الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويكثر ابن الخطيب-كعادة أهل الأندلس فى زمنه وقبل زمنه-من الكتابة عن سلطانيه أبى الحجاج وابنه الغنى بالله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم متوسلين إليه بالشفاعة فى تحقيق أمانيهم الدنيوية فى النصر على الأعداء وأمانيهم الأخروية فى الغفران والرضوان، مع تصوير جهادهما الدائب فى نصرة الإسلام والذب عن حياضه فى الأندلس. ويفيض المقرى بكتابه نفح الطيب فى الحديث عن شيوخه وتلاميذه وأولاده وهو بحق مفخرة من مفاخر الأندلس حسن أداء وروعة بيان.
2 - الرسائل الشخصية
طبيعى أن يعنى الكتاب بهذه الرسائل منذ عنايتهم بالرسائل الديوانية معبرين عن عواطفهم ومشاعرهم من ثناء وشكر وعتاب واستعطاف واعتذار وتهنئة وشفاعة واستمناح وتعزية، وليس بين أيدينا نصوص منها قبل عصر المنصور بن أبى عامر فى أواخر القرن الرابع إذ احتفظ ابن بسام فى الذخيرة بطائفة من الرسائل الديوانية التى صدرت من دواوينه على لسان ابن برد الأكبر وابن دراج شاعره وساق للأخير رسالة شكر لمن أنقذه من ضنك حياته، وهو يصف فيها ما كان قد نزل به من الضنك والبؤس بعد أن كان فى ثراء وحال حسنة قائلا (1):
والرسالة مبنية على السجع، مبالغة فى التأنق، وقد اختيرت فيها الألفاظ وامتلأت بالتصاوير، مما يؤكد شيوع التنميق فى الرسائل الشخصية منذ أواخر القرن الرابع الهجرى على نحو ما أخذ يحدث فى الرسائل الديوانية عند ابن دراج نفسه وعند ابن برد
(1) الذخيرة لابن بسام (تحقيق د. إحسان عباس) 1/ 62.
(2)
العفا هنا: كثرة الخير وطيب العيش.
الأكبر، ونلتقى بأخرة من العصر الأموى بابن شهيد الكاتب البارع المتوفى سنة 426 وقد ترجم له ابن بسام فى ذخيرته، وذكر له طائفة كبيرة من رسائله الشخصية، وهو يطيل فيها طولا شديدا، ونسوق له قطعة من رسالة أطنب فيها ما وسعه الإطناب كتب بها إلى صاحب بلنسية شاكرا معتذرا عن الإلمام ببابه لتعلقه بقرطبة مع ما أصابها من الفتنة ومن التخريب والهدم والحرق، يقول (1):
«قد كان أقلّ حقوق مولاى أن أقف ببابه، وأخيّم بفنائه، وأهدى إليه الشكر غضّا، وأنثر عليه المدح بضّا (2)، ولكنى ممنوع، وعن إرادتى مقموع، يملكنى سلطان قدير، وأمير ليس كمثله أمير، شئ غلب صبر الأتقياء، واستولى على عزم الأنبياء، وهو العشق، باطل يلعب بالحق، ليبين ضعف البشر، وتلوح قدرة مصرّف القدر، والذى أشكو منه أغرب الغرائب، وأعجب العجائب، بثّ شاغل، وبرح (3) قاتل، وصبر يغيض (4)، ودمع يفيض، لعجوز بخراء (5)، سهكة درداء (6)، تدعى قرطبة:
عجوز لعمر الصّبا فانيه
…
لها فى الحشا صورة الغانيه
طاب لى الموت على هواها، ولذّ عندى سقى دمى لثراها». وله من رسالة يصور فيها أحد الأبطال المنازلين لجيوش الأعداء من نصارى الشمال (7):
وسنترجم لابن شهيد فى مطلع الحديث عن الرسائل الأدبية، ونمضى إلى عصر أمراء الطوائف ومن أوائل من نلقاه فى هذا العصر ابن برد الأصغر كاتب معن بن صمادح أمير
(1) الذخيرة 1/ 207.
(2)
بضّا: ناضرا.
(3)
برح: عذاب.
