الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
العرب الشاميون بينما انضوى اليمنيون والعرب البلديون والبربر تحت لواء يوسف بن عبد الرحمن الفهرى، واتفق الطرفان سنة 129 أن تكون ولاية الأندلس ليوسف ويتخذ الصميل مستشارا له ووزيرا، وبذلك عاد الأمن والنظام إلى الأندلس حتى سنة 138 ولكنها لم تعد إلى الجهاد فى غالة (فرنسا) ولا إلى الحفاظ على ما أضاعته من الأندلس الهجرة البربرية الكبرى، مما أتاح الفرص لنصارى الشمال أن يقيموا لهم دولا ما زالت تناضل المسلمين قرونا متطاولة إلى أن سقطت غرناطة آخر معاقلهم بتلك الديار.
3 - الدولة الأموية
(1)
لا نصل إلى أواخر السنة الثانية والثلاثين بعد المائة حتى يقضى العباسيون على الدولة الأموية فى المشرق وقد مضوا يستأصلون الأمويين فى مذابح جماعية، وكأنهم لا يريدون أن يبقوا منهم على وجه الأرض باقية. فى هذه الأثناء فرّ شاب أموى فى التاسعة عشرة من عمره إلى إفريقيا هو عبد الرحمن بن معاوية ابن الخليفة هشام بن عبد الملك، واستطاع أن يدخل الأندلس-ولذلك سمّى عبد الرحمن الداخل-وأن يقبض على زمام الحكم بها ويجعله وراثيا فى أسرته لمدة ثلاثة قرون متوالية. وبذلك أثبت أن الدولة الأموية إذا كانت سقطت فى المشرق فقد قامت فى الأندلس وكل ما هناك أن العاصمة انتقلت من دمشق إلى قرطبة.
وأحيط فرار عبد الرحمن إلى إفريقيا ودخوله إلى الأندلس بكثير من المبالغات والأساطير، من ذلك أنه كان بإحدى قرى العراق مع أختين له وأخ صغير فى الثالثة عشرة من عمره حين كان العباسيون ينكّلون بأفراد أسرته، وحاصرت جنودهم القرية،
(1) انظر فى الدولة الأموية بالأندلس البيان المغرب لابن عذارى الجزء الثانى وأخبار مجموعة والجزء الأول من المغرب وأعمال الأعلام لابن الخطيب، والذخيرة لابن بسام فى خلفاء الحقبة الأخيرة للدولة الأموية ونفح الطيب فى مواضع مختلفة وتاريخ ابن خلدون 4/ 116 وما بعدها والمقتبس من أنباء أهل الأندلس: الأجزاء المنشورة بتحقيق الدكتور مكى والحجى وشالميتا ومعه رفيقان. وراجع دولة الإسلام فى الأندلس لمحمد عبد الله عنان ومعالم تاريخ المغرب والأندلس لحسين مؤنس والتاريخ الأندلسى لعبد الرحمن الحجى.
فاصطحب عبد الرحمن أخاه وحمل ما استطاع من المال وأوصى أختيه أن يرسلا إليه بموضع عيّنه لهما فى الشام مولاه بدرا ومولاهما سالما. وحين كان يهم مع أخيه بعبور الفرات لحقتهما جنود العباسيين وعرضت عليهما الأمان، وكان التعب قد أخذ بخناق أخيه فاستجاب لهم. أما هو فألقى بنفسه فى الفرات، وبمجرد أن وصل إلى الشاطئ رأى سيوف الجند العباسى تنوش أخاه، فحمد الله أن نجا بنفسه، واتجه إلى الموضع الذى عيّنه لأختيه بالشام فوجد بدرا وسالما فى انتظاره ومعهما مال وجواهر. ومضى معهما مسرعا إلى إفريقيا وأخذ يتنقل فيها بين قبائل البربر، واستقرّ عند أخواله من قبيلة نفزة بالقرب من طنجة.
وكان سالم قد أعياه طول التنقل فعاد إلى الشام أما بدر فظل مع مولاه. وتساق مع هذه الأسطورة أسطورتان تزعم أولاهما أن والى المغرب أحسّ بخطر عبد الرحمن فأرسل فى طلبه، وكاد أن يقع فى يد طالبيه، لولا أن خبأته امرأة من قبيلة نفزة فى ثيابها، وتزعم الأسطورة الثانية أن عم أبيه مسلمة بن عبد الملك كان على علم بالنجوم وأنها أخبرته أن الأمير عبد الرحمن سيتحقق الأمر على يده. ولم يكن مسلمة على شئ من العلم بالنجوم، إنما هى أسطورة كالأسطورتين السابقتين وكأساطير أخرى تتصل برحلة عبد الرحمن وجميعها وضعها قصّاص شعبيون بعد أن عظم شأن عبد الرحمن وبيته فى الأندلس. وتساق أخبار كثيرة عن إرسال عبد الرحمن بمولاه بدر إلى موالى أسرته الأموية فى الأندلس واستجابتهم له واستجابة اليمنية التى طالما أيّدت أسرته فى صفّين وفى مرج راهط. ودخل عبد الرحمن الأندلس وكوّن سريعا جيشا للقاء الوالى يوسف الفهرى ومستشاره الصميل على مشارف قرطبة. واندحر جيشهما وأسر الصميل ومات فى السجن خنقا، أما يوسف ففرّ إلى طليطلة وفى إحدى قراها لقى حتفه.
