الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن قلبه ليتقطع أسى وإنه ليتنفس الصعداء حين يرى الحجاج الأندلسيين من دونه يسيرون فى قوافلهم إلى بيت الله الحرام وزيارة الرحمة المهداة للأمة الذى أرسله الله نورا وضّاء للعالمين. ويفضى ابن الجنان إلى أسى ولوعة عميقين، حتى ليشعر كأن الدنيا تحولت من حوله إلى سجن رهيب وأغلال وأصفاد، فلا يستطيع فكاكا ولا لحاقا بالقوافل المتجهة إلى الأراضى المقدسة فى الحجاز. ويذرف الدمع مدرارا، ويتمنى لو زار الرسول صلى الله عليه وسلم لا على قدميه بل على وجنتيه، حتى تكتحل عيناه بسنى النور المحمدى. وروى المقّرى له موعظة بديعة فى فضل الرسول وما أنعم الله به على البشر من رسالته الزكية وما أجرى عليه من معجزات فيها الآيات الكبر والدلالات الواضحة الغرر، ويتلو المقرى هذه الموعظة بموعظة ثانية يتحدث فى نهايتها عن مصاب المسلمين بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف عزّهم الصبر، يقول: «وهل يسوغ الصبر الجميل فى فقيد بكته الملائكة وجبريل، وكثر له فى السموات السبع النحيب والعويل، وانقطع به عن الأرض الوحى الحكيم والتنزيل؟ .
ويصور ابن الجنان كيف عمّ حينئذ الحزن والاكتئاب، وكأنما دموع الصحابة السحاب، ويقول إن الله عز شأنه سينجز وعده له بالشفاعة وقيامه المقام الموعود على الحوض يوم القيامة مناديا فى الناس هلموا إلى لتطفئوا حرارة العطش الملتهب فى الصدور، ويتجه ابن الجنان إلى ربه داعيا:
وبهذه اللغة الصافية التى تموج بالرقة والعذوبة والتى تلذ الألسنة حين تنطق بها والأسماع حين تنصت إليها كان ابن الجنان يمتع القلوب والأفئدة.
(ب) مواعظ
كانت الأندلس-مثل غيرها من البلدان الإسلامية-تكثر فيها المواعظ الدينية شفوية ومكتوبة، وكان من أهم البواعث لذلك الخطابة فى المساجد أيام الجمعة والعيدين واستشعار الخطباء هناك لخطابة الرسول والخلفاء الراشدين ومن تلاهم من جلّة الخطباء والوعاظ ممن حكى الجاحظ وعظهم وخطابتهم فى كتابه البيان والتبيين، وكثير هم الأندلسيون الذين تذكر فى تراجمهم أن لهم خطبا ومواعظ مدونة، وأشهر خطباء الدولة
الأموية بالأندلس ووعاظها منذر بن سعيد، وسنخصه بكلمة. وكان يحدث كثيرا أن يتأخر المطر الذى يبعث الحياة فى الوديان والسهول والزروع، فكان الناس يجتمعون فى المساجد لصلاة الاستسقاء، ويقف بينهم الخطيب واعظا مذكرا بنعم الله عليهم مفيضا فى الحديث عن الإنابة إلى الله، داعيا الله دعاء مكررا: أن يرسل عليهم الغيث. وفى الكثرة الكثيرة من تلك الصلوات كانوا يغاثون ولا ينصرفون من المساجد إلا وأحذيتهم فى أيديهم من كثرة السيول التى تدافعت من السماء. ويتوقف أصحاب كتاب التراجم مرارا وتكرارا فى ترجماتهم للقضاة ممن كانت تسند إليهم خطابة الجامع الكبير، ليحدثونا عن صلاتهم مع أهل قرطبة لاستنزال الغيث، وبينما الخطباء يلحّون بالدعاء كان الناس يكثرون من الضجيج والابتهال، وتشملهم رحمة الله فتنعقد السحب وتبرق وترعد ويهطل الغيث مدرارا.
