المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر واقعة تربة - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان - جـ ٢

[إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن]

فهرس الكتاب

- ‌ثم دخلت سنة 1320 ه

- ‌ذكر رجوع الإمام عبد الرحمن بن فيصل إلى الرياض بعد إقامته في الكويت

- ‌ثم دخلت سنة 1321 ه

- ‌ذكر تقدم ابن رشيد إلى الرياض

- ‌ذكر الاستيلاء على القصيم

- ‌ذكر ذهاب ابن رشيد إلى الدولة العثمانية يجرّها على المسلمين سنة 1321 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1322 ه

- ‌ذكر واقعة البكيرية والشنانة وما جرى فيهما من الخطب الفادح

- ‌ذكر واقعة الشنانة وما جرى من ابن رشيد

- ‌ذكر واقعة وادي الرمة سنة 1322 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1323 ه

- ‌ذكر ذبحة الحواشيش وما جرى من قساوة ابن رشيد

- ‌ الشيخ محمد بن عبد الله بن سليم

- ‌ذكر قضائه وسعة علمه وحلمه وكيفيته وصفته

- ‌ذكر كراماته ومكاشفاته وماله من خوارق العادات

- ‌ذكر تلامذته والآخذين عنه

- ‌ذكر ما جرى عليه من الأمور وثقته بالله العزيز الغفور

- ‌ذكر أولاد الشيخ رحمه الله

- ‌ذكر الحركة والتقلبات في القصيم

- ‌ذكر أمر صالح الحسن بن مهنا

- ‌ثم دخلت سنة 1324 ه

- ‌ذكر قتل عبد العزيز بن متعب سنة 1324 ه

- ‌ذكر إمارة متعب بن عبد العزيز بن رشيد وما جرى من الحوادث

- ‌ذكر قتل صالح الحسن بعد إجلائه

- ‌ذكر المفاوضات بين ابن سعود وبين مندوب الدولة

- ‌ذكر رحيل الأتراك عن القصيم سنة 1324 ه

- ‌ذكر إمارة أبي الخيل في بريدة

- ‌ثم دخلت سنة 1325 ه

- ‌ذكر واقعة الطرفية الصغرى

- ‌ذكر واقعة السباخ

- ‌ذكر قتل سلطان بن حمود بن رشيد أمير حائل

- ‌ثم دخلت سنة 1326 ه

- ‌ذكر إمارة الحسين بن علي الشريف

- ‌تعريب الفرمان الذي صدر لحسين بن علي أمير مكة المكرمة

- ‌ذكر استقبال الحسين بن علي لما قدم الحجاز

- ‌ذكر ابن سعود ودخول بريدة في ولايته للمرة الثانية

- ‌ذكر ما جرى من الحوادث

- ‌ذكر قتل داعية الضلال عبد الله بن عمرو آل رشيد

- ‌ثم دخلت سنة 1327 ه

- ‌ذكر إمارة بريدة وقضائها

- ‌ثم دخلت سنة 1328 ه

- ‌ذكر الانقلاب في الدولة العثمانية

- ‌ذكر إمارة سعود بن عبد العزيز بن متعب

- ‌ثم دخلت سنة 1329 ه

- ‌ذكر حرب إيطاليا للدولة العثمانية

- ‌ذكر وفاة الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ

- ‌أخبار زاهد

- ‌ذكر نهاية أمر الشيخ إبراهيم بن جاسر

- ‌ثم دخلت سنة 1330 ه

- ‌ذكر مطلب الوحدة العربية

- ‌ذكر العداء بين الشريف حسين وابن سعود

- ‌ذكر ما جرى من العرائف والهزازنة

- ‌ثم دخلت سنة 1331 ه

- ‌ذكر فتح الإحساء سنة 1331 ه

- ‌الاستيلاء على القطيف سنة 1331 ه

- ‌ثم دخلت سنة 1332 ه

- ‌ذكر عقد المعاهدة بين ابن سعود وتركيا سنة 1322 ه

- ‌ذكر هادمة العهود ومفرقة الوفود وهي الحرب العظمى سنة 1332 هـ الموافق لسنة 1914 م

