الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
روى عَنْهَا بالإجازة البهاء فِي «معجمه» .
-
حرف العين
-
360-
عَبْد اللَّه بْن إِبْرَاهِيم [1] بْن سَعِيد بْن القائد.
القاضي أَبُو مُحَمَّد الهلاليّ، الرِّيغيّ. ورِيغ معاملة من ناحية الجنوب ببلاد المغرب، ولد بها سنة إحدى وخمسين وخمسمائة تقريبا.
وكتب إِلَيْهِ السِّلَفيّ بالإجازة، ثُمَّ قدِم الإسكندريّة، وسمع من: الإِمَام أَبِي الطّاهر بْن عَوْف، والفقيه مخلوف بْن جارة.
وكان بصيرا بمذهب مالك. أعاد بمدرسة المالكيّة بمصر.
وسمع من: أَبِي القاسم الشّاطبيّ جميع «المُوَطَّأ» عَن ابن هُذَيْل، وولي قضاء الإسكندريّة.
وكان ورِعًا، صليبا فِي الأحكام، ديِّنًا مَهِيبًا. وولي الخطابة أيضا أربعين سنة. واستعفى من القضاء قبل موته بسنة.
روى عَنْهُ: شيخنا الدّمياطيّ وأثنى عَلَيْهِ.
وَتُوُفّي فِي الثامن والعشرين من ربيع الآخر عن أربع وتسعين سنة.
361-
عبد الله ابن زين الأمناء [2] أبي البركات الحسن بن محمد.
نظامُ الدّين الدّمشقيّ، الشّافعيّ، ابن عساكر.
أخو عَبْد الوهّاب وَعَبْد اللّطيف [3] .
تُوُفّي فِي هذه السّنة.
[1] انظر عن (عبد الله بن إبراهيم) في: صلة التكملة للحسيني، ورقة 46، وسير أعلام النبلاء 23/ 272، 273 رقم 183، وذيل التقييد للفاسي 2/ 29 رقم 1103، والمقفّى الكبير للمقريزي 4/ 437 رقم 1512، وتبصير المنتبه 1/ 624.
[2]
انظر عن (عبد الله بن زين الأمناء) في: ذيل الروضتين 180.
[3]
وكانت وفاة عبد اللطيف في السنة الماضية 644 هـ. ويلقّب «ركن الدين» وكان متزهّدا ذا وسواس.
362-
عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه.
أَبُو مُحَمَّد عتيق عبدون الرُّهاويّ.
شيخ مُسْنِد، سَمِعَ ببغداد من: ذاكر بْن كامل، ويحيى بْن بَوْش، وَعَبْد المنعم بْن كُلَيْب، وداود بْن نظام المُلْك، وأخته بِلْقيس.
روى لنا عَنْهُ: أَبُو المفضّل إِسْحَاق النّحّاس.
وسمع منه: شيخنا ابن الظّاهريّ، وجماعة.
وَتُوُفّي بحرّان فِي جمادى الآخرة.
363-
عَبْد اللَّه بْن هلال.
الباجِسْرائيّ.
سَمِعَ: ابن بَوْش، وابن كُلَيْب.
364-
عَبْد اللَّه بْن قاسم [1] بن عبد الله بن محمد بن خلف.
أَبُو مُحَمَّد اللَّخْميّ الحافظ الأندلسيّ، الحريريّ.
وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
وسمع من عَبْد الرَّحْمَن بْن عَلِيّ الزُّهْرِيّ «صحيح الْبُخَارِيّ» بسماعه من شُرَيْح.
وسمع من: أَبِي الْحَسَن بْن عظيمة، وطائفة.
وعُنِي بالحديث أتمّ عناية، وصنّف كتاب «حديقة الأنوار فِي معرفة الأنسَاب» ، وكتابُ المنهج الرّضِيّ فِي الجمع بين كتابي ابن بشكُوال وابن الفَرَضِيّ.
وكان مَعَ حِفْظه شاعرا مجوِّدًا، مليح الحظّ.
تُوُفّي بإشبيليّة فِي حصار الرّوم، لعنهم اللَّه، بِهَا في شوّال سنة خمس. وفي
[1] انظر عن (عبد الله بن قاسم) في: تكملة الصلة لابن الأبّار 2/ 902، 903 رقم 2121، والوافي بالوفيات 17/ 406 رقم 341.
خامس شعبان سنة ستٍّ دخلها الطّاغيةُ صاحب قشْتَالة صُلْحًا بعد أن حاصرها ستّة عشر شهرا، فإنّا للَّه وإنّا إِلَيْهِ راجعون.
365-
عَبْد الجبّار بْن بشّار.
المقدسيّ، ثُمَّ الإسكندرانيّ، المالكيّ.
روى عَن: ابن مُوق.
وعنه: الدّمياطيّ، وغيره.
وأجاز: البهاء ابن البرزاليّ، والعماد ابن البالِسيّ.
وَتُوُفّي فِي المحرَّم.
366-
عَبْد الخالق بْن تروس بْن قسطة.
مولى القاضي الزّكيّ.
روى عَن: عَبْد اللّطيف بْن أَبِي سعد.
ومات فِي جُمَادَى الآخرة.
367-
عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَرَميّ [1] فُتُوح بْن بَنِين [2] .
أَبُو القاسم المكّيّ، العطّار، الكاتب، المعمّر الفاضل، الورّاق.
وُلِدَ سنة بضع وأربعين وخمسمائة، و (
…
) [3] ابن ناصر وأبا بَكْر بْن الزّاغونيّ، ولكن لم يكن لَهُ من يستجيز لَهُ. فلمّا شبّ سَمِعَ بنفسه «صحيح الْبُخَارِيّ» من عَلِيّ بْن عمّار المقرئ، بسماعه لَهُ من عيسى بن أبي ذرّ، عن أبيه.
[1] انظر عن (عبد الرحمن بن أبي حرمي) في: صلة التكملة، للحسيني، ورقة 47، والمعين في طبقات المحدّثين 203 رقم 2149، والإشارة إلى وفيات الأعيان 346، وسير أعلام النبلاء 23/ 269، 270 رقم 179، وذيل التقييد للفاسي 2/ 91، 92 رقم 1217، والعقد الثمين، له 5/ 398.
[2]
بنين: ضبطها الفاسي بباء موحّدة ثم نون ثم ياء مثنّاة من تحت ثم نون. (ذيل التقييد 2/ 92) .
[3]
في الأصل بياض. ويحتمل أن يكون: «وعاصر» .
ثُمَّ رحل إلى الشّام والعراق، سنة ثمانين وخمسمائة، فسمع ببغداد من:
أَبِي الفَتْح بْن شاتِيل، ونصرِ اللَّه القزّاز.
وبدمشق من: الفضل بْن الْحُسَيْن البانياسيّ، وَأَبِي سَعِيد بْن أَبِي عصرون، وغيرهما.
وأجاز لَهُ أَبُو طاهر السِّلَفيّ.
روى عَنْهُ: الإِمَام مُحِبُّ الدّين أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه الطَّبريّ، والقاضي مجد الدّين بْن العديم، والحافظ شَرَفُ الدّين الدّمياطيّ، ورضيُّ الدّين إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد الطَّبريّ، وأخوه الصّفيّ أَحْمَد، وآخرون.
قَالَ الدّمياطيّ: تُوُفّي فِي نصف رجب، وقد جاوز المائة.
368-
عَبْد الرَّحْمَن بْن مكّيّ بْن جَعْفَر.
أَبُو القاسم الأَزَجيّ الدّبّاس.
سَمِعَ: أَبَا الْحُسَيْن عَبْد الخالق اليُوسُفيّ.
ومات فِي ربيع الأوّل. كذا ذكره الشريف عزّ الدّين، ولا أعرفه.
369-
عَبْد الرَّحْمَن بْن يحيى بْن عتيق.
أَبُو القاسم بْن علّاس الغسّانيّ الإسكندرانيّ، المالكيّ، ويُعرف بابن القِصْدِيريّ.
وُلِدَ سنة أربعٍ وستّين وخمسمائة.
وسمع من: القاضي مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن الحضْرميّ، وحمّاد الحرّانيّ.
روى عَنْهُ: الدّمياطيّ، وغيره.
وَتُوُفّي فِي شوّال.
370-
عَبْد الرّحيم بْن الحافظ القاضي أَبِي الْحَسَن عُمَر بْن عَلِيّ.
الْقُرَشِيّ، الزُّبَيْريّ، أَبُو البركات الدّمشقيّ، ثُمَّ البغداديّ.
وُلِدَ فِي رمضان سنة ثلاثٍ وسبعين، وحضّره أَبُوهُ عَلَى تَجَنِّي الوهْبانيّة، واستجاز لَهُ شُهْرَةَ. ومات أَبُوهُ وهو طفل، فتولّاه اللَّه ونشأ ولدا مباركا.
وكان ورِعًا، صالحا، ديِّنًا، سَلَفِيًّا.
تُوُفّي فِي الثّاني والعشرين من شعبان.
أجاز لابن الشّيرازيّ، وسعد، والبجريّ، وبنت مؤمن.
371-
عَبْد المأمون بْن مُحَمَّد [1] بْن الحَسَن.
أَبُو مُحَمَّد بْن اللّكّاف البغداديّ، المقرئ، الحنفيّ.
كَانَ شيخ الحنفيّة وعالَمهم بالعراق.
وقد سَمِعَ بدمشق من التّاج الكِنْديّ، وَأَبِي عَبْد اللَّه بْن البنّاء.
وَتُوُفّي إلى رحمة [2] اللَّه تعالى فِي ربيع الأوّل.
372-
عُبَيْد اللَّه بْن النّيّار [3] .
الأَجَلّ تاج الدّين البغداديّ.
373-
علوان بْن عَلِيّ بْن جُميع.
الرجل الصّالح، أَبُو عَلِيّ الحرّانيّ.
روى بالإجازة عَن أَبِي زرعة المقدسيّ، وَأَحْمَد بْن المقرِّب، وَأَبِي بَكْر بْن النَّقُّور، وجماعة.
روى عَنْهُ: الشَّرَفُ عَبْد الأحد ابن تَيْمِيّة.
وَتُوُفّي فِي جمادى الآخرة.
374-
عَلِيّ بْن إِبْرَاهِيم [4] بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد بْن بَكْرُوس.
الفقيه أبو الحسن التّميميّ، البغداديّ، الحنبليّ.
[1] لم يذكره ابن أبي الوفاء القرشي في (الجواهر المضية) مع أنه من شرطه.
[2]
في الأصل: «رحمت» .
[3]
انظر عن (عبيد الله بن النيّار) في: المختار من تاريخ ابن الجزري 211 وفيه: «أبو الحسن عبيد الله بن محمد بن الحسين بن النيار اليعقوبي وكيل أم المستعصم باللَّه في رجب، وحضر الخلق بسبب أخيه شيخ الشيوخ أبي المظفر علي بن النيار. وعاش ستين سنة» .
[4]
انظر عن (علي بن إبراهيم) في: الذيل على طبقات الحنابلة 2/ 243 رقم 350، ومختصره 72، والمقصد الأرشد، رقم 694، والمنهج الأحمد 381، والدرّ المنضّد 1/ 388 رقم 1066.
ولد سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.
وسمع من: يحيى بْن بَوْش، وابن كُلَيْب.
روى لنا عَنْهُ الشَّيْخ مُحَمَّد بْن أَحْمَد القزّاز.
ومات فِي رجب.
375-
عَلِيّ بْن عَبْد الرحمن [1] بن أبي المكارم عبد الواحد بن هلال.
الصّدر شمس الدّين، أَبُو الْحَسَن الأزْديّ، الدّمشقيّ.
ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة.
وسمع من: العدل عَبْد الوهّاب والد كريمة، وَأَبِي مُحَمَّد القاسم بْن عساكر.
روى عَنْهُ: الفخر إِسْمَاعِيل بْن عساكر، وغيره.
وَتُوُفّي فِي الثّامن والعشرين من شعبان.
376-
عَلِيّ بْن يعقوب [2] .
الفقيه كمال الدّين الدَّوْليّ الشّافعيّ.
