المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الركن الثاني: الطواف - إرشاد السالك إلى أفعال المناسك - جـ ١

[ابن فرحون، برهان الدين]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌تصدير

- ‌عملي في الدراسة والتحقيق:

- ‌شكر وتقدير

- ‌رموز

- ‌الفصل الأولترجمة المؤلّف ابن فرحون

- ‌نسبه وأصله:

- ‌ولادته ونشأته:

- ‌شيوخه بالمدينة:

- ‌رحلاته:

- ‌توليه القضاء:

- ‌صفاته الخلقية والخُلقية ومستواه العلمي:

- ‌وفاته:

- ‌أثر ابن فرحون في التيار الثقافي والحركة العلمية:

- ‌الفصل الثانيدراسة كتاب "إرشاد السّالك إلى أفعال المناسك

- ‌اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه:

- ‌الداعي إلى تأليفه

- ‌موضوعاته وتبويبه:

- ‌منهجه وأسلوبه:

- ‌أصوله ومصادره:

- ‌أهميته:

- ‌ملاحظات ومآخذ:

- ‌نسخه المعتمدة:

- ‌الأولى:

- ‌الثانية:

- ‌الثالثة:

- ‌[مقدمة الكتاب]

- ‌الباب الأول: في الترغيب في الحج وفضله

- ‌باب ما جاء في فضل العمرة

- ‌فصل في التجَرُّدِ في الإحْرَام

- ‌فصل: التلبية

- ‌فصل: من مات في حجّ أو عمرة أو بعد قدومه

- ‌باب: ما جاء في حج الماشي والرَّاكب

- ‌فصل: النفقة في الحج

- ‌فصل: الطواف بالبيت

- ‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌الطواف في المطر

- ‌الدعاء عند محاذاة الميزاب

- ‌فصل: الملتزم والدعاء فيه

- ‌فصل: الدعاء عند الركن اليماني

- ‌فصل: استلام الحجر الأسود

- ‌فصل: الشرب من ماء زمزم

- ‌تنبيه:

- ‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌الترغيب في دخول الكعبة

- ‌مسألة:

- ‌‌‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌تنبيه:

- ‌‌‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌تنبيه:

- ‌فصل: يوم عرفة

- ‌الباب الثاني: في بيان آداب سفر الحج وفيه فصول:

- ‌الفصل الأول: في الاستخارة (*) في سفر الحج

- ‌الفصل الثاني: فيما يجوز صرفه من المال في الحج

- ‌مسألة:

- ‌فرع:

- ‌تنبيه:

- ‌مسألة:

- ‌الفصل الثالث: فيما يفعله عند إرادة الخروج إلى الحج من منزله

- ‌فصل: فيما جاء في المصافحة والمعانقة وتقبيل الرأس واليد وغيرهما والسلام عند الانصراف

- ‌تنبيه:

- ‌الفصل الرابع: فيما يقال عند الركوب والنزول ودخول القرى

- ‌الفصل الخامس: في آداب سفره في نفسه ومع رفقائه

- ‌مسألة:

- ‌فائدة:

- ‌فائدة:

- ‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌الباب الثالث: في أحكام الحج وصفتِه وأركانِه

- ‌فصل: في حج الماشي

- ‌‌‌مسألة:

- ‌مسألة:

- ‌فرع:

- ‌مسألة

- ‌مسألة:

- ‌فصل

- ‌تنبيه

- ‌مسألة:

- ‌‌‌فصلوشرط صحته الإسلام

- ‌فصل

- ‌‌‌فصل

- ‌فصل

- ‌فرع:

- ‌مسألة:

- ‌‌‌‌‌فرع:

- ‌‌‌فرع:

- ‌فرع:

- ‌فرع:

- ‌تنبيه:

- ‌فرع:

- ‌باب: أركان الحج التي لا بد للمحرم من الإتيان بها ولا يجزئ في تركها هدي ولا غيره

- ‌الركن الأول: الإحرام

- ‌الركن الثاني: الطواف

- ‌الركن الثالث: السعي:

- ‌الشرط الثاني: الموالاة:

- ‌فرع:

- ‌فرع:

- ‌الشرط الثالث: إكمال العدد:

- ‌الشرط الرابع: أن يتقدمه طوافٌ صحيحٌ

- ‌فرع:

- ‌الأولى: اتصاله بالطواف

- ‌الثانية: الطهارة:

- ‌الثالثة: المشي:

- ‌الرابعة: أن يتقدمه طواف واجب

- ‌الخامسة: الرَّمَل:

- ‌فرع:

- ‌فرع:

- ‌الركن الرابع: الوقوف بعرفة

- ‌الباب الرابع: في التمتع

- ‌[معنى التمتع]

الفصل: ‌الركن الثاني: الطواف

ثم تدعو بما شئت من خيري الدّنيا والآخرة، فإِذا وقع بصرك على البيت في انحدارك من العقبة فارفع يديك، وقل ما تقدم.

وأول ما تبدأ به بعد دخول المسجد الحرام استلام الحجر (1) الأسود بعد أن تنوي الطّواف، وهذا هو طواف القدوم، ولا تبدأ بالركوع، بل بالطواف كفعله صلى الله عليه وسلم (2)، إِلا أن تجد الإِمام في فرض فتصلي معه، ثم تطوف، أو تخاف فوات مكتوبة فتقدمها حينئذ على الطواف.

‌الركن الثاني: الطواف

فأمَّا طوافُ القدوم فإِنه سنة لغير المكي، وأوقع عليه مالك اسم الوجوب.

قالوا: معناه وجوب السنن، ولا رجوع لتركه.

واختلف: هل على تاركه دم أم لا؟

قال مالك مرة: إِن كان غير مراهق (3) فعليه الدم.

(1) استلام الحجر: تناوله باليد أو القبلة أو مسحه بالكف، من السَّلِمة (بفتح السين وكسر اللام) وهي الحجر. (المغرب للمطرزي: سلم: 1/ 412).

(2)

جاء في حديث جابر المتعلق بوصف حجة الرسول صلى الله عليه وسلم: "حتى إِذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا".

أخرجه مسلم (الصحيح: 1/ 887، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 174).

(3)

قال الجبي: المراهق يجوز فيه كسر الهاء وفتحها، فمن كسرها جعل أن الرجل مراهق للوقت، ومن فتحها جعل الوقت يراهق الرجل. (شرح غريب ألفاظ المدونة: 46).

ص: 289

وقال أيضًا: إِنه يجزئ عنه طواف الإِفاضة.

وهو ساقط عن المراهق (1).

والمراهق: هو الذي يضيق وقته عن إِيقاع طواف القدوم والسعي وما لا بدّ له من أحواله، ويخشى فوات الحج إِن تشاغل بذلك كله، فله تأخير الطواف.

ولمالك في المختصر: إِن قدم يوم عرفة فليؤخر، إِن شاء طاف وسعى، وإِن قدم يوم التروية (2) ومعه أهله فليؤخر إِن شاء، وإِن لم يكن معه أهله فليطف ويسع، يريد: لأنه بأهله في شغل، وحال المنفرد أخف.

فرع:

خمسةٌ يسقط عنهم الطواف الأول والسعي؛ وهم: المراهق، والمكي المحرم بالحج من مكة، والمتمتع، والقارن من أهل (3) مكة على اختلاف فيه، والمردف في أثناء طوافه.

فهؤلاء الخمسة لا يطوفون ويسعون، إِلا في يوم النحر.

(1) قال العدوي: لا يلزم المراهق دم إِذا يترك طواف القدوم عمدًا حتّى ضاق الوقت، فإِن تركه عمدًا حتى ضاق الوقت لزمه هدي. (العدوي على كفاية الطالب: 1/ 465).

(2)

اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك لأن الناس كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد. وقيل: لأن إِبراهيم عليه السلام أصبح يتروَّى في مر الدنيا (حلية الفقهاء: 120، المطلع على أبواب المقنع: 194).

(3)

أهل: انفردت بها (ر).

ص: 290

فصل

فإِذا تقدمت للطواف فاستقبل الحجر والركن اليماني على يسارك وكبر، ثم قبّله بفيك من غير صوت إِن قدرتَ، وإِلّا فضع يدك عليه وضعها على فيك من غير تقبيل، فإِن لم تدركه بيدك لازدحام الناس فكبر عند محاذاتك له ولا تشر إِليه بيدك.

قال في المدونة: وليس عليه أن يستلم الحجر في ابتداء الطواف إِلّا في الواجب (1)، يعني: إِلّا في الطواف الواجب، وهذا يدل على أنه واجب في الطواف الواجب.

وللطواف شروط:

الأوّل: طهارة الحدث: وهي معتبرة في جميع الطواف.

وفي الذخيرة (2): قال أبو حنيفة والمغيرة (3) من أصحابنا: لا تشترط

(1) نصه: "ليس عليه أن يستلم في ابتداء طوافه إِلا في الطواف الواجب إِلا أن يشاء، ولكن لا يدع التكبير كلما مرَّ بالحجر في كل طواف يطوفه من واجب أو تطوع". (المدونة: 2/ 157).

(2)

الذخيرة: 3/ 238.

(3)

المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، أبو هاشم. سمع مالكًا وغيره، وكان ثقة عليه مدار الفتوى، عرض عليه الرشيد القضاء بالمدينة فأبى، وكان فقيه المدينة =

ص: 291

الطهارة قياسًا على الوقوف، بل هي سنة (1)، فإِن طاف محدثًا فعليه شاة، أو جُنبًا فعليه بَدنة (2).

وفي الجواهر: إِن طاف غير متطهر أعاد، فإِن رجع إِلى بلده قبل أن يعيد رجع من بلده على إِحرامه فطاف (3).

وقال المغيرة: يعيد ما دام بمكة، فإِن أصاب * النساء وخرج إِلى بلده أجزأه (4).

وهذا في طواف الإِفاضة.

= بعد مالك. ولد 124. ت 188 وقيل 186.

(الانتقاء: 53، تهذيب التهذيب: 10/ 264، الديباج: 3/ 343 رقم 163، شجرة النور: 56 رقم 5، شذرات الذهب: 1/ 310، لسان الميزان: 6/ 726، المدارك: 3/ 2، وفيات ابن قنفذ: 148).

(1)

قال الكاساني من الحنفية: "أما الطهارة عن الحدث والجنابة والحيض والنفاس فليست بشرط لجواز الطواف وليست بفرض عندنا بل واجبة، حتى يجوز الطواف بدونها".

وقد رد على الشافعي في قوله بأنها فرض. (بدائع الصنائع: 2/ 129).

(2)

سميت بَدنة لسمنها وعظمها، يقال: بَدَن الإِنسان يبدُن، فهو بادن إِذا سَمن. (الزاهر: 158).

(3)

(ب): وطاف.

(4)

إِلى هنا ينتهي النقل من (الجواهر: 1/ 398) وانظر (الذخيرة: 3/ 238 - 239).

ص: 292

فإِن كان قد طاف بعده تطوعًا لم يعد من بلده؛ لأن طواف التطوع هنا يجزؤه عن الواجب، وهذا قوله في المدونة.

ولا دم عليه عند ابن القاسم.

وإِن لم يكن طاف بعده تطوعًا فيرجع حلالًا، إِلا من النساء والصيّد والطيب؛ لأن حكمه باق على ما كان في منى، وقد كان بمنى قبل طواف الإِفاضة ممنوعًا من ذلك، ثم يعتمر ويهدي.

وقيل: لا عمرة عليه إِلا أن يطأ.

وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، وإِنما عليه الهدي، ولا حلق عليه، لأنه حلق بمنى.