- ‌ألمانيا تعلن الحرب على روسيا وفرنسا

- ‌زحف ألمانيا على البلجيك

- ‌قتال روسيا في الجبهة الشرقية

- ‌بلغاريا تعلن الحرب على صربيا

- ‌ذكر الطراد أمدن وما جرى منه وعليه

- ‌ثم دخلت سنة 1333 ه

- ‌ذكر مساعي بريطانيا العظمى وقيامها ضد تركيا

- ‌مفاوضة الفريقين للشريف

- ‌ذكر النهضة العربية واتفاق الشريف مع الإنكليز

- ‌ذكر وقعة جراب سنة 1333 ه

- ‌ذكر التعريف بالعجمان

- ‌ثم دخلت سنة 1334 ه

- ‌وهذه ترجمته:

- ‌ مبارك بن صباح آل صباح

- ‌ذكر اتفاق ابن سعود مع الإنكليز وعقده معهم

- ‌معاهدة العقير سنة 1334 ه

- ‌ذكر الخلافة وعقد الحسين مع بريطانيا

- ‌ذكر إعلان الثورة

- ‌ذكر الحرب في المدينة والسواحل

- ‌ذكر الحرب في دمشق

- ‌ثم دخلت سنة 1335 ه

- ‌ذكر توتر العلاقات بين ابن سعود وبين الشريف

- ‌ثم دخلت سنة 1336 ه

- ‌ذكر اتفاق فلبي مع ابن سعود

- ‌ذكر سكون العرب العظمى

- ‌ذكر البدو والهجر

- ‌أسماء الهجر

- ‌ثم دخلت سنة 1337 ه

- ‌ذكر واقعة تربة

- ‌ذكر الهول في وقعة تربة

- ‌وهذه صفة المعركة بتربة رسمًا

- ‌ذكر صدقه في معاملته لربه وثقته به

- ‌ذكر ما جرى على تركيا من الهوان

- ‌ثم دخلت سنة 1338 ه

- ‌ذكر سوء التفاهم بين صاحب الجلالة عبد العزيز بن سعود وبين سالم بن صباح

- ‌ثم دخلت سنة 1339 ه

- ‌ذكر أنجال الشريف وإمارتهم

- ‌عبد الله بن الحسين

- ‌فيصل بن الحسين

- ‌زيد بن الحسين

- ‌ذكر واقعة الجهراء

- ‌ذكر جوده وكرمه

- ‌ذكر تدريسه وسعة علمه

- ‌ذكر شجاعته ونباهته وصفته ومقاماته في الإسلام

- ‌ذكر ثناء العلماء عليه وميل الناس إليه

- ‌إمارة عبد الله بن متعب بن رشيد وقتال أهل حائل بساحة دارهم

- ‌ذكر إمارة محمد بن طلال

الفصل: ‌ذكر واقعة تربة

من الغريم فإنه لا يطعم شيئًا من ثمرة الفلاح إلا بعد ما يقبض ماله فيأخذ بقلنسوته رطبًا ويأكلها.

وأخذ العلم عن الشيخ محمَّد بن عبد الله بن سليم وأخذ عن ابن عمه الشيخ محمَّد بن عمر بن سليم، وأخذ عن الشيخ عبد الله بن محمَّد بن فدا وكان مناصرًا للشيخ محمَّد بن عبد الله بن سليم وعضده الأشد فلذلك تضخمت بمسبته السنة المنافقين وشنوا عليه الغارة، وما زال ثباته ونصرته لأهل الدين وكانت ولادته في سنة 1241 هـ وتوفى عن عمر يناهز الخامسة والسبعين رحمة الله تعالى عليه.

‌ثم دخلت سنة 1337 ه

ـ

ففيها جرت واقعة تربة بين الإخوان من جنود ابن سعود وبين الشريف وأسباب ذلك الخلاف الذي توترت له العلاقات في مسائل الحدود بين نجد والحجاز ونحن نبسط الواقعة فنقول وبالله المستعان وعليه الاتكال.