وفى مساء هذا الانتصار فى اليوم العاشر من ذى الحجة سنة 138 للهجرة دخل عبد الرحمن القصر بقرطبة وصلّى بالناس وخطب فى الجند معلنا ميلاد الدولة الأموية فى الأندلس، وأخذ يحاول جادّا أن تكون دولته فى قرطبة امتدادا لدولة آبائه فى دمشق، وكان أول ما مهّد به لذلك قطعه الخطبة للعباسيين بعد عشرة أشهر من استيلائه فى الأندلس على صولجان الحكم، وحاول بعض دعاة العباسيين أن يثوروا به فى أول أمره، فقبض عليهم وحزّ رءوسهم، وقيل إنه وضعها فى جواليق (أوعية) وعلى رأس كل منهم بطاقة تحمل اسمه وأرسلها إلى والى العباسيين فى القيروان، وقيل: بل أرسلها إلى المنصور، فقال: الحمد لله الذى جعل بينى وبين عبد الرحمن صقر قريش بحرا. وأخذ عبد الرحمن يعمل على تثبيت الحكم بالأندلس فى بيته وأن يكون وراثيّا فى أبنائه وأحفاده، وبذلك حمى
الأندلس لمدة ثلاثة قرون من الاضطرابات والحروب الأهلية وأن تتوزع إلى أندلسات كثيرة. كما حدث فى القرن الخامس الهجرى لعهد ملوك الطوائف.
وهذا الحكم الوراثى حاكى فيه عبد الرحمن وأبناؤه وأحفاده حكم أسلافهم الأمويين فى دمشق، وكانوا-مثلهم-حكاما مستبدين لا يشركون فى حكمهم أحدا، فكل أزمّة الحكم بأيديهم، وسنرى عوامل فى الأندلس تلطّف هذا الحكم الاستبدادى وتخفّفه، إذ كان علماء الدين والقضاة والعامة يأبون فى أحوال كثيرة إلا أن يسمع لهم ويؤخذ بوجهات نظرهم، ولا نصل إلى عهد عبد الرحمن بن الحكم حتى ينشئ فى الأندلس نظاما للوزارة يشبه نظمها الحديثة. وعلى نحو ما كان الخلفاء الأمويون فى دمشق يتخذون لأبنائهم المؤدبين والمعلمين كذلك اتخذ عبد الرحمن الداخل وأبناؤه المعلمين والمؤدبين لأبنائهم فى قرطبة، وكان لذلك أثره فى رعاية الأمويين فى الأندلس للأدب وأهله وأيضا للعلم وأصحابه على نحو ما كان أسلافهم فى دمشق يرعونهم. واستنّوا سنة أسلافهم فى بناء القصور بالبادية على نحو ما نعرف عن هشام جد الأسرة من بنائه لنفسه قصرا بعيدا عن دمشق فى البوادى سماه الرّصافة أو منية الرصافة، وحاكاه فى قرطبة حفيده عبد الرحمن الداخل فبنى لنفسه قصرا شمالى قرطبة سوى قصره المواجه لجامعها الكبير اتخذه للتنزه ولسكناه فى كثير من أوقاته، وتبعه أبناؤه يبنون لأنفسهم قصورا خارج قرطبة، وكانوا كذلك يبنون دورا لأبنائهم يعلّمون فيها ويؤدّبون. واقتدى عبد الرحمن بأسلافه فى بناء الجوامع والمساجد، وقد بدأ بناء جامع قرطبة الكبير وظل الأمراء بعده يزيدون فيه حتى أصبح يضارع الجامع الأموى الكبير فى دمشق، إن لم يتفوق عليه، وبنى مسجدا فى إشبيليه وفى بلدان أخرى متعددة. وعنى عبد الرحمن الداخل بالتنظيم الإدارى والشئون المالية على نحو ما كان يعنى أسلافه الأمويون فى دمشق. ومن تتمة هذه المحاكاة لأسلافه اتخاذه دارا للسكة وضرب العملة فيها باسمه، واتخاذه مذهب الأوزاعى فقيه الشام المتوفى سنة 157 للهجرة أساسا للفتوى والقضاء فى الأندلس، ومن تتمة ذلك أيضا أن نجده يسمى وزيره عبد الواحد بن مغيث الغسانى حاجبا بالضبط كما كان يسمى أسلافه فى دمشق وزراءهم، وظل ذلك بعده فترة.
وشغل عبد الرحمن الداخل-وأبناؤه بعده-بثورات داخلية كثيرة على نحو ما شغل أسلافهم فى دمشق بثورة ابن الأشعث فى العراق وثورات الخوارج والشيعة، وكانت ثورات الأندلس دائما حادة عنيفة بسبب ما كان بها من عصبيات-تحدثنا عنها-بين اليمنية والمضرية، وبين العرب البلديين والشاميين، وبين العرب والبربر، وأخذت تظهر
عصبية جديدة هى عصبة المولّدين من أبناء وأحفاد من أسلموا من الإسبان وانضم إليهم المسالمة (المسلمون الجدد من الإسبان) وكذلك المسيحيون ممن استعربوا وغير المستعربين، وقد تنادوا بأن البلد بلدهم وهم أحق بها وأخذوا يثورون، وشبت بسبب ذلك كله ثورات فى الجزيرة الخضراء وباجة وإشبيلية وطليطلة وأخمدها عبد الرحمن جميعا.