(4)
يغيض: يغيب.
(5)
بخراء: رائحة فمها كريهة.
(6)
سهكة: كريهة الرائحة. درداء: ساقطة الأسنان.
(7)
الذخيرة 1/ 227.
(8)
الكميت من الخيل: الأشقر ضاربا إلى السواد.
(9)
الكران: العود.
(10)
وجبة: صوت.
(11)
الهجير: القيظ وسط النهار.
(12)
يسرى: يسير ليلا. الزمهرير: البرد الشديد.
المريّة، وقد أطال ابن بسام فى ذكر تحميداته، وذكر طائفة من رسائله فى العتاب والاستزارة وله رسالة فى ذم صديق، ويقول ابن سعيد فى المغرب إنها من أبدع ما قيل فى ذم مؤاخ، ومن قوله فيها:(1)
ولابن برد رسالة وجّه بها إلى أبى الوليد بن جهور أمير قرطبة (435 - 461 هـ) جعل موضوعها مجلسا للرياحين وأنوار البساتين أخذت فيه تتفاوض وتتحاور فى أيها أجمل فى صورته وأعبق فى رائحته ثم قام من بينهم خطيب، ففضل الورد على سائر الأزهار لحمرته معللا لذلك بأن الحمرة لون الدم والدم صديق الروح. وكان بالمجلس من رؤساء الأزهار والرياحين النرجس الأصفر والبهار والبنفسج والخيرىّ، فأدوا للورد شهادتهم بتقدمه، ونسوق منها شهادة النرجس إذ يقول (8):
وتتوالى شهادة البنفسج والبهار (11) والخيرىّ، ثم تعقد الأزهار العزم على كتابة عقد
(1) الذخيرة 1/ 504 والمغرب 1/ 89.
(2)
واضح أن بيض الأنوق مثل لبيان الاستحالة.
(3)
المشقر: حصن فى البحرين اشتهر صفاه أو صخره بشدة الصلابة، ويريد أن صديقه صفيق.
(4)
الغرب والنبع: شجر تتخذ منه السهام.
(5)
الدمن: جمع دمنة: الحقد.
(6)
القلى: الكراهية.
(7)
الماء الزلال: العذب الصافى السلس.
(8)
الذخيرة 2/ 127.
(9)
الحيا: المطر.
(10)
اللبة: موضع القلادة من العنق.
(11)
زهر البهار أصفر ويشبه زهر النرجس.
بذلك ويكتبون رقعة بتحالف الرياحين جميعا على أنها أعطت للورد قيادها وملّكته أمرها، واعترفت بأنه أميرها المقدم لخصاله والمؤمّر لسوابقه، وهى لذلك تلتزم له بالسمع والطاعة والرقّ والعبودية. وربما كنى بالورد عن أمله فى أن يكون وزيرا لابن جهور مفضلا له على كل من حوله. وقد طارت شهرة هذه الرسالة وحاكاها غير كاتب، وممن حاكوها معاصر ابن برد حبيب صاحب كتاب فصل الربيع وسنترجم له عما قليل، أما ابن برد فسنترجم له بين أصحاب الرسائل الأدبية.
ويكتظ كتاب الذخيرة لابن بسام بالرسائل الشخصية يدبّجها كتاب الدواوين والوزراء والشعراء وينمقونها صورا مختلفة من التنميق، وممن روى له كثيرا من رسائله الشخصية أبو محمد بن عبد البر الذى ترجمنا له بين كتاب الرسائل الديوانية، وله رسائل كثيرة فى الشفاعات والوسائل والمودة وفى التهنئة والتعزية، من ذلك تعزيته لأب فى فتى له استشهد فى قتال أعداء الدين الحنيف، وفيها يقول (1):
«كتبت عن قلب يقشعرّ، ونفس بين ضلوعها لا تستقرّ، لخبر الرّزء الهاجم، والنبأ الشنيع الكالم. . فيا لها حسرة ما أنكاها (2) للنفوس، وجمرة ما أذكاها (3) فى القلوب.