وأما لو كان هذ الطواف طواف القدوم لم يركع له من بلده إِلا أن يكون سعى بعده، فهو حينئذ بمنزلة طواف الإِفاضة في جميع ذلك، إِلا أن يكون سعى بعد طواف الإِفاضة؛ لأن السعي ركن، ومن شرط صحته أن يكون بعد طواف صحيح، فإِذا بطل الطواف لعدم الوضوء صار سعيًا بغير طواف.

فرع:

ونسيان بعض الطواف كجميعه (1).

(1) هذا المعنى في (المدونة: 2/ 160).

ص: 293

قال في المدونة: إِن كان قريبًا بنى وطاف شوطًا وركع وأعاد السعي، وإِن ذكره بعد أن انتقض وضوؤه أو في طريق بلده رجع فابتدأ الطواف وركع وسعى (1)، ولو انتقض وضوؤه في أثنائه تطهر واستأنف الطواف إِن كان واجبًا، ولو أحدث بعد فراغه من الطواف وقبل أن يركع فتوضأ وركع ولم يعد الطواف جهلًا حتى رجع إِلى بلده، فليركع بموضعه، ويبعث بهدي.

قال ابن المواز: ولا تجزئه الركعتان الأوليان ولو بنى بعد وضوئه على ما مضى من طوافه لم يجزه كالصلاة.

وروى ابن حبيب أنه يُجزئه ولا وجه لهذه الرواية.

الثاني: طهارة الخبث (2):

ومن طاف بنجاسة طرحها حين ذكر، وبنى (3)، فإِن ذكر بعد ركعتي الطواف ففي استحباب إِعادتهما قولان.

فإِن ذكر قبل الركوع أجزأه الطواف (4) عند ابن القاسم، وأعاد عند أشهب.

(1) المدونة: 2/ 161 - 162.

(2)

الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 2/ 44.

(3)

أسهل المدارك: 1/ 463.

(4)

فإِن

الطواف: ساقط من (ص).

ص: 294

وقال ابن رشد: حكم الطواف بالبيت حكم الصلاة، فعلى هذا يجري فيه الخلاف الجاري هناك (1)، وكذلك قال ابن الحاجب (2).

الثالث: ستر العورة (3):

وحكمها أيضًا في الطواف حكم الصلاة، وحكم من صلى بثوب نجس أو طاف به.

وكره مالك أن يطوف بمغطى الفم، أو تطوف المرأة مُنْتَقِبَة (4) كالصلاة.

قال أشهب: ومن فعل ذلك أجزأه.

الرابع: الموالاة.

ولا يفرق بين أجزاء طوافه، فإِن فعل ابتدأ، ويجوز أن يفرق لصلاة الفرض تقام عليه وهو في الطواف (5).

واستُخِفَّ أن يترك طوافه النافلة لصلاة النافلة، وإِن كان الاختيار أن لا يفعل *.

(1) فصل ابن رشد الكلام في ذلك، في (البيان والتحصيل: 4/ 7).

(2)

كلامه عن واجبات الطواف في (جامع الأمهات: 192).

(3)

انظر (مواهب الجليل: 3/ 68).

(4)

عدد النفرواي مكروهات الطواف، وذكر منها: تغطية الرجل فمه وانتقاب المرأة. (الفواكه الدواني: 1/ 369).

(5)

يقطع الطواف وجوبًا لإِقامة صلاة فريضة لراتب إِذا يكن صلاها، أو صلاها منفردًا وهي مما تعاد. (الشرح الصغير: 2/ 47).

ص: 295

ولا ينبغي للرجل أن يدخل في الطواف إِذا خشي أن تقام عليه الصلاة، قبل أن يفرغ من طوافه؛ ولا أن يدخل في طواف التطوع إِذا خشي أن تفوته ركعتا الفجر إِن أكمل طوافه.

ولو خرج لصلاة الجنازة، فهل يبتدئ أو يبني؟ قولان.

ولو خرج لنسيان نفقة (1) فالمنصوص أنه يبتدئ.

وإِذا خرج للفريضة فإِنه يبني قبل أن يتنفل، فإِن تنفل قبل أن يتم طوافه ابتدأه، والمستحب أن يخرج على كمال شوط عند الحجر.

فإِن خرج من غيره، فقال ابن حبيب: يدخل من موضع خرج.

فإِن بقي من الطواف شوطان أتمهما إِلى أن تعتدل الصفوف.

تنبيه:

فإِن قلت: إِذا تقرر أنه يقطعُ الطوافَ إِذا أقيمت عليه الفريضة، فهل يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدِ الأئمة الأربعة، وهم الشافعي والمالكي والحنبلي والحنفي المرتبون لإِقامة الصلاة في مقاماتهم المشهورة اليوم، أو المعتبر صلاة إِمام المقام دون غيره؟

فالجواب، - والله أعلم - أن ذلك مبني على أصل، وهو: هل تعد هذه المقامات الأربعة كمساجد مستقلة بأئمة راتبين، أو الإِمام الراتب في

(1)(ص): نفقته.

ص: 296

المسجد الحرام هو إِمام المقام، وهو الأول، وما عداه كجماعة بعد جماعة في مسجد واحد له إِمام راتب؟

فعلى الأول: يقطع إِذا أقيمت عليه صلاة أحدهم.

وعلى الثاني: لا يقطع لغير صلاة الأوّل. ويكون الثاني أو الثالث أو الرابع كرجل صلى بجماعة في المسجد بعد صلاة الإِمام، فلا يجب قطع الطواف لأجله.

وقد استُفْتِيَ (1) بعض شيوخ المذهب في حكم الأئمة المتجددين في المسجد الحرام في أوائل المائة السادسة بأمر بعض خلفاء بني العباس.

(1) نقل الحطاب عن مناسك ابن فرحون ما ذكر أعلاه وأشار إِلى فتاوى شيوخ المذهب في حكم أيمة الحرم المتجددين، وإلى مخالفة الشيخ أبي القاسم بن الحباب الذي ذهب إِلى أن الإِمام الراتب هو إِمام المقام، ومال الحطاب إِلى هذا المذهب، فقال: الحق في ذلك ما ذكره المخالف فلا يقطع الطائف لإِقامة صلاة الإِمام الأول الذي هو الراتب، على أن في تصوير القطع لغير الإِمام الأول بُعْدًا؛ لأن صلاة الأئمة الأربعة متصلة بعضها ببعض، إِلا أن يفرض أنه حصل فصل بين صلاتهم حتى شرع شخص في طواف وطاف بعده في ذلك الفصل، وأما من صلَّى مع الإِمام الأول فلا يمكن أن يقال: إِنه ينتظر صلاة بقية الأئمة حتى يفرغوا؛ لأنه عند من يقول تجوز صلاتهم كأنهم أئمة في مساجد متعددة فلا يقال لمن صلى مع إِمام: لا تتنفل ولا تطوف حتى يفرغ بقية الأئمة. (مواهب الجليل: 3/ 77 - 78).

ص: 297

وصور الاستفتاء: ما تقول السادة الفقهاء - أئمة الإِسلام، وأمناء الله على الأحكام - في الأئمة المقامين في المسجد الحرام، بمكة - زادها الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا - وهم: إِمام الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة، الذين أقامهم (1) الإِمام الخليفة - أعلى الله قدره - على ما هم عليه الآن، وكون بعضهم يتقدم بالصلاة أول الوقت ثم يليه الآخر ثم الآخر، ثم الآخر، كل واحد يصلي بجماعة في مقامه المعين له، هل يجوز ذلك في المسجد الحرام ويُعدُّ مقام كل واحد كأنه مسجد مستقلٌّ بنفسه، ولا يُكرهُ الصلاة فيه، والحال هذه، خلف واحد منهم سواء كان أولًا أو ثانيًا أو ثالثًا أو رابعًا، وأن من سبق منهم أولًا بالصلاة بعد الزوال ثم تلاه الآخر منتظرًا بجماعته، وصلى في أوائل الوقت المعتبر في الفضيلة عنده. هل يكون السابق أفضل، أو كل واحد منهم أوقع الصلاة في وقته، أو يعدّ المسجد الحرام * كالمسجد الواحد؟ وأن المقامات المنسوبة إِلى كل إِمام من الأئمة كالأئمة في المسجد الواحد، فتكره الصلاة خلف الثاني منهم، ويعدّ الثاني والثالث والرابع كأنهم جماعة بعد جماعة في مسجد واحد فيكره ذلك، ويكون الإِمام الراتب هو السابق بالصلاة. وإِذا كان الخليفة قد عيَّنَ إِمامًا منهم بالسبقية بالصلاة أولًا، ثم عيَّن الثاني والثالث والرابع على الترتيب، هل يتعين هذا المعيَّن السابق ويكون هو الإِمام الراتب، ومن بعده لا يعتبر (2) بتعيين الخليفة له، ويكون كالجماعة

(1)(ب): قررهم.

(2)

(ر): لا يتعين.

ص: 298

الثانية في المسجد الواحد فتكره الصلاة خلفه أم لا؟ ، وهل تكون الصلاة خلف الإِمام السابق المصلي في مقام إِبراهيم عليه السلام فى مقابلة باب الكعبة أفضل ممن صلّى خلف غيره من الأئمة في موضع إِمامته من المسجد الحرام أم لا؟ . الجواب عن كل فصل من ذلك شافيًا مبينًا - رحمكم الله تعالى - فأجاب عن ذلك جماعة.

أولهم الإِمام العلامة أبو محمد عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله (1) المالكي مؤلف البيان والتقريب في شرح التهذيب وله اختصار التهذيب، وغير ذلك، وهو رفيقُ الإِمام أبي عمرو بن الحاجب في الاشتغال في القراءة على الشيخ أبي الحسن الأبياري - (2).

(1) عبد الكريم بن عطاء الله الجذامي الإِسكندري، رشيد الدين أبو محمد، إِمام في الفقه والأصول والعربية. تآليفه في غاية التحقيق والتحرير، ومنها البيان والتقريب واختصار المفصل للزمخشري. ت 612 على ما ذكر السيوطي.

(حسن المحاضرة: 1/ 456 رقم 63، الديباج: 2/ 43، شجرة النور: 167 رقم 524).

(2)

علي بن إِسماعيل بن علي الصنهاجي الأبياري، شمس الدين أبو الحسن (نسبة إِلى أبيار مدينة مصرية على شاطئ النيل، تنطق بفتح الهمزة) كان من العلماء الأعلام بارعًا في الفقه وأصوله والكلام، درس بالإِسكندرية وناب في القضاء وصنف تصانيف حسنة منها سفينة النجاة، على طريقة الإِحياء، وشرح البرهان للجويني. ولد سنة 557. ت 617.

(حسن المحاضرة: 1/ 454 رقم 56، الديباج: 2/ 121 - 123 رقم 30، الشجرة: 166 رقم 220. وفيه يذكر مخلوف أن وفاته سنة 618).

ص: 299

ونص جوابه: الصلاة خلف كل الأئمة الذين أمر بترتيبهم إِمام المسلمين - خليفة الله في الأرض- أعز الله نصره وأعلى أبدًا كلمته - في مقاماتهم المذكورة تامة لا كراهة فيها، إِذ مقاماتهم كمساجد متعددة لأمر الإِمام بذلك، وسواء في ذلك الا ول ومن بعده. وإِذا كان الإِمام الأول يصلي في أول الوقت فالصلاة خلف غيره ممن يؤخر إِلى ربع القامة أفضل في غير الصبح والمغرب، والمصلِّي خلفَ غيره - والله أعلم -، وكتبه عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عطاء الله المالكي.

وأجاب بعده الإِمام العلامة جامع الفضائل أبو العباس أحمد بن عمر بن إِبراهيم الأندلسي ثم القرطبي الأنصاري الملقب ضياء الدين (1)، كان من أعيان فقهاء المالكية، ومن الأئمة المشهورين. وهو مؤلف كتاب المُفهم في شرح صحيح مسلم، واختصر صحيحي البخاري ومسلم، وتآليفه مشهورة، توفي بالإِسكندرية في سنة ست وعشرين وستمائة، وقال بعضهم: توفي سنة ست وخمسين وستمائة (2) فانظره.

(1) يعرف بابن المزيّن، نزيل الإِسكندرية، استوطنها ودرس بها، كان عارفًا بعلوم منها الحديث والفقه والعربية. ولد سنة 578.

(حسن المحاضرة: 1/ 457 رقم 64، الديباج: 1/ 240 رقم 126، الشجرة: 194 رقم 656، شذرات الذهب: 5/ 273، كحالة: 2/ 27).

(2)

لاحظ ابن فرحون أن المراكشي ذكر في الذيل والتكملة أن وفاته سنة 656 (الديباج: 1/ 242).

وهذا التاريخ هو الذي ذكره أيضًا السيوطي ومخلوف.

ص: 300

ونص جوابه: كذلك أقول، غير أن (1) ترتيب الأئمة في الوقت إِن كان بإِذن الإِمام فلا سبيل إِلى مخالفته، وإن كان بغير إِذنه فكل إِمام يحافظ على ما هو الأفضل عند إِمامه، ولا يجوز لمتبع إِمام أن يخالف مذهب إِمامه بغير موجب شرعي - والله أعلم - وكتبه أحمد بن عمر القرطبي *.

وأجاب بعده الإِمام العلامة أبو محمد عبد الله بن سعيد الربعي الإِمام الفاضل المؤلف، وهو جدّ قضاة الإِسكندرية، وبيت الربعي بيت قضاء وعلم وصلاح وجلالة، وقضاء الإِسكندرية متوارث فيهم إِلى الآن.

ونص جوابه: إِذا كان الإِمام - أعزه الله تعالى ونصره وأدام خلافته - قد أمر الأئمة بذلك لم يكن في الصلاة خلف أحد منهم كراهة لزوال المعنى الذي كره أن يصلي جماعة بعد جماعة في مسجد له إِمام راتب، وإِذا صلَّوْا في مقدار ربع القامة إِلى ثلثها بعد الزوال فقد صلّوا في أول الوقت - والله أعلم -، قاله عبد الله بن سعيد بن إِبراهيم الربعي.

وأجاب بعده الإِمام العلامة قاضي القضاة محمد بن الحسين بن رشيق (2)

(1)(ب): على أن.

(2)

محمد ابن الشيخ أبي علي الحسين بن عتيق بن الحسين بن رشيق الربعي علم الدين، من بيت علم وعدالة وفضل. كان شيخ المالكية عالمًا جامعًا بين العلم والعمل. ولد سنة 595. ت 680.

(حسن المحاضرة: 1/ 458، الديباج: 2/ 322. رقم 137، الشجرة: 187 رقم 623).

ص: 301

قاضي الإِسكندرية، وكان شيخ المالكية هو وأبوه (1) وجده، وبيته بيت علم، كان من سادات المشائخ، جمع بين العلم والعمل والورع والتقوى. ومولده سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة ثمانين وستمائة - رحمه الله تعالى -.

ونص جوابه: يقول الفقير إِلى رحمة ربه محمد بن الحسين بن رشيق بجواب الإِمام جمال الدين أبي محمد عبد الله بن سعيد الربعي.

وأجاب غيره بما نصه: كذلك أقول، والصلاة خلف إِمام المقام كالصلاة خلف غيره من الأئمة في الفضيلة، - والله أعلم - كتبه أحمد بن سليمان المرجاني (2) عفا الله تعالى عنه.

وأجاب غيره: أقول كذلك، وبالله التوفيق، كتبه حسن بن عثمان بن علي رحمه الله (3).

(1) وأبوه: سقطت من (ص).

وهذا الأب هو أبو علي الحسين الربعي كان فقيهًا بمذهب مالك ورعًا صبورًا على إِلقاء الدروس. ولد سنة 549. ت 632 بمصر. (الديباج: 1/ 333 - 334).

(2)

أحمد بن سليمان بن أحمد بن سليمان شرف الدين أبو العباس ابن المرجاني المالكي الإِسكندري مقرئ حاذق مؤلف، درس وأفتى، وناب في القضاء ثم استقل به، وألف مفردات القراء. ت 659.

(غاية النهاية: 1/ 58 رقم 249، الوافي بالوفيات: 6/ 440 رقم 2920، وفيه ابن المرجان).

(3)

وأجاب غيره

رحمه الله: ساقط من (ر).

ص: 302

وأجاب غيره: كذلك أقول، وكتبه عبد الرحيم بن يوسف بن المخيلي وأحال على جواب الربعي.

ووقفت بثغر الإِسكندرية على تأليف يخالف ما أفتى به الجماعة، وأن الإِمام الراتب هو إِمام المقام، ولا أثر لأمر الخليفة في رفع الكراهة الحاصلة في جمع جماعة بعد جماعة، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة وألّف في ذلك تأليفًا، ولم يحضرني الآن اسم مؤلفه (1) - رحمة الله عليه -.

(1) هو أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسين بن الجباب المالكي فقد ذكر التقي الفاسي أن له تأليفًا حسنًا بمنع الصلاة على الترتيب الذي كان معهودًا ورد على فقهاء الإِسكندرية القائلين بالجواز ناقلًا ما يوافق فتواه عن جماعة من الشافعية والحنفية والمالكية. (العقد الثمين: 1/ 89).

والملاحظ أن هذه الفتوى تحقق شعور المسلمين - في صلاة الجماعة - بوحدتهم وتآلفهم وتخفف ما كان يسود بعض العصور من تعصب مذهبي مقيت يشكك العامة في أهمية الخلاف الفقهي وجدواه.

وبفضل الله تعالى زال تعدد الأئمة في المسجد الحرام، وعاد الناس إِلى العمل بفتوى الشيخ أبي القاسم بن الجباب المالكي.

ص: 303

فصل

وأما الكلام في الطواف الواجب فكرهه مالك، وأما في التطوع فلا بأس به ذكره الباجي (1).

وفي المدونة: كان مالك يوسع في الأمر الخفيف من الحديث في الطواف (2).

قال ابن حبيب: والكلام في السعي بغير ما أنت فيه أخف منه في الطواف.

وأما القراءة فيه ففي المدونة كان يكره القراءة في الطواف فكيف بإِنشاد الشعر (3).

وروى ابن المواز عن مالك أن القراءة في الطواف لم تكن من عمل الناس * ولا بأس بها إِذا أخفاها، ولا يكثر من ذلك، وفي التكثير (4) قولان: الجواز والكراهة.

(1) المنتقي: 2/ 297.

(2)

نصها: "قلت لابن القاسم: فهل يكره مالك الحديث في الطواف؟ قال: كان يوسع في الأمر الخفيف من ذلك". (المدونة: 2/ 166).

(3)

نصها: "قلت: فهل كان يوسع (أي مالك) في إِنشاد الشعر في الطواف؟ قال: لا خير فيه، وقد كان مالك يكره القراءة في الطواف، فكيف الشعر؟ ! ". (المدونة: 2/ 166)

(4)

(ر): الكثير.

ص: 304

وكذلك التلبية فيه فيها قولان: الجواز والكراهة.

قال ابن حبيب: والوقوف للحديث في الطواف أشد منه بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد (1).

الخامس: أن يجعل البيت عن يساره ولو جعل البيت عن يمينه لم يصح ولزمته الإِعادة (2)، وقيل: إِن رجع إِلى بلده لم تلزمه الإِعادة.

فرع:

وأما البداءة بالحجر الأسود، فقال سند: هو سنة، فإِن ترك البداءة به عامدًا ابتدأ (3)، من الذخيرة للقرافي.

(1) نص ابن حبيب كما نقله الباجي هو: "الوقوف للحديث أشد في السعي، والطواف أشد منه بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد، ووجه ذلك أن الوقوف فيه ممنوع والحديث أيضًا ممنوع فاجتمع فيه أمران ممنوعان ولأن في ذلك فصلًا بين أبعاض العبادة المشروع اتصالها وتفريقًا لأجزائها بالإِقبال على غيرها من غير عذر فتأكد المنع في ذلك".

(المنتقى: 2/ 298).

(2)

كفاية الطالب الرباني: 1/ 466.

وزاد محشيه: لا بد أن يكون المشي مستقيمًا، فلو مشى القهقرى لم يصح.

(العدوي على كفاية الطالب: 1/ 466).

(3)

نص القرافي: "لو بدأ بغير الحجر الأسود لم يعتد بذلك الشوط إِلى أن ينتهي إِلى الحجر فمنه يبتدئ الاحتساب. قال سند: البداية عند مالك بالحجر سنة، فإِذا بدأ =

ص: 305

وفي كتاب محمد: قلت: فمَنْ بَدَأ في طوافه بالركن اليماني؟ قال: إِذا فرغ من طوافه أتم ذلك فتمادى من الركن اليماني إِلى الركن الأسود، فإِن لم يذكر حتى خرج من مكة وتباعد أو انتقض وضوؤه أجزأه، ويبعث بهدي.

ولو ابتدأ الطواف من باب البيت؟ قال: يلغي ما مشى من باب البيت إِلى أن يبلغ الركن.

قيل: فلو ابتدأ طوافه من بين الحجر الأسود وبين الباب بالشيء اليسير ثم ذكر؟ قال: هذا يجزئه ولا شيء عليه.

السادس: أن يخرج بجملته عن البيت.

وفي الكتاب (1): ولا يعتد بما طاف بداخل الحِجْر ويبني على ما طاف خارجًا منه (2).

= بالركن اليماني فإِذا فرغ من سعيه أتم ذلك وتمادى من اليماني إِلى الأسود، فإِن لم يذكر حتى طال أو انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي، فإِن خرج من مكة أجزأه وأهدى، لقوله تعالى:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29]. وهذا قد طاف، فإِن تركه عامدًا ابتدأ". (الذخيرة: 3/ 240).

(1)

(ر): وفي الآثار، وما أثبتناه هو الصواب لأن الحكم وارد في المدونة المعروفة عند المالكية بالكتاب.

(2)

نصه: قلت لابن القاسم: أرأيت من طاف في الحِجْر أيعتد به أم لا؟ قال: قال مالك: ليس ذلك بطواف. قلت: فيلغيه في قول مالك ويبني على ما كان طاف؟ قال: نعم. (المدونة: 2/ 157).

ص: 306

وإِن لم يذكر حتى رجع إِلى بلده، فليرجع، وهو كمن لم يطف.

وقوله: ويبني على ما طاف خارجًا منه (1)، يعني الأشواط الكاملة، وأما بعض الشوط فلا، قاله أبو إِبراهيم الأعرج (2) في طرره على التهذيب، وذكره التادلي في مناسكه.

تنبيه مهم (3):

قال ابن شاس في شروط الطواف: الثالث: أن يطوف خارج البيت ولا يمشي على شَاذِروان (4).

وتبعه ابن الحاجب (5) وابن عبد السلام وابن المعلى في مناسكه وابن

(1) وإِن لم يذكر

منه: ساقط من (ص). وفي (ر): سقطت منه.

(2)

إِسحاق بن يحيى بن مطر الورباغلي المعروف بالأعرج، من أهل فاس، كان فقيهًا اشتهر بحذقة لفقه المدونة واستيعابه لمسائلها. وهو من شيوخ أبي الحسن الصغير. ألف الطرر على تهذيب المدونة. ت 683 بفاس.

(جذوة الاقتباس: 1/ 164 رقم 116، درة الحجال: 1/ 207 رقم 290، الشجرة: 202 رقم 692، النيل: 100).

(3)

مهم: سقطت من (ص)، (ب).

(4)

الجواهر: 1/ 399.

