المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الآية (73) * * *   * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ - تفسير العثيمين: القصص

[ابن عثيمين]

فهرس الكتاب

- ‌تقديم

- ‌(الآيات 1 - 3)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (4)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (5، 6)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (7)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (8)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (9)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (10)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (11)

- ‌الآية (12)

- ‌الآية (13)

- ‌الآية (14)

- ‌الآية (15)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (16)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (17)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (18)

- ‌الآية (19)

- ‌الآية (20)

- ‌الآيتان (21، 22)

- ‌الآية (23)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (24)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (25)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (26)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (27)

- ‌الآية (28)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (29)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (30)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (31)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (32)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (33)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (34)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (35)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (36)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (37)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (38)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (39)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (40)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (41)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (42)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (43)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (44)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (45)

- ‌الآية (46)

- ‌الآية (47)

- ‌الآية (48)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (49)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (50)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (51)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (52)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (53)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (54)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (55)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (56)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (57)

- ‌الآية (58)

- ‌الآيات (59 - 64)

- ‌من فوائد الآيات الكريمة:

- ‌الآية (65)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (66)

- ‌الآية (67)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (68)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (69)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (70)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآيتان (71، 72)

- ‌من فوائد الآيتين الكريمتين:

- ‌الآية (73)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (74)

- ‌الآية (75)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (76)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (77)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (78)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (79)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (80)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (81)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (82)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (83)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (84)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (85)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (86)

- ‌من فوائد الآية الكريمة:

- ‌الآية (87)

- ‌الآية (88)

الفصل: ‌ ‌الآية (73) * * *   * قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ

‌الآية (73)

* * *

* قَالَ اللَّهُ عز وجل: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 73].

* * *

قال المُفَسِّرُ رحمه الله: [{وَمِنْ رَحْمَتِهِ} تَعَالَى {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ} فِي اللَّيْلِ {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} فِي النَّهَارِ لِلْكَسْبِ {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} النِّعْمَةَ فِيهِما].

قوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ} أي: جعل الوقوع متعلقًا بقوله: {جَعَلَ} ، يعني: وَجَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ.

وقوله: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ} : {وَمِنْ} هنا للسببية، أي: بسبب رحمته، وما اتَّصَفَ بِهِ سبحانه وتعالى مِنَ الرَّحمَة، والرَّحمَة صفةٌ حقيقيةٌ ثابتة للَّهِ عز وجل، وَهِيَ غَيْرُ إرادةِ الإنعام، وغيرُ الإنعام.

فأهلُ السُّنة والجماعة يقولون: إن الرَّحمَةَ صِفة حقيقية ثابتة للَّهِ عز وجل، لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقِ.

وأما الأشاعرةُ فيُحرِّفون مَعْنَى الرَّحْمَةِ إِلَى أَنَّهَا الإنعامُ أَوْ إِرَادَةُ الإنعام، فيُفَسِّرونها بِالْفِعْلِ، وَهُوَ الإنعام، أَوْ إِرَادَتِهِ؛ لأنهم يُثبِتون الإرادة، وهي صِفة معنوية، وقد مَرَّ علينا أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنَ الصِّفَاتِ إِلَّا سَبْعَ صفات؛ منها: الإرادة، فيفسِّرون الرَّحمَة بإرادة الإنعام؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ دَلَّ عليها السمع والعقل، وَهُمْ لَا يُثْبِتُونَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ

ص: 323

إِلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، فَأَمَّا مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ أوَّلوه.

ولكننا نَقُولُ: هَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ تحريف، لكن أين دَلِيلُ الْعَقْلِ عَلَى الْإِرَادَةِ؟ يقولون: إنَّ العقل يَدُلُّ عَلَى الْإِرَادَةِ بواسطة تخصيص المخلوقات، فَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ المخلوقات خُصِّص بشيء، هَذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ قاسيًا، فصار قاسيًا، وَهَذَا يَكُونُ لَيِّنًا فصار لَيِّنًا، وَهَذَا يَكُونُ طَوِيلًا، فيكون طويلًا، وهذا قصير، فيكون قصيرًا، إِلَى آخِرهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةٍ، أي: إن الْأَمْرَ لَا يَخْلُو مِن إرادة.

وبالنسبة للرحمة قالوا: نُؤوِّلها؛ لأن الرَّحمَة عِبَارَةٌ عَنِ رِقَّة تعتري القلب، وتُوجِب الحُنُوَّ عَلَى المرحوم.