وروعة ما أفتّها للأعضاد، ولوعة ما أحرّها على الأكباد:
وما نحن إلا مثلهم غير أننا
…
أقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
ولقد خرج من بيته مجاهدا، وعن حمى الدين ذائدا، فوقع أجره على الله. . وأنت الطّود الموفى (4) على كل هضبة، المعلّى على كل فرحة وكربة. والله-يا سيدى-فى نفسك العزيزة أن يكون فيها كامن رزء (5) يقدح، أو أن يوهن منها باطن أسى يفدح»
وكان يعاصر أبا محمد ابن حيان مؤرخ الأندلس الكبير المتوفى سنة 469 وقد ترجم له ابن بسام ترجمة ضافية، وسنترجم له فى غير هذا الموضع، وروى ابن بسام له رسائل شخصية بديعة، وفى إحداها يقول مهنئا بعض العمال بخلاصه من نكبته (6):
«كتابى عن نفس قد أشرق وجه صباحها، وهبّت رياح ارتياحها، بما طلع علينا من
(1) الذخيرة 3/ 219.
(2)
ما أنكاها: ما أنكأها أى ما أشد جرحها وألمها.
(3)
ما أذكاها: ما أحرّها.
(4)
الموفى: المشرف.
(5)
رزء: مصيبة.
(6)
الذخيرة 1/ 584.
البشائر السارّة بخلاصك، وجميل انفكاكك، على حين بلغت قلوب الأودّاء الحناجر، وكادت موارد الحزن لا تكون لها مصادر، فإن الأيام عمّت فيك، بإساءتها إليك، كلّ منتسب إلى فضل، متّسم باسم نبل، وإن كانت قد أصابت فيك سواد ناظرها الذى تضئ به وتتجمّل، وسخت منك بحلى جيدها الذى يحقّ به أن تبخل. . وقد صادفت منك الإبريز (1) الذى لا يزيده السّبك إلا تمحيصا، والمبرّز الذى لا يعقبه تحوّل الأحوال نكوصا، تتلقى الخطوب بصدر وساع، (2) وصبر منفسح الباع، وتسبر (3) الدهر بمسباره، وتعرف من مكنونه حقيقة إيراده وإصداره».
ونلتقى بابن الدباغ كاتب المقتدر بن هود أمير سرقسطة، وسنخصه بكلمة، وكان يكتب للمقتدر أيضا أبو عمر (4) الباجى المتوفى سنة 475 وروى له ابن بسام رسالة على لسان زهر البهار وجّه بها إلى المقتدر بن هود مزدلفا إليه آملا أن تكون له الحظوة الكبرى بين كتابه ووزرائه كما للبهار بين نواوير الربيع وفيها يقول (5):
والباجى يجعل البهار فوق الورد وجميع الأزهار مصورا بلسانه مطامحه فى التقدم عند المقتدر فى مجالس تدبيره وأنسه على جميع كتابه ووزرائه. ولمواطنه كاتب المقتدر حسداى (9) -وكان يهوديا وأسلم وحسن إسلامه-رسالة مماثلة كتب بها إلى المقتدر على
(1) الإبريز: الذهب الخالص.
(2)
وساع: متسع.
(3)
تسبر: تختبر. مسبار: آلة الاختبار.
(4)
انظر ترجمة الباجى فى القلائد 102 والذخيرة 2/ 186 والخريدة 2/ 313 والمغرب 1/ 405.
(5)
الذخيرة: 2/ 194.
(6)
أودى: اعوجاجى.
(7)
يناصبنى: يفادينى.
(8)
ضرائبه: طبائعه وسجاياه.
(9)
راجع ترجمته فى القلائد 183 والذخيرة 3/ 457 والخريدة 2/ 48 والمغرب 2/ 441.
