الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عاش بعد لسان الدين المتوفى سنة 776 ثلاثين عاما، وهو يلتقى معه فى طائفة من تراجمه غير أنه يضيف إليه بعض تراجم جديدة، بينها ترجمة للسان الدين بن الخطيب وترجمة لنفسه.
ولعل فى كل ما قدمت ما يدل بوضوح على كثرة الشعراء فى الأندلس منذ اكتمل تعربها فى القرن الثالث الهجرى كثرة مفرطة، وظل الشعر حيّا بل مزدهرا فى الأندلس حتى الأنفاس الأخيرة من حياة العرب هناك، وكأنه توأم روحهم، فكلما وجدوا تغنوا بالشعر وصدحوا به معبرين عن مشاعرهم ووجداناتهم، يشترك فى ذلك علماؤهم من كل صنف ورجالهم ونساؤهم وشيوخهم وشبانهم، ومثقفوهم وعامتهم، حتى الأميون منهم وأصحاب الحرف كالخراز والجزار اللذين مر ذكرهما ومثلهما مرج الكحل الشاعر البلنسى فقد نشأ ينادى فى الأسواق ويتعيّش من بيع السمك، وأخذت همته تترقّى قليلا قليلا فى حب الشعر إلى أن نظمه وأجاده. ومثله ابن جاخ الصباغ البطليوسى.
2 - الموشحات والأزجال
(أ) الموشحات
الموشحات جمع موشحة، وهى مشتقة من الوشاح وهو-كما فى المعاجم-خيطان من لؤلؤ وجوهر منظومان يخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر. والتسمية دقيقة إذ الموشحة تتألف من قفل يسمى مركزا، وتتعدد أجزاؤه أو شطوره، ويليه غصن متعدد الأجزاء أو الشطور، وبينما تتحد أجزاء الأقفال التالية مع الأجزاء المقابلة لها فى القفل الأول سواء فى الوزن أو القافية تختلف أجزاء الأغصان التالية مع أجزاء الغصن الأول فى قافيته، فلكل غصن قافية تتحد فى أجزائه أو شطوره مع اتفاق أجزاء الأغصان جميعا فى الوزن. والموشحة-بذلك-تتألف من مجموعتين من الأجزاء أو الشطور، مجموعة تتحد أجزاؤها المتقابلة فى الأقفال المتعاقبة فى الوزن والقافية، ومجموعة تتحد أجزاؤها فى الوزن وحده دون القافية فإنها تتخالف فيها دائما، وهما-بهذه الصورة-يشبهان الوشاح المذكور آنفا أدق الشبه.
واشتهرت الأندلس بأنها هى التى ابتكرت فن الموشحة، ويظنّ أنه كان لاتساع موجة الغناء والموسيقى منذ زرياب فى عهد عبد الرحمن الأوسط على نحو ما مرّ بنا فى الفصل
الأول أثر كبير فى نشوء الموشحة بقصد الغناء بها مع العازفين، وكأنها تتألف من فقرتين:
فقرة للمنشد وفقرة ترد بها الجوقة. وكان بدء ظهورها فى عهد الأمير عبد الله بن محمد (275 - 300 هـ) يقول ابن سعيد: «ذكر الحجارى فى كتاب المسهب فى غرائب المغرب أن المخترع لها بجزيرة الأندلس مقدم بن معافى القبرى من شعراء الأمير عبد الله بن محمد المروانى وأخذ عنه ذلك أبو عمر بن عبد ربه صاحب العقد ولم يظهر لهما مع المتأخرين ذكر وكسدت موشحاتهما» (1). ويسمى ابن بسام فى ترجمته لعبادة بن ماء السماء مخترعها خطأ باسم محمد بن حمود القبرى الضرير، ويقول:«كان يضعها على أشطار الأشعار، غير أن أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة» (2) وظن بعض الباحثين -وخاصة من المستشرقين الإسبان-أن ذلك يدل على أن الموشحة لم تكن تنظم فى نشأتها بالفصحى على أعاريض الشعر العربى وأوزانه إنما كانت تنظم على أعاريض المقاطع مثل الشعر الأوربى (3)، وهو خطأ فى الفهم إذ أن كلمة «الأعاريض المهملة غير المستعملة عند ابن بسام لا تفيد ذلك، إنما تفيد ما ردده العروضيون المشارقة والمغاربة من أن الدوائر الخمس التى ضبط بها الخليل بن أحمد المتوفى سنة 175 للهجرة أعاريض الشعر العربى تفسح لأوزان مهملة لا تنحصر لم يستخدمها العرب فى أشعارها، واستخدمها فى عصره-كما يقول صاحب الأغانى-تلميذه عبد الله بن هرون بن السّميدع البصرى، وأخذ ذلك عنه وحاكاه فيه رزين العروضى وأتى فيه ببدائع جمة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس (4) وقد أنشد ياقوت قصيدة له فى مديح الحسن بن سهل، وأشار إلى أنها خارجة على أوزان الشعر العربى وأنها إنما تجرى على وزن من أوزان الخليل المهملة، وهو-فى رأينا-عكس وزن المنسرح. ويعد أبو العتاهية أهم شاعر عباسى ثان نظم أشعارا له مختلفة على تلك الأوزان المهملة على نحو ما يصور ذلك كتابنا «العصر العباسى الأول» . (5)
ومعنى ذلك كله أن كلمة الأعاريض المهملة غير المستعملة التى أشار ابن بسام إلى أن أشطار أكثر الموشحات نظمت عليها لا يقصد بها أنها أعاريض أعجمية، إنما يقصد بها
(1) راجع كتاب المقتطف من أزاهر الطرف لابن سعيد بتحقيق د. سيد حنفى حسنين (نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب) ص 255.
(2)
الذخيرة 1/ 469.
(3)
انظر بالنثيا فى تاريخ الفكر الأندلسى ص 142 وما بعدها وراجع فصل الأدب للدكتور مكى فى كتاب أثر العرب فى النهضة الأوربية ص 50 وما بعدها.
(4)
أغانى (طبع دار الكتب) 6/ 160.
(5)
العصر العباسى الأول (طبع دار المعارف) ص 195.
أنها من أعاريض دوائر الخليل المهملة التى لم يستعملها العرب، وقد يقال إنك اقتطعت كلمة ابن بسام من بقية لها تدل على ما نقول، إذ يذكر ابن بسام عن منشئها-فى رأيه- محمد بن حمود القبرى الضرير أنه كان:«يأخذ اللفظ العامى والعجمى ويسميه المركز ويضع عليه الموشحة» وهو يقصد قفلها الأخير الذى يأتى فى الخاتمة. وربما كان ذلك ما دعا «ريبيرا» إلى القول بأن الموشحة طراز شعرى يمتزج فيه الشرق بالغرب. ويتسع المستشرق الإسبانى المعاصر غرسية غوميس بالفكرة ويقول مستدلا بكلمة ابن بسام إن الخرجات (الخواتيم) الرومانثية فى الموشحات الأولى كانت أجزاء مقتبسة من أغان شعبية إسبانية أعجب بها الوشاح الأول، واتخذها قاعدة بنى على شاكلتها موشحته مرصّعا لها بذلك الجزء كما يرصع الخاتم بفصّ من الجواهر الكريمة. وليس فى يد غرسية دليل على أن الخرجة عند الوشاح الأول كانت تقتطع من أغنية رومانثية، فهو مجرد ظن، وأقرب منه وأصحّ منطقيا أن يكون قد حدث أحيانا عند الوشاح الأول ومن حاكوه اقتباس صيغة عامية أو أعجمية فى نهاية الموشحة على سبيل التظرف، كما حدث ذلك مرارا عند بعض الشعراء العباسيين (1). وحتى بعد أن ازدهر هذا الفن فى القرن الخامس وما بعده لم يستطع باحث بين المستشرقين الإسبان أن يرد خرجة رومانثية إلى أغنية رومانثية كانت متداولة فى الأندلس أو تغنّى، فالقول بذلك إنما هو-فى رأينا-مجرد ظنّ لا دليل عليه.
أما لماذا استمر الوشاحون يجنحون أحيانا فى بعض موشحاتهم إلى اختتامها بصيغة رومانثية أو أعجمية فقد ذكر ابن سناء الملك السبب الأهم فيه إذ قال: «الخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح، والشرط فيها أن تكون حجاجية (نسبة إلى ابن حجاج شاعر بغداد المفرط فى المجون) من قبل السخف، قزمانية (نسبة إلى ابن قزمان الزجال) من قبل اللّحن حارة محرقة من ألفاظ العامة. . ويجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا وقولا مستعارا على بعض الألسنة وأكثر ما تجعل على ألسنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران، ولا بد فى البيت قبل الخرجة من قال أو قلت أو قالت أو غنى أو غنت» (2).
