المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان - جـ ٢

[إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن]

فهرس الكتاب

- ‌ثم دخلت سنة 1320 ه

- ‌ذكر رجوع الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلى الرياض بعد إقامته في الكويت

- ‌ثم دخلت سنة 1321 ه

- ‌ذكر تقدم ابن رشيد إلى الرياض

- ‌ذكر الاستيلاء على القصيم

- ‌ذكر ذهاب ابن رشيد إلى الدولة العثمانية يجرّها على المسلمين سنة 1321 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1322 ه

- ‌ذكر واقعة البكيرية والشنانة وما جرى فيهما من الخطب الفادح

- ‌ذكر واقعة الشنانة وما جرى من ابن رشيد

- ‌ذكر واقعة وادي الرمة سنة 1322 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1323 ه

- ‌ذكر ذبحة الحواشيش وما جرى من قساوة ابن رشيد

- ‌ الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم

- ‌ذكر قضائه وسعة علمه وحلمه وكيفيته وصفته

- ‌ذكر كراماته ومكاشفاته وماله من خوارق العادات

- ‌ذكر تلامذته والآخذين عنه

- ‌ذكر ما جرى عليه من الأمور وثقته بالله العزيز الغفور

- ‌ذكر أولاد الشيخ رحمه الله

- ‌ذكر الحركة والتقلبات في القصيم

- ‌ذكر أمر صالح الحسن بن مهنا

- ‌ثم دخلت سنة 1324 ه

- ‌ذكر قتل عبد العزيز بن متعب سنة 1324 ه

- ‌ذكر إمارة متعب بن عبد العزيز بن رشيد وما جرى من الحوادث

- ‌ذكر قتل صالح الحسن بعد إجلائه

- ‌ذكر المفاوضات بين ابن سعود وبين مندوب الدولة

- ‌ذكر رحيل الأتراك عن القصيم سنة 1324 ه

- ‌ذكر إمارة أبي الخيل في بريدة

- ‌ثم دخلت سنة 1325 ه

- ‌ذكر واقعة الطرفية الصغرى

- ‌ذكر واقعة السباخ

- ‌ذكر قتل سلطان بن حمود بن رشيد أمير حائل

- ‌ثم دخلت سنة 1326 ه

- ‌ذكر إمارة الحسين بن علي الشريف

- ‌تعريب الفرمان الذي صدر لحسين بن علي أمير مكة المكرمة

- ‌ذكر استقبال الحسين بن علي لما قدم الحجاز

- ‌ذكر ابن سعود ودخول بريدة في ولايته للمرة الثانية

- ‌ذكر ما جرى من الحوادث

- ‌ذكر قتل داعية الضلال عبد الله بن عمرو آل رشيد

- ‌ثم دخلت سنة 1327 ه

- ‌ذكر إمارة بريدة وقضائها

- ‌ثم دخلت سنة 1328 ه

- ‌ذكر الانقلاب في الدولة العثمانية

- ‌ذكر إمارة سعود بن عبد العزيز بن متعب

- ‌ثم دخلت سنة 1329 ه

- ‌ذكر حرب إيطاليا للدولة العثمانية

- ‌ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

- ‌أخبار زاهد

- ‌ذكر نهاية أمر الشيخ إبراهيم بن جاسر

- ‌ثم دخلت سنة 1330 ه

- ‌ذكر مطلب الوحدة العربية

- ‌ذكر العداء بين الشريف حسين وابن سعود

- ‌ذكر ما جرى من العرائف والهزازنة

- ‌ثم دخلت سنة 1331 ه

- ‌ذكر فتح الإحساء سنة 1331 ه

- ‌الاستيلاء على القطيف سنة 1331 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1332 ه

- ‌ذكر عقد المعاهدة بين ابن سعود وتركيا سنة 1322 ه

- ‌ذكر هادمة العهود ومفرقة الوفود وهي الحرب العظمى سنة 1332 هـ الموافق لسنة 1914 م

- ‌ألمانيا تعلن الحرب على روسيا وفرنسا

- ‌زحف ألمانيا على البلجيك

- ‌قتال روسيا في الجبهة الشرقية

- ‌بلغاريا تعلن الحرب على صربيا

- ‌ذكر الطراد أمدن وما جرى منه وعليه

- ‌ثم دخلت سنة 1333 ه

- ‌ذكر مساعي بريطانيا العظمى وقيامها ضد تركيا

- ‌مفاوضة الفريقين للشريف

- ‌ذكر النهضة العربية واتفاق الشريف مع الإنكليز

- ‌ذكر وقعة جراب سنة 1333 ه

- ‌ذكر التعريف بالعجمان

- ‌ثم دخلت سنة 1334 ه

- ‌وهذه ترجمته:

- ‌ مبارك بن صباح آل صباح

- ‌ذكر اتفاق ابن سعود مع الإنكليز وعقده معهم

- ‌معاهدة العقير سنة 1334 ه

- ‌ذكر الخلافة وعقد الحسين مع بريطانيا

- ‌ذكر إعلان الثورة

- ‌ذكر الحرب في المدينة والسواحل

- ‌ذكر الحرب في دمشق

- ‌ثم دخلت سنة 1335 ه

- ‌ذكر توتر العلاقات بين ابن سعود وبين الشريف

- ‌ثم دخلت سنة 1336 ه

- ‌ذكر اتفاق فلبي مع ابن سعود

- ‌ذكر سكون العرب العظمى

- ‌ذكر البدو والهجر

- ‌أسماء الهجر

- ‌ثم دخلت سنة 1337 ه

- ‌ذكر واقعة تربة

- ‌ذكر الهول في وقعة تربة

- ‌وهذه صفة المعركة بتربة رسمًا

- ‌ذكر صدقه في معاملته لربه وثقته به

- ‌ذكر ما جرى على تركيا من الهوان

- ‌ثم دخلت سنة 1338 ه

- ‌ذكر سوء التفاهم بين صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود وبين سالم بن صباح

