الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (46)
* * *
* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [القصص: 46].
* * *
قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ}: الجَبَلِ، {إِذْ} حِينَ {نَادَيْنَا} مُوسَى: أَنْ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ {وَلَكِنْ} أَرْسَلْنَاكَ {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يَتَّعِظُونَ].
قوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} ، هذا خبرٌ آخَرُ غيرُ الخبر الأول الذي فيه ابتداءُ الوحي؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى بعدما أهلك القرونَ الأُولى وَعَد موسى ثلاثين ليلة، وأتَمَّها بِعَشْرٍ، واختار مَن اختار مِن قومه، ثم ذهب إلَى اللَّه سبحانه وتعالى لمُنَاجَاتِه، وإنزال التَّوراة عليه، يَقُول اللَّه تعالى:{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ} ، {بِجَانِبِ} أي: جهة الطور، أو قُرب الطُّور، والطُّور: هو الجَبل المعروف في سيناء، {إِذْ} حين، أفاد المُفَسِّر رحمه الله بأن {إِذْ} هنا ليست تعليلية، ولكنَّها ظرفية، وهي ظرفٌ لِمَا مضي مِن الزَّمان، و (إذا) ظرف لما يُستقبَل، و (إذن) ظرفٌ للحاضر، وبهذا استُكملت الظروف الثَّلاثَة.
قوله تعالى: {إِذْ نَادَيْنَا} موسى أَنْ خُذِ الكتَابَ بقوَّة، هذا وَهَمٌ مِنَ المُفَسِّر رحمه الله؛ لأَنَّ اللَّهَ تعالى قال لبَني إسرَائيلَ:{خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63]، ودَعْنَا نتأملُ بَعْدُ في قَوْلِهِ تبارك وتعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]، إذن قول المُفَسِّر رحمه الله:[أَنْ خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ] بمعنى أتي بها، وإلَّا فاللَّه يقول:{فَخُذْهَا} أي: الألواح التي فيها التَّوراة {بِقُوَّةٍ} ، يقول: إذن، أمر موسى أن يأخذ الألواح بِقُوَّة.
قوله تعالى: {وَلَكِنْ} أرسلناك {رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} ، اعتدنا أَنَّ قَولَه تعالى:{رَحْمَةً} مفعولُ لِأَجْلِه عامِلُها محذوفٌ، والتقدير: أرسلناك رحمةً، وقوله تعالى:{رَحْمَةً} ليس المعنى أنَّه هو الرَّحْمة، ولكن المعنى: أنه أرسل بالرَّحْمة ليَرحَمَ اللَّه به، فالرَّحْمة مِنَ اللَّه سبحانه وتعالى، وأرسله اللَّه رحمةً، كَمَا قَالَ تعالى في آيَة أخرَى:{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وليس المعنى: وما أرسلناك إلا حالَ كونِك رحمة، ولكن: إلَّا مِن أَجْلِ الرَّحْمة، فبينَ المعنيين فرقٌ.
قوله تعالى: {وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} أضاف الرُّبوبية إلى الرَّسول صلى الله عليه وسلم عَلَى سَبيل التَّخصيص والتشهير، وهذه هي الرَّحْمة الخاصة، وهناك رحمة عامَّة، وفيها دليل، أي في قَوْلِهِ:{مِنْ رَبِّكَ} ، عَلَى أَنَّ إرسال النَّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى الخَلق؛ ليرحموا به أَنَّه مِن الرُّبوبية الخاصة؛ لأنَّ مِن نعمَةِ اللَّه عَلَى العَبد أن يُلْهِمَه الهدى ليَهْدِيَ النَّاسَ به؛ فإنَّ هَذَا في الحَقيقَة مِن أبر النعم، فالنَّبيّ عليه الصلاة والسلام أُوحِيَ إليه ليرحَم الخَلق بما أُوحِيَ إلَيه، وهذا مِن مقتضى الرُّبوبية الخاصة، وَلهَذَا قَالَ:{مِنْ رَبِّكَ} وَلَم يَقُل: مِن رَبّهم، فمعنى {مِنْ رَبِّكَ}: الذي ربَّاك تربية خاصة.
قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ} اللام هنا حَرفُ جَرٍّ؛ لأنَّها داخلةٌ على (أَنْ) المقَدَّرَة، أي: لأَن تُنْذِرَ، ثم تحوَّل إلى مَصدر، فيكون لإنذارك {قَوْمًا} ، فعلى مذهب البصريين تكون اللام حَرف جَرٍّ، وتُنْذِر: فعلٌ مُضارع منصوب بـ (أَنْ) مُضْمَرَة جَوازًا بعد اللام.
وعلى مذهب الكوفيين تَكون اللَّام هي الناصبة، لكنَّ البصريين أَدَقُّ منهم في هَذِهِ الناحية، بل حَقيقَة الأَمر أَنَّ اللام حَرف جَرٍّ، وأنَّ (أَنْ) هي الناصبة مُقَدَّرة، ومُتعلق {لِتُنْذِرَ} المحذوف الذي قدَّره المُفَسِّر رحمه الله [أَرْسَلْنَاكَ].
قوله تعالى: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا} الإنذار هو الإعلام بما يخَاف، والإعلام بما يرغَب يسَمى بِشارة، أو تبشيرًا، وقوله:{قَوْمًا} المراد بهم قريش، وَلَا يَعني ذَلكَ أَنَّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم مبعوث إلَيْهِم خاصَّة، ولكن لأنَّ أوَّلَ مَن أَنْذَرَهُم كانت قريش، وإلَّا فَقَدْ بُعث لهم ولغيرهم، قَالَ تبارك وتعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ} [الفرقان: 1]، مِن قريش وغيرهم.
قوله تعالى: {مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} : {مَا} نافِيَة، و {أَتَاهُمْ} بمعنى: جاءهم، و {مِنْ} حَرف جَرٍّ زائدٌ؛ إعرابًا لا مَعْنًى، و {نَذِيرٍ} فاعلُ (أتى)، يعني: ما جاءهم نذيرٌ، وفائدة زيادة {مِنْ} أنَّ التنصيص على العُموم، في كل الأزمان الماضية ما أتاهم أَحَدٌ يُنذرهم قَبْلَ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وقوله:{مَا أَتَاهُمْ} ، والجملة في محل نَصْبٍ صِفَةٌ لـ {قَوْمًا} .
وقوله: {مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ} قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [وَهُمْ أَهْلُ مَكَّةَ]، هَذَا تَفسير القوم، وَهَذَا لَا يُنافِيه أن إسماعيلَ عليه الصلاة والسلام قد أتاهم قَبْلَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَد يَكون قد طال العهد، حتى انْمَحَتْ رسالة إسماعيل، فصاروا محتاجين إلى نذير، ولم يأتهم نذير، فأتاهم رَسولُ اللَّه عليه الصلاة والسلام بَعدَ أَنِ انقرضت مَعَالِمُ رسالة إسماعيلَ، وإلَّا فلا ريب أَنَّ إسمَاعيلَ مُرْسَل إلَيْهِم؛ لأنَّهُ نبي، ولكنه انقرض، وَلهَذَا كَانَ مِن دعاء إسماعيل وإبراهيم أنهم قالوا:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} [البقرة: 129].
وأجمع المُفَسِّرون عَلَى أَنَّ المرَادَ به محمد صلى الله عليه وسلم، فمنذ إسماعيل إلَى أَنْ بُعِثَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم ما جاءهم نبي، وانقرضت معالِمُ النُّبُوَّة، وكان أَوَّلَ مَن غيَّرها عَمْرُو بنُ لَحْيٍ الخُزَاعِي؛ فإنه هُوَ الَّذي أدخل عبادةَ الأصنام، وأدخل السوائب على العرب، حتى انمحت به الحقيقة.
قوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} : (لَعَلَّ) هَذِهِ للتَّعلِيل، وهي متعلقة بـ (تُنْذِر)، أي: تُنذرهم لأَجْل أَنْ يتذكروا، أي: يَتَّعِظُوا بما جئتَ به، وهذا التَّعلِيل سنذكُره في الفوائد إنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * *