الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا تنسيا أن تسألا سمر الهوى
…
متى بات من سمر الأسنّة عاريا (1)
فعهدى به والماء ينساب فوقه
…
سماء وماء الورد ينساب واديا
أقام على أطلالهم ضوء بارق
…
من الحسن لا يبقى على الأرض ساليا
وهو يطلب من صاحبيه الوقوف بمنازل محبوبه القدسية: بالمحصب فى منى والحمى المكى ليصافح ببصره المغانى والمنازل وشجر الهوى والمحبة من الطلح الذى تعرّى من سهامه وأسنته. ويقول إن عهده به والمطر ينسكب عليه من فوقه وماء الورد يجرى من تحته والنفوس معلقة بما فى الأطلال من ضياء الحسن الذى لا يستطيع أحد أن يسلوه.
ويقول:
تمشّى والعيون له سوام
…
وفى كلّ النفوس إليه حاجه (2)
وقد ملئت غلائله شعاعا
…
كما ملئت من الخمر الزّجاجه (3)
وهو يتغزل بمحبوبه مستخدما لغة الحب الإنسانى كما استخدمها فى الأبيات السابقة، فقد رحل والعيون كلها متطلعة إليه، والنفوس جميعا مفتقرة إلى رؤيته، وقد ملئت غلائله الكونية بأشعته. ولابن العريف بجانب ذلك مدائح فى الرسول الكريم سننشد منها أطرافا. وقد توفى سنة 536 للهجرة.
ابن (4) عربى
هو أبو بكر محيى الدين محمد بن على بن عربى الطائى، ولد بمرسية سنة 560 لأسرة تحظى بشئ من الثراء، وانتقل به أبوه فى صباه إلى إشبيلية، وبها نشأ نشأة علمية حفظ فيها القرآن الكريم، ودرس على أحد تلامذة مدرسة ابن حزم المذهب الظاهرىّ فى الفقه، كما درس الحديث النبوى على شيوخه والآداب على معلميها وكتب لبعض الولاة، وتزوج بمريم بنت محمد بن عبدون الباجى، وكانت صالحة ورعة، فدفعته نحو الزهد والتقشف
(1) السّمر: شجر الطلح.
(2)
سوام: شاخصة ومتطلعة.
(3)
الغلائل: جمع غلالة: الثوب الرقيق.
(4)
انظر فى
ابن عربى
التكملة رقم 1023 وميزان الاعتدال للذهبى 3/ 108 ونفح الطيب 2/ 161 والبداية والنهاية لابن كثير 14/ 49 والعقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين (طبع القاهرة) 2/ 160 والكتاب التذكارى لمحيى الدين بن عربى فى ذكراه؟ ؟ ؟ المئوية الثامنة لميلاده (نشر وزارة الثقافة المصرية) وابن عربى: حياته ومذهبه لآسين بلاسيوس ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوى (طبع القاهرة) وبالنثيا ص 371 وما بعدها.