والشاذروان: هو البناء المحدودب في أساس البيت. (الخرشي على مختصر خليل: 2/ 365).

(5)

جعل ابن الحاجب ذلك من واجبات الإِحرام، وعبارته: "أن يطوف خارجه لا في =

ص: 307

جماعة التونسي والتادلي في مناسكه، وجعلوه من التنبيهات المهمات وعولوا على ما قاله النووي رحمه الله (1).

قال أبو العباس التادلي رحمه الله قال النووي: الشاذروان والحِجْر من البيت، فأما الشاذِروان: فهو القدر الذي ترك من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار مرتفعًا على وجه (2) الأرض قدر ثلثي ذراع.

قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: هذا الشَّاذِرْوَان نقضته قريش من أصل الجدار حين بنوا البيت، وهو ظاهر في جوانب البيت، فلو طاف أحد خارج الشَّاذِرْوان وكان بعضُ إِحدَى رجليه عليه أحيانًا لم يصح طوافه.

ثم قال: وينبغي أن يتنبه هنا لدقيقة، وهي أن من قبّل الحجر الأسود فرأسه في حالة التقبيل في جزء من البيت، فليثبت قدميه في موضِعِهمَا، حتى يفرغ من التقبيل، ويعتدل قائمًا، لأنه * لو زالت (3) قدماه عن موضعهما

= محوط الحِجْر ولا شاذروانه داخل المسجد، لا من ورائه ولا من وراء زمزم وشبهه على الأشْهَر إِلا من زحام". (جامع الأمهات: 193).

(1)

سيأتي قريبًا توثيق قوله الوارد في كتابه المجموع. ومن الذين اعتبروا الشاذروان من البيت سند والقرافي وابن جزي وخليل وابن عبد السلام وابن هارون وابن راشد. انظر (الخرشي على مختصر خليل: 2/ 365).

(2)

وجه: سقطت من (ب).

(3)

في (المجموع: 8/ 24): زلت.

ص: 308

إِلى جهة الباب قليلًا، ولو قدر شبر في حال تقبيله، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل في الموضع الذي زالتا (1) إِليه ومضى من هناك (2) في طوافه لكان قد قطع جزءًا من طوافه، وبدنه في هذا الشَّاذِرْوَان فيبطل طوافه (3).

وقال غيره من فضلاء (4) الشافعية: يجب على الطائف أن يكون بجميع بدنه خارج الشاذروان والحجر.

فينبغي للطائف أن يحترز في حال استلام الحَجَر والركن اليماني من هذا الشاذروان (5)؛ لأنه إِنْ طاف وبدنه (6) أو رأسه في هذا الشاذروان أو وطأه برجله لم يصح طوافه، فالواجب على الطائف أن يثبت قدميه في مطافه (7) مخافة مزاحمة الناس حتى يفرغ من تقبيله ويعتدل قائمًا ثم يمشي (8).

(1) في المجموع: زلتا.

(2)

(ص)، (ب): هنالك، وما أثبتناه مطابق لما في المجموع.

(3)

النقل من (المجموع: 8/ 24) مع اختلاف في العبارة. من ذلك أن الجملة الأخيرة كان نصها في المجموع: ويده في هواء الشاذروان فتبطل طوفته تلك.

(4)

(ص): قضاة.

(5)

انظر (مقدمة ابن خلدون: 252 ط. دار المصحف، مصر).

(6)

(ص): ويده.

(7)

(ب): في مكانه.

(8)

جواهر الإِكليل: 1/ 173.

ص: 309

قال: وهذا من الدقائق النفيسة، وكثير من الناس يرجعون بلا حج بسبب الجهل بما قلناه.

قال التادلي: وقد نبه المتأخرون من المالكية على التحفظ من الشاذروان، كابن الحاجب وغيره، كما نبهت عليه الشافعية.

وأما هذه الدقيقة التي حذَّرتِ الشافعيةُ منها عند التقبيل وبلغت في الإِيضاح على التنبيه عليها، فلم أر أحدًا من المالكية نبَّه عليها غير شيخنا المحقق أبي يحيى بن جماعة، فقال في كتابه المسمَّى بتذكرة المبتدئ: وإِذا قبّل الطائف الحجر وقف حتى يعتدل قائمًا، وحينئذ يأخذ في المشي (1)، انتهى.

واعلم أن ابن شاس رحمه الله هو المتبوع في ذكر هذه المسألة، ولم يذكرها أحد من المالكية قبله (2) - فيما علمت - وأظنه أخذها من كلام

(1) نقل الحطاب ذلك في (مواهب الجليل: 3/ 74) وأشار إِلى أن التادلي نقله عن ابن معلى وقبله ابن فرحون ونقله في مناسكه ونسبه إِلى التادلي، وكأنه لم يقف على كلام ابن معلى إِذ الصواب أنه من كلام الأخير.

(2)

أشار الحطاب إِلى كلام ابن فرحون هذا، وعارضه فيه ذاكرًا أن سندًا صاحب كتاب الطراز سبق ابن شاس في ذكر هذه المسألة. (مواهب الجليل: 3/ 70 - 71).

وأقول: كذلك سبق أبو الوليد بن رشد من المالكية ابن شاس في التنبيه على ذلك فقال فيما نقل المواق عنه: "من واجبات الطواف أن يكون بدنه خارج البيت فلا يمشي على شاذروانه". (التاج والإِكليل: 3/ 70).

ص: 310

الغزالي، ففي كلامه ما يقتضي ذلك (1).

وقد قال الشيخ الإِمام العلامة الخطيب أبو عبد الله بن رُشيد (2) - بضم الراء وفتح الشين المعجمة - في رحلته، وهو كتاب حسن مفيد (3): اعلم أنه نشأ في الطواف مسألة الله أعلم بوقت نشأة الكلام فيها، وهو ما (4) أحاط بالبيت ملتصقًا به أسفل الجدار ما بين الركنين اليمانيين، وهو الذي يُسمى

(1) عبارة الغزالي صريحة في ذلك، وهي:"لا يكون طائفًا على الشاذروان، فإِنه من البيت وعند الحجر الأسود يتصل الشاذروان بالأرض ويلتبس به، والطائف عليه لا يصح طوافه؛ لأنه طاف في البيت. والشاذروان هو الذي فضل عن عرض جدار البيت بعد أن ضيق أعلى الجدار، ثم من هذا الموقف يبتدئ الطواف".

(إِحياء علوم الدين المطبوع بهامش إِتحاف السادة المتقين: 4/ 349).

(2)

محمد بن عمر بن رُشيد الفهري السبتي، أبو عبد الله، إِمام حافظ وخطيب مصقع كان عادلًا حافظًا محدثًا مؤرخًا مشاركًا في الأصلين، عارفًا بالقراءات. تولى الخطابة والإِمامة بجامع غرناطة واستقر بها ورحل مرتين إِلى المشرق واستقر بها. ولد بسنة 657. ت بفاس 721.

(الديباج: 2/ 297 رقم 102، درة الحجال: 2/ 96 رقم 532، الدرر الكامنة: 3/ 495، شجرة النور: 216 رقم 760، النبوغ المغربي: 1/ 216).

(3)

عنوانه: ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إِلى الحرمين مكة وطيبة) صدرت منه ثلاثة أجزاء بتحقيق شيخنا الدكتور محمد الحبيب بن الخوجه.

(4)

ما: سقطت من (ص).

ص: 311

بالشَّاذِرْوَان، وكان بسيطًا ثم زهق في هذا الوقت الأخير حتى صار كأنه مثلث احتياطًا - فيما زعموا - على الطائفين أن لا يفسدوا طوافهم بكونهم إِذا طافوا ماشين عليه حيث كان بسيطًا يكون طوافهم في جزء من البيت، وكان منتهاه إِلى قريب من الركن، ولم يكن من هذه الزيادة الظاهرة تحت الحَجر الأسود شيء، ثم زيدت بمقدار سائره في المدة الأخيرة.

وهذا الاسم - أعني الشَّاذِرْوَان - لفظة عجمية * وهي بلسان الفرس بكسر الذال، لا توجد هذه التسمية في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند فقهاء المالكية المتقدمين والمتأخرين إِلا ما وقع في الجواهر لابن شاس (1) وتبعه أبو عمرو بن الحاجب (2) ولا شك أن ذلك منقول من كتب الشافعية، وأقدم من ذكر ذلك منهم - فيما وقفت عليه - المُزني (3) حسبما نقله صاحب

(1) تقدم في ص 307.

(2)

انظر ص 307 - 308.

(3)

إِسماعيل بن يحيى بن إِسماعيل المزني (نسبة إِلى مزينة من مضر) أبو إِبراهيم، إِمام شافعي حافظ ورع زاهد من أهل مصر، صحب إِمامه الشافعي، وكان مجتهدًا قوي الحجة له مصنفات منها: المبسوط والمختصر، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم. ولد سنة 175. ت 264.

(الأعلام: 1/ 327، تاريخ التراث العربي لسزكين: 1/ 3/ 194، حسن المحاضرة: 1/ 307 رقم 49، شذرات الذهب: 2/ 148، طبقات الشافعية للسبكي: =

ص: 312

الشامل (1).

وذكره من أصحابنا القاضي أبو بكر بن العربي من غير تعرض لبيان حكم، بل ذكر أنه شاهدها سنة تسع وثمانين وأربعمائة، قال: وقست خارجَها والحِجر والشاذِروان.

ولنرجع إِلى الكلام في هذه المسألة فنقول: انعقد إِجماع أهل العلم قبل طرو هذا الاسم الفارسي على أن البيت متمم على قواعد إِبراهيم عليه السلام من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي صلى الله عليه وسلم دون الآخرين (2)، وأن ابن الزبير (3) لما

= 1/ 239، وفيات الأعيان: 1/ 217 رقم 93).

وذكر المزني للشاذروان ورد في قوله: "إِن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به في الطواف". (مختصر المزني: 2/ 78).

(1)

هو عبد السيد البغدادي، وسيأتي التعريف به وشيكًا.

وهنا ينتهي كلام ابن رشيد، اختصره ابن فرحون. انظر (ملء العيبة: 5/ 106 - 107).

(2)

عن عبد الله بن عمر أنه قال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إِلا الركنين اليمانيين، أخرجه مسلم.

(الصحيح: 1/ 194، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف رقم 242).

(3)

عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو بكر وأبو خُبيب، أمه أسماء =

ص: 313

نقضه (1) وبناه إِنما زاد فيه من جهة الحجر وأقامه على الأسس الظاهرة التي عاينها العدول من الصحابة وكبار التابعين (2).

وكذلك وقع الاتفاق على أن الحَجَّاج (3) لما نقض البيت بأمر عبد الملك (4) لم ينقض إِلا جهة الحِجْر خاصة وأقام فرش داخل الكعبة إِلى ما كان عليه من الارتفاع، وغلق الباب الغربي وهو باق مسدود إِلى الآن ظاهر لكل أحد. وكان ابن الزبير فتح للبيت بابًا غربيًا وترك الحجاج أيضًا ما زاده ابن الزبير في ارتفاع

= بنت أبي بكر، وهو أول مولود في الإِسلام بالمدينة، كان فصيحًا شريفًا شجاعًا لسنا بويع بالخلافة بعد موت يزيد، وقتله الحَجَّاج سنة 72 أو 73.

(خلاصة تذهيب التهذيب: 197، مشاهير علماء الأمصار: 30 رقم 154).

(1)

(ر): لما بناه ونقصه، والصواب ما أثبتناه من (ص)، (ب).

(2)

قال التقي الفاسي: "وسعه عبد الله بن الزبير من جانبه الشرقي والشامي واليماني".

(العقد الثمين: 1/ 83).