فَنَقُولُ لهمْ: هذه الرَّحمَة التي ذكرتُم إِنَّمَا هِيَ رحمةُ المخلوقين، ونحن نُثبت للَّه رحمةً لَا تُشْبِهُ رحمةَ المخلوقين، ثم إننا نستدلُّ على الرَّحمَة بالعَقل كما استدللتم عَلَى الْإِرَادَةِ بالعقل، فكَم للَّهِ سبحانه وتعالى عَلَيْنَا مِنْ نِعَمٍ لَا تُعَدُّ ولا تُحصى، وكَم للَّهِ تعالى مِن تفريج كُرُبَاتٍ لَا تُعَدُّ، ولا تُحصى.

والأمر المقتضي لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لجلب النِّعَم، ودَفْعِ النِّقَمَ هو الرَّحمَة؛ لأن القاسِيَ الَّذِي لَا يَرحَم لا يجلب النِّعْمَةَ، وَلَا يَدْفَعُ النِّقْمَةَ.

فإذن: الاستدلالُ بالحوادث الَّتِي فِيهَا جلبُ النعمِ، ودفعُ النِّقَمَ أظهرُ وأبينُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بالتَّخصيص عَلَى الْإِرَادَةِ؛ لأن دَلَالَةَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْإِرَادَةِ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا أفرادٌ مِنَ النَّاسِ، لكن دلالة جَلْبِ المَنَافِعِ، وَدَفْعِ النِّقَمَ على الرَّحمَة كلُّ الناس يفهمونها، حتى الْعَامِّيّ فِي سُوقه إِذَا رَأَى رَجُلًا قاسيًا عَلَى أَوْلَادِهِ -مثلًا- قال: هَذَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ رحمة. وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ -مثلًا- دائمًا يجلب لهم الخير، ويدفع عنهم الشَّرَّ، قال: هذا إنسان رحيم.

ص: 324

فإذن: دَلالة الْعَقْلِ عَلَى الرَّحمَة أَقْوَى مِن دَلَالَتِهِ عَلَى الْإِرَادَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ هم يثبِتون الإرادة، ولا يثبتون الرَّحمَة، فهنا يقولون: مِنْ رَحْمَتِهِ أي: مِن إنعامه.

قَوله تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ} مِن للسببية، {رَحْمَتِهِ} هي صِفَتُه الَّتِي اتصف بها أزلًا وأبدًا، قَالَ تعالى:{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1]، وقرَن رُبوبيته بِذَلِكَ فَقَالَ:{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [لفاتحة: 2]، {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذِهِ الرُّبوبية كُلَّها رُبوبيةُ رحمةٍ، لَا رُبُوبِيَّة انتقامٍ وغِلظةٍ، فكيف نُنكِر هَذِهِ الصِّفَةَ العظيمةَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، ونُثْبِتُ مَا هُوَ دُونها؟ ! وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَنَاقُض المُعَطِّلين مِن الأشعرية والمعتزلة وغيرِهم؛ لأنهم يتناقضون فيُثبتون للَّه مِنَ الصِّفَاتِ ما يدُّل الْعَقْلُ عَلَى إِثْبَاتِ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، ويُنكرون مِنَ الصِّفَاتِ مَا يَدُلُّ الْعَقْلُ عَلَى إِثْبَاتِهَا.

قَوْلُه تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ} ، بمعنى: خَلَق، وليست بِمَعْنَى صَيَّرَ، وَلِهَذَا لَمْ تنصب مفعولين.

قَوْلُه تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} أي: ليلٌ ونهارٌ يتعاقَبان بَيْنَكُمْ عَلَى النَّاسِ.

قَوْلُه تعالى: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [فِي اللَّيْلِ، {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} فِي النَّهَارِ مِنْ كَسْبٍ].

قوله: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} اللام للتَّعلِيل، أي: لِأَجْلِ أَنْ تَسكنوا فيه، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ المعلول وُجُودِ الْعِلَّةِ إِذَا لَمْ تَكُنِ العلة مؤثِّرة، مِثْلَ قَوْلِهِ:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، فهَذِهِ عِلَّةٌ غائيَّة، والعِلة الغائيَّة لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ المعلولِ وجودُها، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الخَلق وُجود العبادة.

