المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - الشعراء والشعر التعليمى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٨

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - التكوين الجغرافى والبشرى

- ‌2 - الفتح-عصر الولاة

- ‌(أ) الفتح

- ‌3 - الدولة الأموية

- ‌4 - أمراء الطوائف-المرابطون-الموحدون-بنو الأحمر فى غرناطة

- ‌(أ) أمراء الطوائف

- ‌(ب) المرابطون

- ‌(ج) الموحدون

- ‌5 - المجتمع

- ‌ الحضارة

- ‌الغناء

- ‌المرأة

- ‌6 - التشيع-الزهد والتصوف

- ‌(أ) التشيع

- ‌الفصل الثّانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-الفلسفة-علم الجغرافيا

- ‌(أ) علوم الأوائل

- ‌(ب) الفلسفة

- ‌(ج) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب الأندلس-كثرة الشعراء

- ‌(أ) تعرب الأندلس

- ‌(ب) كثرة الشعراء

- ‌2 - الموشحات والأزجال

- ‌(أ) الموشحات

- ‌ ابن عبادة القزاز

- ‌ يحيى بن بقى

- ‌(ب) الأزجال

- ‌ابن قزمان

- ‌3 - شعراء المديح

- ‌ابن عبد ربه

- ‌ ابن عمار

- ‌ابن الحداد القيسى

- ‌الأعمى التّطيلى القيسى

- ‌الرّصافى محمد بن غالب

- ‌ابن زمرك

- ‌4 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌(أ) شعراء الفخر

- ‌ عبد الملك بن هذيل

- ‌يوسف الثالث

- ‌(ب) شعراء الهجاء

- ‌ يحيى الغزال

- ‌السّميسر

- ‌اليكّىّ

- ‌5 - الشعراء والشعر التعليمى

- ‌ حازم القرطاجنى

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ابن خاتمة

- ‌2 - شعراء الطبيعة والخمر

- ‌ عبد الرحمن بن مقانا

- ‌ على بن حصن

- ‌ ابن خفاجة

- ‌ محمد بن سفر

- ‌3 - شعراء الرثاء

- ‌(أ) رثاء الأفراد

- ‌ محمد بن سوار

- ‌ ابن وهبون

- ‌(ب) رثاء الدول

- ‌ المعتمد بن عباد

- ‌ابن اللبانة

- ‌ابن عبدون

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌(أ) شعراء الزهد

- ‌(ب) شعراء التصوف

- ‌ ابن العريف

- ‌ ابن عربى

- ‌الششترى

- ‌(ج) شعراء المدائح النبوية

- ‌5 - شعراء الاستنفار والاستصراخ

- ‌ ابن الأبار

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ البزليانى

- ‌ابن أبى الخصال

- ‌ابن عميرة المخزومى

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌حبيب

- ‌ابن الدباغ

- ‌ سهل بن مالك

- ‌3 - الرسائل الأدبية

- ‌رسالة التوابع والزوابع لابن شهيد

- ‌(أ) رسالة السيف والقلم

- ‌(ب) رسالة النخلة

- ‌(ج) رسالة أهب الشّاء

- ‌رسالتا ابن زيدون: الهزلية والجدية

- ‌رسالة ابن غرسية فى الشعوبية والردود عليها

- ‌رسائل نبوية ومواعظ

- ‌(أ) رسائل نبوية

- ‌ ابن الجنان

- ‌(ب) مواعظ

- ‌منذر بن سعيد البلّوطى

- ‌4 - أعمال نثرية

- ‌طوق الحمامة لابن حزم

- ‌كتابة التاريخ والتراجم الأدبية

- ‌(أ) المقتبس لابن حيان

- ‌(ب) الذخيرة لابن بسام

- ‌مذكرات عبد الله بن بلقّين

- ‌ قصة حى بن يقظان لابن طفيل

- ‌5 - المقامات والرحلات

- ‌(أ) المقامات

- ‌المقامات اللزومية للسّرقسطى

- ‌(ب) الرحلات

- ‌رحلة ابن جبير

- ‌خاتمة

الفصل: ‌5 - الشعراء والشعر التعليمى

‌5 - الشعراء والشعر التعليمى