(3)

الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، أبو محمد، القائد السفاك الخطيب. أمره عبد الملك بقتال ابن الزبير ثم ولاه مكة والمدينة والطائف، ثم العراق عندما كانت الثورة قائمة فيه فقمعها وثبتت له الإِمارة عشرين سنة. ولد سنة 40. ت 95.

(الأعلام: 2/ 175، تهذيب التهذيب: 2/ 210 رقم 388، وفيات الأعيان: 2/ 29 رقم 149).

(4)

عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، أبو الوليد الخليفة الداهية. انتقلت إِليه الخلافة بموت أبيه سنة 65 فضبط الكثير من أمورها. ت 86 بدمشق.

(الأعلام: 2/ 312، تاريخ الطبري: 6/ 418، ميزان الاعتدال: 2/ 664 رقم 5248).

ص: 314

البيت على حاله (1)، وليس للشاذروان في هذا العمل كله ذكر.

ولنذكر كلام بعض أئمة الشافعية في ذلك:

قال أبو نصر بن الصباغ الشافعي (2) محتجًا في ذلك على أبي حنيفة رحمه الله حيث قال في الركن اليماني: لا يستلمه (3) لأنه لا يقبل فلا تستلمه كالركنين الآخرين (4).

قال ابن الصباغ: أما قياسهم على الركنين الآخرين، فالجواب أن الركن

(1) انظر: أخبار مكة للأزرقي: 2/ 69 وما بعدها.

(2)

عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، أبو نصر، فقيه شافعي كان يدرس بالمدرسة النظامية أول ما فتحت. ألف "الشامل" في الفقه، و"تذكرة العالم" و"العدة" في أصول الفقه، ولد سنة 400. ت 477.

(الأعلام: 4/ 132، طبقات الشافعية لابن السبكي: 2/ 155، طبقات الشافعية للحسيني: 173، كحالة: 5/ 232، مفتاح السعادة: 2/ 285، وفيات الأعيان: 3/ 217 رقم 388).

(3)

(ب)، (ص): لا يستلم.

(4)

قال الكاساني موضحًا حكم تقبيل الركن اليماني عند الحنفية: "أما الركن اليماني فلم يذكر في الأصل أن استلامه سنة، ولكنه قال: إِن استلمه فحسن وإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة رحمه الله، وهذا يدل على أنه مستحب وليس بسنة. وقال محمد رحمه الله: يستلمه ولا يتركه، وهذا يدل على أن استلامه سنة، ولا خلاف في أن تقبيله ليس بسنة". (بدائع الصنائع: 2/ 147).

ص: 315

اليماني بني على قواعد إِبراهيم عليه السلام، بخلاف الركن الآخر فإِنه لم يبن (1) على قواعد إِبراهيم عليه السلام، فافترقا.

فانظر كيف أقر ابن الصباغ في التفرقة بين اليمانيين وغيرهما أن اليمانيين على قواعد إِبراهيم عليه السلام، فلو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الأسود داخلًا في البيت ولم يكن متممًّا على قواعد إِبراهيم عليه السلام.

وقال محيي الدين النووي: الركن الأسود فيه فضيلتان، إِحداهما: كونه على قواعد إِبراهيم عليه السلام، والثانية كونه فيه الحجر الأسود. وأما اليماني ففيه فضيلة واحدة، وهي كونه على قواعد إِبراهيم عليه السلام. وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هذين الفضيلتين، فلهذا خص الحَجر الأسود بشيئين *: الاستلام والتقبيل للفضيلتين. وأما اليماني فيستلمه ولا يقبله؛ لأن (2) فيه فضيلة واحدة. وأما الركنان الآخران فلا يقبلان ولا يستلمان (3).

فهذا النووي صرح بأن اليمانيين متممان على قواعد إِبراهيم عليه السلام فمن أين نشأ الشاذروان؟ !

قال القاضي عياض (4) رحمه الله في "الإِكمال": وقوله: "لم أر

(1)(ر): أما قياسه على الركنين الآخرين فإِنهما لم يبنيا.

(2)

(ص): لأنه.

(3)

أورد النووي هذا الكلام ضمن فرع. انظر (المجموع: 8/ 34).

(4)

عياض: سقطت من (ص).

ص: 316

رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح إِلا الركن الأسود والذي يليه" (1)؛ لأن اليمانيين على أسّ البيت وركنان له، والآخرين بعض الحائط وليسا ركنين صحيحين؛ لأن الحجر وراءهما.

وما حُكي (2) عن ابن الزبير رضي الله عنهما من استلام الأربعة، قال القابسي (3): لأنه كان بنى البيت على قواعده الأربع، وكانت أركانًا كلها.

(1)(ب): وما يليه.

وهذا الحديث رواه سالم عن أبيه قال: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم من أركان البيت إِلا الركن الأسود والذي يليه من نحو دور الجُمحيين".

أخرجه مسلم (الصحيح: 1/ 924، كتاب الحج، باب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين، الحديث رقم 243).

(2)

(ب): روي.

(3)

علي بن محمد بن خلف القابسي المعافري، أبو الحسن، فقيه مالكي أصولي محدث، ينسب إِلى قابس بإِفريقية، عاش بالقيروان وتوفي بها، من تصانيفه الممهد في الفقه، والرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين وتلخيص الموطإِ. ولد سنة 324. ت 403.

(إِيضاح المكنون: 2/ 566، تذكرة الحفاظ للذهبي: 3/ 264، الديباج: 2/ 101، شذرات الذهب: 3/ 168، كحالة: 197، والنجوم الزاهرة: 4/ 233).

ص: 317

قال القاضي: ولو بُني الآن على ما بناه ابن الزبير لاستُلِمتْ كلُّهَا، كما فعل ابنُ الزبير (1) رضي الله عنهما.

فهذان الإِمامان أبو الحسن القابسي (2) والقاضي عياض نصَّا على أنَّ اليمانيين على قواعد إِبراهيم عليه السلام.

قال ابن رُشَيد: وهذا عندي أمر لا يحتاج إِلى نقل، والمتشكك فيه كمن يتشكك في قاعدة من قواعد الشريعة المعروفة عند جميع الأمة (3).

واعلم أنه وقع في كلام أبي عمرو بن الصلاح (4) الشافعي أنَّ قريشًا لما

(1) نقل ذلك الأبي عن القاضي عياض، وهذا نصه: إِنما كان ابن الزبير يستلمهما لأنه ردهما حين بنى البيت على قواعد إِبراهيم عليه السلام، ولو بنيا الآن على ما بناهما ابن الزبير استلما.

وأضاف الأبي قوله: قلت: نقض عبد الملك بن مروان ما بناه ابن الزبير وردهما على ما كانا عليه في زمنه صلى الله عليه وسلم وهو ما هما عليه الآن. (إِكمال إِكمال المعلم: 3/ 406).

(2)

(ص): بن القابسي.

(3)

قال ابن رشيد

الأمة: وارد في (ب) بالهامش.

وقد لاحظ الحطاب أن ابن فرحون نقل كلام ابن رُشيْد، وزاد عليه. (مواهب الجليل: 3/ 71).

(4)

عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الشهرزوري الكردي، أبو عمرو تقي الدين المعروف بابن الصلاح، مفسر محدث فقيه، تولى التدريس ببيت المقدس ثم بدمشق. من مؤلفاته: المقدمة والأمالي، والفتاوى، وصلة الناسك قي صفة المناسك، وشرح =

ص: 318

رفعوا الأساسَ بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض، قال: وهو القدر الظاهر الآن من الشاذِروان الأصلي قبل تزليقه، نقضوا (1) عرض الجدار من عرض الأساس الأول.

وهذا الذي قاله لم يأت به حديث صحيح ولا ورد في قول صاحب يصح سنده، ولعل ذلك من نقل (2) التاريخيين ولو صح هذا لاشتهر ونقل.

وهدم عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما الكعبة حتى بلغ بها الأرض، وأتمها على قواعد إِبراهيم عليه السلام، وكون الحجّاج لم يهدم مما بناه ابن الزبير إِلا ناحية الحجر، لكونه أدخله في البيت أمر معلوم مقطوع به مجمع عليه، منقول بالسند الصحيح في الكتب المعتمدة لا يشك فيه أحد.

فإِذا ثبت هذا فكيف يقال: إِن هذا القدر الظاهر الآن مما نقضته قريش من عرض الجدار؟ وهل بقي لبناء قريش أثر؟

= الوسيط في فقه الشافعية. ولد سنة 577. ت 643 بدمشق.

(الأعلام: 4/ 369، الأنس الجليل: 2/ 449، شذرات الذهب: 5/ 221، طبقات الشافعية للحسيني: 220، طبقات الشافعية لابن السبكي: 5/ 137، كحالة: 6/ 257، مفتاح السعادة: 1/ 397 و 2/ 214، وفيات الأعيان: 3/ 243 رقم 411).

(1)

(ب): نقصوا.

(2)

نقل: ساقط من (ر).

ص: 319

فالسهو والغلط فيما نقله ابن الصلاح مقطوع به والعصمة للأنبياء.

والذي نقله أبو عبيد (1) في كتابه "المسالك والممالك": "أن ابن الزبير لما هدم الكعبة كلها (2) وألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعًا وظهرت أسسها وأشهد الناس عليها، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناء على ذلك الأساس (3) ".

فهذا الذي يسميه الناس اليوم الشاذروان اسم حادث على شيء * وُضع (4) ليصان به الجدار خيفة إِجحاف السيول.

وذكر ابن عبد ربه (5) في كتابه "العقد" في صفة الكعبة ما فيه إِشارة إِلى

(1) عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكري، أبو عبيد، لغوي مؤرخ نسابة جغرافي، من تآليفه: معجم ما استعجم، وفصل المقال، والمسالك والممالك، ولد بقرطبة سنة 432. ت بها 487، ودفن بمقبرة أم سلمة.

(الأعلام: 4/ 233، تاريخ الفكر الأندلسي: 309، عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة: 2/ 52، كحالة: 6/ 75، هدية العارفين: 1/ 453).

(2)

كلها: سقطت من (ر)، (ب).

(3)

لم نعثر على هذا المعنى في كتاب: جزيرة العرب من كتاب الممالك والمسالك لأبي عبيد البكري، وإِنما هو وارد في (أخبار مكة للأزرقي: 1/ 143). وانظر (إِكمال الإِكمال: 3/ 423 وما بعدها).

(4)

(ص): صنع.

(5)

أحمد بن محمد بن عبد ربه، أبو عمر، من أهل قرطبة. كان شاعرًا أديبًا اشتغل =

ص: 320

أنه جعل حول البيت ما يقيه من السيول (1).

وقال تقي الدين بن تيمية (2) في مناسكه الجديد: وليس الشاذروان من البيت، بل جعل عمادًا للبيت.

ومما يؤيد ذلك أن داخل الحجر تحت حائط الكعبة شاذروان نظير الشاذروان الذي خارج البيت، ولم يقل أحد: إِن هذا الذي في الحجر له حكم الشاذروان الخارج، ولا أنه عماد وأن الخارج شاذروان، فكون هذا الشاذروان مراعى في الطواف لا دليل عليه، ومثل هذا لا يثبت إِلّا بالإِجماع الصحيح المتواتر النقل.

= بأخبار الأدباء، وجمعها وكتابه العقد الفريد من أشهد كتب الأدب. ولد سنة 246. ت 328. (الأعلام: 1/ 197، بغية الملتمس: 137).

(1)

عبارته: "وحول البيت كله إِلا موضع الركن الأسود، درجة مُجصصة يكون ارتفاعها عظم الذراع في عرض مثله وقاية للبيت من السيل". (العقد الفريد: 6/ 256).

وإلى هنا ينتهي نقل كلام ابن رشيد، وقد ساقه ابن فرحون مختصرًا، وصله في (ملء العيبة: 5/ 106 - 122).