وبجانب هؤلاء الخطباء الوعاظ ومواعظهم وأدعيتهم كان هناك زهاد أثرت عنهم مواعظ وأدعية كثيرة مثل أبى وهب العباسى المعاصر لمنذر بن سعيد المتوفى سنة 344 المار ذكره. ويدور بنا الزمن دورة ونصبح فى عصر أمراء الطوائف، ونلتقى فيه بمواعظ كتابية تحبّر فيها رسائل بديعة. وهى رسائل وعظية تتقدم خطوة-إن لم تكن خطوات- نحو المتاع الروحى والشوق إلى اللقاء الربانى والانقطاع إلى النسك والعبادة للحى القيوم عن كل متاع دنيوى. ونحسّ كأن الأندلس أخذت تتجه بقوة إلى النزوع الصوفى على نحو ما يلقانا فى رسالة كتبها الفقيه أحمد بن عيسى الإلبيرى سنة 416 إلى بعض إخوانه، وكان من أفراد الزهاد، وفيها يقول لصاحبه (1):
«هيّأتك يد القدرة هيئة روحانية، وأحياك روح القدس حياة إلهية، وألبستك الشريعة لباس التّقوى، وراشتك الطبيعة بريش النّهى (2)، حتى تطير مع الروحانيين فى مجال الصّدّيقين إلى منازل المقرّبين، فتذوق برد عيش النعيم، وتلذّ بالنظر إلى وجه القيّوم، وتشتاق إلى لقاء الربّ الرحيم. . وإن لله يا أخى عبادا أقام أرواحهم بقيّوميّته على صراط مستقيم، فمشت بأقدام الصدق إلى الحق، فدنت منه ونظرت إليه على جلاله، فى اتساع كماله، فضعفت لكبر سلطانه، ثم أفاقت بالإسلام ونطقت بالإيمان، واتصلت بالقرآن، وعلّمها ففازت بالحكمة، وانقطعت إليه بالكلية، ودانت له بالحنيفية،
(1) راجع فى النص الذخيرة 1/ 847 وما بعدها.
(2)
النهى: العقل.
فآواها إلى كنفه، ونعّمها بطرائف تحفه، وأطلع لها السّرّ، وأكمل لها البرّ، فحييت بقربه، وشربت بكأس حبّه».
والنزعة الصوفية ماثلة فى الرسالة، وهى تعد مقدمة لما سيكون من ازدهار التصوف فى زمن المرابطين والموحدين إذ يظهر فيه كثرة ممن أشربوا كأس المحبة الإلهية من أمثال ابن العريف وابن عربى والششترى، ومرت لهم فى الفصل الماضى ترجمات تعرّف بمنزعهم الصوفى وأهم آثارهم وفيها وعظ كثير. وإذا تركنا المتصوفة ووعظهم إلى الوعظ العام وأهله وجدنا من أدباء الأندلس الذين يجمعون بين نظم الشعر وكتابة النثر طائفة تحاكى أبا العلاء المعرى فى كتابه الوعظى:«ملقى السبيل» وقد جعله على الحروف الأبجدية، وعادة يذكر سجعات قليلة ويتلوها بأبيات بنفس معناها، وربما كان ابن أبى الخصال الذى ترجمنا له فى هذا الفصل أول من حاول محاكاته فى هذا الاتجاه (1)، وكثر بعد ذلك من عارضوه فيه من مثل أبى القاسم السهيلى المتوفى سنة 581 وسمّى معارضته له باسم:
«حلية النبيل فى معارضة ملقى السبيل (2)» وعارضه سليمان بن موسى الكلاعى المتوفى شهيدا سنة 634 باسم «مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة أبى العلاء فى ملقى السبيل» (3) وغيرهم كثير. ونستطيع أن نقول إن معارضة أبى العلاء فى وعظه بملقى السبيل كانت أشبه بجدول انبثق من نهر الوعظ الكبير. ونلتقى فى عصر المرابطين بأبى بكر الطرطوشى وسنخصه بكلمة.
وكان ابن جبير المتوفى سنة 614 قد أشاد فى رحلته-كما مر بنا-بابن الجوزى ومواعظه، وحملها عنه بعض الأندلسيين وأكبّ عليها غير أديب أندلسى يحاكيها على نحو ما يلقانا عند أبى المطرف بن عميرة المترجم له بين الكتاب والمتوفى سنة 658 إذ يقول المراكشى:«له فصول وعظية على طريقة الإمام أبى الفرج بن الجوزى» وله قوله من عظة (4).
«يا أعمى الهوى غاب عنك وضح النهار، طالت غيبتك عنا فأىّ يوم تكون فى الزوّار، العمر قد مضى ولم يبق إلا القليل، وأنت تعيش بالمنى والتّعليل، ، أين الإخوان
(1) انظر تاريخ الأدب الأندلسى: عصر المرابطين للدكتور إحسان عباس ص 287.
(2)
الإحاطة 3/ 479 وصحفت فيها لفظة «ملقى» .
(3)
الذيل والتكملة للمراكشى بقية السفر الرابع ص 86.
(4)
كتاب أبى المطرف بن عميرة ص 304.