‌ذكر واقعة تربة

لما أعلنت الهدنة بين الأتراك والحلفاء سلمت المدينة بعد إعلان الهدنة بثلاثة أشهر في 8 ربيع الثاني من هذه السنة بعد حصار امتد ثلاث سنين فكتب الأمير عبد الله بن الملك حسين إلى أمراء العرب يخبرهم بذلك وأرسل إلى ابن سعود هذا الكتاب:

إلى حضرة المحترم المكرم الأمير عبد العزيز بن سعود الفيصل، وبعد فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو وأصلي وأسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله وصحبه أجمعين ثم أخبرك بأن الله فتح لنا أبوب مدينة خير البرية وأن حاميتها قد أسرت واستولينا على جميع ما فيها من السلاح الثقيل والخفيف وجميع الأملاك والآلات والأدوات العائدة للحكومة الغابرة، كما أن فخري باشا قد اعتقل في بئر درويش.

وأما العساكر فبادرنا بنقلهم إلى بلادهم ولا يخفى على مدارككم بأنه لم يبق والحالة هذه هنا ما يشغل حكومة صاحب الجلالة أدامه الله وأيده عن الالتفات

ص: 237

لإصلاح داخليتها وشؤونها والتنكيل بمن يسعى للإفساد والتخريب من العشائر التابعة لها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

في ربيع الآخر 13 سنة 1337 هـ قائد الجيوش الشرقية الختم الأمير قال إني عبد الله وقد كتب ابن سعود إليه كتاب تهنئة دعاه فيه للتفاهم بخصوص العشائر وأكد له أنه لا يبغي غير السلم إذا كان هو من المسالمين فجاءه الجواب الآتي:

"إلى جناب سامي الرحاب الشهم الأوحد والهمام الأمجد الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود سلمة الله، وبعد الديباجة المفعمة بالتودد والتبجيل يقول إني منكف راجع إلى الوطن إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم لأكون في خدمة صاحب الجلالة الهاشمية أدام الله نصره، وإني أرجوكم أن تبلغوا سلامي إلى معالي والدكم الجليل والأنجال والإخوان الكرام، ومن لدينا حضرة صاحب السمو الملكي سيدي الأمير على نصرة الله يهديكم جزيل السلام" في 3 جمادى الثانية 1337 هـ.

قائد الجيش الهاشمي الختم الأمير

ومع هذا الكتاب كتاب مثله لهجة من جلالة الحسين وملحق خير من سمو الأمير فيه ما يأتي:

إني أخوكم الصادق ومستعد لمساعدتكم بما تأمرون ولا يجوز أن يفرق بينكم وبين والدي أمور البادية التي لا أهمية لها، وكيف يمكن أن يحدث خلاف بين رجلين كبيرين بخصوص تربة والخرمة والبادية، ها أنا متوجه إلى مكة فأرجوكم أن ترسلوا أحد رجالكم وأن ارتأيتم أن يكون أحد أنجالكم فذلك أولى وأنا كفيل النجاح بحسم الخلاف والاتفاق مع سيدي الوالد.

ولكن أحد العقيلات الذين كانوا في الحجاز جاء يخبر إلى الأمير عبد العزيز بن عبد الرحمن بأن الأمير عبد الله يتأهب للزحف إلى التربة ثم جاءه آخر يقول أن الأمير خرج من المدينة ووجهته تربة فكتب عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى حكومة

ص: 238

بريطانيا العظمى بواسطة مندوبها في العراق يخبرها بمقاصد الملك حسين وقائد جيشه ابنه عبد الله فجاءه الجواب أن ذلك من الإشاعات التي لا صحة لها.