وواضح أن ما تحمله الخرجة أحيانا-أو ما يريد لها الوشاح أن تحمل-من مجون زائد
(1) انظر فى ذلك فصلا فتحه الجاحظ فى البيان والتبيين (طبعة هرون) 1/ 141 - 144 لمن كان يتملّح بإدخال ألفاظ فارسية فى شعره من الأعراب فضلا عمن كانت أصولهم فارسية، وراجع كتابنا العصر العباسى الأول ص 142 وما بعدها.
(2)
انظر دار الطراز لابن سناء الملك بتحقيق الدكتور جودة الركابى (طبع دمشق) ص 30.
عن الحد وأنها قد تقال على لسان المرأة كان السبب فى استخدام الوشاح الأندلسى أحيانا للخرجات الرومانثية فرارا من التصريح بألفاظ مفحشة نابية. ومن يرجع إلى ما ذكره الدكتور عبد العزيز الأهوانى من خرجات الموشحات فى كتابه-الزجل الأندلسى-يلاحظ أن كثيرا من الخرجات العجمية التى ذكرها تشكو فيها الفتاة لأمها تباريح حبها لمن سلبها روحها وفؤادها متذللة لعاشقها تذللا شديدا، وقد يصاغ ذلك فى خرجات عامية ولكن فى تلميح غالبا دون أن يخدش حياء الفتاة، أما ما كان يظن الوشاح أنه يخدش حياءها فكان يصوغه فى عبارة لاتينية دارجة أو رومانثية وهذا-فى رأينا-هو الباعث على وجود الخرجات الأعجمية فى بعض الموشحات لا أنها نشأت على أساس بعض الأغانى الرومانثية الأعجمية. ومما يؤكد-بل يقطع-بأن الموشحات عربية خالصة أن من يقرنها إلى المسمطات العباسية التى ظهرت منذ القرن الثانى الهجرى على لسان أبى نواس وأضرابه يلاحظ توا أن المسمطات قصائد تتألف من أدوار تقابل الأغصان فى الموشحة وكل دور-مثل الغصن-يتألف من أربعة شطور أو أكثر تتفق فى قافية واحدة ما عدا الشطر الأخير فإنه يستقل بقافية مغايرة، وهو يتحد فيها مع الشطور الأخيرة فى كل دور من أدوار المسمط، ويسمى-من أجل ذلك-عمود المسمط فهو القطب الذى يدور عليه. وهو يقابل بوضوح المركز أو القفل فى الموشحة، وكل ما بينهما من فروق أن الشطر فى نهاية أدوار المسمط واحد بينما هو فى مراكز الموشحة متعدد، وسنرى عما قليل أنه كان فى الموشحات الأولى شطرا واحدا. وقد أحس الأندلسيون من قديم بالمشاكلة الشديدة بين الموشحة والمسمط كما يتبين من الاسم الذى اختاروه لها اشتقاقا من الوشاح كما أسلفنا إذ وجدوا العباسيين يشتقون لفظ المسمط من السمط، وهو القلادة تنتظم فيها عدة سلوك تلتقى جميعا عند جوهرة كبيرة، على شاكلة التقاء كل دور فى المسمط مع الأدوار الأخرى فى قافية الشطر الأخير. لذلك-رأوا- أى الأندلسيين-بدورهم أن يشتقوا الموشحة من وشاح المرأة الذى يمتد فيه خيط مرصع باللؤلؤ وخيط مرصع بجواهر متنوعة يخالف بينهما ويعطف أحدهما على صاحبه. وهى تسمية بارعة للموشحة وما تحمل من لآلئ الأقفال وجواهر الأغصان.
ومن أكبر الأدلة على أن الموشحة بدأت محاكاة للمسمط أن القبرى وشاحها الأول كان-كما يقول ابن بسام-يجعل اللفظ العامى أو العجمى مركزا أو كما سمّى فيما بعد قفلا ويضع عليه أشطارا، والمركز بذلك كان عند الوشاح الأول شطرا واحدا بالضبط كما كان فى المسمط. ويقول ابن بسام إنه كان يبنى على هذا المركز أو الشطر أشطار الأشعار،
وكان أكثرها على الأعاريض المهملة غير المستعملة، وهى الأعاريض التى أشار إليها الخليل بن أحمد فى دوائره العروضية الخمس وما أخضعها له من فكرة التباديل والتوافيق الرياضية (1) بحيث يمكن أن يستخرج منها ما لا يحصى من أوزان مهملة لم يستخدمها العرب، وكأن الوشاح الأول فى الأندلس كان يقوم من تلك الأوزان أو الأعاريض مقام ابن السميدع ورزين العروضى وأبى العتاهية فى بغداد، ممن عنوا-كما أسلفنا-بالنظم على الأعاريض المهملة. ومضت الموشحة على هذه الصورة عند الوشاح الأول الذى ابتكرها ومن خلفوه عليها، حتى ظهر يوسف بن هرون الرمادى الكندى المتوفى سنة 403 فأحدث فيها تطورا مهما يقول ابن بسام فى نفس النص السابق:«فكان أول من أكثر فى الموشحة من التضمين فى المراكز» يريد أنه أول من أحدث فى الموشحة تعدد الأجزاء أو الشطور فى المراكز، ولم تحتفظ كتب الأدب له بموشحة تصور لنا بدقة صنيعه.