- ‌ثم دخلت سنة 1339 ه

- ‌ذكر أنجال الشريف وإمارتهم

- ‌عبد الله بن الحسين

- ‌فيصل بن الحسين

- ‌زيد بن الحسين

- ‌ذكر واقعة الجهراء

- ‌ذكر جوده وكرمه

- ‌ذكر تدريسه وسعة علمه

- ‌ذكر شجاعته ونباهته وصفته ومقاماته في الإسلام

- ‌ذكر ثناء العلماء عليه وميل الناس إليه

- ‌إمارة عبد الله بن متعب بن رشيد وقتال أهل حائل بساحة دارهم

- ‌ذكر إمارة محمد بن طلال

الفصل: ‌ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

وضربت الموانئ وسدت طرق البحر ولم يبق منفذ للأتراك غير طريق مكة، فعند ذلك كلفت الحكومة التركية الحسين بن علي مرة ثانية بإرسال الجنود إلى عسير، فأرسل الحسين ابنه فيصلًا إليها من مكة، فلما سار وبلغ قوز الشاهد أقام به، وكان على مسافة ثلاثين كيلو مترًا من القنفذة، وحصلت وقائع لم تنتج نتيجة تذكر، وعاد فيصل بن الحسين إلى الحجاز بدون جدوى.

‌ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

ففي الليلة السادسة من ذي الحجة في الساعة السادسة منها توفي الشيخ وهذه ترجمته:

هو الإمام العالم العلامة الحبر النبيل والفاضل الجليل العارف الأوحد المحقق البارع المدقق سيف الله على أعناق المبتدعين وسهمه الصائب لأفئدة المارقين، الحبر الثقة اليقظ النبيه الشهم الملهم المتقن الحافظ المجتهد الزاهد العابد الورع، مفيد الطالبين ذو العقل الفائق والرأي الصائب الرائق.

ولد في مدينة الرياض سنة 1380 هـ ونشأ بها نشأةً طيبة، وكان له معرفة تامة في علم الحديث والتفسير والفقه، أخذ العلم عن أبيه الشيخ عبد اللطيف، وأخذ عن أخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، وأخذ الفقه والنحو عن الشيخ حمد بن فارس وغيرهم، وما زال يتقدم في العلوم النقلية والعقلية حتى كان آية في الفهم والذكاء والحفظ والفطنة تضرب الأمثال به في الذكاء والشهامة والحفظ، ولما كان في سنة 1321 هـ، ولاه الملك عبد العزيز القضاء في الرياض فاستمر في هذه الوظيفة إلى أن توفاه الله تعالى:

وكان له مجالس في التدريس كثيرة زاهرة بالعلم، وكان هينًا لينًا مهابًا سمحًا كريمًا متحببًا ومفيدًا للطالبين قويًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نهاية الأمة ولا يخاف في الله لومة لائم، له قوة وإقدام وشهامة وهيبة، وكان زاهدًا في الدنيا لا يذكرها ولا تدور في ذهنه، وله مكارم أخلاق وحسن عشرة ووفور حلم وغزير فطنة.

ص: 113

أما تلامذته الذين أخذوا عنه فمنهم ينوه الشيخ محمد، والشيخ عبد الله، والشيخ عبد اللطيف، وأخذ عنه الشيخ عبد الملك بن إبراهيم، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن داود، والشيخ عبد الله بن حمد الدوسري، والشيخ مبارك بن باز، وأخذ عنه الشيخ عبد الرحمن بن سالم، وأخذ عنه الشيخ فالح بن عثمان، وأخذ عنه الشيخ إبراهيم بن حسين بن فرج، وأخذ عنه الشيخ سالم الحناكي، وأخذ عنه الشيخ سعد بن سعود، وأخذ عنه الشيخ سليمان بن سحمان.

وأخذ غير هؤلاء خلق كثير وجم غفير، وكان له فتاوي كثيرة ذكر منها جملة في مجموع الرسائل والمسائل، وله رد على أمين بن حنش.

ولقد رثاه العالم الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري لما توفاه الله تعالى بهذه الأبيات:

إلى الله نشكو ما دهانا ونفزع

ونرخي أكفًا للدعاء ونرفع

عسى نفحةً من جوده حين سؤلنا

تلم لنا شعثًا وللشمل تجمع

فما مرَّ في أزماننا من ساعةٍ

أتانا بها أمر فظيع مروع

فما أوحش الدنيا علينا بمادها

وأيتمني والقلب مني مصدعُ

بموت إمامٍ فاضلٍ متفضل

ومن في فنون العلم بحر مترعُ

لقد سالت العينان مني بالبكا

وحق لها عند الزلازل تدمع

دهانا شديدٌ من خطوب جليلةٍ

وقلبي لفقد الأكرمين مفجع

فيالك من حرجٍ ممضٍ ولوعةٍ

تكاد لها الأحشاء مني تقطع

ويالك من رزءٍ فظيعٍ على الورى

وهد بسور الدين من أين يرقع

لقد كان شمسًا للورى مستنيرةً

وبدرًا على أهل البسيطة يسطع

شهابٌ على هام الشياطين مرصدٌ

ونجم لطلاب الهداية يطلع

إذا ما دجى ليل الشكوك وأظلمت

غياهب سحب الغي عنا يقشع

فتضحي لنا السمحا يلوح طريقها

ويبدو لنا التوحيد يسمو ويلمع

عسى ربنا الباري يجود بمنةٍ

ويدخله الجنات يرقي فيرفع

ص: 114

إلى حضرة الفردوس من كل مخلصٍ

إلى صالح الأعمال بالسعي يسرع

ويبقى لنا ذرية الشيخ منهمو

أمن علينا من الآباء وأنفع

وكان الشيخ إبراهيم عالمًا أصوليًا متفننًا له كمال السبق في الفضائل، ومن أعلام الأئمة المهديين من آل الشيخ وجد وجاهد ونافس في المعالي.