لسان النرجس (1)
ومن شعراء العصر الذين عنى ابن بسام برواية طائفة من رسائلهم الشخصية البديعة ابن الحداد الذى مضت ترجمته بين أفذاذ الشعراء فى العصر، وتنم رسائله عن أنه كان مثقفا ثقافة واسعة بالآداب العربية وما يطوى فيها من أعلام وأمثال وأشعار، وبعلوم الأوائل وما يطوى فيها من فلسفة وغير فلسفة، ومن طريف رسائله فى الشكر والإخاء (2):
ومن الكتاب المبدعين أبو عبد الرحمن بن طاهر، وسنخصه بكلمة، وكان يعاصره أبو الحسين (9) سراج بن عبد الملك بن سراج اللغوى الفقيه الكاتب المتوفى سنة 508 وله رسالة طريفة بناها على الدعابة فى الشفاعة لشخص يسمى بالزريزير مستغلا اتفاق اسمه مع اسم طائر الزّرزور على هذا النمط (10):
«يصل بالكتاب-وصل الله علوّك، وكبت عدوّك-شخص من الطيور يعرف بالزّريزير أقام لدينا أيام التّحسير (11)، وزمان التبلغ بالشّكير (12)، فلما وافى ريشه، ونبت بأفراخه عشوشه، أزمع عنا قطوعا (13)، وعلى ذلك الأفق الّلدن تدلّيّا ووقوعا، رجاء أن
(1) الذخيرة 3/ 470.
(2)
الذخيرة 1/ 704.
(3)
النحائز: الطبائع.
(4)
الفرقدان: نجمان قريبان من القطب.
(5)
المقة: المحبة.
(6)
أربأ به: أنزهه.
(7)
السوالف جمع سالفة: جانب العنق.
(8)
النيران: الشمس والقمر يوح: الشمس. اللوح: الهواء بين السماء والأرض.
(9)
انظر ترجمته فى الذخيرة 1/ 821 والمغرب 1/ 116 والصلة 222 والمطرب 123 والخريدة 2/ 484 ومعجم الأدباء 11/ 181.
(10)
الذخيرة 2/ 347.
(11)
التحسير: سقوط الريش العتيق.
(12)
الشكير: صغار الريش. التبلغ: الاكتفاء.
(13)
قطوعا: طيرانا.
يلقى فى تلك البساتين معمرا (1) وعلى تلك الغصون حبّا وثمرا، وأنت بجميل تأتّيك، وكرم معاليك، تصنع له هنالك وكونا (2)، وتستمع من نغم شكره على ذلك أغاريد ولحونا، دون أن يلتقط فى فنائك حبّة، أو يسترط (3) من مائك نغبة (4)».
وطارت الرسالة فى الأندلس وحاول غير أديب محاكاتها لما فيها من دعابة مستملحة، إذ صور سراج ما كان فيه هذا الشخص من ضيق جعله يلتمس منه الشفاعة لصاحبه بالزرزور حين ينحسر عنه ريشه العتيق ولا يبقى له إلا الريش القصير، حتى إذا كثر ريشه صمم على القطوع أو الرحيل آملا أن ينزل على أفق هذا الجواد ويجد عنده منزلا وحبّا وثمرا ووكونا أو عشوشا يأوى إليها متغنيا بالثناء عليه. وينصحه أن لا يجد فى فنائه حبّة يلتقطها ولا جرعة ماء تبلّ ريقه. وممن حاول محاكاة سراج بن عبد الملك فى هذه الدعابة الطريفة أبو بكر عبد (5) العزيز بن القبطورنة كاتب على بن يوسف بن تاشفين المتوفى حوالى سنة 520 للهجرة، ومن قوله فى رسالته (6):
«يصل بكتابى-وصل الله سعودك-من الطير نطّاق، من غير ذوات الأطواق (7). .
مهّدته العذارى الحجور، وألحفته الشعور، وربّته بين التّرائب والنّحور، وعلّلته بالرّضاب (8)، وسقته بأفواهها العذاب، أقام عندنا زمانا، لا يتألف إلا رندا (9) أو بانا، يتدرّج فى البساتين، يتطلب العنب المنتقى والتّين، فذكرت له يوما والحديث ذو شجون، أرضك الميثاء (10) ذات الشجر والعيون، فصفّق جناحا، واهتزّ ارتياحا، وسألنى إلى مجدك كتابا فأنلته ما ابتغى، وقلت: سلمت أخا الببّغا، وبلّغت المدى، وجنّبت من حزّة المدى (11) وأخذ الكتاب بمنقار، وصفّق بريش الجناحين سرورا وطار، وأنت بسيادتك تبسط له فى بساتينك، وتفرش له من وردك وياسمينك»
وكان يعاصر ابن القبطورنة أبا القاسم بن الجد، وسنخصه بكلمة، وعاصرهما ابن عبدون الشاعر الفذ الذى ترجمنا له بين شعراء الرثاء، وقد عمل فى دواوين المتوكل
(1) معمرا: منزلا.
