المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌من فوائد الآيتين الكريمتين: - تفسير العثيمين: القصص

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌(الآيات 1 - 3)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (5، 6)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (9)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآيتان (21، 22)

- ‌الآية (23)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (34)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (36)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (37)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (38)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (41)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (42)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (43)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (53)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (54)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (55)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (56)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌الآيات (59 - 64)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (66)

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (69)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (70)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (71، 72)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (73)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (74)

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (79)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (80)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (84)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (85)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (86)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (87)

- ‌الآية (88)

الفصل: ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

فَقَدْ كَانُوا مُضطهَدين، ولذلك أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بالهداية والإِيمَان والإمامة، وكذلك بميراثهم لفِرْعَونَ وجُنُودِه.

وَهَذَا كُلُّهُ فِي المُسْتَقْبَلِ؛ لأنَّهُ أتى بالفعل المضارع (نُرِيدُ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى المُسْتَقْبَلِ، أي: نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عليهم مستقبلًا.

قَوْلُه تعالى: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} أي: أَئِمَّةً فِي الْخَيْرِ، والإمامُ هُوَ كُلُّ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْخَيْر، أَوْ فِي الشَّرِّ، قَالَ اللَّهُ تعالى:{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [القصص: 41]، وَلَكِنَّ المُرَادَ هُنَا: أَئِمَّةٌ فِي الْخَيْرِ.

قَولُهُ تعالى: {وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} أي: يَرِثُون فِرْعَونَ وجُنوده، قَالَ تعالى:{وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59].

‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ إِرَادَةِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: {وَنُرِيد} ، ووجهُ إثباتِ الإرادةِ هنا، مع أنَّها فِعْلٌ، وليس اسمًا، هُوَ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الحدَث وزَمَانِه.

فقولُه: {وَنُرِيدُ} مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِرَادَةِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ نقول: إِنَّ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الإرادة للَّه عز وجل.

المعتزلة لم يُثبتوا الإرادة للَّهِ عز وجل، بل نَفَوْهَا، فِي الْوَقْتِ الَّذِي أثبَتَها الأشاعرةُ له عز وجل، واستدلوا بكون الليل ليلًا، والنهار نهارًا، والحَرِّ حَرًّا، والبَرْدُ بَرْدًا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ؛ إِذْ لَا يَقَعُ هَذَا التَّخْصِيصُ إلَّا بإرادةٍ.

ولكنهم يستدلون عَلَى إِثْبَاتِ الصفات عامَّةً بالعَقْلِ، فَمَا وَافَقَ عُقُولَهُم قَبِلُوه، وَمَا خَالَفَهَا أَوَّلُوه وصَرَفُوه حتَّى يُوافِقَ العقل.

ص: 15

وقد تبين لَنَا قَبْلَ ذَلِكَ فَسَادُ هَذَا المنهجِ، فَهُوَ مُخَالِفٌ للقرآن الكريم، يَقُولُ اللَّهُ عز وجل:{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [المؤمنون: 71].

قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ رحمه الله: "كُلَّمَا جَاءَنَا رَجُلٌ أَجْدَلُ مِنْ رَجُلٍ أَرَادَنَا أَنْ نَرُدَّ مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"

(1)

.

نعم، هَذَا أَمْرٌ لَا يَسْتَقِيمُ؛ فإثبات صِفَاتِ اللَّهِ بالطُّرق العقلية، وَنَفْيُ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ؛ هُوَ فِي الحقِيقَةِ عُدوانٌ، وطريقٌ فاسِدٌ.

ويمكننا أَنْ نَرُدَّ عليهم بأنَّنا نستطيع أَنْ نُثْبِتَ ما نَفَوْهُ بطريق العقل، كما أثبتوا هم ما أثبتوا بطريق العقل، بل بصورةٍ أَفْلَحَ وأَبْلَغَ.

فظُهور صِفة الرَّحْمة فِي المَخْلُوقَاتِ أَبْلَغُ مِنْ ظُهُورِ صفة الإرادة، وَكَذَلِكَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ بالرِّزق، والإمداد، والإعداد، وَفِي جَمِيعِ مَا يَتَمَتَّعُون به، وَهَذَا ثَابِت لِكُلِّ إِنْسَانِ.

أمَّا كونُ البَرْدِ بَرْدًا، والحَرِّ حَرًّا، فَهَذَا لَيْسَ دليلًا قويًّا عَلَى الْإِرَادَةِ، فَدَلالةُ مَا سَبَقَ عَلَى الْإِرَادَةِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ النِّعَم عَلَى الرَّحْمة بلا شك.