وما أحسن ما قيل فيه:

حليمٌ كريمٌ عالمٌ متفننٌ

جسورٌ بما يأتي لحل المشاكل

بصيرٌ بأقوال الهداة محببٌ

إلى الخلق طرًا في الخصال والفضائل

يدين بقال الله قال رسوله

بعيدٌ عن التقليد في كل نازل

وكان على الأعداء شديدًا وزاجرًا

وثقلًا على من ليس يومًا بسائل

عن الغي والإفساد والخبث والردى

ويسعى لما يهوى فيا ويح جاهل

أعد لمن يدعو إلى الغي والخنا

شباةٌ يراعٌ قامعٌ للأباطيل

فيا حسنه في وقته وزمانه

فأنعم به من فاضلٍ وابن فاضل

وكان الشيخ غنيًا عن التعريف به في الفضل والعلم والنهى.

أما نسبه: فهو أبو عبد الله الشيخ القاضي إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رفع منازله في دار عليين، وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كان رحمه الله لما كان قاضي بلد الرياض جعله على قضائها جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن منصفًا بارعًا عارفًا عالمًا عاملًا، وله قوة إدراك وملكة على استخراج النصوص من مظانها، أضف إلى ذلك تسديدًا في القضاء وعدلًا ومقدرةً يقنع الخصمين، وتطيب النفس بقضائه ذلك، لما منَّ الله به عليه من كمال العقل والبصيرة والغوص على فنون العلم والمسائل والعدل والنية الحسنة.

وكان مع ذلك ذا أصل عظيم ومعرفةً بالتوحيد وعلم العقيدة، ومبعدًا لأهل الضلال والتنديد، فكان عود الشجا في حلوق أعداء الله ورسوله ومناصر لأهل الدين والعلم، ولقد كان في أقضيته وتصديراته آية من آيات الله، حتى كانت

ص: 115

تضرب الأمثال بإقناعه للخصمين ورضاهما وقبولهما، فنسأل الله تعالى أن يجبر المسلمين بفقده.

ولما مات اندهش الناس لموته، وكان الزاهد الصوفي عبد الكريم الدرويش المشهور لما بلغته وفاته كان في تلك اللحظة إلى جانب أمير من أمراء البادية، فضرب بيده على الأخرى وقال إنا لله وإنا إليه راجعون، واشتد بكائه وجزعه وقال: مات قاضي الرياض وتعطل الرياض بلا قضاء، يموت العالم فلا يخلف من عقبه من يسد مقامه ويموت هذا ويشير للأمير فيكون عقبه عشرون شيطانًا كل واحد أنبه في الإمارة من الآخر، يعني أن الأمراء كثيرون بخلاف العلماء، وصدق رحمه الله فإن الإمارة كثير أربابها بخلاف القضاء، فقد يموت الأمير ويكون له أنجال كلهم أمراء، وإن العالم بالشريعة لا يكون من عقبه من يسد مقامه وهذا شيء مشاهد وسنلوح عن قريب بذكر الدرويش هذا.

وكان الشيخ إبراهيم كهفًا لأهل الدين ولا يزال في حياته معاضدًا لأخيه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف رئيس القضاة والمفتين في نجد إذ ذاك ينتا بهما الإخوان وطلاب العلم وحصنًا منيعًا لأهل هذه الدعوة المحمدية والملة الإبراهيمية، وذلك لما منحهما الله تعالى من نفاذ الكلمة وقوة الإرادة والفتوحات الإلهية والعلوم الربانية ما أضاء نورهما في الأفاق وسما به فضلهما كالشمس وقت الإشراق، ولما مات خلف من الأولاد، محمدًا وعبد الملك، وعبد الله وعبد اللطيف.

فأما محمد فهو الشيخ الذي انتهت إليه الفضائل والمكارم في وقتنا هذا، وناهيك به حيث أصبح المفتي العام في الحكومة السعودية وسماحته متأهل لجميع العلوم.

وأما عبد الملك فإنه رئيس هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحجاز، وكان فيه مؤهلات مع دماثة أخلاق وتحبب إلى من يجالسه.

وأما عبد اللطيف فهو مدير المعاهد العلمية تحت إشراف أخيه محمد وله ذوق في العلوم وفضل وبراعة لا سيما في علوم المواريث.

ولما مات الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف رثاه العلماء بمراثي حسان، فمنها ما رثاه به الشيخ سليمان بن سحمان، وقد كان لها حسن الوقع وغاية القوة.

