الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها تكذيب دعوى هؤُلاءِ في قَوْلِهم: {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} ؛ فإنَّه قد جاءهم الحق مع الرَّسُول، ومعَ ذلك كذَّبوا:{قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ مَا جَاءَ به النَّبيّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الحَقُّ، والحق بمعنى: الشَّيْء الثابت، وهو بالنِّسبة للأخبار الصدق، وبالنِّسبة للأحكام العدل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ ما خالف ما جَاءَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فهو باطل؛ لقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32]، فكلُّ خبر يتضَمَّن تكذيبَ خَبَرِ اللَّه ورسولِه، فهو الكَذِب، فمثلا: إذَا قَالَ قَائل: أصلُ الإِنْسَان قِرْدٌ، ثم تطوَّر فصار إنسانًا! ! نقول له: هذا كذِبٌ؛ لأَنَّهُ يخالف مَا جَاءَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وإذا شَرَّع الإِنْسَان قوانين مخالفةً للشرع، قلنا: هذا باطِلٌ وضلالٌ؛ لأنَّ الحق فيمَا جَاءَ به الشرع فقط.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ عُتُوّ المكَذِّبين للرَّسول عليه الصلاة والسلام وعنادهم، وهو أنَّهم كذَّبوا بالحق بَعدَ أَن قَالُوا:{لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ} .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قريشًا كانَ عندَهم بعضُ المعْلوماتِ عن الرُّسل السَّابِقين، حَيث قَالُوا:{لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} ، وقد حصلوا عَلَى هَذَا العِلم عَن طَريق اليهود؛ لأنَّهُم لما جاء الرَّسول صلى الله عليه وسلم وبُعث، أَرْسَلُوا إلَى اليَهود يسألون عن أخبار هَذَا الرَّجل، فكتبوا لهم بما يعرفون مِن أخباره، وبما جَاءَ به موسى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثْباتُ رِسالَة مُوسَى صلى الله عليه وسلم لقولهم: {مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ موسَى صلى الله عليه وسلم أعطاه اللَّه تعالى آيات يُؤمِن على مثلها البَشر، وَهَذَا لَيسَ خاصًّا به، بَل هُوَ لكل رسول بَعَثَهُ اللَّه فـ "مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَّا وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ"
(1)
؛ لأن البَشَر لا تُصَدِّق رَجُلًا قال: أنا رَسول اللَّه إليكم آمُركم بكذا، وأنهاكم عن كذا، واتركوا مَا كَانَ عليه آباؤكم مِن عِبادة الأصنام، واترُكُوا مَا كَانَ عَلَيه آباؤكم مِن تحريم الحلال، وَمَا أَشبَهَ ذَلكَ، لا يَقبلون إلا بآيات تدل على صِدقه، وتؤيده.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إبطال حُجَّة هؤُلاءِ المكذبين، بقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أَنَّه يَنبَغي في مقام المنَاظَرَة والمجادَلَةِ أن يُفْحَمَ الخَصم بإبطال قوله بقوله، أو بفعله، أنه يُبطَل قولُه بمَا جَرَى منه هو؛ لأنَّ ما جرى منه لَا يمكن أَنْ يُنْكِرَهُ، ولو أَنْكَرَهُ ما قُبِلَ، فكونُنا نُقِيم الحُجَّةَ على الخَصم مِن فِعله وقوله هذا أبلغ في إفحامِه.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أنَّ طبيعة البَشر واحدة؛ بناء عَلَى أَنَّ قولَه: {أَوَلَمْ يَكْفُرُوا} الضَّمير يَعود عَلَى جِنس الإِنْسَان؛ لأن الطبيعة البشريةَ واحدة.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّه يَنْبغي أَيْضًا عند المناظرة إبطالُ قول الخَصم بالأمر الواقع؛ فإن الآيات الَّتي جَاءَ بهَا موسى، وأبطَلَها هؤُلاءِ كُذِّبَت، وما آمَن بها البَشَر.
إذن: فالمدار ليس على جنس الآيات، ولكن المدار على حال المخَاطَب، وإلا فالآيات قائمة بَيِّنَة، لكن:{وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس: 101].
(1)
أخرجه البغوي في شرح السنة (13/ 195، رقم 3615)، وابن عساكر في معجمه (1/ 37، رقم 30).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ أهلَ الباطل يُلَقِّبُون أهلَ الحقِّ بألقابِ السُّوء؛ تنفيرًا للنَّاسِ عن قَبُولهم، يُؤخذ هذا مِن قَولِه تعالى:{قَالُوا سِحْرَانِ} أو "سَاحِرَانِ" على القِراءَة الأُخْرَى، فسواء وَصَفُوا مَا جَاءَت به الرُّسل بالسِّحر، أو وَصَفُوا الرُّسْلَ أنفسَهم بالسِّحر؛ فإنَّ المقصود بذلك تنفير النَّاس عن قَبُول مَا جَاءَت به الرُّسل.
وهذه القاعدة ثابتة لِأَتْبَاع الرُّسُل؛ بدليل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [المطففين: 29 - 32]، وَاللَّهُ تبارك وتعالى قد جعل لكل نبيٍّ عَدُوَّا مِن المجرمين، والعدُوُّ مِن المجرمين عَدُوٌّ للنبي بوصفِه، بدليل أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَن تأتيَه الرِّسالَة وهو عند العَرب الصادق الأمين، ويرون أنَّه مِن أفضل بني هاشم، وأقوَمِهم بالعدل، فلمّا جَاءَ بالحَقّ صار عندهم الخائنَ الكذوبَ.