(2)
وكونا جمع وكن: عش الطائر.
(3)
يسترط: يبتلع.
(4)
نغبة: جرعة.
(5)
راجع ترجمته فى الذخيرة 2/ 753 والمغرب 1/ 367 والتكملة رقم 1743 والقلائد 148.
(6)
الذخيرة 2/ 758.
(7)
ذوات الأطواق: الحمام.
(8)
الرضاب: الريق المرشوف والعسل.
(9)
الرند: شجر طيب الرائحة. البان: شجر يشبّه به الحسان فى الطول واللين.
(10)
الميثاء: اللينة الطيبة.
(11)
المدى، جمع مدية: السكين.
ببطليوس ثم فى دواوين المرابطين، وله رسائل يخطب فيها ودّ أبى القاسم بن الجد، وفى إحداها يقول (1):
وللأعمى التطيلى الشاعر معاصره رسالة عتاب بديعة لمن خدمه الزمان وأقبل عليه السلطان، وله يقول مترفعا عن بره وعونه:«إنى أبيت ظمآن، ولا أبيت خزيان، وأحتمل الحرمان، ولا أحتمل الهوان (9)» . وكان يعاصره ويعاصر ابن الجد ابن خفاجة شاعر الطبيعة المبدع الذى مرت ترجمته، وكما كان يبدع فى وصفها شعرا كان يبدع فى وصفها نثرا، وله من رسالة يصف نزهة مع بعض رفاقه غبّ مطر (10):
«لما أكبّ الغمام إكبابا، لم أجد معه إغبابا (11)، واتصل المطر اتصالا، لم ألف معه انفصالا، أذن الله تعالى للصّحو أن يطلع صفحته، وينشر صحيفته، فقشعت الريح السحاب، كما طوى السجلّ الكتاب، وطفقت السماء تخلع جلبابها، والشمس تحطّ نقابها، وتطلّعت الدنيا تبتهج كأنها عروس تحلّت، وقد تجلّت، ذهبت فى لمّة من الإخوان نستبق إلى الراحة ركضا، ونطوى للتفرّج أرضا، وننشر أرضا، وتردّدنا بتلك الأباطح نتهادى (12) تهادى أغصانها، ونتضاحك تضاحك أقحوانها، وللنسيم، أثناء ذلك
(1) الذخيرة 2/ 670.
(2)
ريا: شذى.
(3)
صوادى: عطاش.
(4)
طلقه: شوطه.
(5)
دسيعته: طبيعته وشيمه.
(6)
العقيلة: السيدة الكريمة.
(7)
رحم: قرابة.
(8)
السحر: الرلة. النحر: أعلى الصدر.
(9)
الذخيرة 2/ 729.
(10)
الذخيرة 3/ 543.
(11)
إغبابا: انقطاعا.
(12)
نتهادى: نتمايل.