وبجانب هذه الحروب الداخلية كانت هناك حروب فى الشمال مع الإمارات الإسبانية، وعلى نحو ما حوّل أسلافه فى دمشق الحرب بينهم وبين بيزنطة، إلى حرب صوائف، وهى حملات صيفية كانت توجّه إلى حدود بيزنطة كذلك صنع عبد الرحمن وخلفاؤه فى قرطبة.
وبذلك توقفت حركة الفتوح التى رأيناها فى عصر الولاة والتى كانت قد توغلت فى جنوبى فرنسا الغربى حتى بواتييه ونهر الرون، إذ أخلى عبد الرحمن كل ما كان بأيدى العرب من أرض شمالى جبال البرينيه بفرنسا واقتصر على ما بيده من الأندلس. وكان ينفس عليه سلطانه واليان عربيان هما واليا سرقسطة وبرشلونة عاصمة قطالونيا وبلغا من خيانتهما أن اتصلا بشارلمان ملك الفرنجة وإمبراطور الغرب وأغرياه بغزو الأندلس سنة 161 هـ/778 م واقتحم جبال البرينيه وحاصر سرقسطة طويلا واضطر إلى رفع الحصار عنها وعاد إلى بلاده، ولكن بعد أن أنشأ ولاية فى قطالونيا مهدت لاستقلال تلك المنطقة. وفى أثناء عودته أخذ الأندلسيون وحلفاؤهم من البشكنس ينقضّون على مؤخرته ومزقوها تمزيقا هى وقائدها رولان الذى تكونت حوله-فيما بعد-ملحمة شعبية باسم ملحمة رولان.
وتوفّى عبد الرحمن الداخل سنة 172 وخلفه ابنه هشام بعهد منه، وقد بايعته العامة بقرطبة، مما يدل على أن الحاكم الأموى هناك كان يضع فى اعتباره رضاها عنه، وليس ذلك فحسب. فقد اتخذ هشام مستشارين له من الفقهاء أو مشاورين يرجع إليهم فى تدبير الأمور، ويروى أن مصعب بن عمران قاضى قرطبة حكم على أحد رجال هشام بحكم فشكاه إليه، فقال له: والله لو أمرنى بالخروج عن مقعدى (إمارتى) لخرجت عنه.
وعلى هذا النحو كان يخفف من حدة استبداد الحاكم الأموى فى قرطبة الرعية التى كان يخشاها والقضاة والفقهاء أو علماء الدين، وظل ذلك مرعيا طوال أيام الأمويين فى الأندلس حرصا على طلب السمعة وحسن الأحدوثة بين الرعية. وظلت جيوش هشام تقضى على ثورات المسيحيين فى الشمال إلى أن توفى سنة 180 للهجرة.
وولى بعده ابنه وولى عهده الحكم، وكان فى السادسة والعشرين من عمره، وهو أول من استكثر من الصقالبة، إذ بلغوا فى عهده خمسة آلاف. ومع حزمه كان يأخذ بشئ من
اللهو ويخرج للصيد، ولم تعجب سيرته الفقهاء والعامة، وكثر تعرض الناس له فى الطريق بالسّباب، فصلب فى سنة 190 نفرا من الفقهاء، مما جعل مراجل الغضب عليه تغلى فى قرطبة إلى أن انفجرت ثورة ضده فى جنوبيّها كان يقودها الفقهاء، واتسعت فشملت قرطبة، وتحركت جموع الشعب نحو قصره تطالب بعزله، فسلّط عليهم جنده من الصقالبة فسفكوا دماء كثيرين وتبعوهم فى دورهم بالهدم والإحراق وهدموا الربض الجنوبى منشأ الثورة ومركزها. وبعد ثلاثة أيام أعلن الحكم الأمان للثائرين على أن يخرجوا من قرطبة، فخرج منهم جمهور إلى طليطلة، وخرج جمهور ثان إلى دار الحرب فى الشمال وجمهور ثالث ركب البحر إلى الإسكندرية يبلغ نحو خمسة عشر ألفا، وأنزلهم عبد الله بن طاهر والى مصر للمأمون جزيرة كريت سنة 212 وأنشأ وا فيها دولة إسلامية ظلت بها إلى أن استعادها البيزنطيون سنة 350 للهجرة. وكانت جيوش الحكم ماتنى غادية رائحة لحرب المسيحيين فى الشمال، واستطاع البشكنس بقيادة ونقة الاستيلاء على مدينة بنبلونة سنة 183 وأقاموا من حينئذ مملكتهم نبارّة وظلت وراثية فى أبناء ونقة. وحاصرت فى سنة 190 قوات فرنسية مدينة برشلونة، وسقطت بعد مقاومة عنيفة، وبذلك ضاع من أيدى العرب فى الشمال الشرقى إقليم قطالونية كما ضاع إقليم بنبلونة، وكان قد ضاع فى عهد عبد الرحمن الداخل إقليم جلّيقية وأشتوريش. ويقول ابن سعيد فى المغرب إن الحكم كان من أشد بنى أمية فى الأندلس إقداما إلى ما جمع من جودة الضبط وحسن السياسة وكان يشبه بالمنصور العباسى فى شد الملك وقهر الأعداء وتوطيد الدولة، وتوفى سنة 206 للهجرة.
وولى بعده بعهد منه ابنه عبد الرحمن، ويسمى عبد الرحمن الأوسط لتوسطه بين جده عبد الرحمن الداخل وحفيده عبد الرحمن الناصر، وفى عهده تكاملت أسس الحضارة العربية فى الأندلس، وكانت ثلاثة أسس من أسسها أخذت فى الاستقرار هناك هى الدين الحنيف ولغته العربية ودعوته إلى العلم والتعلم وكانت الأندلس قد سارعت إلى العناية بالعلوم اللغوية والدينية، فدفعها عبد الرحمن الأوسط إلى العناية بعلوم الأوائل، وضم إلى ذلك أساسا رابعا هو الجانب المادى للحضارة الأندلسية، إذ شغف ببناء القصور وأثاثها ورياشها الفاخرة وحاكاه الأندلسيون مما جعل التجار يحملون إلى الأندلس نفائس المشرق وطرائفه، وانضم إلى ذلك أساس خامس فيما اكتمل للمجتمع من تكوين فنى وحضارى عن طريق وفود زرياب المغنى تلميذ إسحق الموصلى على قرطبة فى أول عهد الأمير عبد الرحمن وقيادته هنالك نهضة للغناء والموسيقى وبثه فى المجتمع الأندلسى
جوانب حضارية جديدة فى الملبس والمأكل والهيئة.
وبنى عبد الرحمن بقرطبة دارا للسكة وضرب الدراهم باسمه، وهو الذى وضع أساس الحضارة الأندلسة من وجهة تنظيم الحكم وضبط قواعده إذ اتخذ مجلس وزراء جعل له رئيسا باسم الحاجب، وجعل له ولمرءوسيه من الوزراء بيتا فى قصره يجلسون فيه على فرش منضدة، وجعل الأمر شورى بينهم، واختص كل منهم بشأن من شئون الدولة فوزير للمال ويسمى الخازن ووزير للمظالم ووزير للثغور أو الحرب، وعدّ ابن حيان وزراءه وبلغ بهم ستة عشر طوال أيامه. وكان الوزراء يجتمعون مع رئيسهم يوميا، وكل منهم يعرض مسائله ويتشاورون فيها، وإذا قضوا بأمر عرضه الحاجب على الأمير، فإن قبله فبها وإلا ردّ إلى مجلس الوزراء لإعادة النظر فيه. وعلى نحو ما عنى عبد الرحمن بتنظيم الوزارة عنى بالخطط، وقد تكون للوزارة خطة واحدة كخطة المظالم وخطة الثغور، وكانت أهم الخطط خطط القضاء وأجلّها خطة قضاء الجماعة بقرطبة، ويليه خطة صاحب الرد فيما استرابه الحكام وردوه عن أنفسهم، وخطة الشرطة الوسطى (وقد تسمى الكبرى) وكان لصاحبها الضرب على أيدى أصحاب المناصب والجاه فى الظلامات، وخطة الشرطة الصغرى وكان صاحبها خاصا بالعامة، وخطة السوق لصاحب الحسبة المشرف على الأسواق. وبذلك كله أحكم عبد الرحمن النظام الإدارى للدولة، وظل هذا النظام بعده إلى نهاية أيامها. وكان لا يصدر فى أمر إلا بعد الرجوع إلى مجلس الوزراء، وكان له مستشارون من القضاة والفقهاء لا يحيد عن مشورتهم، وبذلك كله أرسيت قواعد الحكم الأموى فى قرطبة، إذ أصبح الحاكم يحكم عن طريق مجلس الوزراء والقضاة ورجال الدين، مما جعل الحكم هناك شوريا إلى حد كبير. وكان يقال لأيامه أيام العروس لما شمل الناس فيها من أمن ورخاء، وزاد فى جامع قرطبة رواقين فى الجنوب وبنى فى الأندلس جوامع كثيرة، وتولع مثله ببنائها جواريه.
وفى أيامه نشبت فتنة بين اليمنية والمضرية فى تدمير (مرسية) ظلت سبع سنوات إلى أن أخمدت، وكثيرا ما كانت جيوشه تغزو المسيحيين فى الشمال، وأحيانا كان يقود تلك الحملات بنفسه ويغنم غنائم كثيرة. وغزا النورمان (سكان إسكنديناوة) شواطئ الأندلس الغربية عند أشبونة وقادس فى آخر سنة 229 وصعدوا من مصب الوادى الكبير إلى إشبيلية، ونكل بهم قواده وولت فلولهم إلى المحيط. وأرسل إليه إمبراطور بيزنطة بهدية، فأرسل إليه الشاعر القرطبى يحيى الغزال بهدية مماثلة، ويقال إنه قضى فى بيزنطة ثلاث سنوات، ولما عاد أرسله بهدية إلى ملك النورمان، ونجح فى السفارتين
أو الوفادتين جميعا، وعنى عبد الرحمن الأوسط ببناء أسطول لحراسة الثغور على المحيط الأطلسى وعلى البحر المتوسط وفتح به سنة 234 جزائر البليار ميورقه ومنورقة ومما يذكر له بنيانه ثغر مرسية على مقربة من ساحل البحر المتوسط. وفى أواخر أيامه أشعل المتعصبون من أحبار النصارى فتنة دينية ضد الإسلام والمسلمين، وأثاروا بعض القسس والشباب فكانوا يجاهرون بسبّ الدين الحنيف ومقدساته حتى إذا لم يبق فى قوس الصبر منزع طلب عبد الرحمن إلى رئيس الأساقفة عقد مجمع كنسى فى قرطبة للنظر فى هذه المحنة، وعقد المجمع وأصدر قرارا باستنكار هذه الفتنة الحمقاء وتحريم سب الإسلام. وهدأت الأمور، ولم يلبث عبد الرحمن أن لبّى نداء ربه فى سنة 238 للهجرة.
وولى بعده ابنه محمد بعهد منه، وطالت إمارته فى الأندلس حتى وفاته سنة 273 للهجرة، وكان محبا للعلوم مؤثرا لأهل الحديث حسن السيرة، وزاد فى ترتيب الأداة الحكومية مستكثرا من الوزراء حتى بلغوا ثلاثة وعشرين فى عهده. وكان مثل آبائه يعامل المسيحيين معاملة حسنة، وفسح للمستعربين منهم ممن اتخذوا العربية لسانا لهم فى مناصب الدولة، من ذلك تعيينه لقومس بن أنتنيان متولى جمع الضرائب من أهل الذمة للدولة كاتبا له سنة 246 ولم يلبث أن أسلم وحسن إسلامه ويذكر أنه استعفى الأمير محمدا أثناء اعتناقه النصرانية من العمل يوم الأحد، فأعفاه وأعفى جميع الموظفين، وأصبح ذلك بعده-كما يقول ابن حيان-عامّا فى الأندلس. وفى سنة 245 أغار النورمان غارتهم الثانية على شواطئ الأندلس الغربية على المحيط وشواطئها الشرقية على البحر المتوسط وصدّهم الأسطول ونكّل بهم، فلم يعودوا بعد ذلك للإغارة على الأندلس.
وكثرت الفتن والحروب فى عهد الأمير محمد كما كثرت الثورات، وفى مقدمتها ثورة عبد الرحمن بن مروان الجليقى فى بطليوس بالغرب سنة 260 وثورة عمر بن حفصون فى مالقة سنة 267 ودخل فى هذه الثورات عناصر جديدة من المسالمة (المسلمين الجدد) والمولدين (أبناء وأحفاد من أسلموا من الإسبان) وتحيزت النصارى إلى هؤلاء الثوار وصاروا إلبا على العرب يقولون نحن أولى بحكم الأندلس لأنها بلدنا ووطننا. وظلت الثورتان المذكورتان محتدمتين وظلت جيوش الأمير محمد تحاول القضاء على هذه الفتن مع خروجها من حين إلى حين لحرب المسيحيين فى الشمال. وكان مشغوفا بالبنيان فزاد قصور آبائه فخامة، وبنى لنفسه قصرا أنيقا فى الجنوب الغربى لقرطبة.
وخلف محمدا فى حكم الأندلس ابنه المنذر لمدة عامين شغل فيهما بحرب عمر بن حفصون فى قلعة ببشتر بين مدينتى رنده ومالقة، وحصره فيها، غير أن الأجل وافاه أثناء
الحصار، فعاد به أخوه عبد الله إلى قرطبة فى صفر سنة 275 وولى الامارة بعده. وكان عبد الله يكثر من تلاوة القرآن والتهجد وصلاة الجماعة مع العامة، وكان مجلسه يحفل بطبقات أهل الآداب والعلوم، وفتح للعامة بابا فى قصره لأخذ رقاعهم والنظر فى ظلاماتهم، وبذلك انتعشت الرعية فى عهده، غير أن الثورات والفتن تفاقمت تفاقما شديدا فى أيامه، حتى لقد كادت تعم كور الأندلس، إذ ماجت جميعها بالفتنة والثورة بين المولدين والمسالمة والنصارى من جهة وبين العرب من جهة ثانية أو بين البربر والعرب أو بين العرب بعضهم وبعض فبجانب ثورتى عبد الرحمن بن مروان الجليقى وابن حفصون كانت هناك ثورات عبد الملك بن أبى الجواد فى باجة وابن وضاح فى لورقة بكورة مرسية وغيرهما كثيرون، سوى من ثار من البربر أمثال بنى ذى النون فى شنتبرية. وفى أثناء هذه الفتن والثورات التى امتدت فى عهد الأمير محمد وطوال عهد ابنيه المنذر وعبد الله استطاع ألفونس الثالث ملك ليون والجلالقة أن يوسع رقعة مملكته حتى شملت الحوض الممتد بين نهرى الدويرة والتاجه وأنشأ به عددا كبيرا من الأديرة والكنائس، وأسكن هذه الأراضى الجديدة المستعربين من نصارى الإسبان الذين قدموا عليه من أرجاء الأندلس وتوفى عبد الله سنة 300 للهجرة.
وكان لابد للأندلس من حاكم قوى حازم يعيد إليها وحدتها، ويبدو أن الأمير عبد الله شعر بذلك فى عمق مما جعله يعد للأمر عدته برعايته لحفيد له صنعه على يديه هو عبد الرحمن، اتخذه وليا لعهده، وكان يملك قلبه وقلوب الحاشية والرعية والجند، وكان شابّا له اثنتان وعشرون سنة، وهاله ما رأى فى الأندلس من كثرة الثورات، وفى مقدمتها ثورة عمر بن حفصون ومن قادهم من المولدين والمسالمة والعجم، فقاد إليه جيشا فى أول سنة من سنى حكمه، واستولى فى طريقه إلى مركز ثورته فى ببشتر بالقرب من مالقة على سبعين حصنا، وأعاد الكرة إليه فى السنة التالية وردّ إلى طاعته إشبيلية وشذونة ومالقة. ولم يجد ابن حفصون مفرا فى السنة الثالثة من إعلان طاعته والانقياد إليه، وتوفى سنة 305 وتبين أنه كان قد تنصر إذ دفن فى كنيسة ببشتر، وثار أبناؤه على عبد الرحمن وقضى على ثوراتهم نهائيا سنة 314 وحوّل كنيسة البلدة إلى مسجد، واستخرج منها جثة ابن حفصون وصلبه بقرطبة، وعاد جنوب البلاد جميعه إلى طاعته. واتجه عبد الرحمن بعد ذلك إلى غربى الأندلس وعبد الرحمن بن مروان الجليقى، ولم تكد تدخل سنة 318 حتى كان الغرب كله قد استسلم، واستسلمت طليطلة وجميع البلدان فى إقليمها. وبذلك محا عبد الرحمن فكرة الثورة فى الأندلس وعاشت فى أمن ورخاء. وأخذ منذ السنوات الأولى من حكمه يفرض
هيبته على من جاوره من المسيحيين الإسبان فى الشمال وأذعنت له بالولاء مملكتا الجلالقة والقشتاليين واتخذتا منه الحكم المطاع فيما ينشأ بينهما من خلاف، وفزع إلى سدّته ملوكهما وأمراؤهما يلتمسون رضاه، وطار صيته فى أوربا، فوفدت منها سفارات كثيرة محملة بالهدايا: من إمبراطور بيزنطة والبابا فى روما وإمبراطور المملكة الجرمانية وهيو ملك الفرنجة وكونت برشلونة وماركيز توسكانيا وماركيز بروفنسا: قلدو الذى أصبح-فيما بعد-ملكا على إيطاليا. وكانت تعقد لهذه السفارات فى قصره حفلات فخمة (1). وكانت الدولة الفاطمية قد قامت فى القيروان قبيل حكمه بقليل وقضت على الدولة الرستمية فى المغرب الأوسط فأخذ يرسل المال والسلاح للأدارسة فى المغرب الأقصى حتى يستطيعوا الوقوف فى وجه الفاطميين واستولى على طنجة وسبتة، ورأى بثاقب فكره وقد أعلن عبيد الله المهدى الخلافة الفاطمية فى القيروان ولم يعد للعباسيين وجود فى المغرب أن يبادر إلى إعلان نفسه خليفة للمسلمين فى أواخر سنة 316 وتلقب بلقب أمير المؤمنين الناصر. وبذلك فصل الأندلس عن العالم العربى بعد أن ظلت طويلا تخضع لسلطان العباسيين الروحى قبله، إذ رأى هذا السلطان يتقلص فى إفريقيا، وبذلك تكاملت للأندلس شخصيتها السياسية، وأصدر فى ذلك منشورا قرئ على الناس فى مساجد الأندلس، وفيه أعلن تمسكه بنصرة أهل السنة والجماعة، مع استنكاره الشديد لعقيدة ابن مسرة المتوفى سنة 319 أى بعد منشوره بنحو سنتين، وكان قد مزج فى عقيدته بين مبادئ المعتزلة والمتفلسفة والصوفية.
وبلغ من احتفاء الناصر بأبهة الملك أن بنى لنفسه وحواشيه وجنده مدينة الزهراء على سفح جبل العروس المطل على قرطبة. وتأنق غاية التأنق فى قصره بها وأبهائه، ولم ينشأ له ولد إلا بنى له فيها قصرا مقرونا ببستان واختار له بعض الكفاة للقيام بشئونه وبعض المعلمين لتربيته وتعليمه. وعنى بالمسجد الجامع فى قرطبة، فأضاف إليه فى اتجاه الجنوب زيادة ضاعفت حجمه. وعنى بعمده وزخرفته وأقواسه وأقام به محرابا بديعا. ومن إنشاءاته الضخمة بناؤه مدينة سالم فى الثغر الأوسط بمواجهة مملكتى نبارّة والجلالقة فى الشمال لتكون مركزا للجيوش المجاهدة هناك. وبنى أيضا مدينة المريّة على البحر المتوسط لتكون قاعدة لأسطوله. ويعدّ عهده أعظم عهد مرّ بالأندلس، بما أتاح لها من الاستقرار
(1) انظر فى ذلك تاريخ ابن خلدون 4/ 137، 142 وما بعدهما، وأزهار الرياض 2/ 258 و 2/ 272 وما بعدهما.