(2)

أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النمري الحراني الدمشقي الحنبلي الإِمام المجدد الشهير، شيخ الإِسلام. ولد سنة 661. ت 728.

(الأعلام: 1/ 140، البداية والنهاية: 14/ 135، البدر الطالع: 1/ 63 رقم 40، الدرر الكامنة: 1/ 144، كحالة: 1/ 261 و 13/ 361، النجوم الزاهرة: 9/ 271).

ص: 321

وقد ذكر أبو العباس القباب (1) أحد علماء الأعلام بمدينة فاس هذه المسألة في شرحه لقواعد القاضي عياض، واستبعد صحةَ ما حذَّروا منه في الشاذروان (2).

وقول بعض المتأخرين من الشافعية: ينبغي أن يتفطن لدقيقة (3)، من

(1) أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي المعروف بالقباب، أبو العباس، من أهل فاس، فقيه جيد النظر، ولي الفتيا بفاس والقضاء بجبل الفتح. أخذ عنه ابن القنفذ القسنطيني وابن الخطيب الأندلسي، وغيرهما، وله رحلة مشرقية لقي فيها ابن عرفة، له فتاوى نقل الونشريسي بعضها في المعيار. ومن تآليفه: شرح قواعد عياض، وشرح بيوع ابن جماعة، ومختصر أحكام النظر. ت 779 وقيل 780.

(الإِحاطة لابن الخطيب: 1/ 193، جذوة الاقتباس: 1/ 123 رقم 56، درة الحجال: 1/ 47 رقم 61، مقدمتنا لتحقيق كتابه مختصر أحكام النظر).

(2)

عبارة القباب في ذلك هي: "قد حذر بعض المتأخرين من أهل المذهب من الشاذروان، وذلك أنهم لما بنوا البيت رفعوا حائطه من الأرض يسيرًا ثم نقصوا من غلظه، وتركوا منه شيئًا قليلًا فزعمت الشافعية أن من طاف بلصق حائط البيت ببعض جسده أو بيده لم يستوف البيت بالطواف ولا يجزيه، ولو كان كما قالوه لحذر من ذلك السلف الصالح لعموم البلوى بذلك مع كثرة وقوعه فتركهم ذكره دليل أن مثله مغتفر، والتوقي منه أولى. وأما أن ذلك مبطل للحج فبعيد". (القباب على قواعد عياض: 190 ب).

(3)

المراد بالدقيقة التي نبه لها بعض الشافعية - ومنهم الإِمام النووي - وهي الاعتدال بعد تقبيل الحجر، وقد سبق الكلام عنها.

ص: 322

العجب فإِن (1) هذه الدقيقة كيف يمكن أن تغيب عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم، فلا يتنبه أحد لها مع تكرر الحج في كل عام، إِن هذا لمن الأمر البعيد لا تسكن إِليه نفس عاقل (2)، والمصنف لا يحتاج إِلى جميع ما ذكرناه من الإِيضاح والبيان (3). والله تعالى هو الموفق للصواب.

الشرط السابع: أن يكون طوافه داخل المسجد لا من ورائه ولا من وراء زمزم.

قال في التهذيب: من طاف من وراء زمزم أو في سقائف الحرم من زحام فلا بأس به، وإِن كان لِحَرٍّ لا لزحام أعاد الطواف (4).

قال سحنون: لا يمكن أن ينتهي الزحام إِلى السقائف.

وحكي عن أبي محمد (5) أن: من طاف في السقائف لا يرجع

(1)(ر): إِن.

(2)

نقل الحطاب هذا الكلام عن ابن فرحون وأشار إِلى أن ابن رشيد قال مثله. (مواهب الجليل: 3/ 75).

(3)

قال الشيخ محمد الطالب بن الحاج: جزمت جماعة أن الشاذروان من البيت وهو المعتمد عند الشافعية فينبغي الاحتراز عنه في الطواف، ومن لم يحترز يعيد ما دام في مكة فإِن بعد منها لا يلزم بالرجوع مراعاة لقول ابن رشيد والقباب وغيرهما أنه ليس من البيت.

(الطالب ابن الحاج على ميارة: 2/ 92) ومثله في (مواهب الجليل: 3/ 71).

(4)

كذا في (تهذيب المدونة للبراذعي: 1/ 524) مع اختلاف يسير في العبارة.

(5)

هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني.

ص: 323

لذلك من بلده (1).

قال ابن شبلون (2): يرجع من بلده (3).

قال سند: يستحب الدنو من البيت كالصف الأول (4).

الثامن: إِكمال العدد (5).

فمن طاف أول دخوله مكة ستة أشواط ونسي السابع وصلى الركعتين وسعى، فإِن كان قريبًا طاف شوطًا واحدًا وركع وسعى، وإِن طال ذلك أو انتقض وضوؤه، أو ذكر ذلك في طريقه أو بلده رجع فابتدأ الطواف من أوله وركع وسعى، وإِن كان قد جامع النساء فليرجع وليعمل كما وصفنا في الذي طاف على غير وضوء.

(1) هذا الحكم أورده القباب معزوًا لابن أبي زيد (القباب على قواعد عياض: 190 ب).

(2)

عبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون أبو القاسم، فقيه كان عليه الاعتماد في الفتوى بالقيروان بعد ابن أبي زيد. ألف (المقصد) أربعين جزءًا.

(الديباج: 2/ 22، الشجرة: 97 رقم 228، طبقات الشيرازي: 160، كحالة: 5/ 109).

(3)

كذا في (القباب على قواعد عياض: 190 ب) وأضاف القباب: "وقول ابن شبلون كقول أشهب الذي جعله كالطائف من وراء الحرم".

(4)

قول سند هذا أورده المواق في (التاج والإكليل: 3/ 75).

(5)

انظر (التاج والإِكليل، مواهب الجليل: 3/ 64).

ص: 324

فائدة:

نقل ابن حبيب عن مجاهد أنه كره أن يقال: شَوْط أو دَور، ولكن يقال: طوف (1).

فرع:

والشك في الإِتمام كتيقّن (2) النقص (3).

فرع:

ولو أخبره أحد بالإِكمال أجزأه.

وسئل مالك عن الرجل يطوف بالبيت فيشك في طوافه ورجلان معه فيقولان له: قد أتممتَ طوافك؟ قال: أرجو أن يكون خفيفًا (4).

(1) حكى عياض عن بعض السلف كراهة أن يقال: أشواط وأدوار وإِنما يقال: أطواف كما هي في أكثر الأحاديث، ولعل ذلك إِيثار للفظ الوارد في القرآن. (القباب على قواعد عياض: 190 ب).

وقد أشار الحطاب إِلى نقل ابن فرحون عن ابن حبيب المذكور أعلاه، ونقل الحطاب عن سند أن إِطلاق الأطواف مجمع عليه، وأن مالكًا جوز إِطلاق الأشواط وأن الشافعي كره الأشواط والأدوار. (مواهب الجليل: 3/ 67).

(2)

(ر): كيقين، (ب): كتحقق.

(3)

كذا في (التاج والإِكليل: 3/ 75) معزوّا إِلى الإِمام مالك.

(4)

السؤال وجوابه واردان في (البيان والتحصيل: 3/ 414).

ص: 325

مسألة:

من تمام الطواف أن يمر بجميع بدنه على الحجر.

وذكر ابن المعلّى عن بعض الشافعية أن كيفية ذلك أن يستقبل البيت ويقف إِلى جانب الحجر الأسود الذي إِلى جهة الركن اليماني بحيث يصير جميع الحجر الأسود عن يمينه ويصير منكبه عند طرف الحجر، ثم ينوي الطواف ثم يمشي مستقبل الحجر مارًّا إِلى جهة يمينه، حتى يجاوز الحجر بجميع بدنه، فإِذا جاوزه انفتل (1) وجعل يساره إِلى البيت ويمينه إِلى خارج، لو فعل هذا وترك استقبال الحجر أولًا أجزأه (2).

وهذا من الحرج الذي لا يلزم والمذهب مبنيٌّ على عدم هذا التحديد ومراعاة هذه الكيفيات، والمراعى أن يبتدئ من الحجر الأسود ويحتاط في ابتداء الشوط الأول بحيث يكون ابتداؤه من أول الحجر الأسود.

التاسع: اتصال ركعتين، ويصليهما عند المَقَام إِن قدر على ذلك تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم (3).

(1)(ب): انتقل، وفي (ر): بياض في موضع هذه الكلمة. وفي (المجموع: 8/ 32): فإِذا جاوزه ترك الاستقبال وانفتل.

(2)

كذا في (المجموع: 8/ 32) مع بعض الاختلاف في اللفظ.

(3)

مما جاء في حديث صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "

حتى إِذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثًا ومشى أربعًا، ثم تقدم إِلى =

ص: 326

قال ابن الحاج: وإِن شاء صلاهما حيث شاء من المسجد ما خلا الحِجْر.

وقال الشارمساحي: يصليهما حيث شاء، إِلا في ثلاثة مواضع داخل البيت، وعلى ظهره، وما بين الحجر والبيت (1).

يعني: أنه إِذا صلى تحت ميزاب الرحمة صار مستقبل الكعبة مستدبرًا بعضها؛ ولهذا منع من الصلاة داخل الكعبة وعلى ظهرها؛ لأنه مستقبل البعض مستدبر البعض.

وإِن (2) صلاهما في الحجر فهل يكتفي بهما؟

قال ابن بشير: في المذهب قولان.

= مقام إِبراهيم فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: قال ابن نفيل وعثمان، ولا أعلمه ذكره إِلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال سليمان: ولا أعلمه إِلا قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} و {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} .

أخرجه أبو داود: كتاب المناسك باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم. (السنن: 2/ 459 رقم 1905). وانظر (حجة المصطفى للمحب الطبري: 28 - 39).

(1)

كذا في (الشارمساحي على التفريع: 2/ 9 أ) وأضاف بعد ذلك قوله: وكذلك جميع الصلوات المكتوبة وما يتأكد من السنن كالوتر وركعتي الفجر، وإِنما كان ذلك لأن استقبال البيت واجب، فإِذا صلى هناك لم يستقبل إِلا بعضه.

(2)

(ص): فإِن، (ب): فلو.

ص: 327

وسئل مالك عن الذي يتنفل بالطَّوَافِ، أترى أن يركع ركوع الطواف في الحجر؟ قال: ما يعجبني، ثم قال بعد ذلك: لا أرى بأسًا أن يركع لطواف النافلة.

ولما كان الركوعُ للطواف الواجب واجبًا منع من إِيقاعه في الحجر كالفرض، والركوع للطواف النفل، لما أوجبه على نفسه بدخوله في الطواف كره أن يفعله (1) في الحِجر.

فرع:

ويستحب أن يقرأ في ركعتي الطواف بـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} في الأولى، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في الثانية مع أم القرآن (2).

مسألة:

وإِن ترك حاج أو معتمر الركعتين أعاد الطواف، ثم أتى بهما عقيب الطواف (3) وسعى (4)؛ لأن ذلك من سننهما مع التمكن، وقيل: يركعهما ولا يعيد الطواف.

(1)(ب): يوقعه.

(2)

يؤيد ذلك حديث جابر في صفة حجة النبي عليه السلام وقد تقدم. انظر (تبيين المسالك: 2/ 240 - 241).

(3)

ثم أتى

الطواف: ساقط من (ص).

(4)

(ب): ويسعى.

ص: 328

فرع:

وإِن ذكرهما في سَعْيهِ رجع، فركع ليقع السعي بعدهما، وهو السنَّةُ في ذلك، إِن كان على وضوء، وإِلا أعاد الطواف بعد الوضوء (1)، وإِن قرب، قاله مالك.

وقال ابن حبيب: إِن انتقض وضوؤه ابتدأ الطواف، إِن كان واجبًا، وهو مخيَّرٌ في التطوع (2).

