الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (86)
* * *
* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [القصص: 86].
* * *
قال المُفَسِّرُ رحمه الله: [{وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} الْقُرْآن {إِلَّا} لَكِنْ ألقِيَ إِلَيْكَ {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا} مُعِينًا {لِلْكَافِرِينَ} عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي دَعَوْكَ إِلَيْهِ].
قوله: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو} في رسم المصحف هناك أَلِفُ وَصْلٍ بَعْدَ واوِ المُضارع {تَرْجُونَ} ، وهي هنا زَائِدَةٌ فِي الرسم، وَلَيْسَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الْكِتَابَةِ فِي عصرنا الحالي، فَحَسَبُ قواعدِ الْإِمْلَاءِ لَا تُكْتَبُ إِلَّا إِذَا كَانَتِ الواو للجماعة، مثل:(قالوا)، فتقع الأَلِفُ بَعدها، أَمَّا إِذَا كَانَتْ واو الفعل فَإِنَّهَا لَا تَكْتُبُ، لكن هَذِهِ الْكِتَابَةُ فِي الْقُرْآنِ كَانَتْ عَلَى الرسم العثماني، فيَرْسُمُونه، سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا للقواعد الحاضِرة أَمْ لَمْ يَكُنْ موافقًا.
قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [{وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ} الْقُرْآنُ].
قوله: {يُلْقَى إِلَيْكَ} أي: يُنَزَّلَ عَلَيْكُ، فمَا كَانَ الرَّسُوُل صلى الله عليه وسلم يرجو هذا، وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِ أنه يُلقى إليه القرآن، فَإِذَا كَانَ لَمْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إليه القرآن، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَلَّمَهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لأن المتعلم للشيء مِنْ غَير لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ
عِنْدَهُ أَمَلٌ في الحصول عليه، حَتَّى يَقَعَ فِي أسبابه ويُحَصِّلَه، أَمَّا شخص لَمْ يَكُنْ يرجو ذَلِكَ إِطْلَاقًا، ولم يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنْ يُلقى إِلَيْهِ الْكِتَابُ؛ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِن عنده، بَلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سبحانه وتعالى.
وقوله: {الْكِتَابُ} نائبُ فاعِل، وَهُوَ الْقُرْآنُ، وكتاب بمعنى مكتوب: ووُصف الْقُرْآنُ بِهِ؛ لأنه مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، مكتوب بِأَيْدِي المَلَائِكَةِ، ومكتوب بأيدي الناس، فهو مكتوب، وَهُوَ فِي أَيْدِي الملائكة، ومكتوب أَيْضًا، وَهُوَ فِي أَيْدِي النَّاسِ، ودليلُه فِي سُورَةِ عبس:{فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ} [عبس: 13 - 15].
قَوْلُه تعالى: {إِلَّا رَحْمَة} قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [لَكِنْ أُلقِيَ إِلَيْكَ] إشارةً مِنْهُ إِلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هنا منقطع، وليس متصلًا؛ لأن المتصل أَنْ يَكُونَ المستثنى مِنْ جِنْسِ المُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّحمَة لَيْسَتْ هِيَ الرجاء، وَلَيْسَتْ مِنْهُ، فالرَّسُول صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَرْجُو ذلك، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ حصل لمجرد الرَّحمَة.
وَأَنَا أَقُول: إِنَّ {إِلَّا} أداة استِثْناء، والاستِثْناء هنا منقطع، {رَحْمَةً} مَنْصُوبٌ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ له، يعني: مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ، أي: ولكن أُنزِل لأجل الرَّحمَة، والرَّحمَة هنا لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ولغيره، قَالَ اللَّهُ تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
قَوْلُه تبارك وتعالى: {مِنْ رَبِّكَ} هنا ذكر الرُّبوبية الخاصة؛ لِأَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام بالرِّسالَة رحمة خاصَّة، وأنه أُلْقِي إِلَيْك الْكِتَابَ:{رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا} .
قوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنّ} لا ناهية، والفِعل بعدها مَبْنِيٌّ عَلَى الفتح؛ لاتصاله
بنون التوكيد، وَهُوَ فِي مَحِلٍّ جزم.
والخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن كيف يُنهَى الرَّسُول صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكُونَ {ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} ؟
بَعْضُ المُفَسِّرِينَ يقول: إِنَّ هَذَا الخطَابَ للرسول عليه الصلاة والسلام، وَالمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ
(1)
:
. . . . . . . . . . . . .
…
إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ
وَقَالَ بَعْضُهُم: بل الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوقوع، لكن هَلْ يَلْزَمُ مِنْهُ جواز الوقوع، بمعنى: أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم {ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} ؟
نقول له: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مستحيلًا، فالنهي عن المستحيل لَهْوٌ.
وَالجوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول: إِمَّا أَنْ نَقُولَ: إنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم لَوْلَا تثبيت اللَّهِ لَهُ لَرَكَن إليهم، كَمَا فِي قَوْلِهِ تعالى:{وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [الإسراء: 74 - 75].
الوجه الثاني: أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الرَّسُول عليه الصلاة والسلام قد يَفْعَلُ الشَّيْءَ مِمَّا هُوَ مظاهرة للكافرين، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مُظاهرة، فنهاه اللَّهُ تعالى عَنْهَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ
(1)
هذا عجُز بيت قاله سَهْل بن مالك الفَزَاري، كما في مجمع الأمثال للميداني (1/ 49)، وصدره:
أصْبَحَ يَهْوَى حُرَّةً مِعْطَارَه