أَيْضًا إِذَا نَظَرْنَا لِنَصْرِ اللَّه للطائعين، وفُقْدَانِه للعاصِين، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الحبِّ والكُره، فَلَوْلَا أَنَّهُ يُحِبُّ هَؤُلَاءِ مَا نَصَرَهُم، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُبْغِضُ هَؤُلَاءِ مَا نَصَرَهُم، وهذا معروفٌ، حَتَّى إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَارَ يُبغض أَحَدًا مَا فما نَصَرَهُ، وَلَا أَحِبَّهُ.

إذن: نَصْرُ هؤلاءِ، وإذلالُ هؤُلاءِ دَلَّ عَلَى إِثْبَاتِ المَحَبَّة والبُغض، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ ينكرون، ويقولون: الْعَقْلُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ.

(1)

الإبانة الكبرى، لابن بطة (2/ 507، رقم 582).

ص: 16

فَالحْمْدُ للَّهِ الَّذِي جَعَلَ الحقَّ واضحًا، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يزعُم هَؤُلَاءِ أَنَّ العقل يُنكره، أَوْ لَا يُثْبِتُهُ، إلَّا وجدنا أَنَّ الْعَقْلَ يُثبته كما أثبته الشرعُ.

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تمام قُدْرَةِ اللَّهِ عز وجل؛ وذلك عندما جعل هؤُلاءِ المستضعفين أئمةً، ووارثين لهؤُلاءِ الطُّغاة، وذلك بإرادةٍ مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وليس بِقُدْرَتِهم، فالمسلمون -مثلًا- وَرِثُوا ديار الفُرس والرُّوم بفعلهم وجهادهم، وإرادة اللَّه.

ولكنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَرِثُوا فِرْعَونَ بلا قتالٍ، وَلَا فِعْلٍ منهم، بَلْ كَانَ ذَلِكَ بإرادة اللَّه المَحْضَة فقط، وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِ تعالى:{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ، فاللَّهُ يُيَسِّر لِعِبَادِه مِنَ النَّصْرِ ما لم يَكُنْ فِي مَقْدُورِهم، وَلَا فِي حسابهم.

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنِ استُضِعف لِقِيَامِه بالحقِّ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ العاقبةُ له؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} ، وَإِنْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فغيرُهم دَاخِل فِي الْعُمُومِ اللفظي، إِذَا قُلْنَا {عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} فِي أَيِّ مكانٍ وزمانٍ، أو العُموم المعنوي، وذلك بقياس غَيْرِهِمْ عَلَيْهِم؛ لأن دَلالات العُموم إمَّا لَفْظِيَّة، أو مَعْنَوِيَّة، فالقياسُ الصحيحُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى المَقِيس دلالة معنوية، فحينئدٍ نقول:{عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} إذَا جعلناهم هم بَنِي إِسْرَائِيلَ فقط، فالمستضعفون بقيامهم بِالْحَقِّ مِنْ غَيْرِهِمْ مثلُهم؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُوُل:{سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} [الفتح: 23].

فسُنَّةُ اللَّهِ للخَلق واحدة؛ لِأَنَّهُ سبحانه وتعالى ليس بَيْنه وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَب، أو حَسَبٌ حتَّى يُرَاعِيَهُ، يَقُولُ تعالى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

قد يَقُوُل قَائِلٌ: هناك أُناسٌ استُضْعِفوا بالحَقِّ، وقُتِلوا، أو طُرِدوا، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فأين الْعَاقِبَةُ الَّتِي تزعمون؟

ص: 17

فنقول: إِنَّ العاقبةَ لَا تَكُونُ للشَّخص الجسدِيِّ فقط، بل للشَّخصِ المعنوي، فمَقَالتُه هَذِهِ لَابُدَّ أَنْ تُنصَر.

وانظروا الآنَ إِلَى مَنْ سَبَقَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمْ مِنْ عَالمٍ أُوذِيَ فِي الحَقِّ، سواء قُتِل أَمْ لَا، تجدوا مقالاتِه ما زالت باقِيَةً، ومُنْتَشِرَةً أَكْثَرَ مِنْ غَيرِهِ، وهذا واضحٌ لمِنْ تَأَمَّلَهُ.