ولي قضاء بَعْلَبَكّ، ثُمَّ قضاء صَرْخَد، ثُمَّ زُرَع [3] .
تُوُفّي فِي رمضان.
377-
عَلِيّ بْن أَبِي الْحَسَن [4] بْن منصور.
[1] انظر عن (علي بن عبد الرحمن) في: ذيل الروضتين 180 وفيه: «الشمس بن هلال» .
[2]
انظر عن (علي بن يعقوب) في: ذيل الروضتين 180.
[3]
وقال أبو شامة: تولّى القضاء ببعلبكّ، ثم بصرخد، ثم برزة وبها توفي. وقد وجدت بخط الدولبي المذكور أنه عليّ بن يعقوب بن إسحاق بن عبد الله بن أبي الحسن. وهو كردي الجوزقاني، رحمه الله تعالى. وكان شيخا في الفقه.
[4]
انظر عن (علي بن أبي الحسن) في: نهاية الأرب 29/ 328، والإشارة إلى وفيات الأعيان 346، 347، والإعلام بوفيات الأعلام 269، والمشتبه في الرجال 1/ 150، وسير أعلام النبلاء 23/ 224- 227 رقم 144، وفوات الوفيات 2/ 42- 45، والذيل على الروضتين 180، وشذرات الذهب 5/ 231، 232، والنجوم الزاهرة 6/ 359، 360، والكواكب الدرّية (مخطوط) ، وجامع كرامات الأولياء 2/ 174، والحوادث الجامعة 235 وفيه وفاته سنة 646 هـ، والعبر في خبر من غبر 5/ 186، وتاريخ ابن الوردي 2/ 178، وعيون
الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن، وَأَبُو مُحَمَّد الحريريّ، مقدّم الطّائفة الفقراء الحريريّة [1] أولي الطّيبة والسّماعات والشّاهد.
كَانَ لَهُ شأن عجيب ونبأ غريب. وهو حورانيّ من عشيرة يُقال لهم بنو الرّمان.
وُلِدَ بقرية بُسْر [2] ، وقدِم دمشق صبيّا فنشأ بِهَا. وذكر الشَّيْخ أنّ مرجع قومه إلى قبيلةٍ من أعراب الشّام يُعرفون ببني قرقر. وفي قرية مردا من جبل نابلس قوم من بني قرقر.
وكانت أمّ الشّيخ دمشقيّة من ذُرّيّة الأمير قِرْواش بْن المسيّب العُقَيْليّ، وكان خاله صاحب دُكّان بسوق الصّاغة.
قَالَ النّجمُ بْنُ إسرائيل الشّاعر: أدركتُه ورأيته.
قَالَ: وَتُوُفّي والد الشَّيْخ وهو صغير فنشأ فِي حَجْر عمّه، وتعلّم صنعة العتّابيّ [3] ، وبرع فيها حتّى فاق الأقران. ثُمَّ اقتطعه اللَّه إلى جنابه العزيز فصحِب الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ المغربل خادم الشَّيْخ رسلان.
قرأت بخطّ الحافظ سيف الدّين ابن المجد ما صورته: عليّ الحريريّ:
وطئ أرض الجبل ولم يكن ممّن يمكنه المقام بِهِ، والحمد للَّه. كَانَ من أفتن شيء وأضرّه عَلَى الإِسْلَام، مُظهِرًا سُنَّةَ الزَّنْدقة والاستهزاء بأوامر الشّرع ونواهيه.
وبلغني من الثّقات بدء أشياء يُسْتَعْظَم ذِكرُها من الزَّنْدقة والْجُرأة عَلَى اللَّه. وكان مُسْتَخِفًّا بأمر الصّلوات وانتهاك الحُرُمات.
[ () ] التواريخ 20/ 14- 17، والمختار من تاريخ ابن الجزري 212، ومرآة الجنان 4/ 112، 113، والبداية والنهاية 13/ 173، 174، والعسجد المسبوك 2/ 556، 557، وطبقات الأولياء لابن الملقّن 450، 451 رقم 140، والفلاكة والمفلوكين للدلجي 72، وجامع كرامات الأولياء 2/ 340.
[1]
قال أبو شامة في (ذيل الروضتين 180) الحريرية: أصحاب الرأي المنافي للشريعة وباطنهم شرّ من ظاهرهم.
[2]
في نهاية الأرب 29/ 328 «بشر» . وجاء في مرآة الجنان 4/ 113 إنه ولد بقرية تستر من حوران! وهذا تصحيف.
[3]
العتّابيّ: صناعة النسيج، ويكون مخطّطا كجلد الفرس العتّابيّ.
ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُل أنّ شخصا دخل الحمّام فرأى الحريريَّ فِيهِ ومعه صِبيان حِسانٌ بلا مَيَازِر، فجاء إِلَيْهِ فَقَالَ ما هذا؟ فَقَالَ: كأنّ لَيْسَ سوى هذا، وأشار إلى أحدهم تمدَّد عَلَى وجهك، فتمدّد. فتركه الرجل وخرج هاربا ممّا رَأَى.
وحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاق الصَّريفينيّ قَالَ: قلت للحريريّ: ما الحُجَّةُ فِي الرَّقص؟ قَالَ: قوله تعالى: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها 99: 1 [1] . وكان يُطْعِم ويُنْفق ويهوِّن أمورَ الدّين فيتبعه كلُّ مريب. وشاع خبره، وشهِد عَلَيْهِ خلقٌ كثير بما رأوا منه ومن أصحابه بما يوجب القتْل. ورُفِع أمره إلى السّلطان، فلم يقدم عَلَى قتله، بل سجنه مرّة بعد أخرى، ثُمَّ أُطلِق والله المستعان عَلَى هذه المصيبة الّتي لم يُصَب المسلمون بمثلها.
