الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويواسي وإن كان عن قلة، وكان سريع الانفعال كثير التقلب لا يبالي بالنظر في العواقب، وقد أقلع عن مقالته غير مرة ثم رجع إليها.
ومن تقلبه أنه مرَّ في مجلس تدريسه في المسجد الجامع في بريدة، ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبالغ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأغلظ القول في ذلك، وأن القائمين به مقصرون، ثم إنه رفع يديه وهو يدرس فقال: اللهم فلانًا لكبير الأمر بالمعروف في بريدة، وجعل يكرر لعنه بين الحاضرين، كما أهمل أمرك يا ربنا ونهيك، فلما خرج الشيخ بعد التدريس التقى بهذا الرجل كأن لم يكن بدر منه شيء، غير أن ذلك قد امتلأ حقدًا من كلامه فيه وجرى بينهما ما يستحيا من ذكره.
وكان المترجم له عشيرة وأصحاب يأخذون برأيه ويعملون بقوله ويعجبون بتوجيهاته، ثم إنه دعا به ابن سعود إليه وأشار له بأن أهل حائل يريدون قاضيًا، وأنه يجمل به أن يذهب لسد ذلك الفراغ، وألزم عليه أن يسير إلى تلك الجهات، فأجمع أمره وسار على مضض يريد بلاد حائل، ومنها سار إلى الكويت فتوفاه الله بها، فالله المستعان.
ثم دخلت سنة 1330 ه
ـ
استهلت هذه السنة والأحوال في الدولة العثمانية مائجة مضطربة، وقد شددت أيطاليا على اليمن وطأتها وضيقت المنافذ، ولم تفد تجهيزات الحسين الشريف لإخماد الثورات هناك شيئًا.
ذكر مطلب الوحدة العربية
قد أسلفنا ذكر الانقلاب في الدولة العثمانية، وذلك بعدما خلع السلطان عبد الحميد افترقت الأتراك، فخبطت حكومة الاتحاد خبط عشواء وتلطخت أيدي زعمائها بدم الأبرياء، فنفرت منها كل العناصر من غيرهم، فلأجل ذلك أخذ كثير من أهل الغيرة والحمية تفكر مليًا فيما عليه سلاطين آل عثمان وما ستؤول إليه
الدولة العثمانية إذا هي بقيت على هذه السياسة، وإنه لا شك أن أجلها قريب وأنها تحفر قبرها لترقد فيه رقدةً أبديةً، وإن تلك الأملاك والولايات لا بد أن تؤول حينئذٍ إلى الدول الغربية المتربصة لتلك الرقدة، فرأوا من الواجب والنصح للشرق والعرب والإسلام أن يعملوا على تلافي هذا الخطر جهد الطاقة، فأسسوا الجماعات وأصدروا الصحف والمجلات والكتب في نصح السلاطين ومن التف حولهم، وتحذرهم من عاقبة هذه السياسة.
ولسوء الحظ لم يكن جزاؤهم إلا غيابات السجن بعد تعطيل صحفهم ومصادرة كتبهم، فرأوا أن الداء قد استحكم وأنه لا مفر من موت هذه الدولة العلية، فلا بد من العمل على إنقاذ الإسلام والعرب بطريقة تجعلها في مأمن من التأثر بهذه العاقة، وبجانب هذه الفكرة رأى جماعة آخرون العمل على إحياء هذه الفكرة الطورانية لأن تعلق تركيا يغير عنصرها الطوراني من العربي والفارسي وغيرهما هو الذي أنهك قواها وأضعف قوتها، وجد كلٌ في سبيل العمل إلى تلك الخطة، لأن الدولة الأجنبية لا تزهد في موت العرب والإسلام بذهاب الدولة العثمانية، ولكنه مع ذلك لم يحصل الناصحون على شيء، بل ولا ظفرت الحكومة من أمانيها بشيء، بل انتصرت عليها إيطاليا وذهبت طرابلس الغرب، وحصل غير ذلك من الحروب السياسية العظيمة في الخفاء توقد نارها إنكلترا وفرنسا وغيرهما من الدول التي تعلم حقيقة ما عليه الدولة العثمانية، فتريد التهامها وتقسيم تراثها.