فكتب ابن سعود ثانيًا يقول ما معناه:

إني متحقق ما أخبرتكم به وما أخبرتكم خوفًا أو شكاية بل لتكونوا عالمين بالحوادث وبما قد يعقبها، وكتب ثالثًا يخبر المندوب السامي أن الأمير عبد الله مشى بجيشه من المدينة ووجهته تربة فلم يجيئه جواب الكتاب الأخير، وكان عبد العزيز لا رأى هذه الحركة قد جهز سرية مؤلفة من ألف ومائتي هجان بقيادة سلطان بن بجاد أمير الغطغط فأمرها بالمسير إلى الخرمة وتربة للمحافظة على أهالي تلك الناحية وأمر ابن بجاد والعالم الرافق للسرية بأن تكون خطتهما الدفاع لا غير، ثم أرسل بعض العقيلات متجسسين وأمرهم بأن يخبروه خصوصًا بما يفعله الأمير عندما يصل إلى عشيرة فإذا ترك عسكره هناك ودخل مكة كان فيما كتب صادقًا وإذا استمر سائرًا كان جوابه خدعة فزحف الأمير عبد الله بجيشه من المدينة جنوبًا إلى عشيرة فوافاه إليها والده الحسين إلى مكة وبعد المفاوضة عاد الحسين إلى مكة واستأنف عبد الله السير جنوبًا فخيم في شعب يدعى البديع في جبل حضن، وكان قائد الجيوش الهاشمية عبد الله بن الحسين يقول لمن يحدثه بعد ذلك أنه لم يكن من رأيي مهاجمة تربة وقد حاولت أن أقنع جلالة الوالد بالعدول عن عزمه ولكني كقائد الجيش الهاشمي مطيع لأوامر مولاي حتى أني كتبت إليه بعد أن تذاكرنا في عشيرة ولبثت في البديع أنتظر جوابه فلم يكن غير الأمر بالزحف.

ولما أن علم المعتمد البريطاني بمقصد الحسين حينما عزم على تسيير الحملة المذكورة وتبين له ما يبيته لابن سعود، بعث إليه خطابأ مع سكرتيره "حسين أفندي روحي" ينهاه عن ذلك وينصح له فصمم وأجابه بصوت جهوري سمعه الحضور وبعض الجنود امض وقيل لهم لا نسمح لأحد بالتدخل في شؤوننا ولنا الحق في أن نفعل ما نريد فبذلك عصى بريطانيا التي هي عضده الأشد وما عمل بنصيحة قريب ولا بعيد.

ص: 239

ولما أن أكد على ابنه عبد الله بالزحف كان قد كتب الأمير عبد الله في أوائل رجب إلى ابن عمه الأمير عبد الله بن محمَّد وهو يومئذ في الخرمة أو في جوارها هذا الكتاب:

بعد السلام ورحمة الله وبركاته، كتابكم رفقة عائض بن جوير وصل وعلم مضمونه وعيال مهزي الصفار نوخوا البارح على صاحب الجلالة وأخبرونا بالكون عليهم وبكسرة الوهابية، ولا شك أن العرب إذا صدقوا اللقاء كسروا المغير عليهم هذا أمر ثابت وحسب الرغبة أمر صاحب الجلالة بإنقاذ ابن مهزي فاخترنا مائتين من الجعدة مع غالب ابن عنيزة يمشون غدًا أو بعده إن شاء الله كلمة مبهمة أمير الخرمة السيد غازي الحارث من السطوة في البلاد الآن فبعد وصولي بالقوة الكافية إليكم نزودها بما تستحقه والتوفيق بيد الله، هذا ما لزم ودمتم ونحن على ممشًا في هذين اليومين، الأمير القائد عبد الله في 3 رجب سنة 1337 هـ.

مشى بعد كتابة هذا الكتاب من عشيرة إلى جبل حضن فخيم في البديع وجاء إلى ابن سعود في غرة شعبان أحد عقيلاته يخبره بذلك فكتب صاحب الجلالة عبد العزيز بن عبد الرحمن إلى الأمير كتابًا في 10 شعبان قال فيه:

قد تحقق عندي خلاف ما أخبرتني به سابقًا أي أنك عائد إلى مكة المكرمة والظاهر أنك مهاجم تربة والخرمة، وذلك مخالف لما أبديتموه للعالم الإِسلامي عمومًا والعربي خصوصًا، واعلم رعاك الله أن أهل نجد لا يخذلون إخوانهم وأن الحياة في سبيل الدفاع عنها ليست بشيء، نعم وأن عاقبة البغي وخيمة.

خير لك إذن أن تعود إلى عشيرة وأنا مرسل إليك أحد أولادي أو إخوتي للمفاوضة فتتم الأمور على ما يرغب به الفريقان إن شاء الله.