ذكرنا فى كتاب العصر (1) العباسى الأول أن رقى الحياة العقلية فى هذا العصر دفع الشعراء إلى استحداث فن الشعر التعليمى، وكان من أوائل السابقين إليه أبان بن عبد الحميد فترجم كتاب كليلة ودمنة عن الفارسية إلى العربية فى 14 ألف بيت من الشعر المزدوج المؤلف من وزن الرجز، وفيه تختلف القافية من بيت إلى بيت بينما تتحد فى الشطرين المتقابلين. وبجانب ترجمته لكليلة ودمنة فى هذا الفن الجديد نظم مزدوجات طويلة فى تاريخ ملوك الفرس وفى الفقه وأحكام الصوم والزكاة. وممن نظم فى هذا الفن الجديد محمد بن إبراهيم الفزارى، إذ نظم فى علم الفلك مزدوجة طويلة استغرقت عشرة مجلدات، ونظم الأصمعى فيه قصيدة فى ذكر الملوك والجبابرة الهالكين والأمم البائدة، وكان بشر بن المعتمر يكثر من النظم فى هذا الفن التعليمى، وساق الجاحظ له فيه بكتابه الحيوان قصيدتين طويلتين تحدث فيهما عن الحشرات وأصناف الحيوان، ولعلى بن الجهم منظومة تاريخية تحدث فيها عن بدء الخليقة والأنبياء والإسلام والخلفاء حتى سنة 248 للهجرة.

ومن أوائل شعراء الأندلس الذين حاكوا العباسيين فى هذا الفن الجديد-إن لم يكن أولهم السابق إليه-الشاعر يحيى الغزال الذى مرت ترجمته بين شعراء الهجاء، إذ نظم فى فتح الأندلس أرجوزة طويلة ذكر فيها السبب فى غزوها وتفصيل الوقائع بين الفاتحين من المسلمين وأهلها وعدد أمرائها وأسماءهم مستقصيا محسنا (2). ونلتقى بعده بتمام بن عامر وزير الأمير محمد وابنيه المنذر ثم عبد الله إلى أن توفى فى حدود سنة 280 ويقول ابن الأبار: له الأرجوزة المشهورة فى ذكر افتتاح الأندلس وتسمية ولاتها والأمراء فيها ووصف حروبها من وقت دخول طارق بن زياد مفتتحها إلى آخر أيام الأمير عبد الرحمن بن الحكم (3)، ويقول ابن حيان إنها تشتمل على كتاب ضخم (4) وفى ذلك ما يؤكد أنها كانت مفرطة فى الطول.

(1) العصر العباسى الأول ص 190 وما بعدها

(2)

نفح الطيب 1/ 282.

(3)

الحلة السيراء تحقيق د. حسين مؤنس (طبع القاهرة) 1/ 144.

(4)

المقتبس تحقيق الدكتور محمود مكى (نشر دار الكتاب العربى بلبنان) ص 179.

ص: 238

وإذا استمررنا فى تتبع الشعر التاريخى التعليمى وأراجيزه التقينا بأرجوزة (1) ابن عبد ربه التى سجّل فيها انتصارات عبد الرحمن الناصر من سنة 300 إلى سنة 322 موزعا لأبياته فيها على تلك السنوات وهى فى نحو 450 بيتا، وقد استهلها بقوله:

سبحان من لم تحوه أقطار

ولم تكن تدركه الأبصار

ومن عنت لوجهه الوجوه

فما له ندّ ولا شبيه

ومضى يصف الله ببعض صفاته القدسية حامدا له على آلائه التى أسبغها على الأندلس، ويشيد بعبد الرحمن الناصر وانتصاراته الباهرة وجمعه لعقد الأندلس بعد أن كانت حبّاته قد تناثرت وعمّت الفتن فى كل الأنحاء وكثر الثوار فى كل مكان، وإذا عبد الرحمن بغزواته المتوالية سنويا يعيد إلى الأندلس وحدتها ويقضى قضاء مبرما على الثوار والمرّاق ويأخذ فى منازلة نصارى الشمال حتى يلقوا له عن يد وهم صاغرون، ونكتفى من أرجوزة ابن عبد ربه بالوقوف عند غزوة (2) السنة الأولى من غزوات الناصر وهى سنة ثلاثمائة، وكان قد أعدّ جيشا ضخما خرج به من قرطبة فى السابع من شهر رمضان فى تلك السنة، وبدأ بثوار كورة جيّان واتجه إلى حصن المنتلون وثائره سعيد بن هذيل ونازله واستسلم ولاذ بالأمان، ورحل إلى حصن شمنتان وثائره عبيد الله بن الشاليه، فبادر بالاستسلام متنازلا له عن جميع معاقله وحصونه وكانت تقارب المائة، ورحل إلى الحصون التى كانت موالية لعمر بن حفصون فى جيّان ثم فى البشرّات وافتتحها جميعا، ثم تقدم إلى ما كان بيد ابن حفصون فى إقليم إلبيرة من الحصون فافتتح أكثرها ولم يدع فيها مخالفا. ورأى أن يريح جيشه وكان قد فتح سبعين حصنا من أمهات الحصون سوى حصون وبروج ومعاقل تبلغ نحو الثلاثمائة، وهى فتوح لم يسمع بمثلها- كما يقول ابن حيان-لملك واحد من ملوك الأرض فى غزوة واحدة، وقفل منها عائدا إلى عاصمته قرطبة بعد ثلاثة أشهر وأيام، وفيها يقول ابن عبد ربه فى أرجوزته مشيدا بالناصر وما أذاق الثائرين من بأسه واستسلامهم له صاغرين خانعين:

وجمّع العدّة والعديدا

وكثّف الأجناد والحشودا

ثم انتحى جيّان فى غزاته

بعسكر يسعر من حماته (3)

(1) انظر الأرجوزة فى العقد الفريد 4/ 500 وما بعدها.