قلت: رحم اللَّه السّيفَ ابن المجد ورضي عَنْهُ، فكيف لو رَأَى كلام الشّيخ ابن العربيّ الَّذِي هُوَ محض الكُفْر والزَّنْدقة لقال إنّ هذا الرجل المنتظر. ولكنْ كَانَ ابن العربيّ منقبضا عَن النّاس، وإنّما يجتمع بِهِ آحاد الاتّحادية، ولا يصرّح بأمره لكلّ أحد، ولم يشتهر كُتُبه إلا بعد موته بمدّة. ولهذا تمادى أمره، فلمّا كَانَ عَلَى رأس السّبعمائة جدّد اللَّه لهذه الأمّة دينها بهتْكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه «الفصوص» . وقد حطّ عَلَيْهِ الشَّيْخ القُدوة الصّالح إِبْرَاهِيم بْن معضاد الْجَعْبَريّ، فيما حَدَّثَنِي بِهِ شيخُنا ابن تَيْميّة، عَن التّاج البرنْباريّ، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم يذكر ابنَ العربيّ فَقَالَ: كَانَ يقول بقِدَم العالم ولا يُحرِّم فَرْجًا.
وأنبأنا العلّامة ابنُ دقيق العيد أنه سمع الشَّيْخ عز الدين بْن عَبْد السّلام يَقُولُ فِي ابن العربيّ: شيخ كذّاب.
وممّن حطّ عَلَيْهِ وحذّر من كلامه الشّيخ القدوة الوليّ إبراهيم الرّقّي.
[1] أول سورة الزلزلة.
وممّن أفتى بأنّ كتابه «الفصوص» فِيهِ الكُفْر الأكبر قاضي القضاة بدر الدّين ابن جماعة، وقاضي القُضاة سعد الدّين الحارثيّ، والعلّامة رُكْن الدّين عُمَر بْن أَبِي الحَرَم الكتّانيّ، وجماعة سواهم.
وأمّا الحريريّ فكان متهتّكا، قد ألقى جِلْباب الحياء، وشطح حتّى افتضح، واشتهر مُروقُه واتَّضح. وأبلغ ما يقوله فِي هَؤُلاءِ (
…
) [1] العلماء أنّ لكلامهم معاني وراء ما نفهمه نَحْنُ، مَعَ اعترافهم بأنّ هذا الكلام من حيث الْخَطَّاب العَرِيّ كُفْر وإلحاد، لا يخالف فِي ذَلِكَ عاقل منهم إلّا من عاند وكابر.
فخُذْ ما قاله الحريريّ فِي «جزء مجموع كلامه» يتداوله أصحابُه بينهم قَالَ: إذا دخل مريدي بلدَ الرّوم، وتنصّر، وأكل لحم الخنزير، وشرِب الخمر كَانَ فِي شُغلي.
وسأله رَجُل: أيّ الطُّرُق أقرب إلى اللَّه حتَّى أسير فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ: اترك السَّيرَ قد وصلتَ! قلت: هذا مثل قول العفيف التّلمِسانيّ:
فلسوفَ تعلم أنّ سيرَك لم يكنْ
…
إلّا إليك إذا بلغت المنزلا
وقال لأصحابه: بايِعُوني عَلَى أن نموتَ يهودَ، ونُحشر إلى النّار حتّى لا يصاحبني أحد لعِلّة.
وقال: ما يَحْسُن بالفقير أن ينهزم من شيء، ويَحْسُن بِهِ إذا خاف شيئا قصده.
وقال: لو قدم عليَّ من قتل ولدي وهو بذلك طيّب وجدني أطيب منه.
وللحريريّ فِي الجزء المذكور:
أمرد يقدِّم مداسي أَخْيَرُ من رضوانكم
…
ورُبْع قحبةٍ عندي أحسنُ من الولدان
قَالُوا:
أنت تُدْعَى صالح ودع عنك هذا الخندق
…
قلت: السّماع يصلح لي بالشّمع والمردان
ما أعرف لآدم طاعة إلّا سجود الملائكة
…
وما أعرف آدم عصى الله تعظيم للرحمن
[1] بياض في الأصل مقدار كلمة.
إن كنت أقجيّ تقدَّمْ وإنْ كنتَ رمّاح انتبه
…
وإنْ كنتَ حشوا لمخدّةٍ أُخرُجْ ورُدَّ الباب
أودّ اشتهي قبل موتي أعشق ولو صورة حجر
…
أَنَا ممثَّكِلٌ محيَّر والعشق بي مشغول
وقال النّجم بْن إسرائيل: قَالَ لي الشَّيْخ مرّة: ما معنى قوله تعالى:
كُلَّما أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله 5: 64 [1] فقلت: سيّدي يَقْولُ وأنا أسمع.
قَالَ: ويحك من الموقد ومن المطفئ؟ لا تسمع للَّه كلاما إلّا منك فيك.
قلت: ومن أَيْنَ لي؟ قَالَ: تمحو آنيتك.
وقال: لو ذبحت بيدي سبعين نبيّا ما اعتقدت أنّي مخطئ. يعني لو ذبحتهم لفعلت ما أراده اللَّه منّي، إذ لا يقع شيء فِي الكون إلّا بإذْنه سبحانه وتعالى.
قلت: وطرد ذَلِكَ أنّ اللَّه تعالى أراد منّا أن نلعن قَتَلَة الأنبياء عليهم السلام، ونبرأ منهم، ونعتقد أنّهم أصحاب النّار، وأن نلعن الزّنادقة، ونضرب أعناقهم، وإلّا فلأَيِّ شيءٍ خُلِقت جهنَّم، واشتدّ غضب اللَّه عَلَى من قتل نبيّا، فكيف بمن يقتل نبيّا، والله تعالى يحبّ الأبرار، ويبغض الفجّار، ويخلّدهم فِي النّار، مَعَ كونه أراد إيجاد الكفر والإيمان فهو (
…
) [2] الشّيء، فإنّه لا يكون إلّا ما يريد. ولكنّه لا يرضى حيازة الكُفْر ولا يحبّه، نعم يريده ولا يُسأل عمّا يفعل، ولا يُعتَرَض عَلَيْهِ، فإنّه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، لا يخلق شيئا إلّا لحكمةٍ، لكنّ عقولنا قاصرة عَن إدراك حكمته، فالخلْق ملكه، والأمر أمره لا مُعَقِّب لُحكمه، يخلِّد الكفّار فِي النّار بعدله وحكمته، ويخلّد الأبرار فِي الجنّة بفضله ورحمته. فجميع ما يقع فِي الوجود فبِأمره وحكمته، وعدم علمنا بمعرفة حكمته لا يدلّ عَلَى أَنَّهُ يخلق شيئا بلا حكمة تعالى اللَّه عَن ذَلِكَ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ 23: 115 [3] .