والكتاب طويل تدرك مباحثه من جواب الأمير الذي فيه كل الخبر وهو الذي قد تضمن شيئًا عجيبًا من الفصاحة ولكن لا غرابة إذا كان لديه من القوات ما غره:

من عبد الله بن أمير المؤمنين الحسين بن علي إلى حضرة أمير نجد ورئيس عشائرها عبد العزيز بن سعود دامت كرامته، وصلني خط الجناب الموقر المؤرخ 10

ص: 240

شعبان فتلوته وفهمته فلم أجد فيه ما استغربته واستعذبته تقول أني بينما أكتب إليك مسالمًا إذا أنا أجر الأطواب على المسلمين وأن مظهري هذا أثار ثائر الناس علينا، وأنك دامت مدتك خرجت فزعًا إلى أن يأتيك مني الجواب وإليك به وهو ينطق بلسان صاحب الشوكة والدي وحكومته:

أولًا: أظن أن صاحب الشوكة سيد الجميع يرحب بكل من يطلب كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ويحيي ما أحيا الكتاب والسنة ويميت ما أماته الكتاب والسنة لأن هذا دأبه ودأب أجداده منه إلى صفوة الخلق عليهم سلام الله.

ثانيًا: لا أذكر أحدًا منا وقع على كتاب ذكر فيه أنك أو أحد آل مقرن من الخوارج أو أنكم لستم على ملة الرسول.

ثالثًا: كل من شق عصا الطاعة من رعايا صاحب الشوكة وعتا في الأرض فسادًا يستحق التأديب شرعًا شخصًا واحدًا كان أو ألف شخص.

رابعًا: اعلم وتيقن أن نيتنا نحوك ونحو أهل نجد نية خير وسلام.

خامسًا: أما قولك أن الناس نفروا جميعًا لحربنا إناثهم قبل رجالهم فأذكرك بقول الله و

فإن جاءونا أي عرب برفة والروقة الذين أنذرهم بنية حسنة فنحن لهم وهم لنا يا عبد العزيز قبل أن ينزل أجدادك بنجد وإن بغوا فلكل باغ مصرع والله مع الصابرين.

سادسًا: تأمرني بالرجوع إلى ديرتي من أرض هي لأبي وجدي، ومتى كنت تمنع الناس عن ديرتهم جزيت خيرًا، ولكن هل تذكر أن رجلًا من قريش ثم من بني عبد مناف ثم من بني هشام، جده رسول الله وعلي بن أبي طالب يقعقع له بالشنان، ويروع بمثل هذه الأقاويل.

سابعًا: تقول إني لو ألتمس رجلًا في نجد لا يرجح الحياة على الموت في سبيل الله لما أجده، فكان الأوفق لهم، أذن أن يأتونا ويجاهدون الأتراك معنا عن بيت الله ومسجد رسوله، حتى ينال الشهادة منهم من كتبت له، ثم بعد ذلك تردون بمن النظر.

ص: 241

ثامنًا: أخبرتك بكتابي بفتح المدينة المنورة بأنني متوجه إلى الوطن لتأديب العصاة، وسألتك: هل أنت على عهدي بك أم تغيرت نياتك؟ فجاءتني نجاجيبك بجواب منك فيه الميل إلى التقرب والمسألة، فرجوت خيرًا وعززته بالجواب الثاني، فجاء ثاني كتبك لي ومثله لوالدي ولأخي ملؤها المودة المؤكدة باليمين، وكل ذلك محفوظ فما حملك الآن على تغيير لهجتك، أمن أجل أننا نؤدب رعايانا ونصل ما فسد في قبائلنا.

تاسعًا: إن كنت تنوي الخير للمسلمين كما زعمت فاردد الذين أمرتهم ببيع مواشيهم وبنيت لهم الدور: يريد ذلك، الهجر، أخل أنت مكانك الذي وصلت إليه وانحر ديرتك ولك علي ألا أمس أحدًا من أهل نجد بسوء، إني مرسل إليك كتابي هذا مع أحد نجاجيبك وهو القسماني، وأبقيت الآخر ليأتيك بخطاب صاحب الشوكة والدي والسلام.

