الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (54)
* * *
* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 54].
* * *
قال المُفَسِّرُ رحمه الله: [{أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ} بِإِيمَانِهِمْ بِالْكِتَابَيْنِ {بِمَا صَبَرُوا} بِصَبْرِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا {وَيَدْرَءُونَ} يَدْفَعُونَ {بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} مِنْهُمْ {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} يَتَصَدَّقُونَ].
قوله تعالى: {أُولَئِكَ} إشَارَة إلَى الَّذينَ أُوتوا الكتَابَ مِن قَبلُ فآمَنوا به، ثم آمَنوا بالرَّسُول صلى الله عليه وسلم.
قَوله تعالى: {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ} أي: يُعْطَون أجرَهم، والفِعل مبنيٌّ للمفعول، وهو الواو في قَوْلِهِ:{يُؤْتَوْنَ} وتُعرب نائِبَ فاعل، والمفعول الثَّاني {أَجْرَهُمْ} .
وأما قولُه تعالى: {مَرَّتَيْنِ} ؛ فإنه مفعولٌ مُطلَق، فهو دالٌ على المصدر، لكنه بغير لفظِه، وكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى المصدر بِغَير لَفظِه فهو مفعولٌ مطلق، {مَرَّتَيْنِ} بإيمانهم بالكتابين؛ فهم {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ} مرتين: المرَّة الأُولى: على الإِيمَان بالكتاب السابق، والمرَّة الثَّانية: عَلَى الإيمَان بالقُرْآن.
وأما أَهل الجاهليَّة الذي آمنوا بالقُرْآن فيُعطَون أجرهم مرة واحدة؛ لأَنَّهم آمَنُوا به فقط، وقد ثبت بهذا الحديث عَنِ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام كما في حديث هِرَقْلَ:
"أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ"
(1)
.
إضافة لهذه الآية ذَكَر الذين {يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} ، فقال:"ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: الرَّجُلُ تَكُونُ لَهُ الأَمَةُ، فَيُعَلِّمُهَا فَيُحْسِنُ تَعْلِيمَهَا، وَيُؤَدِّبُهَا فَيُحْسِنُ أَدَبَهَا، ثُمَّ يُعْتِقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَمُؤْمِنُ أَهْلِ الكِتَابِ، الَّذِي كَانَ مُؤْمِنًا، ثُمَّ آمَنَ بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالعَبْدُ الَّذِي يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ"
(2)
.
قَوله تعالى: {بِمَا صَبَرُوا} الباء للسَّببية، و (ما) مَصْدَرِيَّة، وعلامة المَصْدَرِيَّة أنها تُحَوِّل ما بَعْدَها إلى مَصْدَر، فتكون -كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله لِصبْرِهِم.
وَلَا يَصحُّ أَنْ تَكونَ (ما) هنا موصولةً، فلو كانت موصولَةً لَكَانَتْ عَلَى تَقدير الضَّمير: بالذي صَبَرُوه، وَهَذَا لَا يستقيم.
فإذن: يَتَعَيَّنُ هنا كونُها مَصْدَرِيَّة، أي: بِصَبْرِهِم، وَهُوَ أَحَدُ مَحَامِل (ما) العَشَرَة، نَذْكُرُها هنا للفائدة، جُمِعَتْ في بَيْتٍ واحدٍ مِنَ الشِّعْر:
سَتَفْهَمُ شَرْطَ الوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنكْرِهَا
…
بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُ مَصْدَرِ
وقوله: {بِمَا صَبَرُوا} أي: بِصَبْرِهم على العَمَل بهما، وهذا الصَّبْر عَلَى العَمَل بهما هو مِن بَاب الصَّبْر على طاعة اللَّه، ومن باب الصَّبْر عن معصية اللَّه، ومن باب الصبر عَلَى أقدار اللَّه؛ فهُم صَبروا عَلَى طَاعَة اللَّه؛ فإن الشرع فيه أوامرُ شاقَّةٌ على
(1)
أخرجه البخاري: كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، رقم (7)، ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم هرقل، رقم (1773).
(2)
أخرجه البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين، رقم (3011)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الناس، ونسخ الملل بملته، رقم (154).
النُّفُوس تَحتَاج إلَى المعالجة، فهذا صبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وفي الشَّرائِع نَوَاهٍ نُهِيَ عنها، قد يَشُقُّ على النفس تركُها، ففيها صبرٌ عن مَعصيَة اللَّه.
كذلك أَيْضًا في الشَّرائِع إيذاء؛ فإنَّ المجرمين يُؤذُون المُؤمِنينَ، وربما يَضْرُبونَهم، وربما يقتلونهم، وهذا صَبْرٌ عَلَى أقدار اللَّه المؤلمة.