[1] سورة المائدة، الآية 64.
[2]
في الأصل بياض مقدار كلمة.
[3]
سورة المؤمنون، الآية 115.
وقال أبو الحسن عليّ بن أنجب ابن السّاعي فِي تاريخه: الفقير الحريريّ الدّمشقيّ شيخ عجيب الحال، لَهُ زاوية بدمشق يقصده بِهَا الفقراء وغيرهم من أبناء الدّنيا، وكان يُعاشر الأحداث ويَصْحبهم ويقيمون عنده، وكان النّاس يُكثرون القول فِيهِ، وينسبونه إلى ما لا يجوز، حتّى كَانَ يقال عَنْهُ إنّه مُباحيّ، ولم يكن عنده مراقبة ولا مبالاة، بل يدخل مَعَ الصّبيان الأحداث، ويعتمد معهم ما يسمّونه تخريبا، والفقهاء يُنكرون فِعْله، ويوجّهون الإنكار نحوه، حتى إنّ سلطان دمشق أخذه مِرارًا وحبسه، وهو لا يرجع عَن ذَلِكَ ويزعم أَنَّهُ صحيح فِي نفسه. وكان لَهُ قَبُول عظيم لا سيّما عند الأحداث، فإنّه كَانَ إذا وقع نظره عَلَى أحدٍ من الأحداث سواء كَانَ من أولاد الأمراء أو أولاد الأجناد أو غيرهم يحسن ظنّه فِيهِ، ويميل إِلَيْهِ، ولا يعود ينتفع بِهِ أهله، بل يلازمه ويقيم عنده اعتقادا فِيهِ. وكان أمره مشكلا، والله يتولّى السّرائر. ولم يزل عَلَى ذَلِكَ إلى حين وفاته. وكان فِيهِ لُطف. وله شِعر، فمنه:
كم تنعمني بصحبة الأجساد
…
كم تسهرني بلذّة الميعاد
جُدْ لي بمُدامة تقوّي رَمَقي
…
والجنّة جُدْ بِهَا عَلَى الزّهّاد
وقال الإِمَام أَبُو شامة [1] : الشَّيْخ عَلِيّ الحريريّ المقيم بقرية بُسْر، كَانَ يتردّد إلى دمشق، وتبِعه طائفة من الفقراء المعروفين بالحريريّة أصحاب الزِّيّ المنافي للشّريعة وباطنهم شرّ من ظاهرهم، إلّا مَن رجع منهم إلى اللَّه تعالى.
وكان عند هذا الحريريّ من القيام بواجب الشّريعة، ما لم يعرفه أحد من المتشرّعين ظاهرا وباطنا، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عند أحد فِي عصره من المحافظة عَلَى محبّة اللَّه وذِكره والدّعاء إِلَيْهِ والمعرفة بِهِ. وأكثر النّاس يغلطون فِي أمره الظّاهر وفي أمره الباطن. ولقد أفتى فِيهِ مشايخ العلماء، وما بلغوا منتهى فُتْياهم، وبلغ هُوَ فيهم ما كانوا يريدون أن يبلغوه فِيهِ.
قلت: يعرّض بابن عَبْد السّلام لكونه أُخرِج من دمشق.
[1] في ذيل الروضتين 180.
قَالَ: ولقد كَانَ- قدّس اللَّه روحه- مكاشفا لِما فِي صدور خلق اللَّه ممّا يضمرونه، بحيث قد أطلعه اللَّه عَلَى سرائر خلْقه وأوليائه.
قلت: المكاشفة لما فِي ضمائر الصّدور قَدَر مشترك بين أولياء اللَّه وبين الكُهّان والمجانين. ولكنّ الشَّيْخ شهاب الدّين يتكلّم من وراء العافية، ويُحسِن الظّنَّ بالصّالحين والمجهولين، والله يثيبه عَلَى حُسْن قصده وصِدْق أدبه مَعَ أُولي الأحوال، ونحن فاللَّه يُثيْبنا عَلَى مقاصدنا، والله هُوَ المطّلع عَلَى نيّاتنا ومُرادنا، وهو حسبنا ونِعْمَ الوكيل.
قَالَ اللَّه تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ 6: 121 [1] الآية وللَّه القائل [2] :
دُفٌّ ومِزْمار ونَغِمةُ شادِنٍ
…
فمتى رَأَيْت عبادة بملاهي
يا لحرقة ما خسر دين مُحَمَّد
…
و (
…
) [3] عَلَيْهِ وملّة إلّا هِيَ
ومن قول الحريريّ: الشِّعر باب السرّ.
قل: بل باب الشرّ، فإنّه ينسب النّفاق فِي القلب.
وقال عليه السلام: لأن يمتلئ جوفُ أحدكم قَيْحًا خيرٌ لَهُ من أن يمتلئ شِعرًا.
ونهى أصحابه عَن غلْق الباب وقت السّماع حتّى عَن اليهود والنّصارى وقال: دار الضَّرْب الّتي للسّلطان مفتوحة، وضارب الزَّغَل يُغلق بابه.
وقال: لو اعتقدت أنّي تركت الخمر لعُدت إليها.
وله مِن هذا الهَذَيان شيء كثير.
وذكر النّسّابة فِي «تعاليقه» قَالَ: وفي سنة ثمان وعشرين وستمائة أمر الصّالح بطلب الحريريّ فهرب إلى بُسْر، وسببه أنّ ابن الصّلاح، وابن
[1] سورة الأنعام، الآية 121.
[2]
هكذا في الأصل، والمشهور أن يقال:«وللَّه درّ القائل» .
[3]
في الأصل بياض مقدار كلمة.
