الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جلس على عرش السلطنة والخلافة السلطان منهم فإنه يأخذ ولي العهد بعده ويزجه في قصر بعيد عن العالم لا يجاوزه إلى غيره، ويضيق عليه حتى يتصلب بزعمهم، فأثمر ذلك أن هذا إذا تولى يكون همه نفسه في اللذات والشهوات تعويضًا لها عما نالت في السجن من البؤس إلى غير ذلك من السياسات العاطلة، فيكون قصد السلطان مسرحًا تمثل عليه أغرب روايات النسائية وملعبًا للوشايات والأغراض الشخصية.
أما تلك المملكة الواسعة الأرجاء البعيدة الأطراف، فلا شأن لها من نفسه، فأصبحت يديرها شرذمة الأتحاديين، وصارت الدولة العظيمة الشأن إلى التدهور والانحلال، وتجرأت عليها الدول الصغيرة التي كانت بالأمس ولايات تابعة له وأخر بلية تقرر الدستور في الدولة العثمانية في هذه السنة، ففي هذه السنة تقرر دستور الدولة العثمانية الذي عاد عليها بالتباب والوبال.
وفيها في آخرها خلع السلطان عبد الحميد بن عبد المجيد وبدأ الفشل في الدولة العثمانية.
ذكر إمارة الحسين بن علي الشريف
كان في حالة إقامته بالأستانة يعمل ليومه الذي يرجوه ويسعى لتحقيق فكرته التي ملأت رأسه والتي كان يعتقد أن تحقيقها لا يتم إلا على أيدي أوربية، فمن ثم أخذ يتصل بالأوربيين السياسيين في الأستانة ويستعين بهم على مآربه، وقد تبين واضحًا ما كان يحمله الحسين في نفسه من الثقة بالأوربيين في الحرب العالمية حين استعان بالحلفاء استعانة كان خيرها لهم وشرها له وللعرب والمسلمين، لم يخف على الباب العالي صلة الحسين بالأوربيين وسعيهم معه خصوصًا وقد كان أغلب من يحيط به من جواسيس عبد الحميد الذي كان يعتني بفن الجاسوسية كل العناية، ولكن السلطان عبد الحميد لم يعبأ كثيرًا بسعي الحسين لما كان مرتكزًا في نفسه من قوة الباب العالي ما يتلاشى معه كل هذه الصغائر التي جاء يوم كانت فيه جبالًا من الفتنة طحنت عبد الحميد وعرشه طحنًا في ثورة حزب الأتحاد والترقي.
ولما مات الشريف عبد الإله بعد تعيينه في إمارة مكة بقليل رأي الحسين حينئذٍ الفرصة سانحة فيجد جده وسعى عند المقربين من الباب العالي، حتى أشار بعضهم على السلطان عبد الحميد بتولية الحسين إمارة مكة وحسنها له ودفع بعض ما كان في نفس السلطان من سوء الظن والريبة، وبعد تردد ومعارضة في السلطان:"إني راضي بتعيينه أميرًا لمكة إذا اكتفى بذلك فقط، بل إني أعتقد أنه لا يكتفي بالإمارة فحسب بل يطمح لأكثر منها يهدد يومًا ما عرشي".
ثم أصدر فرمانه الشاهاني بتولية الحسين إمارة مكة على مضض في شوال سنة 1326 هـ، وقد قال السلطان عقب تولية الحسين بن علي للإمارة:"لقد خرجت الحجاز من يدنا واستقل العرب وتشتت ملك آل عثمان بتعيين هذا الرجل لإمارة مكة وياليته يكتفي بإمارة مكة واستقلال العرب فقط، ولكنه سوف يعمل بدهائه لأن ينال مقام الخلافة العظمى لنفسه".
ولا يخفى ما في هذا القول من المبالغة، ويعد هذا من دهاء السلطان عبد الحميد الذي كأنه ينظر من خلال سيرة الحسين ومساعيه وما عرف من أخلاقه وميوله ما آل إليه أمر الحجاز وخروجه تحت إمارة الحسين على الدولة العثمانية وانضمامه إلى صفوف أعدائها الذين كانوا يعملون نهارًا وليلًا على تقويض بنائها وتشتيت شملها واقتسام أجزائها.
وقد ظهرت مطامع الحسين ونواياه بإزاء الدولة العثمانية واضحة جليه وجر على نفسه وعلى الحجاز، بل وعلى العالم الإسلامي بسياسته وبالًا كبيرًا، فإنه كان ذا آمال كبار ومطامع عظيمة وحلم بعيد المدى بالامبراطورية العربية ولكنه مع الأسف لم يكن يعرف الطريق الموصل إليها وإلى تحقيق مقاصدها، فلذا ضلَّ سبيل الرشد ووقع في الفخ الذي نصبته له دول الاستعمار ولكن كما قيل:
ستعلم حين ينكشف الغبار
…
أخيلٌ تحت رِجلك أم حمار
وكان صدور فرمانه في 6 شوال من هذه السنة، وكان كل صاحب مركز عظيم في الدولة العثمانية تصدر بتوليتهم هذه المراكز فرمانات وهي كلمة فارسية معناها عهد بالولاية.