المنظر الوسيم، تراسل مشى، على بساط وشى، وأجلنا النظر فى نهر صافى لجين (1) الماء، كأنه مجرّة السماء، مؤتلق جوهر الحباب (2)، كأنه من ثغور الأحباب. وحضرنا مسمع (3) يجرى مع النفوس لطافة فهو يعلم غرضها وهواها، ويغنى لها مقترحها ومناها:
يحرّك-حين يشدو-ساكنات
…
ويبتعث الطبائع للسّكون»
ولابن خفاجة-بجانب ذلك-رسائل فى التهادى وفى العتاب وفى الشفاعة، وفى التهانى وفى التعازى، وهى مبثوثة بترجمته فى الذخيرة، وله يتفجع على شهيد بإحدى رسائله (4):
ومن معاصرى ابن خفاجة أبو عبد الله بن أبى الخصال أهم الكتاب فى دواوين المرابطين بأخرة من أيامهم، وتحتفظ المجلدات الثامن والتاسع والرابع عشر من صبح الأعشى بطائفة من رسائله الشخصية بين شكر وتهنئة بقدوم وتعاز فى وزير وبنت وأخ وزوجة وشفاعة ووصف لغيث بعد جدب وما أعقبه من تغنى الطيور فرحا بجمال الطبيعة وازديانها بروائع الأزهار من نرجس وغير نرجس، واحتفظ له ابن بسام بطائفة أخرى من رسائله فى ذخيرته، من بينها رسالتان وجّه بهما إلى ابن بسام ردّا على رسالة كان أرسلها إليه فى طلب بعض شعره ونثره ليضمنه الذخيرة، وهو فى أولاهما يعتذر عن تلبية طلبه فى تواضع جم إذ ليس له من الشعر والنثر-كما يقول-إلا ما يعد من سقط المتاع. ويبدو أن ابن بسام ألح عليه فى الطلب فاضطر أن يلبيه بقليل من شعره قائلا إنه
(1) اللجين: الفضة.
(2)
الحباب: الفقاقيع تلمع فوق سطح الماء.
(3)
مسمع: مغن.
(4)
الذخيرة 3/ 557.
(5)
السرار: آخر ليلة فى الشهر.
(6)
جذل: سرور.
(7)
أقمر: أضوأ.
(8)
منشودا: مطلوبا.
(9)
الأوار: حر النار.
(10)
أحساء هنا: ينابيع.
يربأ بقدر الذخيرة عن مثل هذه النتف الأخيرة، ويعتذر بأنه يخط ما خطه من هذا الشعر فى ليلة قاسية البرد، ويمضى فى تصويرها قائلا (1):
والرسالة وصف شعرى بديع لهذه الليلة من ليالى الشتاء الباردة بردا شديدا فى الأندلس والرياح تقصف، والليل داج معتم، والسراج تقبضه الريح وتبسطه، وقد يضيئ ويستعرض، وقد يتضاءل حتى يصبح إبرة أو برة، وقد يستطيل حتى كأنه سنان أو لسان، وقد يتقوس حتى كأنه حاجب أو يتلوّى كأنه عقرب. ويستمر ابن أبى الخصال فى وصف الليلة الباردة وما أضفى عليها من أخيلته الرائعة. وليستتم صورة بردها الشديد وصف كلبا مقرورا مدّ عليه الثلج رواقه، حتى لم يعد يبصر طنب بيته والتف ذنبه على خيشومه
(1) الذخيرة 3/ 792.
(2)
يريد الحجاج الثقفى وفتكاته بأعدائه.
(3)
حبابة: فقاعة الماء.
(4)
البرة: الحلقة توضع فى أنف البعير، وبها شبّه الكاتب لسان الشمعة. حمة العقرب: إبرته.
(5)
أذن جواد أى مستعرضا مثلها. حدق جراد أى ضئيلا كنقطة مداد.
(6)
زنجى الأديم: أسود الجلد.
(7)
تبرى: ذهبى.
(8)
جللنا: غطانا. الساج: شجر خشبه شديد السواد.
(9)
زرقاء اليمامة: اشتهرت بحدة نظرها.
(10)
نصلت: بهتت.
(11)
الطنب: الحبال تشد بها الخيمة والخباء.
(12)
الحباب بالضم: الأفعى. وبالفتح: فقاقيع الماء.
(13)
الضريب: الثلج.
(14)
الصعيد: وجه الأرض.
(15)
الرحيق: الصافى من الخمر والشراب.
(16)
عنقاء مغرب: طائر خرافى.
أو خرطومه، وتقرفص وتكوّم كالأفعوان، وكاد يتجمد، فحشو الجو من فوقه إبر من الثلج اللاسع، وأرضه قوارير من الجليد اللاذع، وجفّ ريقه فى حلقه فلا هرير ولا نباح، ولا نار لمصطل، فالرياح العاصفة لها بالمرصاد حتى لكأنها الطائر الخرافى المسمى عنقاء مغرب.