والوحدة والمنزلة العليا بين الدول الغربية والعربية، وأعانته على ذلك حنكته فى السياسة وتدبير الحكم وخبرته الدقيقة فى اصطفاء الرجال واختيار القواد، كما أعانه خلق إسلامى عربى كريم من التسامح والعفو عند المقدرة والوفاء بالعهد لكل من استسلم من الثوار مع حسن المعاملة. وطالت مدة حكمه إلى سنة 350 إذ استغرقت خمسين سنة وستة أشهر وثلاثة أيام، ويقال إنه عدّد أيام السرور التى صفت له فى هذه المدة الطويلة من حكمه، فكانت أربعة عشر يوما.
وخلفه بعهد منه ابنه الحكم المستنصر وكان فى السابعة والأربعين من عمره، وظلت الأندلس فى عهده موحدة وظلت للخلافة الأموية هناك هيبتها فى الداخل والخارج، وأخذت سفارات (1) ممالك النصارى فى الشمال وممالك أوربا تفد على قرطبة. وحاول البشكنس فى بنبلونة والجلالقة فى ليون الإغارة على بلاده فأوغلت جيوشه سنة 352 فى أراضيهما، وأرغمتهما على العودة إلى إعلان ولائهما لقرطبة. وتابع سياسة أبيه فى إمداد الأدارسة بالمغرب الأقصى بالمال والسلاح، وأمدهم بالجنود ضد الفاطميين. وفى عهده عاد النورمان إلى الإغارة على شواطئ الأندلس الغربية فى المحيط والشرقية فى البحر المتوسط ونكل بهم الأسطول غربا وشرقا. وكان قد تعهده العلماء فى شبابه فشغف بالعلوم على اختلاف ألوانها واستحال جامع قرطبة لعهده إلى جامعة كبرى، وعنى عناية واسعة بمكتبته ومكتبة القصر. وكان أبوه توفى قبل إتمامه للزيادة فى الجامع فأتمها. ووقع فى خطأ كبير إذ أوصى بالحكم من بعده لابنه هشام الملقب بالمؤيد وكان لا يزال طفلا صغيرا فى الثانية عشرة من عمره حين وفاته سنة 366 وبذلك عرّض الدولة لحكم الحجّاب الأوصياء وبالتالى لزلزلة لا بد أن تنزل بها سريعا.
وقام بأمر المؤيد فى أول خلافته جعفر المصحفى حاجب أبيه، وأشركت معه فيها «صبح» أمه محمد بن أبى عامر المعافرى صاحب خطة الشرطة والسكة بقرطبة وكان قد ازدلف إليها فى عهد الحكم بحسن الخدمة والقيام بمواقع الإرادة، وأخذ يعدّ سريعا لتفرده بالحجابة، فأغرى المصحفى بالصقالبة وأخذ ما فى أيديهم من الأموال العظيمة، واستعان بالبطل غالب صاحب مدينة سالم على جعفر فسجنه حتى هلك فى سجنه، ثم بجعفر بن على الأندلسى أمير الزاب بالمغرب الأوسط على غالب ثم بعبد الرحمن بن هاشم التجيبى على جعفر، ثم فتك بعبد الرحمن، وخلصت له الحجابة، وكان المؤيد متخلّفا شديد
(1) راجع تاريخ ابن خلدون 4/ 145 وما بعدها وأزهار الرياض 2/ 388 وما بعدها.
التخلف إلى حد البله، فانفرد بالسلطان المطلق فى الحكم، ونقل الأموال المختزنة فى قصر الخلافة إلى داره. وذكر ابن حزم فى رسالته نقط العروس أنه فكر فى عزل الخليفة هشام وتنصيب نفسه خليفة، واستشار نفرا من الفقهاء فاختلفوا بين مؤيدين ومعارضين، فرجع عن ذلك واكتفى بلقبه المنصور. وكان له مجلس معروف فى أحد أيام الأسبوع يجتمع فيه إلى أهل العلم. ورأى أن يتخذ لنفسه جيشا من البربر، فاستقدم منهم آلافا أعانوه فى غزواته الكثيرة ضد البشكنس أصحاب نبارّه والجلالقة أصحاب ليون، ويقال إن غزواته أربت على عشرين غزوة وقيل بل على خمسين، واستولى فى إحداها سنة 377 على برشلونة.