إذن: النصرُ لقائل الْحَقِّ فِي حَيَاتِهِ، أَوْ لمقالته بَعْدَ وَفَاتِهِ، والإِنْسَان المجاهد للَّهِ هُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَثْأَرَ لنفسه، بل هَمُّه أَنْ يَبْقَى هَذَا الحَقُّ الَّذِي قَامَ بِهِ، لَا يَهُمُّهُ بقاؤه هُوَ، أَوْ مَمَاتُهُ إِذَا كَانَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، أَمَّا مَنْ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ -وَنَسْألُ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَنا مِنْ ذَلِكَ جَمِيعًا- نَجِدُه يَقُولُ إِذَا أُوذِيَ، أَوْ أَصَابَهُ ضَرَرٌ: أَنَا مَا انتصرتُ.

وَلَكِنْ مَنْ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ لَا يَشْغَلُهُ إِلَّا أَنْ تنتصر الدعوة، ولهذا فإنه يُقاتِل مِنْ أَجْلِهَا. لا بُدَّ مِنْ نَصْرِ الحَقِّ بأسبابه، فإذا أَعْيَتْكَ الأُمور جاء النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بلا سبب.

لكنك مأمورٌ بِسُلُوكِ طريقٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى تُنْصَرَ، وَقَدْ لَا تَنَالُ النصرَ بسبب مخالفتك لهذا الطَّرِيقِ، وتقصيرك فيه، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَسُنت نِيَّتُه حَسُنَ فِعْلُه ونُصِر.

فالأمر هنا يختلف، ومَسائِل هَذَا الْبَابِ مِن أَدَقِّ المَسائِل، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عنها كثيرًا.

فَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ كالكُرة فِي يَدِ غَيْرِهِ، يُقَلِّبُه كَيْفَ يَشَاءُ، أو تذهب به ريحٌ عاصفةٌ بعيدًا جدًّا، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّزِنًا، لا مُتُهَوِّرًا، فإذا تهَوَّرَ، ثم خالفه النصر، فالبلاء مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ.

ص: 18

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيانُ فضائلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ومَناقِبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لقوله:{وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} .

وهنا قد يُشْكِلُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنَّ اللَّهَ تعالى يَقُولُ ذَلِكَ، وفي آيات كثيرة يَذُمُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى بَيَّنَ السَّبَبَ فِي جَعْلِ هؤُلاءِ أئمةً، فَقَالَ تعالى فِي سُورة السَّجْدَةِ:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فحينما كانوا مُتَّصِفِينَ بهذين الوصفين: الصَّبْر واليَقِين، كانوا أئمةً، وَقَدْ أَخَذَ شيخُ الْإِسْلَامِ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ جملةً، فقال

(1)

: "بالصَّبْر واليقِين تُنال الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ".

لَكِنْ لمَّا تخلَّف الصَّبْرُ، وتَخَلَّف اليَقِينُ منهم، صاروا {قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65]، وجاءت الآيَاتُ فِي ذَمِّهم، فالآياتُ لا يُكذِّب بَعْضُهَا بَعْضًا، ولكن هناك أشياءُ تُوجِب تَخَلُّفَ أحكام بعض الآياتِ لِتَخَلُّفِ السبب.

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا اسْتَوْلَوْا على بلاد الكُفَّار مَلكُوها، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تعالى:{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ، يَمْلِكُ مَا وَرِثَ، فَهُمُ الَّذِينَ يجعلهم اللَّهُ الْوَارِثين، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ الأراضي تُملك.

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأراضي لَيْسَتْ مِنَ الْغَنَائِمِ المحضة، فَاللَّهُ تعالى يَقُولُ:{وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم يقول:"أُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي"

(2)

.

(1)

قاعدة في الصَّبْر، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 94).

(2)

أخرجه البخاري: كتاب التيمم، باب رقم (335)، مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، رقم (521).

ص: 19

انظروا هذا التَّقرير هُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تعالى وَرَّث بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْضَ بَنِي فِرْعَونَ وأموالَهم، قَالَ اللَّهُ تعالى:{فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59].

فلو ادَّعى أحدُهم أَنَّ اللَّهَ أخرجَ آلَ فِرْعَوْنَ مِنْ أَرْضِهِمْ، وجعلها مَغْنَمًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ بقوله:{وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} ، وهذا مُعارِضٌ لحديث الرَّسُول، فكيف نُجيب عنه؟

نقول: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يأخذوها بَعْدَ قِتَالٍ، فالغنيمةُ معروفة، إنما أُخِذَتْ عَنْ طَرِيقِ قتال الأعداء، ولكن هَؤُلَاءِ مَا وَرِثُوها بالقتال، بل بِقُوَّةِ اللَّهِ عز وجل الَّتِي لَيْسَ لَهُمْ إِلَيْهَا سَبِيل، فالأراضي والمساكن والكُنوز الَّتِي أَخَذَهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَا تُعَدُّ مِنَ الْغَنَائِمِ، بَلْ هِيَ مِن وَهْب اللَّهِ لَهُمْ بلا قتال.