في 23 شعبان 1337 هـ

القائد العام للجيوش الشرقية الهاشمية

لا بد في هذا الموضع وقد وصلنا إلى هذا الحد من التعريف بتربة والخرمة اللتين أثارتا الحرب بين نجد والحجاز، فنقول: الخرمة هي على مسافة خمسين ميلًا من جبل حضن إلى الشرق وتربة على مسافة خمسة وأربعين ميلًا منه إلى الجنوب، وجبل حضن هذا هو الحد الفاصل بين نجد والحجاز، فقد جاء في الحديث:"من رأى حضنًا فقد أنجد" من هذه الوجهة.

إذن تكون البلدتان في نجد، ولكن أصحاب السيادة فيهما من أشراف مكة، فادعى الحسين أنهم من رعيته، وادعى ابن سعود أنهم من رعيته، كما أفاده التحديد مع الأهالي من بدو وحضر فيهم الأشراف تمذهبوا من قديم بالمذهب الوهابي، فعلى هذا هم من رعايا ابن سعود، وكلهم بأجمعهم لا يتجاوزون خمسة وعشرين ألفا من الأنفس البشرية.

أما الخرمة ففي وادي سبيع وتعلوا عن البحر ثلاثة آلاف قدم وخمسمائة

ص: 242

قدم، وسكانها خمسة آلاف، ثلثاهم من العبيد المعتوقين، وثلثهم من عرب سبيع الذين طردتهم عتيبة عن سكنى جهات الحجاز فنزحت سبيع إلا بقية منهم سكنوا رنية الخرمة.

أما الأشراف في الخرمة فلا يتجاوز عددهم ثلاثمائة نفس، وأمير الخرمة هو الشريف خالد بن منصور بن لؤي رحمه الله، وهو من أقارب الملك حسين، ولكنه محب لأهل الدعوة الوهابية جدًا، فلم تصف حالته مع حسين الشريف واتفق مع هذا أنه حدث خلاف بينهما في السنة المتقدمة حمل جلاله الملك حسين على حبس خالد، فاشتعل في صدر خالد زناد الانتقام، ولكنه غطاه دثار العقل إلى حين فرصة الانتقام، وذهب خالد بعد ذلك يساعد الأمير عبد الله في حصار المدينة، وهناك حدث بينه وبين الأمير عبد الله خلاف وتكررت الإساءة منهم إليه، فتكلم خالد منذرًا، غير أن الأمير عبد الله غضب ولطمه بيده لطمةً أثارت تلك المغطى، وقيل أن الذي لطمه رجل يدعى فاجر بن شليويح أحد شيوخ قبيلة الروقة، فاعتقل عبد الله المعتدي ولكنه أطلقه بعد أيام، فلم يرض خالد بهذا الجزاء وأسرّها في نفسه واستأذن الأمير عبد الله في الرحيل فأذن له، وما أصغى إلى نصح ناصح وهو الشريف شاكر بن زيد بن فواز ألا يأذن له بالرحيل، فإن خالد في نفسه شيء لا يغسله ذلك الاقتصاص من خصمه وسوف يطول يومه بعد ذلك معهم إن لم يرضه، لكنه أجابه عبد الله ليمضي حيث شاء، وبالرغم من استخفافه بحقه فقد أمره أن يهبط إلى مكة، ويقابل الملك فتظاهر بالطاعة وغادر العيص مغيظًا محنقًا وآلى على نفسه لينتقمن لنفسه وليجعلن خصومه أحدوثة للناس، فخرج من رابغ إلى تربة، وأخبر كبار قومه بما لقي من إهانة بالغة، واستثار حماستهم فأجابوه أنهم معه ولو خاض بهم البحر، فأفشى إلى ابن سعود ما كان عليه الحسين، ودأب على تقوية الصلات بينه وبينه، واستنجده عليه وطفق خالد يدأب في ضبط القبائل لابن سعود ونشر الدعوة له، وقد علم الحسين ببعض جهود خالد وأعماله فارتاب منه وبعث إليه يطلب حضوره إلى مكة، فاعتذر خالد وتعلل، وبعث إليه للمرة الثانية

ص: 243

والثالثة وخالد يعتذر ويختلق المعاذير، وعين الحسين قاضيًا لتربة فجر خالد أسبابًا إلى رده بواسطة الشيخ عبد الله سراج.