(2)

راجع هذه الغزوة فى الجزء الخامس من المقتبس ص 58 وما بعدها.

(3)

يسعر: يتقد. حماة: جمع حام.

ص: 239

فأذعنت مرّاقها سراعا

وأقبلت حصونها تداعى

وافتتح الحصون حصنا حصنا

وأوسع الناس جميعا أمنا

ثم انتحى من فوره إلبيره

وهى بكل آفة مشهوره

ولم يدع من جنّها مريدا (1)

بها ولا من إنسها عنيدا

إلا كساه الذّلّ والصّغارا

وعمّه وأهله دمارا

وانصرف الأمير من غزاته

وقد شفاه الله من عداته

والأبيات ليس فيها الحرارة التى ينبغى أن تموج بها إزاء هذه الغزوة التى ليس لها مثيل فى تاريخ الأندلس. وربما كان ذلك بسبب أنها صيغت فى أرجوزة من الشعر التاريخى التعليمى الذى تفتر فيه الحرارة ويصبح أشبه بالسرد منه بالشعر الغنائى المتوهج حرارة.

ولابن عبد ربه مدائح كثيرة فى الناصر تشتعل فيها الحماسة، بل فى نفس هذه الغزوة إذ ينشد ابن حيان له فيها قوله فى مدحه للناصر (2):

فى نصف شهر تركت الأرض ساكنة

من بعد ما كان فيها الجور قد ماجا

لما رأوا حومة الشّاهين فوقهم

كانوا بغاثا حواليها ودرّاجا (3)

ويقول فى وصف عدله فى رعيته:

أحيا لنا العدل بعد ميتته

وردّ روح الحياة فى جسده

ونلتقى في عصر المرابطين بأهم ناظم للشعر التعليمى التاريخى، ونقصد أبا طالب عبد الجبار الملقب بالمتنبى، وسنفرده بكلمة عما قليل، وكان يعاصره ابن أبى الخصال الكاتب المشهور وله قصيدة فى نسب الرسول صلى الله عليه وسلم سماها «معراج المناقب» . وأهم من نظموا بعده فى هذا اللون التاريخى من الشعر لسان الدين بن الخطيب الذى ستأتى ترجمته فى الفصل الخامس، فله فيه أرجوزة طويلة سماها «رقم الحلل فى نظم الدول» وهى تاريخ شعرى للدول الإسلامية، عرض فيها بإيجاز الخلفاء الراشدين فالأمويين فالعباسيين فبنى الأغلب بإفريقيا فالعبيديين (الفاطميين) فبنى أمية بالأندلس فأمراء الطوائف فالمرابطين فالموحدين فبنى نصر بغرناطة وبنى مرين بإفريقيا، وطبع جزء من هذه الأرجوزة بتونس بأخرة من القرن الماضى، ويسوق ابن الخطيب فى تضاعيفها نثرا لتوضيح الأبيات، وفى كتابه «الإحاطة» اقتباسات منها كثيرة. من ذلك عرضه لتاريخ الحكم الربضى وما كان

(1) مريدا: خبيثا شريرا.

(2)

الجزء الخامس من المقتبس ص 62.

(3)

الشاهين: من جوارح الطير وسباعها. البغاث والدراج: طائران صغيران والاستعارة واضحة.

ص: 240

من ثورة الفقهاء وأهل الربض عليه وسفكه لدماء كثيرين وهدمه لدورهم وقضائه السريع على الثورة مع رباطة جأشه فى حينها رباطة أذهلت من كانوا محيطين به، وكان من شدة الجبروت بحيث لم يرع لأحد فى الثورة عليه عهدا ولا ذمة، يقول لسان الدين مشيرا إلى توليه الحكم بعد وفاة أبيه هشام (1):

حتى إذا الدهر عليه احتكما

قام بها ابنه المسمّى الحكما

واستشعر الثورة فيها وانقبض

مستوحشا كالّليث أقعى وربض (2)

حتى إذا فرصته لاحت نفض

فأفحش الوقعة فى أهل الرّبض

وكان جبّارا بعيد الهمة

لم يرع من إلّ بها أو ذمّة (3)