وَعَلَى هَذَا فَلَا تَعَارُضَ بين الآيةِ وَبَيْنَ قولِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: "أُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلي".

وَلَكِن هَذَا لَا يَنْفِي أَنَّ الغنائم كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي المَاضِي، لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّهَا للمقاتلين، بَلْ كَانَت تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ تحرقها، وَإِنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْغُلُولِ فَلَا تنزل النار.

والحِكْمَة مِن إحراق الغنائم هي قطعُ التَّعَلُّقِ بِهَا نهائيًّا؛ لِأَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ لتَدَاوَلَها النَّاسُ بالبَيْع والشِّراء والانْتِفاع، وصار مِلكًا لهم.

وَمِنَ المَعْرُوفِ أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى يَمُدُّ الأُمة بأشياءَ تستعين بِهَا فِي حَيَاتِهَا؛ فهو يَمُدُّ الإِنْسَان عامَّة بأشياءَ مُعَيَّنة لِأَجْلِ أَنْ يَصِلَ إِلَى الفَضِيلَة.

ص: 20

فالنَّبي صلى الله عليه وسلم يستغفر ربه، مَعَ أَنَّ اللَّهَ قد غَفَرَ له ما تقدَّم مِن ذَنْبِه، وما تأخر، ونحن مأمورون بأن نُصَلِّيَ عليه، واللَّهُ تعالى يَقُولُ:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، فلا يلزم مِن الوُصول إلى الكمال ألَّا يسعى الإِنْسَانُ بأسبابِه.

ولو قال قائلٌ: كيف تَحِلُّ لنا الغنائم ونحنُ أفضلُ الأُمَمِ؟ لماذا لا يُوكَلُ الْأَمْرُ إِلَى مَناقِبنا وفضائلنا؟

فنقول له: هذا مِن نِعْمَة اللَّه علينا، لا لأن نَصِلَ إلى درجة الكمال، ولكنه أَحَلَّ هَذِهِ المَغَانِم حتَّى نستعين بها.

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تمكينُ الْإِنْسَانِ فِي الْأَرْضِ مِنْ نِعْمَةِ اللَّه عليه؛ لقوله: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} [القصص: 6]، لأن هَذَا مِن جُملة ما أنعم به على بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ أَنْ مَكَّنَهُم فِي الْأَرْضِ، فكونُ الإِنْسَان يُمَكَّن له فِي الْأَرْضِ، سواء كان هذا التمكين عَنْ طَرِيقِ سُلطة السُّلطان، أَوْ عَنْ طَرِيقِ سُلطة القُرْآن.

والتَّمكين فِي الْأَرْضِ ليس معناه أن الإِنْسَان يَحكم النَاس؛ ليكون سلطانًا عليهم، لا، بل قد يكون التَّمكين للإنسان فِي الْأَرْضِ بتمكين قوله؛ حتَّى يكون له سُلطان على المُؤمِنينَ.

ولنأخُذْ شيخ الإِسْلام ابن تَيمِيَّة مثلًا، فَقَدْ مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَرْضِ أعظمَ مِن تمكين الوُلاة أنفسهم، فتمكينُ الوُلاة قد انقضى بِمَوْتِهِم، أما ابن تَيمِيَّة رحمه الله فَقَدْ مَكَّن اللَّه له بأنْ جَعَلَ قولَهُ مُعْتبرًا بَيْنَ النَّاس، وما زالت أقوالُه باقيةً حتَّى الآن.

فقَوْلُ مَن قام بالحقِّ لَهُ سُلْطَانٌ وقُوة، وهذا أيضًا جاء به الحديث، بأن اللَّهَ تعالى كما أخبر رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا

ص: 21

فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهَ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ"

(1)

.

أي: يَكُونُ لَهُ قَبُولٌ فِي الْأَرْضِ، ولقوله نَفَاذٌ، وَهَذَا مِنْ تمكين اللَّهِ تعالى فِي الْأَرْضِ، لكن قوله:{وَنُرِىَ فِرعَونَ} هَذَا مِن جُملة الأمثلة على قُدْرَةِ اللَّهِ عز وجل.

الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن فِرْعَون وقومَه كانوا يَحْذَرون مِنْ بَنِي إسرائيل، فأراهم اللَّهُ تعالى ما كانوا يحذرون.