ولما استفحل أمر خالد بعث إليه الحسين يطلب منه أن يأتيه لأمور مهمة، فأبى لعلمه أنه لا يعود إذا ذهب، فئنى الحسين وعزز بثالث وخالد يرفض طلبه حتى أجابه خالد بأنه مستقل بإمارته وليس بتبعيته، فثار الحسين وجهز له قوة بعد قوة تحمل الرشاشات والمدافع، وكلها يردها خالد مدحورة مخذولة، وآخر القوات في الحملة الرابعة بلغ عددها أربعة آلاف بقيادة شاكر، كان حظها أيضًا الفشل.

أما تربة فسكانها من عرب البقوم، وفيها مثل الخرمة عدد من الأشراف يملكون أرضها، وكلهم بدو وحضر وعبيد من أتباع ابن سعود منذ أيام سعود الأول، بيد أن قسمًا منهم انضموا إلى جيش الحجاز في الحرب العظمى، ثم انقلبوا على الشريف حسين لأسباب دينية ومالية، فآلى على نفسه تأديبهم ولم يتمكن من ذلك إلا بعد أن انتهت الحرب، فهذا الذي بعث الإشكال بين ابن سعود والشريف.

ومع أن تربة قرية لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة آلاف فإنها ذات أهمية لأنها في الطريق إلى الطائف، وهي باب الطائف من الوجهة النجدية وحصن الطائف من الوجهة الحجازية.

ويتبع تربة سهل شرقي إلى الشمال الشرقي من مستنقعات البقوم، وعدد سكانها ثلاثة آلاف من البادية وحول هاتين القبيلتين سبيع، والبقوم وقراهما تسرح وتموج قبيلة عتيبة الكبيرة.

رجعنا إلى ذكر الجيش الزاحف إلى تربة، فقد بالغ الرواة في تقديره، فقال بعضهم أنه بلغ خمسة وعشرين ألفًا، منهم خمسة آلاف من النظام والباقي من البدو، وقال بعضهم أنه كان مؤلفًا من سبعة آلاف من النظام وثمانية آلاف من البدو، وقيل مجموعه ثلاثة عشر ألفًا.

أما الحقيقة فهو عشرة آلاف، ثلاثة آلاف من النظام وسبعة آلاف من البدو مزودًا بعشرين مدفعًا وخمسة وعشرين رشاشًا، وعلى كل حال فإنه كان كافيًا

ص: 244

لغرض الأمير، فقد دخل تربة بدون قتال يذكر، دخلها في 24 شعبان من هذه السنة بعد يوم واحد من كتابة الكتاب إلى ابن سعود، والذي مكنه من ذلك هو أنه كان قد استخدم بعض عربان البقوم في جبل حضن ليدخلوا البلدة مدعين أنهم جاءوا يحذرون أهلها من الأمير ويستنهضونهم على محاربته، بل قالوا للمدافعين أنهم جاءوا يحاربون معهم، فأنزلوهم في الحصون مع من تحصن فيها، فما لبثوا أن انقلبوا عليهم فاستولوا على أسباب الدفاع وصاحوا بالناس الملك للشريف، وفي تلك الساعة في صباح الرابع والعشرين من شعبان دخل الأمير بجيشه فصادف لأول الأمر بعض المقاومة، فأمر بإطلاق المدافع والرشاشات على المقاومين فتشتتوا ثم فروا هاربين إلى الحرة جنوبي البلد، فلما دخل الأمير ظافرًا وزع جيشه في جوار تربة وحولها، وكانت ساعة لرجاله أباح فيها البلد، فنهبوا وأفسدوا فيها وتبروا ما علو تتبيرا على ما تقتضيه أهوائهم، ثم أمر بقتل بعض المشايخ واثنين من التجار النجديين وبمصادرة أموالهم.