فعلى هَذَا يَكون الصَّبر عَلَى الشَّرائِع يتضمن الصَّبْر بأنواعه الثَّلاثَة: الصَّبر عَلَى طَاعَة اللَّه، وعن معصيته، وعلى أقدارِه مؤلمة.
وأصلُ الصَّبْر في اللُّغَةِ الحبسُ، ومنه قَولُهم: قُتِل فلانٌ صَبْرًا، أي: محبوسًا على القتل، أُمْسِكَ وقُتِل، فمعنى الصَّبْر: حبسُ النَّفْسِ، والنَّفْسُ تَحتَاج إلَى حَبْسٍ عَلَى طَاعَة اللَّهِ سبحانه وتعالى؛ لأنَّهُ كَمْ مِن إنسانٍ يَقولُ لَهَ ضميرُه: افعل كَذَا مِنَ الطاعة، وربما يفعل بعضَها، ثم يَعْجِزُ، فلا يَصْبرُ نَفْسَهُ، وكذلك بالنِّسبة للمعاصي؛ فإنَّ النفس المطمئنةَ تَزْجُرُ المرءَ عن المعصية، ولكن تأتيه النفسُ الأمَّارةُ بالسُّوء فتأمُرُه بالمعصية، وحينئذ تتصارع النَّفْسان، والتوفيقُ بِيَدِ اللَّهِ عز وجل.
كذلك بالنِّسبة للأقدار؛ مِنَ النَّاس مَن لَا يَصْبِرُ على الأَقْدَار، بَل إذَا نَزَلَ به القَدَر يُمكن أَنْ يَكْفُرَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عز وجل:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].
فإنَّ بَعضَ النَّاس قَد لَا يصبر على الأَقْدَار المؤلمة ويَقْنَطُ، وهناك مِنَ النَّاس مَن إذا ابتُلي بمصائبَ انْتَحَرَ، فهؤُلاءِ لم يصبروا على الأَقْدَار، فَقَتلُوا أنفُسَهم، ليعَذَّبوا بما قَتَلُوا به أنفسهم في نار جَهَنَّم، ويُخَلَّدون فيها، كما جاء في الحديث: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تحسَّى
سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا"
(1)
.
لكن الصَّبر عَلَى الأَقْدَار المؤلمة أمرٌ يُمكن للإنسَان أَنْ يصبرَ عليه، ويُحاسب نَفْسَهُ حتى يستقيم.
والصَّبْر عَلَى طَاعَة اللَّه أفضلُ وأعلى وأَكْمَلُ مِن الصَّبرِ عَنِ المعصية، لأَنَّ فيه جهادَين: جهادًا على العَمَل، وجهادًا على تحَمُّل العَمَل، ثم الصَّبر عَنِ المعصية؛ لأنَّهُ جهادٌ واحِدٌ، عَلَى تحَمُّل تَرْكِه، فَلَيسَ فيه عَمَلٌ، يقال: لا تَزْنِ، لَا تَزْنِ. ما أُمِرْتَ وكُلِّفْتَ بفعل شيء.
والصَّبْر على الأَقْدَار المُؤْذِيَة، أو المؤلمة هو أدناهُ؛ لأنَّهُ صَبْرٌ على مَا لَا اختيارَ للمرء فيه، كَمَا قَالَ بعضُ السَّلَف:"العاقِلُ يَفعل في أول يومٍ مِن المُصيبة ما يَفْعَلُه الجاهِلُ بَعْدَ أيامٍ، ومَنْ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرَ الكِرَام سَلا سَلْوَ البهائم"
(2)
.
كُلُّ إنسَانٍ إذا أُصِيب بمُصِيبة، وطال عليها الزَّمَن، فإنه ينسى.
ولهذا كان صبرُ يُوسُفَ على تَرْكِ الزنا بامرأةِ العَزيز أَكْمَلَ مِن صَبْرِهِ عَلَى مَا حَصَلَ مِن قَضِيَّة إخوانِه له بلا رَيْبٍ، وَلهَذَا قَالَ اللَّهُ تعالى:{كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، وَلَم يَقُلْ مِثْلَ هَذَا حِين أَلْقَوْه في غَيَابَةِ الجُبِّ.
(1)
أخرجه البخاري: كتاب الطب، باب شرب السم والدواء به وبما يُخاف منه والخبيث، رقم (5778)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأن من قتل نفسه بشيء عُذِّبَ به في النار، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، رقم (109).
(2)
تسلية أهل المصائب، لمحمد بن محمد بن محمد، شمس الدين المنبجي (ص 29).
فالصَّبْر على الأَقْدَار أعظمُ، فقد يُصِيبك ما يؤلمك، لكنه شيء بغير اختيارك، أما المعاصي فَقَدْ ترَكْتَها باختيارك، تستطيع أن تفعَلَها، ولكنك ما فَعَلْتَ، أَمَّا البلاءُ، فلا تستطيع له دفعًا، فالصَّبْر والاستسلام للشرع أفضلُ مِنَ الاستسلام للقَدَر، الاستسلام للشرع هُوَ الَّذي يُمْدَح عليه الإِنْسَانُ، ويُثنَى عليه، لكن الاستسلام للقَدَرِ يتساوى فيه كُلُّ النَّاس، أَمَا تسمعُ قَوْلَ الشاعر الجَاهِلي
(1)
:
وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ
…
أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
وحتى الكُفَّار، فإنَّ أفعالَهم تُنْزِلُ بهم المصائبَ، وَلَكن لَا يَهْتَمُّ بها ويصبر، وهو كافِرٌ، ولا يَرْجُو بذلك الأجرَ والثوابَ.
وقد يَقولُ قَائِلٌ: الإنسَانُ قَدْ يَكون تمَرَّنَ على الطاعة، فصارت عليه سهلةً، ولكن المصائب لم يَتَمَرَّنْ عليها، فيجزع لذلك.
فنقول: لا، قد يَتَمَرَّنُ عليه إذَا أصيبَ في ابنٍ أَوْ في غيره، حتى العِبادة، مِثل الحَجِّ، لا يأتي إلا مَرَّة وَاحدَةً في العُمر، وَمَعَ ذَلكَ يُعْتَبَر صَبْرًا عَلَى الطَّاعَة مع مَشَقَّتِه البَدَنِيَّة، والمالية، والأمنية.
أما مسألةُ الوقوع، وعدمُ الوُقوع، فهذا شَيءٌ آخَرُ.
وهناك فَرقٌ بَينَ مَن يُكابِد الطاعة، ويجد في نَفْسِه مَشَقَّةً في مُعالجتها، وآخَرَ قد تَمَرَّنَ عليها، فصارت سهلةً عليه، فالأولُ أَشَقُّ عَمَلًا، والثَّاني أكملُ حالًا؛ لأن الطاعةَ صارت غَرِيزَةً مِن مَحَبَّتِه لها، وسُهولَتِها عليه، لكن الأول أَشَقُّ عملًا، فيُعطَى هذا أجرَ الكُمَّل، وذاك يُعطَى أجرَ الصابرين.
(1)
البيت لأبي ذؤيب الهذلي، كما في جمهرة أشعار العرب (ص 536).
والعلماء مختلفون في هَذِهِ المسألةِ، أَيُّهم أفضلُ؟ ولكنِ الصَّوابُ هذا التفصيلُ، فيُقال: الذي يَفْعَلُ الطاعةَ، وهي سَهْلَةٌ عليه، ويَنْقَادُ لها دُونَ مُكَابَدَةٍ، هذا -لَا شَكَّ- أنه أَكْمَلُ حالًا مِن الأول، والثَّاني أَشَقُّ عليه، فيُعْطَى الأجْرَ على قَدْرِ المَشَقَّةِ النَّفْسِيَّة.
قوله تبارك وتعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} أي: يَدفعون {بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} ، و {السَّيِّئَةَ} مفعول به، والباء في قَوْلِهِ تعالى:{بِالْحَسَنَةِ} باء الآلَة، كَقَوْلِك: ذبحتُ بالسِّكِّين، وضربتُ بالعَصَا.
فهنا: دارئ، ومَدْرُوء، ومَدْروءٌ به، والدَّارئ في الآيَة: العامِلُون، والمَدْرُوءُ: السيئةُ، والمَدْرُوءُ به: الحسَنَة، فالحَسَنَةُ لهم بِمَنْزِلَة الآيةِ التي يَتَوَصَّلُون بهَا إلَى غَرَضِهم.
يقول المُفَسِّرُ رحمه الله: [بالسَّيّئَةِ مِنْهُمْ]، فإذا فعلوا سَيِّئة أتَوْا بَعْدَهَا بِحَسَنَةٍ، فاندفعتِ السيئةُ.
والحسنةُ التي تَدْرَأُ السيئةَ تَنقَسِم إلَى قِسمَين: قِسم يُزيل السيئة مِن بَاب المقابلة، وقِسم آخَر يُزِيل السيئة مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، فإن كانت الحسنةُ المدروءُ بها السيئةَ مِن بَابِ التوبة، فهو مِن بَاب المَحْوِ والإزالة، وَإن كَانَت حسنةً أخرى، كَمَا لَو دَفَع السيئاتِ بالصلاة، كما في قَولِه تعالى:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114]، فهذا الدَّرْءُ مِن بَاب المقابلة، أَيْ: إِنَّ ثواب الحَسَنَة يُقابَل بعُقُوبة السيئة مِن بَابِ الموازَنَة؛ فإذا رَجَحَ ثوابُ الحسَنَةِ انْمَحَتِ السيئةُ، وإِلَّا فلا.