وهنا إشكال، وهو: كيف أراهم اللَّهُ تعالى مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ مَعَ أَنَّهُمْ هَلَكُوا؟

والجواب: أنهم أدركوا ذلك في آخِر لحَظَاتِ حياتهم، وقَبْلَ خُروج الروح، وذلك ظاهِرٌ في قولِ فِرْعَونَ عندما أدركه الغَرَقُ:{آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: 90].

وبعضهم قال فِي قَوْلِه تبارك وتعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 6]: ليس المرادُ الهلاكَ، بل المرادُ بما كَانُوا يَحْذَرُونَ مُنازعة آل فِرْعَون؛ فإن بَنِي إِسْرَائِيلَ لما بُعِث موسى اسْتَقْوَوْا، وقصة السَّحَرَةِ واضحةٌ فيها، لما اجتمعوا واجتمع النَّاس في يومِ عيدِهم، وفي الضحى في رَابِعَةِ النهار، وصارت الهزيمة على آلِ فِرْعَوْنَ، هزيمة حِسِّية ومعنوية: هُزِمُوا حِسًّا بأنَّ عَصَا موسى صلى الله عليه وسلم جَعَلَتْ تَلْقَفُ ما يأفِكُون، وهُزموا معنًى بأَنَّ السحرةَ أنفُسَهُم آمنوا، وصَرَّحُوا للملأ بأنَّ فِرْعَونَ هو الذي أكْرَهَهُم على السِّحْر، وبَيَّنوا أن الرب الحقيقيَّ هو رَبُّ موسى وهارون سبحانه وتعالى فهذه هزيمةٌ معنوية، بالإضافة إلى الهزيمة الحِسِّيَّة.

(1)

أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع جبريل، ونداء اللَّه الملائكة، رقم (7047)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أحب اللَّه عبدًا حببه لعباده، رقم (2637).

ص: 22

وهذا ما غاظَ فِرْعَونَ وهامانَ وجُنودَهما، وهذِهِ آيةٌ عظيمة، فظُهور بَنِي إِسْرَائِيلَ على آل فِرْعَوْنَ في ذلك المجمع العظيم كان له أكبرُ الأثر، فَقَدْ وعَدَهُم موسى عليه السلام بأن يَتَحَدَّاهُم يومَ الزِّينة:{مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ} [طه: 59]، و {يَوْمُ الزِّينَةِ} هو يوم العيد، يتزين النَّاس فيه، {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59]، يُجمَعون في رابعة النهار.

نعم، هذا الموعدُ اقترحَهُ موسى؛ لأَنَّهُ واثقٌ عليه الصلاة والسلام بِأَنَّ اللَّهَ سينصُره، وحَصَلَ هذا الاجتماعُ فِي هَذَا اليوم، وصار فِي الحْقِيقَةِ يومَ عيدٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، ويومَ شَرٍّ وسُوءٍ لفِرْعَون، وهو نظيرُ ما قاله أَبو جهلٍ بَعْدَ ذَلِكَ قَبْلَ غزوة بَدْرٍ:"وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَأْتِيَ بَدْرًا -وَكَانَتْ بَدْرٌ سُوقًا مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ- فَنُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، فَنُطْعِمَ بِهَا الطَّعَامَ، وَنَنْحَرَ بِهَا الْجُزُرَ، وَنَسْقِيَ بِهَا الْخَمْرَ، وَتَعْزِفَ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ، وَبِمَسِيرِنَا فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا بَعْدَهَا أَبَدًا"

(1)

.

ولقد تحقق ذلك بالفعل، وسَمِعَت العربُ بما حَدَث في غزوة بَدر، ولكن انقلب الأمرُ عليهم، فما غَنَّتِ لهمُ القِيانُ، ولكن غَنَّت عليهم! فقد ظهر عَوَارُهم وجَبَرُوتُهم، حتَّى أَعَزَّ اللَّهُ الإِسْلام والمسلمين بعددهم.

نعود لِقصَّة موسى مع فِرْعَونَ، قَالَ تعالى:{وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 56]، نعم، لقد حصل ما كان يَحْذَرُ فِرْعَونُ وآلُه؛ وجعل اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أئمة.

ومن المُفيد أن نذكُر أنَّ الجَعْل له مَعانٍ متعددةٌ، وكلُّ معانيه تعود إلى التصيير فِي الحَقيقة، لكن التصيير هو تصيير المعدوم موجودًا.

* * *

(1)

أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (3/ 33).

ص: 23