ص: 116

على الحبر بحر العلم شمس الحقائق

نريق كصوب المدجنات الدوافق

دمًا بدموع وكفها متتابع

وحق لذي لب محبٌ ووامق

إراقة دمع العين سحًا ودائمًا

على الشيخ إبراهيم شمس الحقائق

على علم الأعلام نجل ذوي التقى

من اشتهروا بالفضل بين الخلائق

هموا أظهروا الإسلام في كل وجهةٍ

من الأرض في غربيها والمشارق

هموا جدود الإسلام بعد اندراسه

وهدوا رعان الكفر من كل شاهق

فلهفي على شمسٌ تشعشع ضوئها

وبدرٌ سمت أنواره في الغواسق

فما طرقتنا ليلةً بمصيبةً

ورزء دهى بالمعضلات الطوارق

لست مضت من شهر ذي الحجة إنها

لست من الساعات من جنح غاسقٍ

لتسع سنين بعد عشرين قد تلت

ثلاث مئين بعد ألفٍ مطابق

بأعظم منها لوعةً ومصيبةً

فأعول كل بالبكاء والتشاهق

ولا كصباحٍ مرَّ يومًا بمره

كصبحٍ تولوا بالحبيب المفارق

فضجوا جميعًا بالبكاء وبالدعا

وسالت جفونٌ بالدموع الدوافق

لفقد محبٍ كان مذ شب يافعًا

وكهلًا إلى غير النهى غير تائق

يروم المعالي باهتمام ورغبةً

فأم إلى هاماتهن الشواهق

بهمته العليا لنيل مرامها

ونهمة مشتاقٍ إليها وشائق

وقلب عقولٍ مطمئنٍ مفهمٍ

يرى إنما تحصيلها في التسابق

فقام بتيار المعارف قاصدًا

إلى ثبج هاتيك العلوم الشوارق

علوم أصول الدين والفقه فارتوى

فنال المنى منها بأسنى الطرائق

بهن ينال المرء كل فضيلةً

وليس بغير العلم ترجي لوامق

فلله من حبر هزبرٍ محققٍ

أبي وفيٌ عالم بالحقائق

تقيٌ نقيٌ المعي مهذب

كريمٌ سليم القلب دمث الخلائق

لبيبٌ أريبٌ أحوذيٌ موفقٌ

نقيبته التقوى وبغض المماذق

ووقاد ذهن حازمٍ متيقظٍ

وذي حذرٍ عن معضلات العوائق

ص: 117

وقد كان ذا عقلٍ رزينٍ مؤيدٍ

وليس بطياش ولا المتحامق

له في فنون العلم باغٌ ومسرحٌ

وميلٌ إلى القول الصواب الموافق

يغوص بفهم ثاقبٍ متوقدٍ

لحلٍ عويص المشكلات الدقائق

وإدراك ذي علمٍ وحسن روايةٍ

يفوق بها الأقران من كل حاذق

وحفظٍ وإتقانٍ وحسن تصورٍ

لما كان معنيًا يراد لسابق

يؤم إلى كل العلوم بخبرةٍ

وعلمٌ وتحقيقٌ وحلمٌ مطابق

قريبٌ إلى أهل التقى وذوي النهى

وليس لأعداء الهدى بالموافق

بعيدٌ عن الأشرار من كل فاسقٍ

وذي دغلٍ جافٍ جهولٍ منافق

حباه إله العرش هذا تفضلًا

على رغم أنف الكاشح المتحامق

تراه محبًا ظاهرًا متملقًا

وليس على ما يدعيه بصادق

وقد كان للطلاب كهفًا وموئلًا

إذا ما دهتهم معضلات الوثائق

فيصدر كل من أولئك راجعًا

بكل الذي يهوي بمحض الحقائق

فيفتيهمو بالنص إن كان واردًا

وأقوال أهل العلم من كل سابق

فإن لم يجد أقوالهم قال بالذي

يقول به الأصحاب من كل لاحق

وقد كان لي بالحق خير مساعدٍ

على قمع صنديد كفور مشاقق

ومبتدع في الدين أو متهوك

بأهل الهدى أو مستريب منافق

كذاك على جافٍ جهولٍ مفرطٍ

وآخر غالٍ مفرط ذي شقاشق

لئن كان في الدنيا على خير حالةٍ

يفوز بها أهل التقى والسوابق

لدى الملك العلام ذي العرش والعلى

وخالقنا الرحمن رب المشارق

ويرجو بها الزلفى لديه ذوو التقى

ويسمو بها في الناس بين الخلائق

فسيرته محمودةٌ مستفيضةٌ

لدى الناس لا تخفى على كل رامق

بكل جميلٍ من محاسن من مضى

تحلى فأضحى فائقًا كل فائق

فنرجوا من المولى له العفو والرضا

ومحو الذنوب المثقلات العوائق

وإن كان قد أضحى رهينًا لرمسه

لقد خلف الأحزان في كل وامق

ص: 118

وأضحت ربوع العلم قفرًا دوارسًا

من العلم للطلاب بين الخلائق

فيالهف نفسي قد أمضَّ بها الضنى

من الحزن لم يلمم بها حزن ماذق

وإني لذو حزنٍ وإني لصادقٌ

وبعض الورى في قيله غير صادق

فيا من على العرش استوى فوق خلقه

عليه على من فوق سبع الطرائق

أنله الرضا والفوز بالقرب وأكفه

لهيب لظىً عند احتضار المضائق

وإن كان ربع العلم أقفر بعده

وحل بنا رزئ المحب المفارق

عسى الله أن يبقى لنا قمر الدجا

وشمس الهدى للحالكات الغواسق

وأعني به من كان للناس قدوةً

إذا ما دهتم معضلات الطوارق

وكفهًا منيعًا عند كل بليةً

إذا دهمت من ملحدٍ أو منافق

هو الشيخ عبد الله من سار ذكره

من الأرض في غربها والمشارق

هو الردم للأعداء من كل مأذقٍ

ومن كل شر ضرير ومارق

هو القطب فينا لو تزيل لاجترى

علينا العدا من كل خصم مشاقق

فيارب حقق بالرجاء فيك سؤلنا

وأحسن لنا العقبى من كل طارق

وأبق بينهم سادة يقتدي بهم

إلى منهج المعصوم أزكى الخلائق

وأورثهمو حكمًا وعلمًا وهب لهم

ذكاءٌ بها في كل فنٍ مطابق

ووفقهمو للخير فضلًا وهب لهم

ذكاءٌ لكيلا ينطقوا بالشقاشق

وصل على المعصوم ربٌ وآلهِ

وأصحابه أهل النهى والسوابق

وتابعهم والتابعين لنهجهم

على السنن المحمود أسنى الطرائق

وللشيخ حسين بن علي بن نفيسة الحنبلي قصيدة يرثاه بها وهي هذه القصيدة التي أفصحت عن صفاته الحسنة وأخلاقه الجميلة:

قفا وأبكيايا صاحبا من تقدمًا

وعوجًا على الأطلال ثم توهما

هل الدهر أبقى للمنازل آية

وهل من مجيبٍ بالجواب يجبكما

فإن قال هذا ربع أحبابنا الأولى

فجودا بماء العين حتى ولو دمًا

ص: 119

عفا لا عفا من كل بكر مليحةٍ

ولا زال مأنوسًا ولا زال منعمًا

فعهدي به فيما مضى بهجة لنا

وعهدي به السمار والبيض كالدما

فيا ربع ليلي العامرية لا بلى

ويا رسم سلمى لا تزال مسلمًا

تسلي بتذكار المعالم ما بنا

من الحزن إذا صما الفؤاد وألما

ونندب شيخ العلم والحلم والتقى

سلالة ناس يرشدون من العما

له في فنون العلم أطول ساعدٍ

ومسلك عدل لم يكن فيه متهمًا

على الشيخ إبراهيم تبكي مدارسٌ

لقد عهدت بالدرس تنمي وتنتما

نعم هد ركن للهدى وبدى الردى

وغيب بدر الحق فالأفق أظلما

على مثله نبكي جهارًا وخفيةً

ونبكي على بنيان علم تهدهما

لقد قل من في الأصل يؤمن بعده

سوى من له يعزي فهم فيه أعلما

فما كان رب المال راج لنيله

ولا يائسًا مما قضى متظلمًا

إذا جلسا حفتهما منه هيبةً

فقاما بما أرضاهما من تخاصما

له نيةً قرت بجذر فؤاده

فوفقه رب العباد وألهما

به قد أصيب المسلمون جميعهم

ألا أن هذا الخطب قد صار أعظما

أولوا العلم صاروا للحوادث عرضةً

وما ذاك إلا شؤم ذنبٍ تعظمًا

إذا مات عالِمٌ مات عالَمٌ

وأصبح نور الحق بالجهل مسهما

فيا آل آل الشيخ جدوا وجددوا

عزائمكم واسموا كمن للعلى سما

إلى طلب العلم الذي إن سبقتم

إليه فقد نلتم به كل مغنمًا

وضيفتكم لا تتركوها فتندموا

فمن فعل الأسباب لن يتندما

فبالدين لا بالمال قد تردك المنى

فسحقًا لمال غبَّ مشربه ضما

وحومًا على التوحيد إذا كان عزكم

وميراث جدٍ قد مضى فيه مقدما

فتبًا لمن لا قام مثل مقامه

مقامًا به من قام لله أكرما

فأكرم به إذ حاز كل فضيلةٍ

حنانيك في وقتٍ به الكفر قد طما

محمد الهادي لملة أحمد

فهذا هو الدين الذي كان قيما

ص: 120

إلا إن أحلى ما يقيت قلوبنا

وما كان للأرواح أهنا وأنعما

صلاة وتسليمًا على خير مرسلٍ

مع الآل والأصحاب ما دامت السما

وفيها توفى الشيخ عبد الله بن خاطر قدس الله روحه ونور مرقده وضريحه، وهو العالم العارف الصابر الجواد الكريم السخي ذو الفضل والمعرفة، عبد الله بن محمد بن خاطر المعروف بالدين والفضل والمنتظم في سلك أهل هذه الدعوة الوهابية النجدية مظهر التوحيد ومبيد الكفر والتنديد، كان مكرمًا لحملة العلم والدين وحبر جليلًا وثقةً نبيلًا، يقصده أهل الإيمان ويألفه أهل الفضل والعرفان فيجدون عنده ما يؤملون، ويكفيك شرفًا له أن يبعث إليه الشيخ سليمان بن سحمان يطلب منه أن يطبع ردوده على أعداء الله ورسوله لما انتشر ما طبعوه في مسبة الشيخ الإمام وعلم الأعلام محمد بن عبد الوهاب، وما رموه به من الأكاذيب والترهات، وكان صندوق مالية الحكومة السعودية إذ ذاك خاليًا بواسطة نفقات الحروب والغزوات، فبعث إليه يشجعه ويستنجده، علمًا منه بأنه العضد الأشد في نصرة الدين ومكافحة الكفار والمنافقين، فإذا كان أولئك الزنادقة يبوحون بما لديهم من الكفريات والضلالات، وعندنا أعظم مصادمة لها وقوة ملكة وإرادة، غير أنه لا مطابع عندنا ولا نفقة للطبع، فإنا نستنجد بك يا عبد الله، ونرجوك المساعدة في نشر هذه الردود لمصادمتها خرافاتهم وتمويهاتهم.

فمن أبيات قصيدة الشيخ سلمان يمتدح المترجم ويشجعه ويسأله ما لديه في طبعها قوله:

إلا أيها الغادي على ظهر ضامر

من اليعملات الناجيات النجائب

تجوب فيافي البيد وخدا ومسئدا

ولم تكترث يومًا بطول السباسب

تحمل هداك الله مني تحيةً

هديةَ ذي ودٍ على خير صاحب

ومن قد سمت أخلاقه وصفاته

سلالة أمجاد كرام أطائب

هو الشهم عبد الله أعني ابن خاطر

حميد المساعي ذو النهى والمناقب

وأبلغه تسليمًا على البعد والنوى

بعد وميض البرق جنح الغياهب

ص: 121

وما حن من رعد وما ذر شارق

وما أنهل ودق من خلال السحائب

يؤرج ترب الأرض إذ فض ختمه

عبير شذا مختومه في المقانب

وما ذاك إلا أنه ذو محبةٍ

لأهل الهدى من عجمها والأعارب

لقد سرني ما جائني عنه من تقى

وصحبته الأخيار من كل صاحب

وإجلاله أياهمو ومحبةً

لمن دان بالإسلام أعلى المطالب

يحب لا جل الله من كان مؤمنًا

ويبغض أهل الكفر من كل ناكب

يحب لا جل الله من كان جده

بتلك الصفات الساميات الثواقب

ومن ذا الذي فيها يسامي لقاسم

ولكن سعت أعراقه بالمناقب

فشام الأبي الألمعي مآثرًا

وأم إلى هاماته والغوارب

رأى نصرة الإسلام حقًا وواجبًا

وقد غاضه من هاضه بالمصائب

يرد غلات مارقين أخابث

على الشيخ شمس الدين بدر المناقب

يريدون أن يطفؤا من النور والهدى

بأفواههم والترهات الكواذب

ثم ما رامه أعداء الشريعة من تكفير الشيخ وأتباعه، إلى أن قال:

وقد منَّ مولانا علينا برد ما

به مو هو من مفظعات المعائب

وما أفسدوا في الأرض بالكتب التي

أشاعوه في شرقها والمغارب

وقد طبعوا منها لعمري مطابعًا

وزجوا بها في كل قطرٍ وجانب

فحاموا على الدين الحنيفي والهدى

ولا تتأنوا في اكتساب الرغائب

فلا زلت بالمعروف تعرف

ولا زلت مقصودًا لدى كل المناقب

وجو زيت من مولاك خير جزائه

وبوأك المولى يفاع المناقب

ولا زلت مذكورًا بكل فضيلةٍ

ويثني بها جهرًا بكل المقانب

ومما قد طبعت مؤلفات الشيخ سليمان بن سحمان ولله الحمد والمنة بمطابع الهند ومصر وغيرها.

