ذَلِكَ) أَيْ أَكْلِهِمْ مِنْ طَعَامِهِمْ وَطَبْخِهِمْ، وَمِنْ أَوَانِيهِمْ (أَنَّ الطَّهَارَةَ فِي الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ وَالنَّجَاسَةُ عَارِضَةٌ وَقَدْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي هَذَا الْعَارِضِ) لَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يُجْعَلَ الظَّنُّ بِلَا غَلَبَةٍ مِنْ قَبِيلِ الشَّكِّ عِنْدَهُمْ كَمَا سَبَقَ، وَالْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لَا يَزُولُ بِمِثْلِ هَذَا الشَّكِّ الْعَارِضِ (وَلَا تَرْتَفِعُ الطَّهَارَةُ الثَّابِتَةُ بِقَضِيَّةِ الْأَصْلِ) هُوَ تَيَقُّنُ الطَّهَارَةِ (وَمَا يَقُولُ) قَائِلٌ اعْتِرَاضًا (بِأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ النَّجَاسَةُ) لِعَدَمِ تَوَقِّيهِمْ مِنْ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ الْخَمْرَ (قُلْنَا: نَعَمْ وَلَكِنَّ الطَّهَارَةَ كَانَتْ ثَابِتَةً بِيَقِينٍ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ) فَاحْتِمَالُ النَّجَاسَةِ، وَلَوْ ظَاهِرًا لَا يُزِيلُ ذَلِكَ الْيَقِينَ (أَلَا يُرَى أَنَّهُ إذَا أَصَابَ عُضْوَ إنْسَانٍ أَوْ ثَوْبَهُ مِنْ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ أَوْ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي أَدْخَلَ الصَّبِيُّ يَدَهُ فِيهِ) وَلَمْ يَدْرِ نَجَاسَتَهَا يَقِينًا (وَصَلَّى مَعَ ذَلِكَ)(جَازَتْ صَلَاتُهُ) قِيلَ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا تَنْزِيهًا (وَإِذَا صَلَّى فِي سَرَاوِيلِ الْمُشْرِكِينَ جَازَتْ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَصْلٌ وَقَدْ تَيَقَّنَّا الطَّهَارَةَ وَشَكَكْنَا فِي النَّجَاسَةِ فَلَمْ تَثْبُتْ النَّجَاسَةُ بِالشَّكِّ كَذَا هُنَا انْتَهَى ثُمَّ قَالَ) فِي الذَّخِيرَةِ (وَرَوَى مُحَمَّدٌ رحمه الله فِي الْكِتَابِ) أَيْ الْأَصْلِ (أَنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا انْتَهَى) الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَلَامِ فِي مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافٌ عَنْ سَائِرِهِمْ، وَفِي التتارخانية عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ يَقْبَلُ هَدَايَا الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ لَا يَقْبَلُ قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: إنَّ عَدَمَ الْقَبُولِ مِمَّنْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ طَعْمَهُ لِلْمَالِ دُونَ إعْزَازِ الدِّينِ، وَالْقَبُولُ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