عَبْد السّلام، وابن الحاجب أفتوا بقتله لِما اشتهر عنه من الإباحة، وقذف الأنبياء عليهم السلام والفسْق، وترك الصّلاة. وقال الملك الصّالح أخو السّلطان: أَنَا أعرف منه أكثر من ذَلِكَ. وسجن الوالي جماعة من أصحابه، وتبرّأ منه أصحابه وشتموه، ثُمَّ طُلِب وحبِس بعِزتا، فجعل ناسٌ يترددون إِلَيْهِ ف (
…
) [1] الفقهاء، وأرسلوا إلى الوزير ابن مرزوق: إنْ لم تعمل الواجب فِيهِ وإلّا قتلناه نَحْنُ.
وكان ابن الصّلاح يدعو عَلَيْهِ فِي أثناء كلّ صلاةٍ بالجامع جَهْرًا، وكتب طائفةٌ من أصحابه غير محضرٍ بالبراءة منه.
قلت: ومن كلامه المليح: ودُرْتُ طول عُمري عَلَى من ينصفني فوجدت فردا واحدا، فلمّا أنصفني ما أنصفتُه.
وقال: أقمتُ شهرا لا أفتر عَن الذّكْر، فكنت ليلة فِي بيتٍ مظلم فجفّ لساني، ولم يبق فِي حركةٌ سوى أنّي أسمع ذِكر أعضائي بسمعي.
وقال: ما يحسن أن تكون العبادة هِيَ المعبود.
وقال: أعلى [2] ما للفقير الاندحاض.
وكان الحريريّ يلبس الطّويل والقصير والمدوَّر والمفرَّج، والأبيض والأسود، والعمامة والمِئزَر والقَلَنْسُوَة وحدها، وثوب المرأة والمطرّز والملوّن.
وسأله أصحابه لمّا حُبِس أن يسأل ويتشفَّع، فلم يفعل، فلمّا أقام أربع سنين زاد سؤالهم، فأمرهم أن يكتبوا قَصّةً فيها: من الخلق الضّعيف إلى الرّيّ الشّريف، ممّن هُوَ ذنب كلّه إلى من هُوَ عفْوٌ كلّه، سبب هذه المكاتبة الضّعف عَن المعاتبة، أصغر خَدَم الفقراء عليّ الحريريّ.
فقيرٌ ولكنْ من عفافٍ ومن تُقَى
…
وشيخ ولكن للفُسُوق إمامُ
فسَعوا بالقَصَّة وأرادوا أن تصل إلى السّلطان، فما قرأها أحد من الدّولة
[1] في الأصل بياض، ويحتمل أنه:«فيهم الفقهاء» .
[2]
في الأصل «أعلا» .
إلّا ورماها، فبلغه ذَلِكَ، فاحتدّ وقال: لأجل هذا ما أذِنت لكم فِي السَّعْي.
وأقام فِي عزتا ستَّ سنين وسبعة أشهر، يعني فِي الحبْس.
وأصاب النّاسَ جدْبٌ، وكان هُوَ فِي ذَلِكَ الوقت يركب الخيل العربيّة ويلبس الملبوس الجميل، ولم يكن فِي بيته حصير، وربّما تغطّى هُوَ وأهلُه بجِلّ الفَرَس.
وقال: نسجت ثوب حرير كما جرت العوائد والثّوب كالثّياب المعتادة بالتَّخازين والأكمام والنّيافق، والكلّ نسج لم يدخل فِيهِ خَيْطٌ ولا إبْرة، فلمّا فرغ دوّروه فِي البلد، وشهد الصُّنّاع بصحّته تركته وبكيت، فَقَالَ لي إنسان:
عَلَى أَيْشٍ تبكي؟ فقلت: عَلَى زمان ضيّعتُه فِي فِكري فِي عمل هذا كيف ما كَانَ فيما هُوَ أهم منه.
وقال لنا صاحبنا شمسُ الدين محمد بن إبراهيم الجزري في «تاريخه» [1] :
حكى لي زينُ الدّين أَبُو الحَرَم بْن مُحَمَّد بْن عسيرة الدّمشقيّ الحريريّ قَالَ: كَانَ أَبِي مجاور الشَّيْخ عَلِيّ الحريريّ بدُكّان عَلَى رأس درب الصّقيل، وكان قد وقف عَلَى الشَّيْخ عَلِيّ دراهمَ كثيرة، فحبسوه، ودخل الحبْس وما معه دِرهم، فبات بلا عَشاء، فلمّا كَانَ بُكْرةً صلّى بالمُحَبَّسِين، وقعد يذكّر بهم إلى ساعتين من النّهار، وبقي كلُّ من يجيئه شيء مِن المأكول مِن أهله يشيله، فلمّا قارب وقت الظُّهر أمرهم بمدّ ما جاءهم، فأكل جميع المحبَّسين وفضل منه، ثُمَّ صلّى بهم الظُّهر، وأمرهم أن يناموا ويستريحوا، ثُمَّ صلّى بهم العصر، وقعد يذكر بهم إلى المغرب، وكلّما جاءهم شيء رفعه، ثُمَّ مدّده بعد المغرب مَعَ فضلة الغداء، فأكلوا وفضل شيء كثير. فلمّا كَانَ فِي ثالث يوم أمرهم مَن عَلَيْهِ أقلّ من مائة درهم أن يَجْبوا لَهُ من بينهم، فخرج منهم جماعة وشرعوا فِي خلاص الباقين، يعني الّذين خرجوا. وأقام ستّة أشهر، فخرج خلْقٌ كثير، ثمّ إنّهم جَبَوا لَهُ وأخرجوه، وعاد إلى دُكّانه. وصار أولئك المحبَّسون فيما بعد يأتونه العصر، ويطْلعون بِهِ إلى عند قبر الشَّيْخ رسلان فيذكر بهم. وربّما يطلعون إلى الجسر العبديّ، وكلّ يوم يتجدّد لَهُ أصحابٌ إلى أن آل أمرُه إلى ما آل.
[1] في القسم الضائع من تاريخه.