ومما قاله الشيخ حسين بن علي بن نفيسة يمتدحه في قصيدة منه هذه الأبيات:

فدع ذكر من تهوى فما أنت والهوى

إلى ذكر من أحيا المروات والكرم

إلى عابد الله الهمام بن خاطر

خواطره خطارةً للعلى أمم

ص: 122

له شطرها والناس في الشطر كلهم

ويأخذ شطر الشطر منهم إن قسم

فلم يبق إلا الربع إن حملوا له

فذاك والأقلة ثم ما سئم

تسامًا لها طفلًا فأدرك يافعًا

لها كلها من قبل أن يبلغ الحلم

ففاق على أقرانه بفعاله

وأطلق كف الجود حتى بها علم

على كل حال تلفه غير طائش

ولا فاحشًا سيان أن أثرًا أو عدم

فأذكره في الفضل والبذل والندى

وعند العدى والحرب والضرب أن ألم

إذ كان هذا فعل أبائه الأولى

فإن الفتى في سلك آثارهم أهم

إلا أنهم فيمن مضى عرفت لهم

فضائل أن دهر على جارهم أزم

هم الباذلون المال لله طاعةً

وهم يوقدون النار أن أخمد البرم

على إِثر أجداد على الجود حافظوا

أبى الله أن تترك بنوهم لما رسم

ليهنيه عبد الله ما كان أهله

من المجد والإحسان والخيم والشيم

لبيبٌ منيبٌ ماجدٌ فائق الذكا

شمائله بين البرية لم تذم

لقد آثر التقوى فآوى أولى التقى

وكان عن اللاواي ملاذ وملتزم

أبت خصلتان غير لابن محمد

رضا الله والمعروف بالكف والقلم

تأوى له الهلاك من كل جانبٍ

فيمطرهم من جوده وابل زدم

له علموا فاستأنفوا السير والسرى

تراهم على الأنضا إلى قصده زيم

رجالًا وركبانًا يهلون نحوه

كما هلَّل الحجاج في الأشهر الحرم

فيجمعهم ناديه من بين مقترٍ

وغرثى اليتامى والمخول والقدم

على قدر ما يؤتى من الله لم يكن

منوعًا فما من فضله أحد حرم

فهيهات من يعطي الجميل تبرعًا

سواه ولا من كان في سالف القدم

تبصرت من ينبي نباه فلم أجد

ففضلته والشكر مني له لزم

أحاببه بالقيل الذي أنا قائل

فهيهات أن أدرك جزاه ولو أدم

أضائق أهل العرف نشر ثنائهم

وحسبك ما أسدى زهير إلى هرم

قصائد تتلى ليس تبلى وقد بلت

جوائزها من مسرجات ومن نعم

ص: 123

فإن عشت لا أنساه في كل محفلٍ

إذا كان نشر الثنا خير ما غنم

بنشر يضيق الحصر عن حصر بعضه

ونظم مدى الأيام مهما لي انتظم

وإن كنت في الإنشاد لست كمن مضى

فكم من حسام لم يغلل في البهم

وكم من صموت لا يراعا وربما

إذا أطربت أقوال جل الورى خصم

وكم معرض والناس ما عنه أعرضوا

إلا إِن من أشررهم قل من سلم

فعش وابق عبد الله واسلم لنا ودم

عن العشر مغنًا والعدوان لنا زحم

إلهي أَوله المكارم والغنى

وسدد وأبعد كل سوء له يهم

وقال أيضًا يرثاه لما قتل مظلومًا وفجأةً بيد من لا يفلح، فرثاه شاعرنا بهذه المرثية العجيبة الفصيحة التي شفت وكففت فالله المستعان:

خلى الربع من سلمى فأصبح مسفرًا

وقد كان مأنوسًا به البيض تسمر

ليالي إذ سلمى فتاةٌ كأنها

من البان أنبوبٌ به الطلع يزهر

وإلا من اللائي رعين بوجرةٍ

مهاة دعاها بالخميلة جوذر

سقته السواقي بعدما كان حقبةً

براحٌ عليه بالعشي وينشر

وتختلف الأنعام بين مروجة

وتدني به اللذات والعيش أخضر

عفى غير آثار الجياد وجثم

وأشعث مشجوجٌ ونو بدور

سقى الله هاتيك الربوع بها طل

من الدلو لا نخلو مدى الدهر تمطر

عهدت بها الحي الجميع فأصبحت

طيور النوى تشدوا بها ثم تصفر

سليما بنا الأحزان لمت فآلمت

وهل هيج الأحزان إلا التذكر

فمالي وما للهو إذ شاب عارضي

وعالٍ سواد الرأس شيبٌ يفكر

ذريني وما قد كان مني صبابةً

وبكى فإن الرزء أدهى وأكبر

فيالك من خطبٍ أصم مسامعي

وعيني دوامًا دمعها يتحدر

كأن فؤادي بين أظفار طائر

يمزقه في الجو ساعةً يشهر

نهاري كليلي بل ونومي كيقظتي

ويسري كأعساري وعيشي ممرر

على طاهر الأثواب إذ سكن الثرى

وقد كان يثري بالجزيل ويغمر

ص: 124

لأن كان عبد الله أودى شبابه

فإن سبيل الجود لا شك أوعر

توفيت الآمال والعرف بعده

فلو خلت حظي كلما قام يعثر

أرى بعده أن الحياة ذميمةً

وكل جواب بعده ليس يذكر

فتى لا تخطاه الرفاق لغيره

يلاقيهمو بالبشر والكون تنحر

فتىً همه فعل الندى في كل لحظةٍ

خليقٌ له مذشب ما عنه يصبر

فتىً يكسب المعدوم من حر ماله

أياديه لم تنفك بالجود تمطر

فتىً حسنت أخلاقه وفعاله

فتىً ضاحك العينين والوجه مسفر

فتىً لا يبالي أن يصير بجسمه

كلوم بيوم الروع والموت أحمر

فتىً لم أرى من يقوم مقامه

إذا أزمت غبر السنين وأعسروا

فتىً حاز دق المكرمات وجلها

فإن ذكروا أهل العلى فهو أفخر

فإن رمته في الدين فأت نديه

تجد كل من يروي الحديث ويخبر

بتعليمٍ قال الله قال رسوله

وما قاله الأصحاب بعد وكرروا

ترى الأمهات الست من جل كنزه

وفي كتب الشيخين دأبًا يذكر

على السنة الغرا حريصٌ وعاملٌ

بما اسطاع منها لا يمل ويفتر

فيبذل للمعروف والعرف أمره

ولا يكترث بالناس إن كان غيروا

فكم منكرٍ أردى وكم بدعةٍ محا

حكيمٌ عليمٌ بالذي فيه يأمر

وكم جمع الإخوان في وسط داره

على كل ما تهوي النفوس وتشكر

على جفنٍ مثل الجوابي ينوبها

وفودٌ لهم كل يومٍ تحضر

يصلي كثير الليل لله لم يزل

سؤلًا له حتى إذا الناس أسفروا

دعى للندى الداعي بصوت تجيبه

مساكين والغرثى لديه تخبر

فيطعمهم يرجى من الله بره

بيومٍ به كل الصحائف تنشر

وإن رمته في الحرب فهو ضرامها

إذا أكلحت أنيابها فهو مسعر

له تشهد الخيل الكمأة مع القنا

ويشهد حين الكر بدو وحضر

فما أسد تخشى الضراغم بأسه

له أشبلٌ يسعى لها ويبكر

ص: 125

فيصطاد أبطال الرجال يقيتها

بلحمهم تغذي صغارًا فتكبر

ترى الناس قد هابوا حماه مخافةً

فمن يمشي في واديه فهو مخطر

باظفر منه حين يلتحم الوغى

وتزفر أحقاد الصدور وتظهر

نثيلٌ على الأعداء وغيثٌ على الندى

كريمٌ إذا أسدى وصلوا بيسر

فمن بقطيرٍ مثله غير جده

يلي خاله الأدنى كريمٌ يفخر

أولئك عبد الله والشيخ قاسم

وفضلهما بين البرية أشهر

فذكرهما بالجود فرض وسنَّة

على كل من يروي القريض ويشعر

تسامى لما قد عرفاه من العلى

فما زال للنفس العزيزة يصغر

تقضي زمان الوصل وانعكس الذي

نريد فهل ابن المطايا تنحر

وولت سويعات السرور وأبعدت

عسى الله للمكسور بالوصل يجبر

فمن مثله للوافدين مؤملٍ

إذا أجدبت أوطانهم ثم أعسروا

لقد كان للدهر المربد أعينًا

فلما تولى أصبح الدهر يعثر

فيا آل مرٍ مرر الله عيشكم

وأسكنكم في الحشر نارًا تسعر

ويا آل نوطان تناطون بالبلى

وتقهركم أعدائكم ثم تجزر

قتلتم كريم الجد والخال سيد

منيع ذمار الحي والنقع أكدر

فيا أخوا عبد الإله إلا اصبرا

ولا تجزعًا مما أراد المقدر

فهذا سبيل الناس للموت والبلى

ولو مدت الآجال لا بد يقبر

فقد كان عبد الله أردى قرينه

غشاه نجيعٌ بالجراحة أحمر

ولكن أحب الله لقياه إنه

حبيبٌ له فاشتاق منه التبكر

وفضله منه بخير شهادةٍ

كما فضل الأخيار قبل وحبروا

فأين أبو حفص الذي عز ديننا

وسماه بالفاروق النبي المبشر

وأين شهيد الدار حب نبينا

مجهزٌ جيش العسر ما ذاك ينكر

وأين الذي أردى ابن ودٍ بكفه

علي الذي منه العلوم تفجر

وسبطا رسول الله أبناه لو يكن

بذي الدار من يبقى لعاشوا وعمِّروا

ص: 126

فيا فهد أوصيك بابن محمدٍ

وأنت لعمري بالوصية أجدر

فسيرة عبد الله لا تتركنها

فإنك إن حققتها سوف تذكر

فما أنت إلا صنوه وشقيقه

واصلكما منه المكارم تظهر

فواخ هداة الحق إن كنت حازمًا

وجالسهم واحفظ لما كان سطرو

عن الله أو عما قال رسوله

من الهدي واحذر كل أمرٍ يحذر

وكن عاملًا بالعلم لا بجهالةٍ

لتنجو بيوم الحشر والهول أكبر

وأخلص لمولاك الدعاء موحدًا

فإن الذي تخفيه يومًا سيظهر

ودونكها يا ابن الكرام خريدةً

سمت من محبٍ للمحاسن ينشر

من الوطن النجدي سارت مجدة

إلى فهدٍ أعني بن خاطر تخطر

فذاك الذي يقري القرى كل لحظةٍ

ويعطي اللهي قبل السؤال فيكثر

وأزكى صلاة الله ثم سلامه

على المصطفى والصحب ما انشق نير

ومن أبيات للشيخ سليمان بن سحمان يرثاه بلَّ الله ثراه بوابل الغفران وأسكنه بفضله فسيح الجنان:

يا عين جودي بدمعٍ هامعٍ هامٍ

على الأغر الأبي الفاضل السام

لا تسأمي أن تريقي الدمع عن كثب

على الدوام بدمعٍ منك سجام

على الوفي الصفي اللوذعي ومن

بالدين يسمو عن الأدناس والذام

أخي المكارم عبد الله من حسنت

في المسلمين له آثار إنعام

لله من المعي فاضلٌ ورع

مهذبٌ أريحيٌ ذي تقى سام

أبكيه لما أتانا نعيه حزنًا

يا لهف نفسي على ذي العفة الحام

حامي الذمار إذا ما أزمةٌ أزمت

لله درك من حامٍ ومقدام

يا لهف نفسي على من كان همته

في الدين ساميةً عن زهو أوهام

مجاهدًا جاهدًا فيما يقربه

من الإله بإخلاصٍ وإعظام

وبذل جودٍ وإحسانٍ ومكرمةٍ

قد كان ذلك منه منذ أعوام

يغار لله أن تؤتي محارمه

لا يخشى في ذاك من لومات لوام

ص: 127

يحب في الله أهل الدين مرتجيًا

فضلًا من الله من جودٍ وإكرام

وإن عرى الدين ثلم قام منتصرًا

في قمع كل مجدٍ فيه أوحام

حوى المكارم عن جد أخي ثقةٍ

وعن مكارم أخوالٍ وأعمام

ما كان في قطر من فضلٍ منقبةٍ

إلا وقاسم فيها القادم السام

حامي على الدين حتى اعتز جانبه

لله درك من حامٍ لإسلام

يا لهف نفسي وواحزني ووا أسفا

على الزكي الرضي المنهل الطام

مضى شهيدًا وحيدًا في مكارمه

لله درك من حامٍ وضرغام

لما أتاه الأعادي قاصدين له

لم يثنه الخصم عن وردٍ وإقدام

ولا استكان لدى الأوباش عن رهقٍ

منهم هنا لك عن ذلٍ وإحجام

لكن رماهم فأودى من رماه وقد

لاقى المنون ولاقى ضرب مقدام

فليبكه كل ذي دينٍ ومكرمةٍ

على الدوام بدمعٍ هامعٍ هام

إذ كان ذا طاعةٍ لله مجتهدًا

برًا وصولًا لأيتامٍ وأرحام

وكان ذا عفةٍ عن كل مظلمةٍ

وكل فاحشةٍ تدعو لآثام

مصاحبًا لذوي التقوى ويأ لفهمٍ

مجانبًا لذوي الآثام والذام

فقل لقاتله بغيًا وعن أشر

لا زلت ما عشت في ذلٍ وأسقام

لا زلت أن مت في مسجورٍ لاظيةٍ

من السعير وفي محمومها الحام

وفيها عزل الشيخ عبد العزيز بن بشر عن قضاء بريدة وجعل في قضائها فضيلة الشيخ عبد الله بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم، وسبب ذلك أنه لما كان الشيخ عمر بن سليم إمامًا في مسجد من مساجد بريدة التفت عليه خلائق يطلبون العلم وأصبح ذلك المسجد روضة من رياض الجنة ينتابه البعيد والقريب فوشى به أعداؤه إلى القالضي قائلين أنه لا يمكن تدريس في المسجد الجامع ما دام ابن سليم بهذه الصفة عكف عليه الطلاب من كل جانب واتخذوك ظهريًا فتحركت جارحة الحسد منه وجعل رحمه الله يسعى ضد الشيخ عمر حتى ألجأه إلى أن يجلس إليه يطلب العلم فجلس الشيخ بين يديه يدرس في أعلام

ص: 128

الموقعين لابن القيم، ولما تنجل هذه الوحشة بل دام المقام متوترًا، جاء الشيخ عمر إلى الأمير عبد الله بن جلوى حال كونه في إمارة القصيم، وطلب منه أن يسمح له بالذهاب إلى النبهانية يقيم فيها لأن الأحوال اضطرته إلى ذلك، فطمأنه الأمير عبد الله وطلب منه أن يتريث حتى يتمكن من مراجعة الحاكم عبد العزيز بن عبد الرحمن وكان الشيخ قد أتى إلى الأمير بجملة بعثها إليه القاضي ابن بشر فيها توجيهات وتأنيبات له.

وكان صاحب السمو الأمير عبد الله رجلًا فصيحًا حكيمًا سياسيًا يقدر أهل العلم ويعرف لهم مواقفهم فاستقرأها حتى أتى على آخرها، ثم أنه بعثها إلى صاحب الجلالة في الرياض، وما كاد السلطان عبد العزيز يعلم بموضوعها حتى دعا بخادم له يدعى أبا ردن، وأمره يذهب من فوره غداة يوم السبت فيقدم إلى بريدة يوم الخميس فيعزل عبد العزيز بن بشر ويجعل ناصر بن سليمان بن سيف إمامًا في المسجد الجامع حتى يقدم من بلد البكيرية فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن سليم فيتولى القضاء، فنفذت هذه التدابير بسرعة خارقة.

ولما أن قدم صباح يوم الخميس صلى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن بشر بالمسلمين صلاة الظهر ثم ناوله أوامر السلطان وصلى في جامع بريدة صلاة العصر الشيخ ناصر بن سليمان، وبارح القاضي الإمامة والقضاء، ثم بعث الخادم إلى الشيخ في البكيرية ليباشر مهمة القضاء.

ولما تعلل الشيخ واعتذر عن القضاء بعث إليه الشيخ عبد الله بن فداء من فوره يطلب منه أن يقدم على الفور، وأن لا يقطع رجاء المسلمين الذين ما زالوا يتعطشون لتوظيفه، فقدم إلى بريدة وباشر القضاء والإمامة فيها، وكان عند حسن الظن في العدل والنزاهة والقيام بما وسد إليه من الأعمال.

وكان الشيخ عبد الله رجلًا حصينًا حليمًا متواضعًا، واستمر في القضاء من هذه السنة حتى توفاه الله تعالى وسنذكر مناقبه وفضائله في سنة وفاته.

أما الشيخ ناصر بن سليمان فإليك شيئًا من ترجمته:

ص: 129