الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (67)
* * *
* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} [القصص: 67].
* * *
قال المُفَسِّرُ رحمه الله: [{فَأَمَّا مَنْ تَابَ} مِنَ الشِّرْكِ {وَآمَنَ} صَدَّقَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ {وَعَمِلَ صَالِحًا} أَدَّى الْفَرَائِضَ {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ} النَّاجِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ].
قَوْلُه تعالى: {فَأَمَّا مَنْ تَابَ} : (أمَّا) شرطية، وجوابُها قوله تعالى:{فَعَسَى أَنْ يَكُونَ} ، وقوله:{مَنْ تَابَ} التوبة تَقدَّم لَنَا أَنَّهَا الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى مِنْ معصيته إِلَى طَاعَتِهِ، وأن لها شروطًا خمسة: النَّدَم، والإقلاع، وَالْعَزْمُ عَلَى أَلَّا يعود، وَأَنْ تَكُونَ قَبْلَ المَوْتِ، وقبل طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، ثم الإخلاص.
وقول المُفَسِّر رحمه الله: [{فَأَمَّا مَنْ تَابَ} مِنَ الشِّرْكِ] لعلَّه أَوْجَبَ لَهُ أَنْ يُقيِّد التوبة هنا بالتوبة مِنَ الشِّرْكِ فِي قَوْلِهِ: {وَآمَنَ} ؛ لأن الإيمان بعد الشرك، فإن العاصيَ مؤمنٌ، وَلَوْ كَانَ عَاصِيًا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ للمؤلف أَنْ يقيِّد التَّوْبَةَ مِنَ الشِّرْكِ.
قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [{وَآمَنَ} صدَّق بِتَوْحِيدِ اللَّهِ]، وهذا نقصٌ فِي تَفْسِيرِهِ للإيمان؛ لأن الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيقَ فِي الشَّرْعِ فقط، صحيحٌ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ يُرَادَ بِهِ التصديق، لكنه فِي الشَّرْعِ هو: التصديق بِشَرْطِ أَنْ يتضَمَّن القَبُول والإذعانَ،
فَلَا بُدَّ مِنْ قبولٍ وإذعانٍ، وإلَّا فليس بمؤمن لَا يُصَدِّقُ، فأبو طالب -مثلًا- مصدِّق برسالة الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ، ولم يُذعِن.
وَفي قَوْلِهِ هَذَا كَذَلِكَ سُقوط؛ لأن الْإِيمَانَ لَيْسَ أن تصدِّق بوحدانية اللَّه، لكن أن تصدِّق بِكُلِّ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام أَنَّ الْإيمَانَ "أَنْ تُؤْمنَ بِاللَّهِ وَمَلَاِئكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ"
(1)
، فَلَا بُدَّ مِنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الستة فِي الْإِيمَانِ.
وَقَوْلُهُ: {وَعَمِلَ صَالِحًا} قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [أَدَّى الفَرَائِضَ]، وَفِي هَذَا أَيْضًا قُصور، بل الْعَمَلُ الصَّالِحُ هنا يشمل الفرائض والنوافلَ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: الإخلاص والمتابعة؛ لِقَوْلِهِ تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]، فقوله:{مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} هذا الإخلاص، و {حُنَفَاءَ} هذه المتابعة؛ لأنَّ الحَنِيف هُوَ الَّذِي لَيْسَ بمائل، فَمَنْ خَرَجَ عَنِ المتابعة فهو مائل.
فالعمل الصالح إذن هو كُلُّ عَمَلٍ تضمَّن الإخلاص والمتابعة، وضدُّه الفاسد، وَهُوَ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى الشِّرْكِ أو على البدعة، فَهَذَا لَيْسَ بعملٍ صالحٍ، فمَن جمَع هَذِهِ الْأَوْصَافَ الثَّلَاثَةَ {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ}:(عسى) مِن أفعال الترجِّي، لكنَّها بالنسبة للَّهِ عز وجل لَا تَكُونُ للترجِّي، بل تكون للتَّعلِيل، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما:"عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ"
(2)
. لِأَنَّ الْعِلَّةَ ملازِمة للمعلول، فَإِذَا وُجِدَتِ العلة ثبَتَ المعلول، فالعلة لِلفلاح هِيَ التَّوْبَةُ والإيمان، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، فإذا وُجدِت هذه وُجِد الفلاحُ {فَعَسَى أَنْ يَكُونَ} .
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، رقم (50)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو، رقم (9).
(2)
تفسير القرطبي (8/ 91).