وإذا تركنا التاريخ وشعره التعليمى إلى العلوم الدينية واللغوية قابلتنا كثرة من الأراجيز والقصائد العلمية، وهى أكثر من أن تحصى فى الأندلس أو تستقصى، إذ لم يكادوا يتركون علما دون أن ينظموا فيه أراجيز أو قصائد مطولة، وطائفة منها ذاعت شهرتها فى العالم العربى وكتبت عليها شروح كثيرة وأصبحت محور الدراسة فى العلم الذى نظمته مهما شرقنا أو غربنا فى البلدان العربية والإسلامية، من ذلك منظومة القاسم بين فيرّه الشاطبى الذى مر ذكره بين القرّاء فى الفصل الثانى، وقد سماها-كما مر بنا- حرز الأمانى ووجه التهانى فى القراءات، واشتهرت باسم الشاطبية نسبة إليه، وعدّتها -كما مرّ بنا فى غير هذا الموضع-ألف ومائة وثلاثة وسبعون بيتا، وقد شرحت مرارا، شرحها العلم السخاوى وغيره، وظلت المرجع الأساسى للقراء منذ عصر الشاطبى إلى اليوم. وذكرنا معه من القراء أبا حيان الغرناطى وقلنا هناك إن له فى القراءات منظومة فى ألف بيت وأربعة وأربعين وقد سماها:«عقد اللآلى فى القراءات السبع العوالى» ، ويقول ابن حجر إنها أخصر وأكثر فوائد من الشاطبية غير أنها لم ترزق حظها (4) من الشهرة والذيوع. ودوّت شهرة ابن عبد البر حافظ الأندلس وإمام مذهبها المالكى لعصر أمراء الطوائف بكتاب نفيس فى الفقه والحديث ألفه على هدى كتاب الموطّأ لمالك وسّماه:

«التمهيد لما فى الموطأ من المعانى والأسانيد» ويقول ابن حزم-كما مر بنا- «لا أعلم فى الكلام على فقه الحديث مثله أصلا» ولعل ذلك ما جعل الشاطبى ينظم قصيدة فى

(1) الإحاطة 1/ 482

(2)

الليث: الأسد. أقعى: جلس على إليتيه ونصب ساقيه وفخذيه. ربض: طوى قوائمه ولصق بالأرض.

(3)

إل بتشديد اللام: عهد.

(4)

الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة لابن حجر 5/ 73.

ص: 241

خمسمائة بيت تحيط علما بهذا الكتاب إحاطة دقيقة، غير أنها لم ترزق حظ أختها الشاطبية. ويلقانا غير عالم أندلسى حتى آخر أيام العروبة هناك يؤلف أراجيز ومنظومات فى العلوم الدينية المختلفة على نحو ما يلقانا عند أبى بكر بن عاصم المتوفى سنة 829 تلميذ لسان الدين بن الخطيب وله فى القراءات (1) منظومة باسم «إيضاح المعانى فى القراءات الثمانى» ومنظومة ثانية فى علم الفرائض (الميراث) باسم:«كنز المفاوض فى علم الفرائض» ومنظومة ثالثة فى علم الأصول باسم: «مهيع الوصول إلى علم الأصول» وله فى الفقه المالكى أرجوزة فى نحو 1690 بيتا نشرت فى باريس منذ القرن الماضى وكانت تدرس فى جامعة فاس إلى عهد قريب. وكثيرا ما كانوا ينظمون قصائد ومقطوعات لضبط بعض المسائل المتصلة بالقرآن أو بالقراءات أو بالفقه وأحكامه على نحو ما نجد فى رائية (2) أبى الحسن بن الحصار، وهى اثنان وعشرون بيتا فى بيان المدنى والمكى من سور الذكر الحكيم، وذكر فيها أن المدنى باتفاق عشرون سورة والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة وما عدا ذلك فمكى.

وكان طبيعيا أن تشارك الأندلس المشرق فى نظمه لفنون البيان والبديع، وابن المعتز هو أول من جمع بينهما فى كتابه «البديع» إذ أحصى فيه ثمانية عشر محسّنا وضم إليها صور البيان الأساسية وهى الاستعارة والتشبيه والكناية، وأخذت الحقب التالية تضيف إلى محسناته محسّنات جديدة إلى أن بلغ بها ابن أبى الإصبع المصرى مائة واثنين وعشرين محسنا. وتأخذ فى الظهور منذ على بن عثمان الإربلى المتوفى سنة 670 منظومات البديعيات (3)، وهى منظومات يتضمن كل بيت فيها محسنا من محسنات البديع والبيان، حتى إذا كان صفى الدين الحلى المتوفى سنة 750 رأيناه ينظم بديعيه من وزن البسيط فى 145 بيتا موضوعها مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، وكل بيت فيها يتضمن محسنا من محسنات البديع، وبلغت المحسنات فيها مائة وخمسين. ونرى معاصره أبا حيان الغرناطى ينظم قصيدة فى علمى البديع والبيان، ويبدو أنه لم يتجه بها وجهة الحلى والإربلى فى أن يجعل من كل بيت إشارة إلى لون معين من ألوان البيان والبديع، ولذلك لم يعد العلماء له هذا العمل بين قصائد البديعيات. وأول أندلسى أسهم فى تلك القصائد ابن جابر الوادى آشى المترجم له بين شعراء المديح النبوى، إذ نظم بديعية من بحر البسيط

(1) انظر فى أسماء هذه المنظومات لابن عاصم النفح 5/ 19.