وقد كان أمراء العرب الكبار ظلوا على الحياد في تلك الحرب ما عدا الإدريسي، فإنه حالف الأجانب على الأتراك، وما عدى الشريف حسين، فإنه حليف الدولة، وكان الإمام يحيى مع أنه عدو الإدريسي ظلَّ ساكنًا، فلم يغنم الفرصة للفتك بالأدارسة وأتباعهم، ولكنه أعلم الدولة بإخلاصه لها وإنه يأذن لعسكرها أن تجتاز بلاده لتسقط على الإدريسي من الجبال فتجتز شأفنه بحذافيرها.
فعند ذلك طلبت حكومة الأتحاديين المساعدة من ابن سعود، وتعهدت أن تقوم
له بكل ما يحتاج إليه من السلاح والذخيرة والمال، فمالي الطلب بل كتب إليهم كتابًا يقول فيه: إني عربي فلا أحارب العرب لأجل الدولة ورضاها وإني والإدريسي لعلى ولاء، والبلاد بعدية عنه أيضًا فلا يتمكن ابن سعود من محاربة أهلها، فاعادت الحكومة الطلب وإنهم يريدون أن يخص الإحساء بعسكر عربي لحماية تلك الناحية، فرفض عبد العزيز، ذلك ثم كتب إليه والي البصرة سليمان شفيق كمال باشا يسأله رأيه في أمراء العرب وشقاقهم وخروج بعضهم على الحكومة العثمانية، فكتب عبد العزيز إليه كتابًا، وإنه يفكر في الوحدة العربية منذ حين، وهذا صورة كتابه إلى والي البصرة، قال بعد البسملة:
من عبد العزيز بن عبد الرحمن آل فيصل إلى سليمان شفيق إنكم لم تحسنوا إلى العرب ولا عاملتموهم في الأقل بالعدل وأنا أعلم أن استشارتكم إياي إنما هي وسيلة استطلاع لتعلموا ما انطوت عليه مقاصدي، وهاكم رأيي ولكم أن تؤولوه كما تشاؤون، إنكم أنت المسؤولون عما في العرب من شقاق فقد اكتفيتم بأن تحكموا وما تمكنتم حتى من ذلك، وقد فاتكم أن الراعي مسؤول عن رعيته وقد فاتكم أن صاحب السيادة لا يستقيم أمره إلا بالعدل والإحسان، وقد فاتكم أن العرب لا ينامون على الضيم ولا يبالون إذا خسروا كل ما لديهم وسلمت كرامتهم، أردتم أن تحكموا العرب فتقضون إربكم منهم فلم تتوفقوا إلى شيء من هذا وذاك، لم تنفعوهم ولا نفعتم أنفسكم، وفي كل حال أنتم اليوم في حاجة إلى راحة البال لتتمكنوا من النظر الصائب في أموركم الجوهرية.
أما ما يختص منها بالعرب فإليكم رأي فيه: "إني أرى أن تدعوا رؤساء العرب كلهم كبيرهم وصغيرهم إلى مؤتمر يعقد في بلد الأسيادة ولا نفوذ فيه للحكومة العثمانية لتكون لهم حرية المذاكرة والغرض من هذا المؤتمر التعارف والتآلف، ثم تقرير أحد أمرين، أما أن تكون البلاد العربية كتلة سياسية واحدة يرأسها حاكم واحد، وأما أن تقسموها إلى ولايات فتحددون حدودها وتقيمون على رأس كل ولاية رجلًا كفوًا من كل الوجوه، وتربطونها بعضها ببعض بما هو عام مشترك من
المصالح والمؤسسات، وينبغي أن تكون هذه الولايات مستقلة استقلال إداريًا وتكونوا أنتم المشرفين عليها، فإذا تم ذلك فعلى كل أمير عربي أو رئيس ولاية أن يتعهد بأن يعضد زملائه ويكون وإياهم يدًا واحدة على كل من تجاوز حدوده أو أخل بما هو متفق عليه بيننا وبينكم" هذه هي الطريقة التي تستقيم فيها مصالحكم ومصالح العرب ويكون فيها الضربة القاضية على أعدائكم.