ثم يقول ابن بسام إنه نشأ بعده عبادة بن ماء السماء الخزرجى، الأنصارى المتوفى سنة 419 فأضاف إلى الموشحة تطورا جديدا هو تضمينه مواقع الوقف فى الأغصان أو بعبارة أخرى دقة التجزئة فى أشكال الأغصان، وبذلك تمت للموشحة صورتها التى حملتها العصور التالية، وصور ذلك ابن بسام قائلا:«كانت صنعة التوشيح التى نهج أهل الأندلس طريقها ووضعوا حقيقتها غير مرقومة البرود، ولا منظومة العقود، فأقام عبادة بن ماء السماء منآدها، وقوّم ميلها وسنادها فكأنها لم تسمع بالأندلس إلا منه ولا أخذت إلا عنه» . وإذا كانت الكتب الأدبية لم تحتفظ للرمادى بإحدى موشحاته فإن فوات الوفيات لابن شاكر الكتبى احتفظ لعبادة بن ماء السماء بموشحتين تتقابل فيهما أجزاء المراكز أو الأقفال، وبالمثل تتقابل الأجزاء فى كل غصن تقابلا دقيقا على نحو ما نرى صنيعه فى هذا الغصن متغزلا (2)
ليليّة الذوائب
…
ووجهها نهار (3)
مصقولة التّرائب
…
ورشفها عقار (4)
أصداغها عقارب
…
والخد جلّنار (5)
وتتوالى الأغصان على هذه الصورة مجزأة إلى ستة شطور، تتحد الثلاثة الأولى منها فى القافية، وبالمثل الثانية. وأصبح ذلك تقليدا ثابتا فى الموشحات بعده. والوزن فى هذا
(1) راجع فى ذلك ترجمة الخليل فى كتابنا المدارس النحوية (طبع دار المعارف) ص 31.
(2)
راجع الموشحة فى الفوات 1/ 428.
(3)
الذوائب-الضفائر.
(4)
العقار-الخمر.
(5)
جلنار: زهر الرمان.
الغصن والأغصان بعده مستفعلن فعولن، وكأنه تجزئة من وزن الرجز، وموشحته الأخرى التى أنشدها ابن شاكر من وزن الرمل أقفالها وغصونها، ومطلعها:
من ولى فى أمة أمرا
…
ولم يعدل يعزل
إلا لحاظ الرّشا الأكحل
وظلت الموشحات بعد ابن ماء السماء تنظم إما على أعاريض الشعر العربى المستعملة وإما على أعاريضه المهملة، وموشحتاه تتألف من ستة أقفال وخمسة أغصان، ويغلب فى الموشحات بعده أن تتخذ هذه الصورة وقد تطول أكثر أو تنقص فيزيد فيها عدد الأقفال والأغصان إلى ثمان أو تنقص إلى أربع، وقد يبدأ الموشح بغصن ويسمى-حينئذ- أقرع، وقد يتألف القفل من جزءين أو ثلاثة وقد يطول إلى ثمانية أجزاء وبالمثل الغصن.
ويسمى القفل الأخير باسم الخرجة وقد تكون ألفاظه أعجمية أو عامية كما مر بنا، ويكثر أن تكون عربية بلغة سهلة مألوفة تقرب قربا شديدا من اللغة الدارجة.