(2)

راجع الذيل والتكملة للمراكشى: القسم الأول من السفر الثامن ص 210.

(3)

انظر كتابنا البلاغة: تطور وتاريخ ص 358 وما بعدها.

ص: 242

فى مائة وسبعة وعشرين بيتا وجعل موضوعها مديح الرسول صلى الله عليه وسلم وسماها: «الحلة السّيرا فى مدح خير الورى» واستهلّها بقوله:

بطيبة انزل ويمّم سيّد الأمم

وانثر له المدح وانشر أطيب الكلم (1)

وسرعان ما شرحها مواطنه ومعاصره أبو جعفر الرّعينى، ويقول فى مقدمته لها إن ابن جابر اتبع فى سرد المحسنات البديعية الخطيب القزوينى فى كتابيه الإيضاح والتلخيص، ولعل ذلك ما جعله يكتفى فيها بنحو ستين محسنا.

ولعل الأندلس لم تكثر من النظم فى علوم كما أكثرت من نظم علوم النحو والتصريف واللغة، ويكفى أن نرجع إلى ترجمة ابن مالك الطائى الجيّانى المتوفى سنة 672 بدمشق، ويعد أشهر نحاة القرون العربية المتأخرة لا فى الأندلس فحسب بل فى العالم العربى جميعه، وكان نظم الشعر التعليمى سهلا عليه سهولة مفرطة مع التعبير الناصع عن أدق الدقائق فى النحو والصرف واللغة، وتشهد بذلك كثرة أراجيزه ومنظوماته فيها المصوغة صياغة بديعة، وفى مقدمتها نظمه المفصل للزمخشرى فى النحو باسم «المؤصّل فى نظم المفصل» ومنظومته المطولة «الكافية الشافية» فى النحو، وتقرب من ثلاثة آلاف بيت، وله فى الصرف منظومة لامية فى أبنية الأفعال باسم «المفتاح أو اللاميات» وهى فى مائة وأربعة عشر بيتا من وزن البسيط، ومنظومة ثانية فى 49 بيتا من وزن الكامل ضمنها الأفعال الثلاثية المعتلة بالواو أو الياء احتفظ بها السيوطى فى الجزء الثانى من كتابه المزهر. وله فى اللغة منظومة واوية فى 162 بيتا سماها «تحفة المودود فى المقصور والممدود» وهى تتضمن الألفاظ التى تنتهى بألف مقصورة أو ممدودة مع اختلاف معانيها وقد طبعت فى القاهرة مع شرح موجز لها، ومنظومة ثانية فى 62 بيتا من وزن البسيط سماها:«الاعتداد فى الفرق بين الزاى والصاد» ضمنها الكلمات المتماثلة التى تنتهى بهما. وأهم منظوماته جميعا الألفية فى النحو والصرف وهى أرجوزة فى ألف بيت اختصر فيها أرجوزته الكبرى الكافية الشافية، وقد رزقت من الشهرة ومن المدارسة وإكباب الشيوخ والطلاب عليها فى جميع البلاد العربية منذ تأليفها إلى اليوم ما لم ترزقه أى منظومة أخرى فى النحو والصرف واللغة، ومن أجل ذلك كثرت شروحها وحواشيها مثل شرح الأشمونى وحاشية الصبان عليه وشرح ابن عقيل وحاشية الخضرى عليه. ولحازم القرطاجنى المتوفى سنة 684

(1) طيبة: المدينة. يمم: اقصد.

ص: 243

منظومة نحوية تضمنها ديوانه وسنعرض لها فى حديثنا عنه عما قليل، ولأبى حيان المتوفى سنة 745 أرجوزة فى النحو سماها «غاية (1) الإغراب فى علمى التصريف والإعراب» أى النحو، ولم تحظ-كأرجوزته فى القراءات-بشئ من الشهرة، وبالمثل الأراجيز النحوية التى نظمت بعد عصره، إذ سلبتها الشهرة جميعا ألفية ابن مالك. ويذكر ابن حجر فى كتابه الدرر أن ابن جابر الوادى آشى نظم كتاب فصيح ثعلب فى اللغة.