فلما أن بلغ ذلك والي البصرة استحسن هذا الرأي وأرسل به إلى الأستانة، ولكنه لم يستحسنه أولوا الأمر هناك بل سفهوه قائلين: يريد ابن سعود أن تجمع الكلمة بواسطتنا ولخير نفسه، وكانت سياستهم مبنية على ظنهم، فشرعوا يقاومون فكرة الوحدة سرًا وعلنًا بمساعدة عمالهم مباشرةً وبواسطة بعض أمراء العرب، وقد كان يومئذٍ جمال باشا السفاح في بغداد والشريف حسين في مكة، وابن رشيد في حائل، وكل هؤلاء يسمعون كلمة الأستانة ويطيعون، فطفق الشريف حسين بن علي يحرض القبائل على ابن سعود كعتيبة وغيرها، ولا بد أن نذكر عداء الحسين الشريف لعبد العزيز بن عبد الرحمن بن سعود، فإنه قام في هذه السنة يسعى ضد ابن سعود، وذلك لما يكنّه من العداء المتأصل لأهل نجد.
وفيها وفاة الشيخ حمد بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وهذه ترجمته:
هو العالم العلامة الفقيه الزاهد المذكر العابد الشهم النبيه، الشيخ حمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز بن محمد بن حمد بن علي بن سلامة بن عمران العوسجي البدراني الدوسري، ولد في سنة 1245 هـ في بلدة ثادق، وأخذ العلم عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وابنه الشيخ عبد اللطيف، والشيخ محمد بن مقرن، والشيخ عبد العزيز بن حسن، والشيخ عبد الرحمن بن عدوان، وأخذ الفرائض عن الشيخ عبد العزيز بن شلوان وغيرهم.
وكان بارعًا في جميع الفنون ويقظًا، قليل المثل في الشهامة والذكاء والديانة والعبادة كثير الخير، له قدم راسخ في العلوم الشرعية والفتيا، وله وقع في النفوس، وكان دمث الأخلاق قوي الجأش آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، ولي قضاء
ناحية سدير في ولاية الإمام فيصل بن تركي وابنه عبد الله، ثم كان قاضيًا في الوشم، ثم كان قاضيًا في بلدان المحمل بعد الشيخ عبد العزيز بن حسن، وله أجوبة سديدة ونصائح مفيدة ومجالس في التدريس، أخذ عنه العلم ابنه محمد وغيره من سائر بلدان المحمل، وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة رحمه الله تعالى.
وممن توفى فيها من الأعيان الشيخ صالح السالم رحمه الله تعالى وهذه ترجمته:
هو الشيخ العالم الفاضل المحقق، ذو العلوم الربانية والمنح المرضية صالح بن سالم آل بنيان تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، وقد نظم بعض المحبين وفاته بقوله:
وقد كان في يوم الربوع وفاته
…
لتسعٍ مضت من بعد تسعٍ لياليًا
وفي صفر عام الثلاثين قبلها
…
ثلاث مئين بعد ألفٍ لباغيًا
أي في اليوم التاسع من شهر صفر من هذه السنة كان المترجم رحمه الله تعالى من أهل العلم في بلدة حائل، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف لما زار الشيخ بلدة حائل بدعوة من الحاكم محمد بن عبد الله بن رشيد لأنه كان قبل ذلك كاتبًا للمذكور، ثم إنه استمسك بغرز الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف في حال إقامته لديهم، وسافر إليه في بلدة الرياض ولازمه وأكثر الأخذ عنه وترك أعمال ابن رشيد، وما زال يأخذ عن مشايخ هذه الدعوة مثل الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، ومن على طريقته حتى كان من أكبر الدعاة للتوحيد وأعظم المنتصرين للحق وأهل، يجاهد أهل الباطل بلسانه وحجته، وله جملة قصائد تدل على تمسكه بالدين والعيب على من خالفه.
فمن ذلك قصيدته الدالية المشهورة، ومنها قصيدة نونية في الرد على من حسن طريقه دحلان وشيعته، ومنها قصيدة رائية في فضل الغرباء الذين طوبى لهم من أبياتها قوله:
وأصبح ذو الإيمان فيهم كقابضٍ
…
على الجمر أو في الجنب صلي المجامر
وما زادهم إلا ثباتًا مع الرضا
…
بقلب سليم للمهيمس شاكر