مسألة:

قال الباجي: ومن حكم الطواف وركعتيه أن يؤتى بهما بطهارة واحدة (3).

(1)(ص)، (ب): وإِلا توضأ وأعاد الطواف.

(2)

عقد الباجي فرعًا لهذا القول الذي أورده ابن فرحون مختصرًا. (المنتقى: 2/ 291).

(3)

عبارة الباجي في ذلك هي التالية: "أمّا اتصال الطواف بركعتيه فهو من سننه؛ لأنها صلاة تضاف إِلى عبادة، فكان من سنتها أن تتصل بها وتضاف إِليها كصلاة الاستسقاء.

مسألة: إِذا ثبت ذلك فإِن اتصالهما به أن يؤتى بهما عقبه ولا يجوز تأخيرهما عنه إِلا لعذر الوقت أو لعذر النسيان، وذلك مالم ينتقض وضوؤه لأن من حكمهما أن يؤتى بهما بطهارة واحدة، وذلك لما لم يلزم من اتصالهما، وكانت الطهارة في كل =

ص: 329

نظائر (1):

قال التادلي: أربع مسائل من شرطها الطهارة الواحدة: سجود السهو قبل السلام، إِذا أخّره بعد السلام ثم أحدث أعاد الصلاة على قول * لأنه يلزم أن يكون بوضوء الصلاة، والطواف مع ركعتيه، والوتر مع ركعتيه.

وزاد اللخمي بعد هذا: الطواف مع السعي، إِذا طاف ليلًا وسعى صُبحًا (2) بطهارة واحدة فإِنه يجزئه، وإِلا أعاد ما دام بمكة، فإِن خرج أهدى ويجزئه.

ويزاد خامس: وهو خطبة الجمعة إِذا ذكر أنه جنب.

قال صاحب الحلل: ينزل ويغتسل ويبني إِن قرب ذلك، فإِن طال ابتدأ الخطبة، وقيل: يتمادى ويستخلف من يصلي بهم.

فرع:

قال القرافي (3): وإِن ذكرهما بعد السعي، قال مالك: يركعهما ويعيد

= واحدة منهما، فاقتضى ذلك أن تكونا بطهارة واحدة، ومثل هذا يلزم في الوتر وركعتيه".

(م. ن: 2/ 291).

(1)

نظائر: سقطت من (ر).

(2)

(ر): ضحى.

(3)

(ر): القاضي، والصواب ما أثبتناه من (ص)، (ب)، بدليل ما سيأتي في آخر الكلام المنقول أنه من الذخيرة، ومعلوم أنها للقرافي.

ص: 330

السعي، فإِن لم يذكر حتى طال ذلك أيامًا أو رجع إِلى بلده قال ابن القاسم: يركعهما مكانه في سائر الطرقات في الحج والعمرة ويهدي وطئ أم لا، فإِن ذكرهما بمكة أو قريبًا منها ولم يطأ، فإِن كانتا من طواف القدوم وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة وليس بمراهق رجع فطاف وسعى وأهدى، وإِن كانتا من طواف الإِفاضة طاف ولا دم عليه؛ لأن طواف القدوم متعيّن الوقت بخلاف الإِفاضة.

وقوله: إِن طوافَ الإِفاضة غيرُ متعيّن الوقتِ، فيه نظر. بل هو متعيِّنُ الوقتِ، وهو من يوم النحر إِلى آخر شهر ذي الحجة.

قال: وإِن كانتا من طواف القدوم الذي أخّره وهو مراهق أو أحرم من مكة أو كانتا من عمرة طاف وسعى ولا دم عليه.

وإِن وطئ، وهما من أيّ طواف كانتا، فتذكر بمكة أو قريبًا منها طاف وركع وسعى لما فيه سعي وأهدى واعتمر، وإن رجع إِلى بلده ركعهما مكانه وأهدى (1).

ويختلف في جعل النسيان عذرًا كالمراهقة فيسقط الدم، وإِذا قلنا تختصُّ الإِفاضةُ بوقت معين، وجب الدم.

وعلى رأي أشهب: يجب الدم في العمرة للتفريق.

(1) وإِن رجع .. وأهدى: ساقط من (ر).

ص: 331

وقال مالك في الكتاب: إِن كانتا من عمرة لم يجب عليه شيء، إِلا أن يلبس الثياب ويتطيب، فالدم ينوب عنهما (1).

وقال المغيرة: يرجع لهما لأن فعلهما لا يفوت، والأول أحسن لأنهما ليستا بركن ولا يختصان بمكان معين، من الذخيرة (2).

مسألة:

لو طاف أسبوعًا كاملًا ونسي أن يركع بعده وطاف شوطًا ثامنًا أو أكثر من ذلك ثم ذكر ذلك ولم يكن قصد أن يجمع بين أسبوعين فإِنه يقطع ويركع ركعتين للسبع الكامل، ويلغي ما زاد عليه، ولا يعتد به إِن أراد أن يطوف أسبوعًا آخر، وهذا حكم العامد أيضًا، فأمّا إِذا أكمل أسبوعين عامدًا أو ناسيًا صلَّى لكلِّ واحد منهما ركعتين (3)، قاله الباجي.

فرع:

لا خلاف في جواز الطواف بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، والأفضلُ: أن يكون بعد طلوع الشمس وبعد غروبها، لتتصل الركعتان

(1) نصه: "قلت لابن القاسم: أرأيت رجلًا دخل مكة معتمرًا فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ونسي الركعتين اللتين على إِثر الطواف حتى انصرف إِلى بلاده ووطئ النساء؟ قال: يركعهما إِذا ذكر ويهدي هديًا. (المدونة: 2/ 160).

(2)

الذخيرة: 3/ 243 وفيه: ولا يختصان بمكان واجب.

(3)

المنتقى: 2/ 289.

ص: 332

بالطواف (1).

وفي الذخيرة: ولو (2) ركعهما بعد العصر أعادهما استحبابًا، والقياس الإِجزاء؛ لأن الوقت يقبل الصحة بدليل فعل المفروضات، والمشهور: أن لا يركعهما بعد الصبح، حتى تطلع الشمس.

وقال مطرف: يركع إِن كان بغلس * والمستحب فعلهما في المسجد أو بمكة، فإِن فعلهما في طريقه بوضوء واحد فلا رجوع عليه، وِإن انتقض وضوؤه أعاد الطواف والسعي.

فرع:

وإِذا أخرهما إِلى المغرب قدّم المغرب عليهما، قاله ابن القاسم (3).

وقيل: هو مخير في تقديم أيهما شاء.

مسألة:

قال ابن رشد: قال ابن نافع (4): وإذا طاف قبل الصبح فخشي الإِقامة، فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر.

(1) النوادر والزيادات: 1/ 165 أ.

(2)

(ر): وإن.

(3)

الذخيرة: 3/ 243.

(4)

عبد الله بن نافع الزبيري، من ذرية الزبير بن العوام، يعرف بالأصغر، فقيه سمع من =

ص: 333

تنبيه:

يقال: سَبعْ بضم السين وفتحها، فمن فتح جعله جمعًا، ومن ضمّ جعله اسمًا مفردًا بمعنى الأسبوع، والأسبوع: اسم مفرد يراد به الجمع وليس بجمع، والسبوع: جمع سَبع بفتح السين كفلس وفلوس.

= مالك وغيره، ثقة صدوق، خرّج عنه مسلم. ت 216 على ما قال ابن فرحون ومخلوف.

(تهذيب التهذيب: 6/ 50 رقم 96، الجرح والتعديل: 5/ 184 رقم 857، الديباج: 1/ 411، الشجرة: 56 رقم 12، المدارك: 3/ 128، ميزان الاعتدال: 2/ 514).

ص: 334

فصل: في سنن الطواف

وهي أربع:

الأولى: الرَّمَل، وهو سنة، وقيل: مستحب، وعلى هذا يأتي اختلاف قول مالك - رحمه الله تعالى - في وجوب الإِعادة على من تركه، وفي وجوب الدم على من ترك الإِعادة.

ومعنى الرَّمَل: الإِسراع في الطواف بالخَبب، ولا يَحْسر عن منكبيه ولا يحركهما (1).

قال ابن رشد: والخَبب في طواف القدوم في الحج والعمرة سنة لمن أحرم من الميقات باتفاق، ولمن أحرم من التنعيم أو الجعرانة على اختلاف، ولا يخب في طواف الإِفاضة ولا في التطوع، ولا على أهل مكة خببٌ (2).

(1) عرف أبو عمر الرَّمَلَ فقال: هو المشي خَبَبًا يشتد فيه دون الهرولة، وهيئته أن يحرك الماشي منكبيه بشدة الحركة في مشيه. وفي الحديث إِشارة إِلى سببه، وهو أنه لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء قال المشركون: إِن محمدًا وأصحابه وهنتهم حمى يثرب، وفي بعضها لا يستطيعون أن يطوفوا من الهزال؛ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: رحم الله امرءًا أظهر الجلد من نفسه، وأمرهم بالرَّمَل، وخص به ثلاثة أطواف دون جميع الأطواف رحمة لأصحابه. (القباب على قواعد عياض: 190 ب، 191 أ). وانظر (شرح العمدة: 1119).

(2)

انظر (البيان والتحصيل: 18/ 164 - 165، التمهيد: 2/ 68).

ص: 335

فرع:

واختُلِف فيمن قدِم مراهقًا، فلم يطفْ حتى رجع من منى لطواف الإِفاضة.

فروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان لا يرمل.

وفي كتاب ابن المواز: أنه يرمل.

مسألة:

واختلف في أهل مكة إِذا حجوا هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى عليهم رمَلًا.

وقال ابن وهب: استحب مالك أن يرملوا

وقال الباجي: قال مالك: يرمل المعتمر المكي وغيره؛ لأنه قادم من الحل على وجه يتعقب طوافَه السعيُ (1)، ولا رمل في طواف الوداع باتفاق.

مسألة:

وفي الرمَل بالصبيِّ يُطاف به قولانِ، وأجراهما اللخمي في المريض (2).

(1) كذا في (المنتقى: 2/ 285) والباجي ينقل قول مالك هذا عن المختصر.

(2)

كذا في (الجواهر: 1/ 401).

ص: 336

فرع:

ولا رمَل على النّساء في طوافٍ ولا سعي (1)

مسألة:

ومحله الثلاثة أشواط الأول

فإِن زُوحِم في الرَّمَل ولم يجد مسلكًا رمل بقدر طاقته (2).

مسألة:

وفي الذخيرة: يستحب الدنو من البيت في الطواف (3)، إِذ هو المقصود، فإِن لم يجد فرجة فيها يرمل تأخر إِلى حاشية الناس؛ لأن الرمل أفضل من الدنو.

مسألة:

فإِن لم يرمل في الطواف الواجب، فإِن بعُد فلا إِعادة عليه، وهل يهدي أم لا؟ قولان (4).

(1) كذا في (النوادر والزيادات: 1/ 163 ب).

ونقل خليل عن ابن عبد البر الإِجماع على ذلك في (التوضيح: 1/ 219 ب).

(2)

المدونة: 2/ 156، التوضيح: 1/ 220 أ، تقييد أبي الحسن الصغير: 2/ 15 أ.

(3)

كذا في الذخيرة: 3/ 245، معزوا لسند.

(4)

قال مالك: إِن ذكر في طوافه أنه نسي الرمل ابتدأ وألغى ما مضى، وقال أشهب =

ص: 337

وآخر قولي مالك: أنه ليس عليه دم، وإِن قرب ففي الإِعادة قولان.

وفي المدونة، قال مالك: وإِن ذكر في الشوط الرابع أنه لم يرمل مضى ولا شيء عليه (1) *.