وكان قد شاع نمط لغوى من وزن الرجز يتضمن كثيرا من الألفاظ المقصورة الشائعة والمهجورة بغرض أخذ المتأدبين بمعرفتها وحفظها، وبدأ ذلك ابن دريد فى القرن الرابع بمقصورته التى تقع فى نحو مائتين وخمسين بيتا من الشعر والتى مدح بها عبد الله بن محمد ابن ميكال والى الأهواز وابنه، وأخذ بعض الشعراء فى المشرق يحاكونه بصنع مقصورات مماثلة لمقصورته غير أنه ظل لمقصورته القدح المعلى فى عناية الشعراء بها وفى تخميس بعضهم لها، ونجد شعراء الأندلس-وخاصة منذ القرن السادس-يحاولون محاكاته فى هذا اللون من الشعر التعليمى اللغوى، ونذكر منهم على بن حريق المخزومى، إذ ذكر المراكشى أن له مقصورة (2) عارض بها ابن دريد، وأضاف أن له أرجوزة لغوية بديعة عارض بها أرجوزة لغوية لابن سيده المتوفى سنة 458 وذكر المراكشى أن لمعاصره عامر بن هشام المتوفى سنة 623 مقصورة (3) جعلها فى ثلاثة أقسام: الأول فى الزهد والتضرع إلى الله واستغفاره، والثانى فى الحديث النبوى: بنى الإسلام على خمس، والثالث فى الشكوى من الزمان والإخوان ورثاء أبى محمد عبد الله بن أبى حفص بن عبد المؤمن، وعدتها نحو مائة وخمسة وستين بيتا أنشأها لابن أخيه وشرحها له شرحا مفيدا. ولحازم القرطاجنى مقصورة نالت حظا من الشهرة وسنلم بها فى حديثنا عنه وموضوعها مديح المستنصر صاحب تونس. وبدأ بالمقصورة ابن جابر الوادى آشى موضوعا جديدا هو مديح الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أنشدها المقرى فى النفح (4) مسميا لها باسم المقصورة الفريدة، وهى فى أكثر من ثلاثمائة بيت من وزن الرجز، وجعل لقافية كل حرف من حروف الهجاء فيها عشرة أبيات وتلى الحرف دائما الألف المقصورة واستهلها بالنسيب على العادة التى شاعت فى قصائد المدح النبوى، مع تضمينها بعض

(1) ذكرها أبو حيان فى كتابه منهج السالك فى الكلام على ألفية ابن مالك ص 45.

(2)

الذيل والتكملة: القسم الأول من السفر الخامس ص 276.

(3)

نفس المصدر ص 107.

(4)

راجع نفح الطيب 7/ 306.

ص: 244

الحكم الطريفة والإفاضة فى سيرة الرسول العطرة وذكر بعض معجزاته الخارقة والتنويه بمعراجه إلى السماء وقرب جبريل منه، وازدياده قربا حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وكيف أن الله ارتضاه للأمة رسولا هاديا منذ نشأة الخليقة. ومع أن المقصورة تكتظ فى قوافى أبياتها بالألفاظ الغريبة تشيع فيها السهولة مع حسن الأداء، إذ كان شاعرا بارعا.

وحرى بنا أن نخص كلا من أبى طالب عبد الجبار وحازم القرطاجنى بكلمة.

أبو (1) طالب عبد الجبار

لم تعن كتب التراجم الأندلسية بإعطائنا معلومات وافية عن حياة أبى طالب عبد الجبار، وحقا عنى ابن بسام بالترجمة له وإنشاد أرجوزته التاريخية كاملة، غير أنه اكتفى بقوله إنه من أهل جزيرة شقر بين شاطبة وبلنسية، ونهرها يحيط بها من جميع جهاتها. وهو بذلك يشترك مع ابن خفاجة شاعر الطبيعة فى مسقط رأسه. ويقول ابن بسام إنه كان يعرف بلقب المتنبى، ويضيف أنه كان «أبرع أهل وقته أدبا، وأعجبهم مذهبا، وأكثرهم تفننا فى العلوم، وأوسعهم ذرعا (طاقة) بالإجادة فى المنثور والمنظوم» .

ويذكر أنه كان يسرف فى المجون، وأنشد له خمرية اقتطفنا منها أبياتا فى الفصل التالى، ويقول إنه كان قانعا بما يسدّ حاجته من العيش، فلم يمدح أميرا ولا غير أمير بشعره، وينوه بأرجوزته التاريخية، ويقول إنها تدل على رسوخ قدمه فى العلم والمعرفة. وتدل مقدمته لها على أنه قدمها إلى أحد الرؤساء، ونظن ظنا أنه أحد ولاة دولة المرابطين على شرقى الأندلس. ولا يذكر لنا ابن بسام شيئا عن الحقبة التى عاش فيها، غير أنه أرخ فى أرجوزته ليوسف بن تاشفين سلطان المرابطين وذكر عقبه ابنه عليا السلطان بعده (500 - 537 هـ) وانه يقتفيه ويهتدى به فى حكمه، مما جعل العماد الأصبهانى يستنتج فى ترجمته له أنه عاش بعد سنة خمسمائة أى بعد السنة الأولى من حكم على، ومن يرجع إلى أرجوزته وحديثه فيها عن الخلفاء العباسيين يلاحظ أنه ختمهم بالخليفة المسترشد (512 - 529 هـ) قائلا عنه:

وهو إلى الآن إمام الخلق

والملك لله الإله الحقّ

وفى قوله): «إلى الآن» ما يدل على أنه عاش فترة فى مدة حكمة، قد تكون سبع سنوات أو أقل أو أكثر.