ثم إنه كتب من مخيمه في الجهة الغربية إلى والده الحسين كتابًا جاء فيه:

إني في ثلاثين يومًا سأطوي نجدًا بأجمعها وأخاطبكم من البحرين، وبث كتبه إلى رؤساء البادية في تلك النواحي، خصوصًا في رنية يخبرهم بما حل في تربة، ويهددهم بمثل ذلك إذا كانوا لا يجيئونه طائعين صاغرين، ومن هذه الكتب هذا الكتاب -قيادة الجيوش العربية الشرقية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من عبد الله بن أمير المؤمنين الحسين بن عون إلى المكرم فيحان بن صامل، أما بعد فإني أحمد الله إليكم ثم أخبرك بأننا وفقنا الله سبحانه وتعالى فأطفأنا نار الخارجة التي في تربة ومزقناها كل ممزق، وضربنا أعناق أرباب الزيغ والنفاق ومن جملتهم "الطعامة" و"ابن مسيب" نزيل قريتكم وإن هذه الفتنة التي أثارها خالد بن منصور بلا لازم ينعاه أو حق يطلبه، وأدخلكم فيها نأمركم بتركها والإسراع بالركوب إلينا، وكف كافة سبيع أهل رنية بدو وحضر عن الاستمرار فيها، ونأمركم بجلب شيوخ الزكور "قبيلة من القبائل" معكم إلينا في

ص: 245

ست ليالٍ للاستئمان من سطوتنا، وإن لم تفعلوا فسأميل ميمنةً البيرق المنصور عليكم مستعينًا بالله تعالى مستنجدًا عظيم قدرته، ولا تكتم إنذاري هذا عن كل صغير وكبير لأني سأسلك عنه حين لا تنفعك الندامة

والسلام على من أَتبع الهدى في 24 شعبان سنة 1337 هـ.

القائد العام للجيوش الشرقية الهاشمية الختم.

وفي كتاب إلى ماضي بن قاعد ومحمد أبرق نقيش يقول: ما خفي عليكم ما حل بتربة من ذبح الرجال وتدمير المال بعد أن طغى أهلها وبغوا، وأنتم يا أهل رنية بدو وحضر إن ما كفيتم طوارفكم وركبتم إلى في ست ليالٍ مع شريفكم وإلا حزمتكم حزم السلم وطردتكم طرد غرائب البل، وعاقلكم يعلم جاهلكم، ولولا مشاري بن ناصر وغازي بن محمَّد لكان صباحي يسبق كتابي إليكم والسلام على من اتبع الهدى.

ثم إنه استقر الأمير ذلك النهار في المخيم المنصور، وبعد إرساله كتب التهديد إلى رؤساء القبائل إذن لنجاب ابن سعود أن يعود بالجواب الذي ذكر، وكان قد علم بأن السرية التي جاءت إلى الخرمة بقيادة ابن بجاد وخالد قد مشت منها إلى مكان يدعى "القرين" فقال عبد الله لرسول ابن سعود هذا الكلام:

أخبر الخوارج ومن التف حولهم في القرين بما جرى وقيل لهم ما جئنا تربة من أجل تربة والخرمة فقط، سنصوم في الخرمة إن شاء الله وسنعيد عيد الأضحى في الحساء، فركب الرسول وقت الظهر كئيبًا مدهوشًا إلى أن وصل إلى القرين الذي يبعد عن تربة خمس ساعات وصله بعد صلاة العصر، فأحاط به الإخوان مستخبرين فشق جيبه حتى انسلخ من ثيابه وجعل يروي ما جرى على أهل تربة وما فاه به الشريف، فما كاد يتم كلامه حتى صاحوا صيحةً واحدة "إياك نعبد وإياك نستعين خيال التوحيد أخو من أطاع الله" وهموا بالهجوم فسكن العالم والقائد رعبهم، فقال سلطان بن بجاد بن حميد كيف نتجاوز أوامر صاحب الأمر فهو لم يأمرنا بغير الدفاع، ولكنه نسي كتابًا آخر جاء من ابن سعود وفيه ما معناه:

ص: 246