ويقبل على نظم الموشحة غير شاعر من شعراء أمراء الطوائف، نذكر منهم القزّاز محمد بن عبادة وسنخصه بكلمة مستقلة، ومنهم ابن أرفع رأسه شاعر المأمون بن ذى النون أمير طليطلة، ووزيره أبو عيسى بن لبّون، وابن اللبانة محمد بن عيسى، وكان هو والقزاز فرسى رهان فى العصر، وسنترجم له بين الشعراء لأنه كان يجيد الشعر كما كان يجيد الموشحات، وأغلب موشحاته مدائح فى المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وأبنائه، وهو يستهلها دائما بغزل رقيق من مثل قوله فى موشحة مدح (1) بها المعتمد:
يفترّ عن لؤلؤ فى نسق
…
من الأقاح بنسيمه العبق
هل من سبيل لرشف القبل
…
هيهات من نيل ذاك الأمل
كم دونه من سيوف المقل
…
سلّت بلحظ وقاح خجل
والقفل يتكون من أربعة أجزاء أولها على زنة: مستفعلن فعلن مستعلن. والثانى على زنة: متفعلات والثالث على زنة: متفاعلن. والرابع على زنة فعلن. واجتماع هذه التفاعيل تخرج القفل عن أعاريض العرب المستعملة وتجعله من أعاريضهم المهملة، أما الغصن
(1) انظر الموشحة فى دار الطراز ص 54 وفى المغرب 2/ 414.
فيطرد على زنة: مستفعلن فاعلن مستفعلن، وهو وزن عربى مستعمل بكثرة ونقصد وزن البسيط، واستخدمه ابن اللبانة فى موشحاته مرارا لعذوبته.
وتتسع موجة الوشاحين فى عصر المرابطين، ومن أهمهم فى عهدهم، بل من أهم الوشاحين الأندلسيين عامة الأعمى التطيلى المتوفى حول سنة 525 ويحيى بن بقىّ المتوفى سنة 540 وسنخصه بكلمة ولم يكن الأعمى التطيلى يقل عنه براعة، غير أن له ديوانا كبيرا مما جعلنا نخصه بترجمة بين الشعراء، ويكفى لبيان مهارته فى صنع الموشحات ما يروى من أن جماعة من الوشّاحين اجتمعوا لإنشاد موشحات لهم فى مجلس بإشبيلية بينهم يحيى بن بقى والأعمى التطيلى، وقدموا الأعمى للإنشاد، فلما افتتح موشحته بقوله:
ضاحك عن جمان
…
سافر عن بدر
ضاق عنه الزمان
…
وحواه صدرى
مزّق ابن بقى موشحته وتبعه الباقون (1) لما فجأهم به التطيلى فى موشحته من عذوبة فى اللفظ وروعة فى التصوير، والقفل السالف مكون من أربعة أجزاء، والجزآن: الأول والثالث المتقابلان على زنة: فاعلاتن فعول، والجزآن الثانى والرابع المتقابلان على زنة:
فاعلاتن فعلن، وتمضى جميع الأقفال بهذه الزنة بينما تمضى الأغصان على زنة: فاعلن فاعلن أو بعبارة أخرى على وزن المتدارك على شاكلة قوله فى الغصن الأول:
آه مما أجد
…
شفّنى ما أجد
قام بى وقعد
…
باطن متّئد
وكأن التطيلى تعمّد أن يكون القفل من أعاريض العرب المهملة، إذ مزج فيه بين تفاعيل من أوزان أو بحور مختلفة، بينما نظم الغصن من وزن المتدارك، وقد ينظم الوشاح موشحته جميعها أقفالا وأغصانا من وزن عربى مستعمل واحد كالرجز أو البسيط أو السريع أو المجتث، وكل ذلك نجد له أمثلة فى موشحات التطيلى الملحقة بديوانه كقوله فى موشحة نظمها من الوزن الأخير:
حثّ الكئوس رويّه
…
على رواء البساتين من قهوة بابليّه
أرقّ من دمع محزون
…
خلعت عزّى ودينى
فى أهيف القدّ لدنه
(1) المغرب 2/ 456 والمقتطف ص 256.
يسطو بسيف المنون
…
ما جفنه غير جفنه
يا قسوة الحبّ لينى
…
ولو برمّان غصنه
وأجزاء الأقفال والأغصان تطرد هكذا على وزن المجتث: مستفعلن فاعلاتن.