والأوَّلُ أكملٌ؛ لأَنَّه إذَا حَصَل صارتِ الحسنةُ الثَّانيةُ زيادةَ رِفْعَةٍ في الدرجات، وليست بمقابَلة بالسيئة.
ثُمَّ إنه إذَا كَانَ الدَّرْءُ مِن بَاب المقابَلة، فَقَدْ تَضْعُفُ الحسنةُ الثَّانيةُ عن مُقَابَلَةِ السيئة، فصار الدَّرْءُ بالتوبة أكملَ مِنَ الدَّرْءِ بِفِعْلِ حَسَنَةٍ أُخْرَى تُقابِل السيئةَ، وكلا الأمرين يَحْصُلُ به الدَّرْءُ.
وقول المُفَسِّر رحمه الله: [مِنْهُمْ] كلامُه هَذَا -حَقِيقَةً- وَجِيهٌ، لَكن لَو قلنا: إنها أَعَمُّ، وإنهم يَدْرَؤُونَ بالحَسنةِ السيئةَ، منهم ومِن غَيْرِهِم، أي: إذا أُسِيءَ إلَيْهِم دَفَعُوا الإساءةَ بالإِحْسَانِ، فيكونُ هنا ثَنَاءٌ عليهم مِنْ حيثُ معاملتهم مع الخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ تعالى:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34 - 35].
وَعَلَى هَذَا، فنَحْمِلُ الآيَة عَلَى المَعْنيَيْنِ:{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} بالنِّسبة لمِا يَقَعُ منهم في عِبَادَة اللَّه، {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} بالنِّسبة لمَا يَقَعُ مِن غَيْرِهِم في المعَامَلَة.
قال الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لما سأله الرَّجُل عن إنسان يأتي ليَأْخُذَ ماله قال: "فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: "قَاتِلْهُ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: "فَأَنْتَ شَهِيدٌ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: "هُوَ فِي النَّارِ"
(1)
.
فلذلك فإنَّ قَوْلَ المُفَسِّر رحمه الله في تفسير قَولِه تعالى: {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} : [مِنْهُمْ] مِنَ الصَّوابِ أَنْ نَجْعَلَهُ أَعَمَّ، أي: مِنهم في مُعَامَلَتِهم مع اللَّه، ومِن غَيرهم في مُعَامَلَتِهم مَعَ الخَلق.
(1)
أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من قصد أخذ مال غيره بغير حق، كان القاصد مهدر الدم في حقه، وإن قتل كان في النار، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد، رقم (140).
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [يَتَصَدَّقُونَ]، ويُهدون أيضًا، وليس لازمًا أَنْ يتصدَّقُوا فقط؛ لأن الهَدِيَّة قَد تَكون محمودةً إذَا كَانَ الغرضُ منها جَلْبَ المَوَدَّةِ، قال رَسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"تَهَادُوا تَحَابُّوا"
(1)
.
الشاهد أَنَّ قَولَه: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} بمعنى: أعطيناهم، فالرِّزق بمعنى العَطاء، ومنه قَولُه تعالى:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} [النساء: 8]، أي: أَعْطُوهم، فالرزق بمَعنَى العَطَاء.
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} : (مِنْ) هنا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لأنَّ إنفاقَ المالِ كُلِّهِ مِن الأُمُور المحمودة، فَقَدْ حَثَّ النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام قال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا
(2)
.
فإذا جعلنا (مِن) لِبَيَانِ الجِنس، فيَشْمَلُ بَذْلَ المال كُلِّه، أو بَعْضِه، يعني: قد يَكونُ مِنَ الخير بَذَلَهُ كُلَّه.
وقد يَكونُ مِنَ الخِير بَذْلُ بَعْضِه حسَب الحال الذي أُنْفِقَ فيها.
وقوله تعالى: {يُنْفِقُونَ} الإنفاق بمعنى البَذْلِ، لا بمعنى الصَّدَقة، لكن
(1)
أخرجه البخاري في الأدب المفرد (1/ 208، رقم 594)، والبيهقي (6/ 169، رقم 11726).
(2)
أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب في الرخصة في ذلك، رقم (1678)، والترمذي: كتاب المناقب، بعد باب مناقب أبي بكر الصديق رضي الله عنه واسمه عبد اللَّه بن عثمان ولقبه عتيق، رقم (3675)، وقال: حديث حسن صحيح.