ونمضى فى عصر الموحدين، ونلتقى فيه بصفوان بن إدريس المتوفى سنة 598 المار ذكره بين شعراء الغزل والمدائح النبوية، وله من رسالة ينهئ بها أبا القاسم بن بقى حين تولّى خطة القضاة سنة 592 وفيها يقول (1):
«حسن الأيام وجمالها، ومآل الآمال وثمالها (2)، وبصر المعارف وسمعها، وواحد الفضائل وجمعها، أبو القاسم بن بقى بن مخلد، بورك فى والد وما ولد:
نسب كأن عليه من شمس الضّحى
…
نورا ومن فلق الصّباح عمودا
. . نفع الحقّ به علله، ونقع غلله (3). . عمادى الأكرم، وملاذى الذى أنفخ من حدّه فى ضرم (4)، وأحلّ من الاختصاص به محل الحرم، تخيرّت علاه ومن أخصب تخيّر وما كنت إلا كالغريب ارتاد الجوار، والمحلّى انتقى المعصم حين صاغ السّوار. . والله- تعالى-يديم مدة قاضى الجماعة الأسرى (5)، وكلم حمده أسير من الأمثال وأسرى (6)، ونعم الله سبحانه عليه تترى، وما يريه من نعمة إلا هى أكبر من الأخرى». والتورية واضحة بين الأسرى وأسرى، وهى تكثر فى نثر الأندلس وشعرها منذ هذا التاريخ.
ولسهل بن مالك-بأخرة من عصر الموحدين-رسائل شخصية بديعة، وسنخصه بكلمة، ولأبى عبد الله بن الجنان المترجم له بين شعراء المدائح النبوية من رسالة يعزى بها أبناء سهل حين توفى استهلها بقصيدة أو بمرثية طويلة وفيها يقول (7):
«يا له حادثا، جمع قديما من الكروب وحادثا، ومصابا، جرّع أوصابا، وأضحى كلّ به مصابا، لا جرم أنى شربت من كأسه مستفظعها، وشرقت (8) بها وبدمعى الذى ارفضّ (9) معها، فغالت خلدى، وغالبت جلدى، حتى غبت عنى، ولم أدر بآلامى التى تعنّى.
(1) بقية السفر الرابع من كتاب الذيل والتكملة تحقيق د. إحسان عباس ص 141.
(2)
ثمالها: ملجأها.
(3)
نقع غلله: شفاه.
(4)
ضرم: وقود النار.
(5)
الأسرى: الأشرف.
(6)
أسرى: أسير ليلا.
(7)
بقية السفر الرابع المار آنفا ص 115.
(8)
شرقت: غصصت.
(9)
ارفض: تفرق وتبدد.
وبكيت حتى خشيت البكاء أن يعشينى (1)، وغشيت (2) إذ غشينى (3) من ذلك اليمّ (4) ما غشينى، «وظللت لقى (5) أينما شاء التّرح يلقينى، فتارة يفنينى، وتارة يبقينى. .
ويا ليت شعرى إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله، هل حنّطوه بغير ثنائه أو كفّنوه فى غير خلاله، ويا ليت شعرى إذ استقلّ به نعشه الأشرف، ترفرف عليه الملائكة ويظلّه الرّفرف، هل رأوا قبله حمل الأطواد (6)، على الأعواد، وسير الكواكب فى مثل تلك المواكب، ولم آثروا على نفوسهم، ورضوا الأرض مغربا لأنوار شموسهم؟ هلا حفروا له بين أحناء الضلوع، وجعلوا الصّفيح ضريح الحب والولوع. .
وهب الله لكم فى مصابكم صبرا على قدره، وسكب ديم مغفرته على مثوى فقيدكم وقبره».
وأخذ الكتّاب فى الأندلس منذ القرن السابع الهجرى على لسان أبى المطرف بن عميرة الذى ترجمنا له بين كتاب الدواوين وغيره يتصنعون فى كتاباتهم بإلماعات وإشارات إلى الأمثال وإلى مسائل العلوم ومصطلحاتها على نحو ما نقرأ من رسالة لأبى المطرف حين أعلمه صديق نبأ استيلاء الروم على بلنسية، فقال متحسرا (7):
وواضح أنه استغل مصطلحات النحو استغلالا واسعا فى التورية عما أراد من تصوير بؤس الأندلسيين إزاء ما يسقط من بلدانهم فى حجر نصارى الإسبان، وأضاف إلى التوريات بمصطلحات النحو توريات ببعض كتب الأندلسيين، وأقصد كتابى الصلة والعائد وهما من كتب التراجم ومن مصطلحات النحو أيضا وأشار معهما إلى تغلب المسيحى على العربى بكلمتى المثلث والفصيح موريا بهما عن كتابين لغويين هما مثلث قطرب وفصيح ثعلب، ومعروف أن من أنواع البدل عند النحاة بدل الكل من البعض.