وقال الْجَزَريّ أيضا: حَدَّثَنِي عماد الدّين يحيى بْن أَحْمَد الحسينيّ البُصْرويّ ومؤيّد الدّين عَلِيّ بْن خطيب عقربا أنّ جمال الدّين خطيب عَقْربا جدّ المؤيّد والفَلَك المسيريّ الوزير وابن سلام طلعوا إلى قرية للفلك فعزموا عَلَى زيارة الحريريّ ببسر، فَقَالَ أحدهم: إنْ كَانَ رجلا صالحا فعند وصولنا يُطْعمنا بسيسة، وقال الآخر: ويُطعمنا بِطّيخ أحمر [1]، وقال الآخر: ويُحضِر لنا فقّاعا بثلج. فأتَوْه فتلقّاهم أحسن مُلْتقى، وأَحضر البسيسة، وأشار إلى من اشتهاها أنْ كُلْ، وأحضَر البِطّيخ وأشار إلى الآخر أنْ كُل. ثُمَّ نظر إلى الَّذِي اشتهى الفُقّاع وقال: كَانَ عندي باب البريد. ثُمَّ دخل فقير وعلى رأسه دَسْت فُقّاع وثلج فَقَالَ: اشربْ بسم اللَّه.
وذكر المولى بهاءُ الدّين يوسف بْن أَحْمَد بْن العجميّ، فيما حَدَّثَنِي بِهِ رَجُل معتبر عنه، أنّ الصّاحب مجد الدّين ابن العديم حدّثه عَن أَبِيهِ الصّاحب كمال الدّين قَالَ: كنت أكره الحريريّ وطريقه، فاتّفق أنّي حججتُ، فحجّ فِي الرّكْب ومعه جماعة ومُرْدان، فأحرموا وبقي يبدو منهم فِي الإحرام أمورٌ مُنْكَرَة. فحضرتُ يوما عند أمير الحاجّ فجاء الحريريّ، فاتّفق حضور إنسان بَعْلَبَكّيّ وأحضر ملاعق بَعْلَبَكّيّة، ففرّق علينا لكلّ واحدٍ مِلْعَقَتَين، وأعطى للشَّيْخ الحريريّ واحدة، فأعطاه الجماعة ملاعقهم تكرمة لَهُ، وأمّا أَنَا فلم أُعْطِهِ مِلْعقتي، فَقَالَ: يا كمال الدّين ما لَكَ لا توافق الجماعة؟ فقلت: ما أُعطيك شيئا. فَقَالَ: السّاعة، تكسرها، أو نحو هذا.
قَالَ: والمِلْعقتان عَلَى رُكبتي، فنظرت إليهما فإذا بهما قد انكسرتا، فقلت: ومع هذا فما أرجع عَن أمري فيك وهذا من الشّيطان. أو قَالَ هذا حال شيطانيّ.
وقال ابن إسرائيل فيما جمعه من أخبار الحريريّ: صحِبْتُه حَضَرًا وسَفَرًا، وبلغ سبْعًا وستّين سنة. كذا قَالَ ابن إسرائيل. قال: وتوفّي في السّاعة من يوم
[1] هكذا في الأصل. والصواب لغويّا: بطّيخا أحمر.
الجمعة السّادس والعشرين من رمضان سنة خمسٍ وأربعين من غير مرض.
وكان أخبر بذلك قبل وقوعه بمدّة.
ثُمَّ قَالَ ابنُ إسرائيل: وشهر أخبار موته فِي اليوم الَّذِي (مات)[1] فِيهِ فِي ليلته بحيث إنّه أوصى كما يوصي من هُوَ بآخر رمق، وهو حينئذٍ أصحّ ما كَانَ، وقُبِضَ جالسا مستقبل القِبْلة ضاحكا. وحضرتُ وفاتَه وغسَّلتُه وأَلْحدْتُهُ. ورثيته بهذه القصيدة:
خطْبٌ كما شاء الإلهُ جليلُ
…
ذهلتْ لديه بصائرُ وعُقُولُ
قلت: وهي نيفٌ وسبعون بيتا.
وبين أصحابه المحيا كلّ عام فِي ليلة سبعة وعشرين، وهي من ليالي القدر، فيُحْيُون تِلْكَ اللّيلة بالدُّفوف والشّبّابات والمِلاح والرَّقْص إلى السَّحَر، اللَّهمّ لا تمكُرْ بنا وتَوَفنَّا عَلَى سُنَّةِ نبيَّك [2] .
378-
عُمَر بْن رسول [3] الملك نور الدّين.
[1] في الأصل بياض.
[2]
وقال اليافعي معقّبا على المؤلّف- رحمه الله: هذا معنى ما أشار إليه الذهبي وميله إلى ما ذكرت من الوصف الأخير كما هو مذهب أكثر الفقهاء الطعن في كثير من المشايخ، فإنه قال: ومن خيّر أمره نسبه إلى الفضل والكمال، ومن قبّح أمره رماه بالكفر والضلال. ثم قال: وهو أحد من لا يقطع عليه بجنة ولا نار، فإنّا لا نعلم بما ختم له، لكنه توفي في يوم شريف يوم الجمعة قبل العصر السادس والعشرين من شهر رمضان، وقد نيّف على التسعين، مات فجأة. انتهى كلامه. وفيه من التشكّك ما فيه من تغليب التكفير، وأما عدم القطع المذكور فليس يخرج منه أحد سوى الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، ومن شهد له بذلك ولم يزل الفقراء يذكرون عن الشيخ المذكور عجائب من الكرامات والتجريبات (ومرآة الجنان 4/ 113) .
[3]
انظر عن (عمر بن رسول) في: مرآة الزمان ج 8 ق 2/ 771، والحوادث الجامعة 123، والمختصر في أخبار البشر 3/ في وفيات 649 هـ. والسمط الغالي الثمن لبدر الدين اليامي (كمبرج 1974) 201 وما بعدها، وسير أعلام النبلاء 23/ 173، 174 رقم 108، والوافي بالوفيات 22/ 479 رقم 338، والعقود اللؤلؤية للخزرجي 44، والعقد الثمين للفاسي 6/ 339، والسلوك ج 1 ق 1/ 333، وتاريخ ثغر عدن لابن أبي مخرمة 2/ 174، وغاية الأماني ليحيى بن الحسين 431، وتاريخ ابن خلدون 5/ 1088.
صاحب اليمن.