وقد أخطأ ابن أبى عامر فى تكوينه الجيش البربرى الذى أنزله فى قرطبة إذ سيكون له-فيما بعد-أثر سئ فى فتنتها التى طالت سنين متعاقبة انتهت بالقضاء على الدولة الأموية. ودامت دولة ابن أبى عامر ستا وعشرين سنة إذ توفى سنة 392 بمدينة سالم فى الثغر الأوسط للبلاد. وتولى الحجابة بعده لهشام المؤيد ابنه عبد الملك الملقب بالمظفر، ونوّه ابن حيان بحسن ضبطه للأندلس وأن الناس سكنوا منه إلى عفة ونزاهة فأخذوا فى المكاسب والرفاهية وارتفعت نفائس الأعلاق والتحف الثمينة، ورام صهره ابن القطاع الاستيلاء على أزمّة الدولة ففطن له وقتله. وسار بسيرة أبيه فى الجهاد وكثرة الغزو للجلالقة والبشكنس واحتل بنبلونة عاصمة الأخيرين سنة 397 وتوفى فى غزوة كبيرة له سنة 399. وخلفه فى الحجابة أخوه عبد الرحمن الملقب بالناصر وكان نحسا على نفسه وعلى المؤيد هشام وعلى أهل الأندلس، إذ انفتح منه-كما يقول ابن سعيد-باب الفتنة العظمى وفسد الناموس، لما انهمك فيه شربا وزندقة وطعنا فى الدين الحنيف قولا وفعلا، وطلب من هشام أن يوليه العهد بعده ففعل، وخرج لحرب المسيحيين فى الشمال، فثارت عليه الأسرة الأموية، وكان فى طليطلة، فرجع إلى قرطبة ليتدارك الأمر فتلقاه جند سفكوا دمه فى جمادى الأولى سنة 399. وبذلك انتهت دولة بنى عامر.
واتفق بنو أمية على خلع هشام المؤيد ومبايعة محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر وتلقيبه بالمهدى، وكان طائشا: فرأى-بغير رويّة-مناصبة جند العامريين من البربر العداء، فاجتمع بهم بظاهر قرطبة سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر، فبايعوه فى ربيع الأول سنة 400 للهجرة ولقبوه بالمستعين، ونهضوا به إلى طليطلة وهناك استنصر بالجلالقة فنصروه، وكان ذلك أول إسفين دقّ فى ضياع
الأندلس، وحاصر البربر وجموع الجلالقة قرطبة وبرز إليهم المهدى فى كافة أهلها، وهزم مع أنصاره هزيمة ساحقة، فرّ على إثرها إلى طليطلة، فاستعان بالجلالقة-مثل المستعين- فأعانوه، ودخل قرطبة، غير أن أهل القصر قتلوه وأعادوا هشاما إلى خلافته، وحجبه واضح الصقلبى، وحاصر البربر مع المستعين قرطبة وأرسل إلى الجلالقة ليمدوه، وبعث إليهم هشام وحاجبه واضح بالتنازل لهم عن ثغور قشتالة التى استولى عليها المنصور بن أبى عامر، فلم يلبوا المستعين. واستطاع البربر اقتحام قرطبة سنة 403 وفتكوا بهشام المؤيد، وعاد للمستعين صولجان الحكم.
وكان من قواد البربر على بن حمود واخوه القاسم وهما من أسرة الأدارسة العلوية، وعقد المستعين لعلى بن حمود على طنجة وعملها وللقاسم على الجزيرة الخضراء، وظل فى الحكم طوال خلافته ست سنوات وعشرة أشهر كانت كلها شدادا مشئومات، ويكفى دولته ذلا وذمّا أن أنشأها وثبّتها الجلالقة حتى سنة 407 إذ يهاجم على بن حمود قرطبة ويستولى على أداة الحكم ويقتل المستعين. وكان واضح الصقلبى قد فر إلى شاطبة وفر كثير من الصقالبة بزعامة خيران إلى المريّة ومرسية ونزلت جماعة منهم دانية، ولم يلبث غلمان على بن حمود أن قتلوه سنة 408 فخلفه أخوه القاسم وتلقب بالمأمون، ونازعه فى سنة 412 يحيى ابن أخيه على وكان واليا لسبتة واستولى على قرطبة وتلقب بالمعتلى وفرّ المأمون إلى إشبيلية وعاد ببعض البربر إلى قرطبة ولحق المعتلى بمالقة واستولى على الجزيرة الخضراء. وثار على المأمون أهل قرطبة وبايعوا عبد الرحمن بن هشام بن عبد الجبار سنة 414 وقرّب البربر منه فوثب عليه العامة بعد 47 يوما من حكمه، وبايعوا محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الرحمن الناصر وتلقب المستكفى بالله ويقال إنه لم يجلس على كرسى الخلافة أيام الفتنة أسقط منه ولا أنقص إذ كان أسير الشهوة عاهر الخلوة. وفى أيامه استؤصلت بقية قصور جده الناصر فى الزهراء، ولم يلبث يحيى بن على بن حمود أن تحرك سنة 416 للاستيلاء على قرطبة. فهرب المستكفى ومات ببعض الثغور واستولى يحيى على مقاليد الأمور، وثار عليه أهل قرطبة سنة 417 وبايعوا هشام بن محمد بن عبد الملك بن عبد الجبار وظل يتردد فى الثغور ثلاثة أعوام، ثم سار إلى قرطبة وتلقب بالمعتدّ، وفى سنة 422 خلعه أهلها، وبذلك انتهت الدولة الأموية فى الأندلس.