إذا كان هؤُلاءِ المجرمون يُعادون الرُّسُلَ بوصفِهم، فمعنى ذلك أَنَّ هَذِهِ المعاداةَ ستنتقل إلى مَن تابَعَ هؤُلاءِ الرُّسُل؛ لأنَّ المعنَى الذي حصلت به العداوة موجود أيضًا في أتباع الرُّسُل، وَعَلَى هَذَا:
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: طَمْأَنة أتباع الرُّسل، وتثبيتهم على أنّهم سينالهم مِن ألقاب السُّوء، ومن المعاداة مِثل ما نالَ الرُّسُلَ، فعليهم أن يُقابلوا ذلك بالصَّبْر والثبات والقُوَّة، لا أن يُخْذَلُوا، بل عليهم أن يكونوا كَمَا كَانَ متبوعُهم الذي أمره اللَّه قائلًا:{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف: 35].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ التَّعاوُن حتَّى على الباطِل له تأثيرٌ وتقويَة، يُؤخَذ مِن قَوْلِه:{تَظَاهَرَا} فَإذَا كَانَ التَّعاوُن في الباطل له تأثير، فما بالُك بالتَّعاوُن في الحق؟
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: يَجب أَنْ نكونَ متعاونين فيما نحن عليه مِن دعوة الحق، وألَّا يخذل بعضُنا بعضًا، خلافًا لما كان عليه حال النَّاس اليوم؛ فإنهم في هَذَا البَاب ليسوا بمتعاونين، حتى أهل الحق، وأهل الدعوة تجدهم غيرَ متعاونين؛ لأنَّهُم:
أولًا: كلُّ وَاحد لَا يَهُمُّه إلا نَفْسُه.
ثانيًا: أنهم ربَّمَا يختلفون في أَمْر بسيط جزئي مِن أُمُور الدِّين، ويتعادَوْن عَلَى ذَلكَ، فقد يختلفون في كيفية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، فهذا يقول: ترفع يديك إلى الأذنين. وهذا يقول: إلى المنكبَيْن. ثُمَّ يَقول: أنت على ضلال! وهو يقول: أَنت عَلَى ضلال! فما تُثْمِرُ هَذِهِ الكلمة إلا الحِقد والبغضاء والعداوة.
وسبق أن قصصت عليكم قصَّة طائفتين، كلُّ طائفة تُكَفِّر الأُخْرَى في مَسأَلةٍ بسيطة مِن مَسائِل الدِّين، طائفة تقول: إِنَّ السُّنة أن يضع الإِنْسَان يده اليمنى على اليسرى فوق صدره. وطائفة أخرى تقول: إنَّ السُّنّةَ أن يُرْسِلَ الإِنْسَان يديه إلى جنبه.
فاختلفا حتى كَفَّرت كُلُّ طائفة الأُخْرَى، وجعلتها ملعونة؛ لأنَّها تركت السُّنة عن عَمد وقَصد، والإِنْسَان الذي يكره ما أَنزَلَ اللَّهُ يكون كافرًا، وفيه خصومة عظيمة.
وفي أيام الحجِّ اجتمع معهُم ناسٌ مِن التَّوعيَة، وأراحُوهم، وبَيَّنوا أَنَّ هَذَا لَا يَجوز؛ لأَنَّ هَذَا فيه ضرر عليكم أنتم يا أهل الحق؛ لأنكم إذا كفَّر بعضكم بعضًا، فما تفعلون مع أهل الخرافات، وأهل البدع.
وتعرفون قصَّة نقض الصحيفة التي كَتبَتها قريشٌ في مقاطعة بني هاشم، لم يأتِ واحدٌ مِنَ النَّاس فنَقَضَها، فهو لا يستطيع، لكنَّه ذهب إلى فلانٍ ووَبَّخه، وقال: بنو هاشم قومٌ منكم، كيف تَرْضَوْنَ أن تقاطعوهم حتى يموتوا مِن الجوع؟ ! وَذَهَبَ
إلَى آخَرَ وإلى ثالثٍ ورابعٍ، حتى إنهم كوَّنوا جماعة، فذهبوا إلَى هَذِهِ الصحيفة مِن الكعبة ومَزَّقوها.
إذن: فالتَّعاوُنُ أساس النجاح، مِثل مَا قَالَ العامَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: بيانُ عُتُوِّ هؤُلاءِ مِن جهة أنهم لم يُؤمِنوا بالأمرين، وقالوا:{إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تقديم المعمُولِ في قَوْلِهِ: {بِكُلٍّ كَافِرُونَ} يُفيد الحَصر، مَعَ أَنَّهم كفروا بهما وبغيرهما، وهذا الحَصر المقصود به إغاظةُ الخَصْمِ، كأنهم يقولون: لَوْ آمَنَّا بكل شَيْءٍ مَا كفرنا إلا بهما، وإلَّا فمعلوم أنهم يكفرون بهما وبغيرهما.
وهذه فائدة قليلٌ مَن ينتبه لها، وهو أنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْء غيرَ محصور في هَذَا الشَّيْء، ولكنَّه حُصر فيه؛ فَلَا بدَّ أَنَّ هناك غَرَضًا، والغَرَضُ هنَا هُوَ الإغاظة.
* * *