قَالَ سعد الدّين فِي «الخريدة» : فِي سنة خمسٍ وأربعين وفي ذي القعدة وصَلَنَا الخبرُ بأنّه مات. تملّك البلاد اليمنيّة بضع عشرة سنة، وقتل مماليكه فِي هذا العام. وولي السّلطنة بعده ولدُه الملك المظفّر يوسف بْن عُمَر، واستقرّ مُلْكُه بعد محاربةٍ بينه وبين ابن عمّه. وبقي يوسف فِي السّلطنة نيّفا وأربعين سنة.
379-
عُمَر بْن مُحَمَّد [1] بْن عُمَر بْن عَبْد اللَّه.
الأستاذ أَبُو عَلِيّ الأَزْديّ، الإشْبيليّ، النَّحْويّ، المعروف بالشَّلُوبِينيّ.
والشَّلُوبِين بلُغة أهل الأندلس هُوَ الأبيض الأشقر.
كَانَ إمام العصر فِي معرفة العربيّة. وُلِدَ سنة اثنتين وستّين وخمسمائة بإشبيليّة.
قَالَ الأَبّار: سَمِعَ من: أَبِي بَكْر بن الجدَّ، وأَبِي عَبْد الله بن زرقون، وَأَبِي مُحَمَّد بْن بُونة، وَأَبِي زيد السُّهَيْليّ، وَعَبْد المنعم بْن الفَرَس.
وأجاز لَهُ أَبُو القاسم بْن حُبَيْش، وَأَبُو بَكْر بْن خَيْر، وَأَبُو طاهر السِّلَفيّ، كتب إِلَيْهِ من الثَّغَر [2] .
[1] انظر عن (عمر بن محمد) في: معجم البلدان 3/ 360، وإنباه الرواة 2/ 332، وتكملة الصلة لابن الأبّار (مخطوطة الأزهر) ج 3/ ورقة 50 أ، ووفيات الأعيان 3/ 451، 452 رقم 498، والمغرب في حلى المغرب لابن سعيد 2/ 129، والذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة 5/ 460- 464 رقم 807، وملء الغيبة لابن رشيد الفهري 2/ 65، 92، 131، 148، 209، 210، 231، 234، 236، 249، والمختصر في أخبار البشر 3/ 177، والإشارة إلى وفيات الأعيان 346، والإعلام بوفيات الأعلام 269، وسير أعلام النبلاء 23/ 207، 208 رقم 124، والعبر 5/ 186، وتاريخ ابن الوردي 2/ 178، 179، وتلخيص أخبار النحويين واللغويين لابن مكتوم (نسخة التيمورية) ورقة 162- 165، والبداية والنهاية 13/ 173، ومرآة الجنان 4/ 113، 114، والديباج المذهب لابن فرحون 2/ 78- 80 رقم 3، والعسجد المسبوك 2/ 557، والنجوم الزاهرة 6/ 358، وبغية الوعاة للسيوطي 2/ 224، 225 رقم 1855، وتاريخ الخلفاء، له 476، وكشف الظنون 508، 1428، 1774، 1800، وهدية العارفين 1/ 786، وروضات الجنات للخوانساري 501، وديوان الإسلام لابن الغزّي 3/ 142، 143 رقم 1240، والأعلام 5/ 62، ومعجم المؤلفين 7/ 316.
[2]
يقصد من الاسكندرية.
قلت: وكان مختَصًا بابن الجدّ ورُبيّ فِي حَجْره لأنّ والده كَانَ يخدم ابن الجدّ. وسمع الكثير. وأقبل عَلَى النَّحْو ولزِم أَبَا بَكْر مُحَمَّد بْن خَلَف بْن صافٍ النَّحْويّ حتّى أحكم الفنّ.
وأمّا الأَبّار فَقَالَ [1] : أخذ العربيّة عَن أَبِي إِسْحَاق بْن مُلكون، وَأَبِي الْحَسَن [2] نَجَبَة. وجمع «مشيخته» ونصّ على اتّساع مسموعاته.
وسمعت من ينكر عليه ذلك ويدفعه عنه.
وكان في وقته علما في العربيّة وصناعتها، لا يُجارى ولا يُبارى قياما عليها واستبحارا فيها. وقعد لإقرائها بعد الثّمانين وخمسمائة، وأقام عَلَى ذَلِكَ نحوا من ستّين سنة، ثُمَّ ترك فِي حدود الأربعين وستّمائة لكِبَر سِنّه، وزُهْد النّاس فِي العِلْم، وإطباق الفتنة، وتغلُّب الرّوم حينئذٍ عَلَى قُرْطُبَة وبَلَنْسِيَة ومُرْسِيَة، وتصدّيهم لسائر الأندلس.
وله تواليف مفيدة وتشابيه بديعة مَعَ حُسْن الخطّ. وقد أخذ عَنْهُ عالَم لا يُحصَوْن.
سَمِعْتُ عَلَيْهِ وأجاز لي «ديوان أَبِي الطَّيِّب المُتَنَبّي» .
وَتُوُفّي نصف صفر.
وقال ابن خَلِّكان [3] : قد رَأَيْت جماعة من أصحاب أَبِي عَلِيّ الشَّلُوبِين، وكلٌّ منهم يَقْولُ: ما يتقاصر الشَّيْخ أَبُو عَلِيّ عَن الشَّيْخ أَبِي عَلِيّ الفارسيّ.
وقالوا: كَانَ فِيهِ مَعَ هذه الفضيلة غَفْلَة وصورةُ بَلَهٍ. حتّى قَالُوا: كَانَ يوما إلى جانب نهرٍ وبيده كراريس يطالع، فوقع كرّاسٌ فِي الماء، فغرّقه بكرّاسٍ آخر فتلِفا.
شرح «المقدّمة الْجَزُوليّة» شرحين. وبالْجُملة فإنّه كَانَ عَلَى ما يُقال خاتمة أئمّة النّحو.
[1] في تكملة الصلة، ورقة 50 أ.
[2]
في الأصل: «الحسين» ، والتصحيح من: تكملة الصلة، وسير أعلام النبلاء 23/ 208.
[3]
في وفيات الأعيان 3/ 451، 452.