وعاصر التطيلى من الوشاحين النابهين أبو بكر بن باجة الفيلسوف المار ذكره فى الفصل الماضى وهو أحد من طوروا الموسيقى الأندلسية، وكانت له تلاحين مشهورة، ويحكى أنه صنع موشحا فى مديح ابن تيفلويت المرابطى الوالى على شرقى الأندلس وسرقسطة ليوسف بن تاشفين، ولحنه وألقاه على قينة، فلما غنت ابن تيفلويت به صاح:
واطرباه، وحلف بأيمان مغلظة أن لا يمشى ابن باجة فى طريقه إلى داره إلا على الذهب، وتلطف ابن باجة فاحتال بأن جعل ذهبا فى نعله ومشى عليه. ومن الشعراء الوشاحين البارعين فى عصر المرابطين الأبيض أبو بكر محمد بن أحمد الأنصارى وأبو بكر بن رحيم ويحيى بن الصيرفى المؤرخ وأبو الحسن بن نزار وله موشح بناه من مخلع البسيط مستخرجا دائما الجزء الثانى من أغصانه وأقفاله من آخر كلمة فى الجزء الأول على هذا النمط (1):
يا ربّة المنظر الجميل ميلى
…
رأيت فى وجهك السعيد عيدى
وتظل الموشحات مزدهرة فى عصر الموحدين (540 - 634 هـ) بل تبلغ غاية ازدهارها على لسان ابن هرودس كاتب عثمان بن عبد المؤمن والى غرناطة كما يتضح فى موشح له بديع (2) مستخرجا الجزء الثانى من أقفاله-على شاكلة ابن نزار-بعد نهاية الجزء الأول كقوله فى مطلعه:
يا ليلة الوصل والسّعود
…
بالله عودى
والجزء الأول من القفل-مثل سابقه عند ابن نزار-على زنة مخلع البسيط، وزنة الجزء الثانى مستفعلان، والأغصان جميعها من مخلع البسيط: مستفعلن فاعلن فعولن، ومن كبار الوشاحين على بن المرينى وفى المغرب له موشحة (3) بارعة. وسابق الحلبة- كما يقول ابن سعيد-أبو بكر بن زهر، وسنخصه بكلمة، ومن المشهور أنه لما سمع قول عبد الرحيم بن الفرس فى إحدى موشحاته:
(1) المغرب 2/ 147.
(2)
المغرب 2/ 215.
(3)
المغرب 2/ 218.
ورداء الأصيل
…
تطويه كفّ الظلام
قال لمن حوله: أين كنا نحن عن هذا الرداء (1)؟ وهى صورة رائعة، ودخل عليه أبو الحسن سهل بن مالك، ولم يكن يعرفه، حتى إذا أنشده موشحة من مجزوء البسيط يقول فيها:
كحل الدّجى يجرى من مقلة الفجر
…
على الصّباح
ومعصم النّهر فى حلل خضر من البطاح
طرب لهذا القفل منها طربا شديدا (2) لعذوبة ألفاظه وحسن صوره. ومن كبار الوشاحين حينئذ على بن حزمون الهجّاء، وله موشحة (3) بديعة يرثى بها أبا الحملات قائد الأعنة ببلنسية، وقد استشهد فى الدفاع عنها فى إحدى معاركه المحتدمة مع النصارى وسننشد منها قطعة فى الحديث عن شعراء الرثاء. وكان يعاصر ابن حزمون على بن الفضل الإشبيلى المتوفى سنة 627، وله فى إحدى موشحاته (4):
وأفردت بالرّغم لا بالرّضا
…
وبتّ على جمرات الغضا
أعانق بالفكر تلك الطّلول
…
وألثم بالوهم تلك الرسوم
وأغصان الموشحة وأقفالها من بحر المتقارب، وزنته: فعولن أربع مرات. وتفضى الأندلس بعد الموحدين إلى التفكك وسقوط مدنها الكبرى فى حجر النصارى، وقلما يظهر وشاح مبدع إلا من نشأوا فى عصرهم من تلاميذ من سميناهم فيه من مثل إبراهيم بن سهل الإسرائيلى، وأشهر موشحاته (5):
هل درى ظبى الحمى أن قد حمى
…
قلب صبّ حلّه عن مكنس
فهو فى حرّ وخفق مثلما
…
لعبت ريح الصّبا بالقبس
وقد صاغه أقفالا وأغصانا من بحر الرمل وزنته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلن. ويقبل المتصوفة على صنع الموشحات ويهاجر كثيرون بها إلى المشرق مثل ابن عربى والششترى. ونلتقى فى غرناطة بابن زمرك ولسان الدين بن الخطيب، وله موشحة
(1) المقتطف ص 260.
(2)
المقتطف ص 258 وما بعدها.
(3)
المغرب 2/ 217.
(4)
المغرب 2/ 289 والغضا: من أشجار نجد. يستوقد بخشبه.
(5)
ديوان ابن سهل الإشبيلى (طبع بيروت) ص 283 ومكنس الظبى: مأواه فى الشجر ليستتر به. القبس: شعلة النار.