والتصوف، فأخذ يجتمع بزهاد ومتصوفة كثيرين، فى مقدمتهم الزاهد أبو عمران موسى بن عمران المارتلى الذى مرّ ذكره بين الزهاد وأبو العباس العريانى المتصوف، ولزم نونّة «فاطمة بنت ابن المثنى» الصوفية سنتين تابعا ومريدا، حتى إذا أشربت روحه كثيرا من الرياضات الصوفية خرج من إشبيلية يتجول فى الأرض، وهو فى نحو الثلاثين من عمره، واتجه إلى مرسية والمرية وهناك كتب رسالته الصوفية «مواقع النجوم» ثم رحل إلى المغرب واستقر فى فاس مدة سنة 591 منصرفا إلى رياضته الصوفية. وقام بسياحات متعددة فى نواحى المغرب فى مراكش وغير مراكش، ونزل بجاية ولزم أبا مدين الصوفى فترة معجبا بطريقته الصوفية. وألم بتونس وفيها صنف كتابه:«الدوائر الإحاطية فى مضاهاة الإنسان للخالق» . وفى سنة 598 رحل لأداء فريضة الحج ونزل مكة وتعرف فيها على مكين الدين أبى شجاع زاهر بن رستم الأصفهانى إمام مقام إبراهيم بالمسجد الحرام، وحضر دروسه وسمع عليه الجامع الصحيح فى الأحاديث النبوية للترمذى، وتوثقت بينهما العلاقة، وكانت لهذا الشيخ فتاة جميلة اسمها نظام، فشغف بها ابن عربى حين رآها ونظم فيها ديوانه «ترجمان الأشواق» متخذا منها ومن غزله فيها رمزا لحبه الربانى ومواجده الصوفية، وكتب حينئذ كتابه:«الدرة الفاخرة» فى تراجم شيوخه من الصوفية، وفيه أشاد بشيخه أبى مدين وطريقته. وبارح مكة إلى بغداد والموصل سنة 601 وأخذ يتجول فى البلدان، ونجده بالقاهرة سنة 603 وجادله فقهاؤها فيما يفهم فى أقواله من فكرة وحدة الوجود واتهموه بالمروق من الدين، غير أن السلطان العادل الأيوبى حماه منهم. ويتجه إلى الأناضول ويعجب به كيكاوس ملك قونية، ويؤلف مصنفيه:«مشاهد الأسرار» و «رسالة الأنوار» . وينزل بغداد سنة 608 ويلتقى بشهاب الدين السهروردى الصوفى السنى، ويتوجه إلى مكة للحج سنة 610 ويؤلف شرحا على ديوانه ترجمان الأشواق يسميه ذخائر الأعلاق، وفيه يوضح المعانى الصوفية التى تضمنتها أبيات الديوان. ويعود إلى الأناضول وينزل حلب ويحتفى به سلطانها الظاهر غازى، ويؤلف كتابه:«الحكمة الإلهامية» . وفى سنة 620 يختار دمشق دار إقامة له حتى وفاته سنة 638 وفيها ألف «فصوص الحكم» و «الفتوحات المكية» وأذاع ديوانا له، وظل مشغولا بالتأليف حتى الأنفاس الأخيرة من حياته.
وكان ابن عربى مكثرا من التأليف حتى يقال إن مؤلفاته ورسائله بلغت نحو أربعمائة، وعنده أن العلوم ثلاثة أنواع: علم العقل ويشمل العلوم المعروفة، وعلم الأحوال ويدرك بالذوق، وعلم الأسرار وهو فوق العلمين السابقين مما ينفث به الروح القدس فى الروع
ويختص به الأنبياء والأولياء. وأهم من ذلك عقيدته فى وحدة الوجود، وهى التى ملأت كتاباته وأشعاره بالألغاز، واختلف إزاء عباراتها العلماء من معاصريه ومن جاء بعدهم، فمنهم من قال إن لها باطنا سوى ظاهرها وتأوّلها، ومنهم من قال بمروقه من الدين الحنيف لمثل قوله:«إن الحق المنزّه (أى الله) هو الخلق المشبّه» و «إن العالم صورة الله وهوية الله» . وربما كان ابن تيمية أكثر خصومه إنصافا له إذ قال إنه أقرب الصوفية القائلين بوحدة الوجود إلى الإسلام، فإنه يفرق بين الظاهر والمظاهر ويقر الأمر والنهى والشرائع على ما هى عليه ويأمر فى السلوك بكثير مما أمر به المشايخ من الأخلاق والعبادات» (1).
ويمكن أن تؤوّل العبارتان السالفتان اللتان جعلتا كثيرين يحملون عليه حملات شعواء بسببهما أنه إنما يريد أن الله المنزّه عن الشبه بالخلق يتجلّى فيهم كما يتجلى فى العالم بتكوينه له وخلقه. وبالمثل عباراته الأخرى الموهمة التى إن أخذت على ظاهرها ظنّ به المروق من الدين والضلال، بينما لو أخذت بباطنها حملت على الإيمان والعرفان، وهو ما جعل كثيرين من معاصريه ومن جاء بعدهم يدافعون عنه. وقد سمع على الشيوخ بجانب صحيح الترمذى السالف صحيح مسلم وصحيح البخارى، وأجاز له السلفى فى الإسكندرية أن يحدث عنه، وأجازه ابن الجوزى فى بغداد وابن عساكر فى دمشق، وهم جميعا من كبار المحدثين فى عصره سوى شيوخ كثيرين. وبجانب هذه الشعبة الكبيرة فى عقيدته: شعبة وحدة الوجود تتراءى شعبة ثانية كبيرة هى شعبة المحبة الإلهية، وقد صورها مبكرا فى ديوانه:«ترجمان الأشواق» ومن يقرؤه حسب ظاهره يظن أنه غزل صبّ عاشق لنظام-كما يقال-فتاة الشيخ مكين الدين إمام مقام إبراهيم فى الحرم المكى، إذ يصف جمالها وفتنته به ودارها والأطلال والمنازل ودلالها ومراشفها ولوعته وحرقة فؤاده بحبها وسهام عيونها وفتور أجفانها وكأننا بإزاء شاعر من شعراء الغزل العذرى على شاكلة قوله:
مرضى من مريضة الأجفان
…
علّلانى بذكرها علّلانى
بأبى طفلة لعوب تهادى
…
من بنات الخدور بين الغوانى
طلعت فى العيان شمسا فلمّا
…
أفلت أشرقت بأفق جنانى
بأبى ثمّ بى غزال ربيب
…
يرتعى بين أضلعى فى أمان
فهو محب موجع الفؤاد أو هو مريض مرضا لا يرجى له منه شفاء لما وقع فى قلبه من
(1) انظر مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية (طبع دار المنار) 1/ 176.
حب هذه الفتاة أو هذه الطفلة اللعوب التى رآها تتبختر بين الغوانى الجميلات. وحين رآها ظنها شمسا فقد ملأت كل ما حوله وكل ما فيه من جنان أو عقل وغير عقل واستقر حبها فى قلبه وملك عليه كل شئ من أمره. وإنه ليفدى بروحه هذا الغزال المصون الذى يرعى بين أضلعه فى قلبه وسويداء فؤاده. والديوان كله-على هذا النحو- غزل وصبابة لا سبيل إلى إطفائها إذ تستمد من وجد ملتاع ما يزال ابن عربى يذوق ناره المحرقة، وليست نار الفتاة نظام، وإنما هى نار المحبة الربانية، وإلى ذلك يشير فى الديوان منشدا:
كلّ ما أذكره من طلل
…
أو ربوع أو مغان كلّ ما
أو نساء كاعبات نهّد
…
طالعات كشموس أودمى
صفة قدسيّة علويّة
…
أعلمت أنّ لصدقى قدما
فاصرف الخاطر عن ظاهرها
…
واطلب الباطن حتى تعلما
وهو لا يذكر فى القصيدة الطلول والربوع والمغانى أو المنازل والنساء المشرقات كالشموس والدمى فحسب، بل يذكر أيضا: نجدا وتهامة والسحب تبكى والزهر يبتسم والمواضع النجدية مثل الحاجر وورق الحمام وأنينها والبروق والرعود والرياح والطرق والجبال والتلال والعقيق والنّقا والرّبى والرياض والغياض، وكل ذلك حين يذكره صفات قدسية علوية يتخذها رموزا لبيان حبه الربانى وأسراره وأنواره فى فؤاده، وهو حب يتسع به حتى ليشمل أصحاب الديانات جميعا، إذ يقول:
لقد صار قلبى قابلا كلّ صورة
…
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
…
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت
…
ركائبه فالحبّ دينى وإيمانى
فدينه الحب الذى يسع جميع الديانات السماوية والوثنية، ولعل هذه شطحة من شطحاته الصوفية، إذ لا يمكن أن يصبح الناس أمة واحدة فضلا عن أن يكون دينها المحبة. وله بجانب أشعاره موشحات صوفية، وتميزها نفس العذوبة والسلاسة اللتين نجدهما فى شعره كقوله فى إحدى موشحاته:
يقول والوجد
…
أضناه والبعد قد حيّره
وهيّم العبد
…
والواحد الفرد قد خيّره
فى البوح والكتمان
…
والسرّ والإعلان فى العالمين