قال ابن يونس: وهذا مبنيٌّ على أنه لا إِعادة عليه، وأما على قوله: إِن قرب أعاد، فينبغي أن يبتدئ ويلغي ما مضى.

الثانية: أن يطوف (2) ماشيًا، فإِن طاف محمولًا أو راكبًا لعذر أجزأه وإِلا أعاد الطواف إِلا أن يكون رجع إِلى بلده فليهرق دمًا.

الثالثة: الدعاء، وليس بمحدود (3)، وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول بين (4)

= في تارك الخبب: إِنه يعيد طوافه، وإِن فات أهدى، وقال عبد الملك: لا يعيد الرمل وعليه دم. وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن ذلك خفيف ولا شيء عليه.

(1)

نصها: "وسئل مالك عن رجل نسي أن يرمل أو جهل في أول طوافه بالبيت أو جهل أو نسي أن يسعى في بطن الوادي بين الصفا والمروة؟ قال: هذا خفيف، ولا أرى عليه شيئًا. قال ابن القاسم: وقد كان مالك قال مرة: عليه الدم، ثم رجع عنه بعد ذلك إِلى هذا أنه لا دم عليه، سألناه عنه مرارًا كثيرة؟ كل ذلك يقول: لا دم عليه". (المدونة: 2/ 156).

(2)

(ص): أن يكون.

(3)

كذا في (الجواهر: 1/ 401، مناسك التاودي: 14).

(4)

(ص): ما بين.

ص: 338

الركنين: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (1).

وكان عبد الرحمن بن عوف (2) رضي الله عنه يقول في الطواف: ربّ قني شح نفسي (3).

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

(1) البقرة 201.

قال أشهب: إِن أكثر كلام عمر وعبد الرحمن بن عوف فيه: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً

} الآية. (النوادر: 1/ 163 ب).

(2)

عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري، أبو محمد، المكي ثم المدني، سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وسماه الصادق البار، أسلم قديمًا وهاجر قديمًا، ولد بعد الفيل بعشر سنين. ت 32.

(الأعلام: 4/ 95، الاستيعاب: 2/ 385، الإِصابة: 2/ 408 رقم 5181، حلية الأولياء: 1/ 58، الرياض المستطابة: 176، الرياض النضرة: 2/ 281، صفة الصفوة: 1/ 135، أسد الغابة: 3/ 480).

(3)

اتبع رجل عبد الرحمن بن عوف في الطواف فرآه يكثر من قوله: اللهم قني شح نفسي، فلما فرغ قال له الرجل: رأيتك تطوف فتقول: اللهم قني شح نفسي، فقال إِن الله تبارك وتعالى يقول:{وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

قال ابن رشد: رضي الله عنه عن عبد الرحمن بن عوف: فإِن الذي دعا به أحسن ما يدعى به؛ لأن فيه جماع الخير كله

(البيان والتحصيل: 4/ 34 - 35).

ص: 339

قال سنَد: ويُستحب إِذا فرغ من طوافه أن يقف بالملتزَم للدعاء ويعتنق ويلح بالدعاء.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يضع صدره ووجهه وذراعيه وكتفيه على الحائط ويبسطهما ثم يقول: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل (1).

فائدة:

وقال الحسن بن أبي الحسن (2): يستحب الدعاء بمكة في خمسة عشر موضعًا: عند الملتزم، وتحت الميزاب، وخلف المقام (3)، وفي الطواف، وفي عرفة، وفي جمع وهو المزدلفة، وفي منى، وعند الجمرات، وعند الصفا، وعند المروة، وفي زمزم وفي السعي، وعند المشعر (4). انتهى.

ويستحب أيضًا عند الحلاق.

والملتزم: يسمى الحَطِيم، لأنه يدعى فيه على الظالم فيحطم.

(1) أورد الطبري عن ابن عمر أنه كان يلزق صدره ووجهه بالملتزَم، وقال: أخرجه الدارقطني. (القِري: 280).

(2)

هو الحسن بن يسار البصري، تقدمت ترجمته.

(3)

المقام في المسجد الحرام: مقام إِبراهيم. وفي سبب التسمية أقوال، أوردها القاضي عياض، في (مشارق الأنوار: 1/ 393).

(4)

رسالة فضل مكة: 11 ب.

ص: 340

الرابعة: استلام (1) الحجر الأسود بفيه في أول كل شوط لمن قدر عليه، فإِن لم يقدر وضع يده عليه ثم يضعها على فيه من غير تقبيل.

وجمهورهم على أنه يقبل يده، إِلا مالكًا في أحد قوليه، والرواية (2) الأخرى عنه أنه يقبل يده (3) فإِن لم يقدر بيده لمسه بعود ووضعه على فيه (4)، وفي تقبيله روايتان (5)، فإِن لم يقدر قام بحذائه وكبّر ومضى (6) ولا يشير إِليه بيده، ويضعها على فيه، فإِن لم يفعل فلا شيء عليه.

(1) الاستلام: افتعال من السلام (بفتح السين) كأن المستلم يحيي الحجر الأسود. قال عياض: هذا المعنى أبين من غيره لاستعماله في الركن وغيره. (التوضيح لخليل: 1/ 219 أ).

(2)

(ب): وفى الرواية.

(3)

إِلا مالكًا

يده: ساقط من (ص).

(4)

عن أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن".

قال النووي: المحجن (بكسر الميم، وإسكان الحاء وفتح الجيم) عصا معقفة يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحرك بطرفها بعيره للمشي.

(صحيح مسلم بشرح النووي: باب جواز الطواف على بعير: 9/ 18).

(5)

قال ابن شاس: إِن منعته الزحمة من الاستلام بالفم اقتصر على مسه بكفه، أو بما معه من عود إِن لم يستطع، ثم في تقبيل ما يلمسه به روايتان، ويستحب ذلك في آخر كل شوط. (الجواهر: 1/ 400).

(6)

(ر): ومشى.

ص: 341

ولا يسجد عليه عند مالك، قال: وهو بدعة (1).

وجمهورهم على جواز فعل ذلك (2).

قال ابن حبيب: وما أرى كراهة مالك للسجود إِلا في الفتوى، ولا بأس به للرجل في خاصة نفسه (3).

ولا يقبل الركن اليماني ولكن يستلمه باليد (4).

واختلف عنه في تقبيل اليد.

وليس ذلك بلازم للنساء عند جميعهم.

فرع:

وإِذا فرغ من الطواف فأراد الركوع، فليس عليه أن يعودَ إِلى الاستلام، فإِذا ركع وأراد الخروج إِلى السعي عاد فاستلم، فإِن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام.

(1) هذا القول وارد في المدونة. قال الإِمام سحنون: "قلت لابن القاسم: أرأيت إِن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك، وقال: هذه بدعة". (المدونة: 2/ 157). وانظر (التوضيح لخليل: 1/ 219 أ، إِكمال الإِكمال: 3/ 406).

(2)

قال عياض: أما السجود على الحجر ووضع الخد عليه فأجازه الجمهور، وقال مالك: هو بدعة (إِكمال الإِكمال: 3/ 406). وانظر (ملء العيبة: 5/ 122 - 123).

(3)

نقل ذلك الأبي عن ابن حبيب في (إِكمال الإِكمال: 3/ 406).

(4)

الشرح الصغير وحاشية الصاوي: 2/ 49.

ص: 342

فرع:

وليس عليه أن يستلم الركن في ابتداء طوافه، إِلا في طوافه (1) الواجب، إِلا أن يشاء *.

مسألة:

قال ابن وضاح (2): واستلام الحجر الأسود بغير صوت، وإِنما يكون بالصوت في قبلة الشهوة.

قال أبو عمران: وهذا تضييق، ومن قبّل مصحفًا أو خبزًا أو رأس عالم، هل يقال له هذا (3)؟ وإنما هو صوت يتولَّدُ (4) مع التقاء الأعضاء (5).

(1)(ب): الطواف.

(2)

(ص): ابن حجر.

(3)

قول ابن وضاح وردّ أبي عمران أوردهما خليل في (التوضيح: 1/ 219 أ).

وقال خليل: (وفي الصوت قولان) يعني الكراهة والإِباحة. (الشرح الكبير، للدردير: 2/ 41).

والقول بالإِباحة رجحه غير واحد (الدسوقي على الدردير: 2/ 41).

(4)

في (ر): بياض مكان هذه الكلمة.

(5)

قال الشيخ محمد بن الحاج: في كراهة الصوت وإباحته قولان، والراجح الإِباحة، وللشيخ محب الدين الطبري [الطويل].

وقالوا: إِذا قبلت وجنة من تهوى

فلا تسمعن صوتًا ولا تعلن النجوى

وهل يشفي التقبيل إِلا مصوتًا

وهل يبرد الأحشا سوى الجهر بالشكوى

(الطالب بن الحاج على ميارة: 2/ 88).

ص: 343

فكأنه يقول: ذلك واسع صوّت في استلامه أم لا؟

مسألة:

ولا تستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يقبلان (1)، ولا يكبر إِذا حاذاهما لأنهما ليس بركني البيت، بل هما بعض الجدار.

مسألة:

وأما استلام الركن لغير طوافٍ فلا بأس به، وليس من شأنِ الناس، ومن سُنن (2) استلام الركن: الطهارة.

قال مالك: ولا يستلم الركنَ إِلا طاهرًا.

مسألة:

ولا يستلم الركن اليماني عند الخروج، ولكن يستلم الحجر الأسود، ولا يزيد على التكبير عند استلام الحجر والركن اليماني، في قول مالك رحمه الله.

(1) روى ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم إِلا الركنين" أخرجه البخاري في باب من لم يستلم إِلا الركنين اليمانيين (الصحيح: 2/ 186)، ومسلم في باب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين:(الصحيح بشرح النووي: 9/ 14) وأبو داود والنسائي وابن ماجه، كما قال في (طريق الرشد: 1/ 239 رقم 754).

(2)

سنن: سقطت من (ص)، وفي (ب): سنة.

ص: 344

وعن مالك في "المجموعة": إِذا استقبل الركن (1) حمد الله وكبر (2).

قال ابن الحاج: وليزاحم على الحجر الأسود ما لم يكن أذى.

ومكروهات الطواف الإحدى عشرة:

السجود على الركن، واستلام الركنين اللذين يليان الحجر، وقراءة القرآن (3) وكثرة الكلام فيه، وإنشاد الشعر (4)، وشرب الماء لغير (المضطر والبيع والشراء)(5) مختلطًا بالنساء (6)، وتغطية (الرجل فمه وطواف)(7) المرأة متنقبة، والركوب لغير عذر.

وفي بعضها خلاف، من ابن راشد (8).

(1)(ب)، (ر): الحجر.

(2)

كذا في (النوادر والزيادات: 1/ 163 أ) نقلًا عن المجموعة.

(3)

قال الشارمساحي عند شرح قول الجلاب (ولا يقرأ): "والخلاف هنا في تحقيق المناط، وهو هل هو سنة أن لا يقرأ فيه؟ فلا يقرأ فيه أصلًا أو منع ذلك لئلا يشوش على غيره؟ فتجوز القراءة إِذا أخفاها، أو لأن من شرط الطواف الذكر، ولا شيء من الأذكار أفضل من القراءة". (الشارمساحي على التفريع: 2/ 9 أ).

(4)

قال ابن راشد: لا بأس بالبيتين والثلاثة إِذا تضمنت وعظًا. (الباب: 54).

(5)

ما بين القوسين بياض في (ص).

(6)

في (اللباب: 54) والبيع والشراء والطواف مع النساء، وليطفن خلف الرجال.

(7)

ما بين القوسين بياض في (ص).

(8)

وهذه المكروهات واردة في كتاب ابن راشد الموسوم بـ (لباب اللباب: 54). =

ص: 345