فمَثلًا: قد يَكُونُ هُنَاكَ بَعْضُ النَّاسِ لَا يسكنون فِي اللَّيْلِ، فرَجُل مَعاشُه بالليل

ص: 325

كالحُرَّاس، وآخَرُ لَهْوُه بالليل، كأصحاب البَطَالة الذين ينامون النهار، ويسهرون الليل، ولكن وجود المعلول إِذَا كَانَتِ العلة غائيةً، فلَا يَلْزَمُ مِنْهُ وجودُ العلةِ، كَمَا لَوْ قُلْتُ: قدَّمْتُ لك هذه البعير لتركب عليه، فقَدْ تركب، وَقَدْ لَا تركب، أو أعطيتُك القَلمَ لِتكتبَ به، فربما تكتب، وربما لَا تَكْتُبُ.

وقوله تعالى: {لِتَسْكُنُوا فِيهِ} أي: فِي اللَّيْلِ، يعني: تستريحون، {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} تبتغوا، أي: تطلُبون، وقوله:{مِنْ فَضْلِهِ} أي: مِن عطائه ورزقِه.

وَفِي الآيَةِ هنا ترتيب ولَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب، فقد بدأ بالليل، وقَدَّمَ منفعته السكون، وَهَذَا فِي اللَّيْلِ فِيهِ لَفٌّ ونَشْرٌ مُرَتَّب.

قَوْلُه تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} : (لَعَلَّ) هَذِهِ للتَّعلِيل، أَوْ لِأَجْلِ أَنْ تشكُروا اللَّهَ سبحانه وتعالى عَلَى نِعْمَتِهِ، فهنا ذَكَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى العِلَّتيْن: الشرعية والقدَرية، أمَّا القدَرية، فَهِيَ فِي قَوْلِهِ:{لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} ، والعِلَّة الشَّرْعِيَّةُ فِي قَوْلِهِ:{وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ، أي: تشكرون اللَّهَ سبحانه وتعالى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ تعاقُب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تَتبَيَّن بِضدِّها، وَلَوْ كَانَ اللَّيْلُ سَرْمَدًا، والنهار سَرْمَدًا، ما استراح أحدٌ بِلَيْلٍ، ولا ابتغى الفضل بالنهار، ولكنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى جَعلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الراحة، مَعَ أَنَّ هُنَاكَ فوائدَ أُخْرَى غَيْرَ ذَلِكَ ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، قَالَ تعالى:{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62]، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيح:"إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَبِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ"

(1)

.

(1)

أخرجه مسلم: كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، رقم (2759).

ص: 326

فالحاصِلُ: أَنَّ فِي تعاقُب اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فوائدَ عظيمةً تستوجب أن نَشْكُرَ اللَّهَ سبحانه وتعالى عليها.

واعْلَمْ أنَّ الشكر يكون بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ والجوارح؛ أما الشُّكر بالقلب فَهُوَ أَنْ يعترف الإنسانُ بِقَلْبِه بِأَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ مِن اللَّهِ عز وجل وَحْدَهُ، يعترف اعترافًا كاملًا، حتى لَوْ أَنَّ هَذِهِ النِّعَمَ جاءت عَنْ سَبَبٍ، فليعتقد أَنَّ السَّبَبَ مِنَ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي أوجده، فحَصَلَتْ بِهِ هَذِهِ النِّعَمُ.

وأما الشُّكر باللسان، فإنه الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تعالى بِمَا يستحِق، سَوَاءٌ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، أَوْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الشكر.

وَعَلَى هَذَا، فقول الإنسان: سبحان اللَّهِ، وَالحمْدُ للَّه، وَاللَّهُ أَكْبَرُ. يُعتبر شكرًا، وقوله حينما يأكل طَعَامًا أَوْ يشرب شرابًا: الحمد للَّه يعني: عَلَى هَذَا الطَّعَامَ أَوِ الشراب، يُعتبر أَيْضًا مِنَ الشكر.

أما الثالث -وَهُوَ الجوارح- فَهُوَ أَنْ يقوم الإنسان بِطَاعَةِ اللَّهِ، سواء تتعلق بهذه النعمة أَمْ لَا، فيستعين بهذه النعمة عَلَى طَاعَتِهِ، أَوْ يَفْعَلَ الطاعةَ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بهذه النعمةِ، قَالَ الشَّاعِر

(1)

:

أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلَاثَةً

يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا

فالشُّكر بالجوارح فِي قَوْلِهِ: يدي. والشكر باللسان فِي قَوْلِهِ: ولساني: والشكر بالقلب فِي قَوْلِهِ: الضَّمير المحجبا.

إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ذكرتُم أن الشكرَ باللسان هو الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ سبحانه وتعالى، سَوَاءٌ

(1)

البيت في الفائق في غريب الحديث، للزمخشري (1/ 314) بلا نسبة.

ص: 327