وبجانب هذه الإشارات والإلماعات إلى مصطلحات العلوم وكتبها التى يحاكون بها تملحا
(1) يعشينى: يعمينى البكاء.
(2)
غشيت: أغمى على.
(3)
غشينى: غطانى وحوانى.
(4)
اليم: البحر يريد بحر الحزن.
(5)
لقى: مطروحا مهملا.
(6)
الأطواد: الجبال.
(7)
الإحاطة 1/ 173.
أبا العلاء المعرى فى نثره وشعره على نحو ما أوضحنا ذلك عنه فى كتابينا عن الفن ومذاهبه فى الشعر والنثر العربيين. وأخذت تشيع فى الرسائل مع المحسنات البديعية- وخاصة التورية-عقد يصعّب بها الكتّاب الممرات إلى صنع الرسائل، على نحو ما صنع المشارقة من ذلك منذ الحريرى صاحب المقامات، إذ كان يلتزم فى بعضها أن تكون كلماتها غير منقوطة أو تكون إحدى الكلمات منقوطة وتاليتها غير منقوطة وكثر مثل ذلك عند المشارقة كما كثر أن يلتزم حرف بعينه فى كلمات الرسالة أو كلمات العهد على نحو ما صنع ابن الجنّان إذ التزم فى عهد أن يكون السجع فيه جميعه حاء مع إردافها بالألف مثل صلاحا، فلاحا (1). والتزم فى رسالة له العين فى جميع ألفاظها، ويقول ابن عبد الملك المراكشى إنها «شاعت فى الأندلس، وتنوقلت شرقا وغربا» وراجعه أبو الحسين الرّعينى برسالة مماثلة، وردّ عليه ابن الجنّان أيضا برسالة على غرارها، مما دفع أبا المطرف بن عميرة أن يكتب إلى الرعينى برسالة نونية ملتزما النون فى جميع كلماتها (2). ومن الحق أن كتاب الأندلس كانوا من البراعة فى الكتابة بحيث كانت رسائلهم تسع هذا التصنع وما يشاكله دون أن يجور على إبداعاتهم الأدبية وحيويتها النافذة بما كانت تتوهج به دائما من سجع ومحسنات وتصاوير رائعة مع العناية دائما بجمال الجرس وحسن الأداء. وظل ذلك ماثلا فى كتابات الكتّاب بغرناطة طوال إمارتها من أواسط القرن السابع الهجرى إلى أن خرج منها العرب بأخرة من القرن التاسع، ويزخر كتاب الإحاطة بكثير من الرسائل الشخصية للكتاب الغرناطيين وفى مقدمتهم ابن الخطيب مؤلفه، وقد ختمه برسالتين راسل بهما ابن خلدون صديقه، واحتفظ ابن خلدون له بطائفة من رسائله إليه فى كتابه «التعريف» وفى إحداها يرحب بمقدمه إلى غرناطة قائلا (3):
وكانت بينهما مودة وثيقة، وآن أن نترجم لبعض كتاب الرسائل الشخصية المبدعين:
حبيب وابن الدباغ وأبى عبد الرحمن بن طاهر وأبى القاسم بن الجد وسهل بن مالك.
(1) الإحاطة 2/ 352 - 353.
(2)
انظر فى هذه الرسائل المراكشى (تحقيق د. إحسان عباس) 5/ 327 وما بعدها.
(3)
التعريف بابن خلدون ص 82 وما بعدها.
(4)
العارفة: العطية. الوارفة: الواسعة المبهجة.
(5)
الدمن: آثار الديار، والاستعارة واضحة.