الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو الشيخ ناصر بن سليمان بن محمد بن سيف ولد في سنة 1248 هـ وتوفي في سنة 1339 هـ أعني بعد هذه السنة بعشر سنين عن عمر بلغ الحادية والتسعين قضاها في طلب العلم وسافر إلى الرياض مع الشيخين محمد بن عبد الله بن سليم ومحمد بن عمر بن سليم؛ وأخذ العلم عن مفتي الديار النجدية الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن حسن وأخذ عن ابنه الشيخ عبد اللطيف.
وأخذ عن الشيخ عبد الرحمن بن عبد العزيز بن بشر وجلس للطلاب يقرئهم القرآن ويعلمهم مبادئ العقيدة السلفية في مدرسة والده سليمان بن محمد بن سيف ونفع الله به أولاد أهالي بريدة، وكان محبوبًا لدى مواطنيه لا يقضون أمرًا دونه وكثيرًا ما يكتب العقود الشرعية من وقف وهبة ووثائق شرعية بخطه الجميل، مما يدل دلالة واضحة على مركزه الاجتماعي والثقافي.
وكان رحمه الله حافظًا للقرآن ومن القراء المعدودين يقرأ عن ظهر قلب وبسرعة فائقة مع عدم الإخلال في القراءة وكان إمامًا لمسجده الذي يطلق عليه اسمه حتى الآن ويوجد قرب السوق الداخلي، وكان يصلي التراويح وقيام رمضان إمامًا بقراءة مجودة عن ظهر قلب، واستمر في إمامة المسجد حتى أقعده الكبر والمرض.
وكان رحمه الله يجيد فن تجليد الكتب ويحترف هذه المهنة مما ساعده على مواصلة طلب العلم ولازم الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم حال كونه قاضيًا في بريدة ويكتب بين يديه حتى اسمته العامة "زابن الدراجة" في ذلك الوقت، وخلف خمسة بنين سليمان؛ وعبد الله، وصالح، وعلي، ومحمد، وثلاث بنات.
أخبار زاهد
كان الزاهد عبد الكريم الدرويش مشهورًا في ذلك الزمان، وكان عابدًا تضرب الأمثال بتوكله وله شهرة وقبول.
فمن أخباره التي تدل على توفيقه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وما يقع فيه
من الأهوال الصعبة فيدافع الله عنه، وقديمًا ما جرى من ألطاف بأهل الدين يريدون وجهه، كما قال تعالى في محكم كلامه البليغ الوجيز:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40].
من ذلك أنه أهدى إليه مرةً صاعًا برطب فأمر أهله أن يصنعوا من ذلك عشاء ويتصدقوا بالبقية، فشح أهله وادخروها لغد، فلما كان من المساء فتش في البيت فأخرج ما بقي وألقاه في الشارع بكيسه لمن وجده قائلًا لم تدخرون لغد ورزق غد على الله، وكان قد أخذ على أهله أن لا يدخروا لغد.
ومرَّ به إنسان يركض ويقول: من حفظ المطية، فاستوقفه الدرويش وقال له: أنا، ففرح بذلك صاحبها وجعل يدعو له، فأوقفه على نعش في المسجد وقال: هذا المطية، إشارةً أنه يحمل عليه الموتى، وهو مطية من مشي على الأرض إلى القبور.
ومرَّ رحمه الله على شيخ يسني ويغني فوقف عليه وقال: عياذًا بالله شيخٌ كبير وتغني، وقام عليه بالعصى فطفق يضربه ضربًا عنيفًا، ثم ذهب بعد ذلك ومعه رفيق له إلى المسجد ليصليا، فجاء ابن المعزَّر إلى أبيه بعدما وقفت السانية وأبوه قد أعظم الأمر وجعل يخبط كأنه مجنون يريد تشجيع ابنه على الانتقام من الدرويش، وبدر ابنه بقوله: أمك طالق يا ابن المرأة إن لم تقتله، فقام الشقي من فوره وأعمل البندقية وكان شابًا قويًا، فأنذر الدرويش وهو يصلي، فلم يتأثر وأتم صلاته ثم التفت قائلًا لصاحبه إلى جنبه:{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2]، الله أكبر وصف الصلاة هذا والابن كالأسد يحاور أباه في قتله، فلما سلم الدرويش إذا به قد أعمل الفتيلة وأقبل نحوهما، فقال له صاحبه: يا عبد الكريم أطلق رجليك فإن الرجل أقبل مسرعًا يريد قتلك، فالتفت إليه وهو يقول:{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]، الله أكبر وصف للصلاة فإذا بالأب يدعو ابنه قائلًا: يا محمد زال الرشا عن البكرة عدله يا محمد وامض لشغلك، فرجع الابن لهذه المهمة لأن لا ينقطع ظهر البعير، ولما أن رقى يريد تركيب الرشا وصعد فوق قرون البئر وأبوه ينتظره انطبقت البئر عليه من أقصى جهاتها فكانت قبرًا لهما وللإبل، فما وقف لهما على خبر.
فلما سلم الدرويش، نظر إلى صاحبه وقال: احفظ الله يحفظك، أما قلت لك سيكفينا الله شرهم.
تالله إنها لحالةٌ عجيبة يجب على كل مؤرخ سطرها وإثباتها تطلعك على عناية الله بأوليائه، وأنه الثائر لهم، ومن عاداهم فقد بارز الله بالمحاربة، ومن حارب الله غلب وخذل، فانظر إلى تلك الخارقة وتلك الثقة التي صدرت عن قوة إيمان وصدق توكل، وما أحسن ما قال بعضهم:
ما بال دينك ترضى أن تدنسه
…
وأَن ثوبك مغسولٌ من الدنس
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
…
إن السفينة لا تجري على اليبس
ودعا مرةً رجلًا من أهل الديانة فقال له: أتحسن الكتابة يا أخي؟ فاستحيا منه بأنه يكتب فقال: له أئتني بدواة ورقة فاتا بهما فقال: اكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ من عبد الكريم الخراساني إلى عبد العزيز بن متعب بن رشيد، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فقد قال الله تعالى:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ} [القصص: 41، 42]، وجعله في ظرف وبعث به إليه.
وبعث إليه عشرين ريالًا بعض أمراء القصيم، وقال للخادم قل له يستعين بها على بعض مؤنه الدنا فإنها من عون العبد لأخيه، وهذا الأمير هو عبد الله بن جلوي فلما أن وردت عليه أخذ منها ريالًا واشترى به نعلًا لابنه وبعث ببقيتها إلى الأمير مع الخادم، وقال له: قل للأمير أني أخذت لابني ريالًا وهذه بقيتها جعله الله يكوى بها في نار جهنم، يأخذون الأموال ظلمًا ويتجملون بها، قل له يردها على أربابها الذين أخذها منهم.
ولما رجع بها الرسول إلى الأمير سأله ما الذي منعه من أخذها وبأي شيء أجاب؟ وقال يا سيدي: إنه ردها ولا حاجة إلى ذكر هذيانه، فألجأه إلى أن يخبره بكلامه، فلما أخبره جعل ردائه على فمه وضحك ضحكًا شديدًا وجعل يفكر في مقالته.