(1) انظر فى ترجمة أبى طالب عبد الجبار الذخيرة 1/ 916 - 944 والخريدة للعماد الأصبهانى 2/ 210 وما بعدها والمغرب 2/ 371 وما بعدها.

ص: 245

والأرجوزة فى أربعمائة وخمسين بيتا، وقد وضع بين يديها مقدمة نثرية ذكر فيها أنه قدمها-كما أسلفنا-إلى أحد الرؤساء قاصدا بها استمناحه ونواله، ويصفه بأنه غيث مدرار وبحر فياض بالجود والكرم، ثم يذكر أنه رجع فى أرجوزته إلى كتب التاريخ قاطفا عيون زهرها وملتقطا مكنون دررها، مع الإجمال والإيجاز. ويقول إنه ذكر فى فاتحتها مقدمات من أصول الاعتقادات، ويبدؤها باسم الله والصلاة على رسوله وآله الطيبين، ويأخذ فى حمد الله مبتدع السماء والأرض والبريّة ابتداع خالق مهيمن منفرد بوحدانيته منزّه عن قول جهم بن صفوان وغيره من المجسّمة، ويدعو إلى التأمل فى ملكوت العالم وتدبيره وإحكام خلقه وأيضا إلى التأمل فى خلق الإنسان وأطواره وما وهبه الله من الحواس والحياة والرزق إلى الممات والعقل والعلم بالقلم علم التاريخ وغيره من العلوم.

وينتقل من حمد الله وإبداعه للكون والإنسان إلى الاستدلال على أنه الصانع للكون فكل ما فى الكون أجسام، والأجسام لا تصنع الأجسام، بل لا بد من صانع هو الذات العلية، وينشد:

أفّ لقول الفئة البصريّه

أهل الهوى والفرقة الغويّه

واحذر هداك الله يا ذا الفهم

قولهم واحذر مقال جهم

وقل بما يقول أهل الحقّ

من مثبتى صفات ربّ الخلق

وهو يريد بالفئة البصرية المعتزلة ويشتد به الضجر من قولهم بأن صفات الله ليست زائدة عن الذات الربانية كما يشتد به الضجر من جهم وأنداده المجسمة، ويعلن أنه يقول بما يقول به أهل الحق، يريد أهل السنة ممن يثبتون له صفاته القدسية، ولعله كان يدين بعقيدة الأشعرية أتباع أبى الحسن الأشعرى. ويقول إنه يؤمن-بجانب العقل- بالنقل المتواتر للأخبار الذى ينقله الجم الغفير عن الجم الغفير أو الجماهير عن الجماهير، وهو بذلك سنى أو قل أشعرى، ولا يلبث أن يحدثنا عن الجوهر والعرض، مما يؤكد صلته بالفلسفة، يقول:

وكلّ شئ جوهر أو عرض

إلا الذى الطّوع له مفترض

فإن فحصت قائلا ما الجوهر

وما هو العرض إذ يفسّر

فالجوهر الحامل للأعراض

وهو الذى ليس بذى أبعاض

والعرض المحمول كالألوان

وحركات الجرم والإسكان

فكل ما فى الكون إما جوهر وإما عرض إلا رب البرية فإنه لا جوهر ولا عرض إذ

ص: 246

هو منزّه عن التجسيم وعن كل ما يتصل بالتجسيم. والجوهر-ويريد الجوهر الفرد- لا يتجزّأ، والعرض لا حق به إذ يحمله كالألوان ويلابسه ملابسة الحركة والسكون.

وينتقل إلى مقدمة ثالثة فى بيان العلم ويوصى بأن يعرف الإنسان فرق ما بين المعلوم والموهوم وأن لا يهمل العقل ويأخذ بالتقليد، ويتخذ العلم للعلم لا للمباهاة به ولا لغلبة الخصوم، ويعرّفه بأنه معرفة الشئ على ما هو به، ثم يتحدث عن أنواع العلم قائلا:

العلم علمان أيا من يبحث

علم قديم ثم علم محدث

إن القديم علم ربّ العرش

بارى البريّة الشديد البطش

ومحدث فذاك علم الخلق

من ناطق وغير ما ذى نطق

وكل علم محدث علمان

علم ضرورىّ بلا برهان

وبعده فعلم الاستدلال

والمنطق الباحث عن أحوال

فالعلم علمان: علم قديم أزلى خاصّ بالذات العلية وعلم محدث هو علم الخلق من ناطق وغير ناطق، ثم العلم المحدث علمان أو قسمان: علم ضرورى بدون برهان وهو البديهيات كالعلم بأن اثنين ضعف الواحد وعلم يقوم على الاستدلال والمنطق وبراهينه ومقدماته الصحيحة. ويستمر قائلا: إن صانع العالم فرد صمد لا شريك له. وينعى على النصارى قولهم بالتثليث، واعتقادهم مع اليهود فى الذات العلية بالتجسيم، ويقول: جل جلاله عن شريك وأن يكون جسما له حد وانتهاء. ويتحدث فى مقدمة رابعة عن التفكر فى ملكوت السموات والأرض، ويقول إن كل ما فى الأرض من نبات وحيوان يدل على أن له صانعا يدبّره، وكذلك النجوم والبروج، فجميعها شواهد ناطقة بوحدانية الصانع، ويذكر أن النفس ليس لها إرادة وأنها تنقاد لقوة العقل إذ هو أعلى رتبة وأشرف، ومع ذلك قد تلحقه الآفات من غيره أو من ذاته، فدلّ ذلك على أن ربّا فوقه هو الكمال المطلق الذى ليس له نهاية تحدده. وفى مقدمة خامسة يتحدث عن بدء الخليقة وخلق البرية مهتديا بأضواء من الذكر الحكيم منشدا:

قد خلق الله السموات العلا

كما عن الرّسول فى الذّكر تلا

أخرج من ماء دخانا فسما

ثم دحا الأرض ليبلو الأمما

وآدم صوّر من صلصال

فكان منه جملة الأنسال

ثم برا لآدم حوّاء

فسكنا جنّته العلياء

وهو يشير فى الأبيات إلى ما جاء فى الذكر الحكيم من خلق السموات فى مثل قوله

ص: 247

تعالى بسورة النازعات: {السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَأَغْطَشَ} (أظلم){لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها} وقوله عزّ شأنه فى سورة فصّلت: {ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ} وقوله سبحانه فى سورة النازعات: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها} أى بسطها للإنسان ووسع رقعتها إلى أبعد حد.

ويقول إن آدم صوّر من صلصال وهو الطين اليابس بشهادة مثل قوله تعالى فى سورة الحجر: {وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ} وقوله فى سورة الرحمن:

{خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ} . ويذكر أبو طالب أن الله برأ أو خلق لآدم حواء وأسكنهما الفردوس. ويستمر فى الأرجوزة متحدثا عن عصيانهما لربهما وأكلهما من الشجرة وهبوطهما للأرض ويتحدث عن قتل ابنهما قابيل لأخيه هابيل، وعن تكاثر نسلهما وانتشار الفساد فيه وما كان من إرسال الله لنوح، وعن الأنبياء المنصوص على قصصهم فى القرآن الكريم. ويستغرق ذلك نحو مائة وستين بيتا، دلّ فيها على ثقافة واسعة وخاصة ثقافته بالفرق الإسلامية وبالفلسفة وما يتصل بها من المنطق. ويترك تلك المقدمات إلى التاريخ الخالص، فيتحدث عن الخلفاء الراشدين ومن تلاهم من خلفاء بنى أمية وخلفاء بنى العباس حتى عهد المسترشد كما أسلفنا. ثم يؤرخ لدولة بنى أمية فى الأندلس وما كان من الفتنة بقرطبة والقضاء على الحكم الأموى فى تلك الديار قضاء مبرما.

ويستقصى أمراء الطوائف وبلدانهم استقصاء دقيقا، ويصور فساد حكمهم بمثل قوله الغاضب عنهم:

قد أهملوا البلاد والعبادا

وعطّلوا الثغور والجهادا

واشتغلت أذهانهم بالخمر

وبالأغانى وسماع الزّمر

وزادهم فى الجهل والخذلان

أن ظاهروا عصابة الصّلبان

فهم قد أهملوا الرعية والجيوش المقاتلة عن الثغور والحمى وعاشوا للهو والخمر والغناء والزمر، وداخلوا طوائف النصارى فى الشمال حتى قويت أطماعهم وخاصة أذفونش ففرض الجزية على المعتمد بن عباد وعلى غيره والتقم طليطلة واسطة القلادة سنة 478 واشتعلت فى كل جهة ناره. وفزعت الأندلس إلى يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين فعبر إلى الأندلس، واستنقذها من أذفونش ونصارى الشمال بسحقه لجنوده سحقا وبيلا فى موقعة الزلاقة على نحو ما مر بنا فى غير هذا الموضع، وفيها وفى استصراخ أهل الأندلس لابن تاشفين يقول أبو طالب:

ص: 248